لماذا اعتبرت إيران احتجاجات العراقيين الشيعة "مؤامرة"؟!

لماذا اعتبرت إيران احتجاجات العراقيين الشيعة "مؤامرة"؟!
10772
عدد القراءات

2019-10-06

اعتبرت إيران أنّ الاحتجاجات الأخيرة التي يشهدها العراق، منذ الثلاثاء الماضي، هي مؤامرة صهيونية وتدعمها أمريكا والتكفيريون، على حدّ قول مسؤولين إيرانيين، من بينهم عضو هيئة رئاسة مجلس خبراء القيادة في إيران، عباس كعبي، والمساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى (البرلمان الإيراني) للشؤون الدولية، حسين أمير عبد اللهيان.

اقرأ أيضاً: العراقيون في مواجهة إيران وأحزابها
قد يكون هناك دوافع عديدة تجعل إيران تفسّر الاحتجاجات الشعبية العراقية على أنّها "مؤامرة" يقودها مُندَسّون، ومن بين تلك الدوافع والأسباب المحتملة:
أولاً، أنّ هذه الاحتجاجات الشعبية وقعت في مناطق يغلب عليها السكان الشيعة، في بغداد والجنوب.

استمرار الاحتجاجات سيجعل إيران تدفع باتجاه مزيد من الحلول الأمنية القاسية بحق المتظاهرين لتفكيك حراكهم وإفشاله

ثانياً، لم يعلن أي حزب سياسي أو زعيم ديني عن أبوّة هذه الحركة الاحتجاجية، وهي اعتبرت احتجاجاً على النخبة العراقية التي جاءت مع العراق الجديد، في العام 2003.
ثالثاً، أنّها احتجاجات واسعة غير طائفية، وتأتي في وقت تحتاج فيه إيران إلى إظهار أنّ الجبهات التي لدى إيران نفوذ فيها (العراق، سوريا، لبنان، اليمن) هي في صفّ واحد وموّحد مع إيران ضد الضغوطات الأمريكية والمطالب الخليجية لإيران بأن تكفّ عن سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
إذا صحت هذه الدوافع والأسباب فإنّ استمرار هذه الاحتجاجات سيجعل إيران ترغب وتدفع باتجاه مزيد من الحلول الأمنية القاسية بحق المتظاهرين؛ من أجل تفكيك حراكهم وإفشاله عبر استخدام "القوة المفرطة" (بحسب وصف الأمم المتحدة للاحتجاجات) ضدهم. ومن السيناريوهات الواردة في هذا السياق، أن يُصار إلى إدخال "عناصر" بين المتظاهرين تقوم بأعمال عنف لحرف المسار السلمي للاحتجاجات، وبالتالي إضعاف شرعيتها، ومن ثم تسويغ استخدام القبضة الأمنية في إنهائها. ومن الوارد أن يُقدِم رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، على إجراء تغييرات وزارية أو مؤسسية وتقديم بعض التنازلات لاحتواء الاحتجاجات.
 لم يعلن أي حزب سياسي أو زعيم ديني عن أبوّة هذه الحركة الاحتجاجية

احتجاجات مختلفة... لماذا؟
ومع أنّ مطالب المحتجين تراوحت بين انتقاد قصور خدمات الدولة ونقص الوظائف، كما تقول "رويترز"، فإنّ رئيس الوزراء عبد المهدي، لا يتحمّل وحده التركة الثقيلة التي آلت إليه من الحكومات السابقة. غير أنّ مرور نحو عام على حكومته دون تحقيق إنجازات على مستوى الخدمات دفع بالمتظاهرين إلى الشارع. وتذكر "رويترز" أنّ هذه الاحتجاجات تمتاز بأنّها ليست طائفية؛ فقد سعى أغلب العراقيين لتحاشي الشعارات الطائفية بعد التجربة المريرة التي تمثلت في ظهور تنظيم داعش، وذلك برغم بقاء بعض التوترات الطائفية.

اقرأ أيضاً: انتفاضة العراق.. من يقف وراء كل هذا الدم المراق؟
وتدور الاحتجاجات حول تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتحدث وقائعها أساساً في بغداد والجنوب، الذي يغلب عليه الشيعة، لكن تتداخل فيها خطوط عرقية وطائفية، كما أنّ الغضب موجّه لطبقة سياسية لا لطائفة بعينها، وفقاً لـ "رويترز"، التي أضافت بأنّ ذلك يتناقض مع الاحتجاجات التي وقعت في العامين 2012 و2013 واستغلها تنظيم داعش في كسب التأييد في صفوف السُنّة.  وقد ساهمت في هذا الغضب الجماهيري سلسلة من الخطوات الحكومية لا سيما تنزيل رتبة قائد عسكري (عبد الوهاب الساعدي) يحظى بشعبية كبيرة من أوقات الحرب على "داعش" لأسباب لم تُشرح بشكل كاف. وكان البعض يحتج خلال المظاهرات على ما حدث لهذا القائد، بحسب "رويترز".

محلل سياسي: ما يحدث انتفاضة ضد السلطة الشيعية التي تحكم العراق منذ 2003 وضد كل ما تمثله وترتبط به

وفي تغطيتها للحدث العراقي أشارت صحيفة "لوموند" الفرنسية إلى أمرين أساسيين: أولهما أنّه لم يعلن أي حزب سياسي أو زعيم ديني عن أبوّة هذه الحركة الاحتجاجية، وهو أمر غريب في بلد اعتاد على الانقسامات الطائفية. وثانيهما يتعلق بالناحية الجغرافية للاحتجاجات. فبينما تنتفض بغداد والجنوب؛ حيث الأغلبية الشيعية، يسود الهدوء شمال وغرب بغداد في المناطق السنّية. وتضيف الصحيفة أنّ إقالة رئيسِ جهاز مكافحة الإرهاب (الساعدي) الذي يعتبر "بطل" الحرب ضد تنظيم داعش ربما أعاد إشعال فتيل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي المتراكم لدى شريحة شعبية كبيرة.

اقرأ أيضاً: المظاهرات إلى أين ستأخذ العراق؟
من جهته، اعتبر الكاتب خيرالله خيرالله في "العرب" اللندنية أنّ إقالة الساعدي كشفت ضعف الحكومة العراقية، وهو ضعف ظهر جلياً من خلال وضع طهران "الفيتو" على شخصيات عراقية معينة في مرحلة ما بعد انتخابات 2018. وفرضت إيران عادل عبدالمهدي رئيساً للحكومة، لذا فإنه إذا ما فشل في أن يكون صاحبَ قرار مستقل في الظروف الحالية، خاصة في ما يتعلق بحماية الجيش، فإنّ هذا سيكون مؤشراً على أنّ النظام القائم منذ 2003 قد أفلس تماماً، وأنه لا بد من البحث عن صيغة جديدة للعراق، قد لا ترى النور إلا على أنقاض العراق، وفقاً للكاتب.
احتجاجات على الإسلام السياسي الشيعي
ويرى الأكاديمي العراقي، الدكتور إحسان الشمري، في مداخلة لـ"بي بي سي" أمس أنّ هناك عملية تحوّل في العراق؛ حيث إنّ ثمة عدم ثقة بالطبقة السياسية الحاكمة، وقد خبرها المحتجون منذ سنوات من دون جدوى. ويستدرك الشمري بأنّ هذه الطبقة سترفض أي تغيير في النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003.

اقرأ أيضاً: سياسي عراقي يكشف دور سليماني في قمع تظاهرات العراق
ويضع الكثيرون عجز طبقة سياسية متقادمة عن إدارة البلاد، والفجوة الكبيرة التي تفصل النخبة عن بقية العراقيين كعنوان رئيسي لانفجار الغضب في الشارع، بحسب تحليل نشرته "إذاعة مونت كارلو الدولية"، التي أشارت إلى أنّ بعض مطالب المتظاهرين دعت إلى تشكيل لجنة وطنية لتعديل الدستور، على أن تستبعد منها الكتل والأحزاب التي شاركت في إدارة أمور البلاد منذ عام 2003.
من جانبها نقلت "وكالة الأنباء الفرنسية" عن الخبير بالشؤون العراقية، فنر حداد، قوله إنّ السياسيين العراقيين، الذين يتولى بعضهم مناصب منذ 16 عاماً، وجدوا أنفسهم أمام حركة غير مسبوقة. وأكد أنّ "هذه تظاهرات ضد النظام" تختلف عن الاحتجاجات الصيفية التقليدية للمطالبة بالكهرباء والماء في ثاني البلدان المصدرة للنفط في منظمة "أوبك".

وأشار حداد إلى أنّ "هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها الشعب يطالب بإسقاط النظام" المبني على المحاصصة الطائفية والإثنية للمناصب إضافة إلى المحسوبيات.

صحيفة لوموند: إقالة رئيسِ جهاز مكافحة الإرهاب ربما أعاد إشعال فتيل الاحتجاج الاجتماعي والسياسي المتراكم لدى شريحة شعبية كبيرة

ويقول المحلل مصطفى فحص، في مقال للرأي نشرته قناة "الحرة" على موقعها الإلكتروني، إنّ هذه الاحتجاجات الشعبية العراقية تجري ضمن بيئة دينية واجتماعية واحدة من أبناء الوسط والجنوب، ويتعرضون لعملية قمع من جهات تنتمي إلى العقيدة والناحية نفسها، وهو ما يمكن وصفه بأنّ القاتل والمقتول من بيئة واحدة. ويتابع فحص "لذلك، يمكننا المجازفة واعتبار أنّ ما يحدث هو انتفاضة شيعية ضد السلطة الشيعية التي تحكم العراق منذ 2003، وضد كل ما تمثله وترتبط به، فقد تجاوز المتظاهرون الخطاب الأيديولوجي للسلطة وأحزابها، ولم يعد ممكناً استخدام فزاعة النظام السابق خصوصاً أن هذا الجيل عاش في ظل حكم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي تمارس بعض أطرافها قمعاً لا يقل قسوة عن النظام السابق، وفقاً للكاتب.

اقرأ أيضاً: إجراءات لقمع احتجاجات العراق.. والمتظاهرون: إيران برا وبغداد حرة
على هذا الأساس، يضيف فحص، يرى المتظاهرون أنّ هذه الأحزاب، وراعيها الإقليمي (إيران)، هي السبب المباشر لمظلوميتهم، ما دفعهم إلى التحرك باستقلالية كاملة دون الخضوع لشروط بعض الأحزاب أو التيارات التي كانت ترفع شعاراتها الشعبوية لتحقيق مكاسب حزبية خاصة. ويرى مصطفى فحص أنّ التظاهرات كسرت احتكار التيار الصدري لفكرة التظاهرات الكبيرة، ورفعت شعارات متقدمة على ما ترفعه التيارات المعارضة الرسمية مثل (الحكمة وتحالف النصر)، كما طالبت باستعادة سيادة الدولة ووقف التدخلات الخارجية في شؤونها، ووقف قوى ما دون الدولة وسلاحها غير الشرعي، الذي يستخدم الآن في قمعها، وهي تعلم أن مهمة هذا السلاح الدفاع عن نظام 2003، وقد عبرت الشعارات التي رفعت عن هذا الأمر بوضوح، بحسب فحص.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الطائرات المسيّرة عن بعد: هل بدأ عصر حروب الروبوت؟

2020-01-23

بسبب الطائرات المسيّرة عن بعد، أو "الدرونز"، في الإنجليزية، المشتق من كلمة "درون"، ومعناها "الدبور"، لصوتها المميز، الأقرب إلى الطنين، أصبح خيار الهجوم على الخصوم ممكناً مع احتمال وقوع خسائر في الأرواح يساوي الصفر! حيث غيّرت تلك الطائرات طبيعة المواجهات إلى الأبد، وخلقت شكلاً جديداً لم تعد معه مقابلة الخصم وجهاً لوجه أمراً محتوماً.
بديل عن الطائرات الحربية التقليديّة
دخلت الطائرات الحربيّة العمليات القتاليّة أثناء الحرب العالميّة الأولى، لكنّها كانت دائماً مقترنة بوقوع خسائر في الأرواح بين الطيارين، بسبب طبيعة المواجهة الخطرة في الأجواء العالية، والاحتمالية العالية لإصابة الطائرة وإسقاطها من قبل الطائرات المعادية أو من المضادات الأرضيّة.

وصل إجمالي الإنفاق العالمي على طائرات الدرونز المئة مليار دولار خلال 2019، وأمر ترامب بالتوسّع في الاعتماد عليها

ومنذ الحرب العالمية الثانية؛ بدأ سلاح الجوّ الأمريكي بالتفكير بإنتاج نوع من الطائرات الانتحارية، التي تتجه إلى مواقع الخصم وتفجّر نفسها فيها، في محاولة لمحاكاة نظام الطيارين الانتحاريين (الكاميكازي) الياباني، لكن دون خسارة أيّة أرواح، إلا أنّ الحرب انتهت قبل تطبيق الفكرة، واستمر العمل على تطوير نظام طائرات من دون طيار خلال العقود التالية، عبر برامج إنتاج عسكري خاصّة، وكانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في طليعة الدول العاملة على تطويرها، وفي عقد السبعينيات من القرن الماضي بدأت تظهر النماذج الأولى منها،  وبدأت تباشر المهمات العسكرية بشكل فعليّ.
تنوعت مهمات هذه الطائرات بين إطلاق القذائف على الأهداف، أو التصوير وجمع المعلومات والاستطلاع، وبسبب استغنائها عن وجود طيار قائد لها، لم يحتوِ تصميمها على مقصورة (كابينة)، وما تحتويه من أدوات قيادة وتحكم، وما يتطلبه السائق من أجهزة أمان، خاصة بنزول الضغط والأكسجين، وأدى الاستغناء عن كلّ ذلك إلى التخفيف من وزن الطائرة وتكلفتها، ويؤدي تخفيف المعدات والوزن إلى زيادة سرعتها وقدرتها على المناورة، كما يساهم في تخفيض صوتها، بالتالي زيادة قدرتها على التخفي وتعذر رصدها.

تنوعت مهمات الطائرات المسيّرة.. من إطلاق القذائف إلى التصوير وجمع المعلومات

وبقيت الميزة الأهم لهذه الطائرات؛ تصفير الخسائر البشرية، وكذلك تقليص المادية، مقابل التكلفة الباهظة التي تتطلبها أنظمة التصدي لها، فمثلاً أنظمة "باتريوت" يكلف الصاروخ الواحد منها مليوناً إلى ستة ملايين دولار، وميزة أخرى مهمة، تمثلت في أنّ الطائرات المسيرة تكون مجهولة المصدر، ولا تتضمن علامات تشير صراحةً إلى الجهة المرسلة لها والمتحكمة فيها، ما يتيح للمرسل إمكان التنصّل من مسؤولية استخدامها، وما يلزم ذلك من تبعات.

اقرأ أيضاً: أسلحة بريطانية مضادة لـ"الدرونز" لتأمين مطار الكويت
نتيجة لذلك؛ بدأت هذه الطائرات، شيئاً فشيئاً، تحلّ مكان الطائرات المقاتلة التقليدية، وبدأت تتصدر المواجهات وتصبح الخيار المفضّل في المواجهات، واليوم تخصص الدول الميزانيات لتطويرها واقتنائها وإحلالها محل الطائرات الحربية في مختلف المهمات، وبحسب تقرير لوكالة "رويترز"؛ فإنّ إجمالي الإنفاق العالمي عليها وصل قرابة المئة مليار دولار، خلال عام 2019.
الولايات المتحدة تتوسّع في استخدامها
حتى عقد الستينيات، كانت الولايات المتحدة الأمريكية ما تزال تعتمد في مهمات الاستطلاع والتجسس على طائرات يقودها طائر، وفي عام 1960؛ حصلت فضيحة طائرة التجسس الأمريكية "لوكهيد U-2"، التي تمكّنت الدفاعات السوفييتية من إسقاطها فوق الأراضي السوفييتية، وتمّ أسر قائدها، الطيّار فرانسيس غاري باورز، وجرى الحصول منه على الاعترافات وكامل المعلومات والوثائق، ما دفع الولايات المتحدة إلى التسريع في جهود تطوير طائرات بدون طيّار للقيام بالمهمات المماثلة، دون تكرار مثل هذه الحادثة، وفي السبعينيات؛ حدث التحوّل مع بدء تطوير الطائرات المسيّرة عن بعد، والتي استخدمت للمرة الأولى لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات أثناء حرب فيتنام.

فرانسيس باوزر مع مهندس الطيران الأمريكي كيلي جونسون أمام طائرة التجسس قبيل الحادثة

ومع انطلاق حربها على الإرهاب، مطلع الألفية الجديدة، توسّعت الولايات المتحدة في استخدام هذه الطائرات، واستخدمت لتنفيذ عمليات اغتيال، كما في عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، أنور العولقي، عام 2001.
وتدريجياً، بدأ التوسع في استخدامها في مختلف الساحات التي تخوض فيها القوات الأمريكية مواجهات، وفي العراق، ومع ارتفاع كلفة الخسائر البشريّة في صفوف أفراد الجيش الأمريكي، بدأ التحوّل لها بشكل متسارع في محاولة لإيقاف النزيف المكلف، وكان ذلك دافعاً لتطوير ومضاعفة عملية إنتاجها وتقليل كُلَفها، من قبل شركات التصنيع العسكري المنتجة لها.

يتخيّل خبراء مستقبلاً قاتماً للطائرات المسيّرة؛ حيث يؤدي دمج التكنولوجيا والصناعات الحربية إلى إنتاج "روبوتات قاتلة" بحجم العصافير

وفي بداية عام 2014؛ قدّر تحقيق لمكتب الصحافة الاستقصائية الأمريكي أعداد ضحايا "الدرونز" الأمريكية، خلال الأعوام الخمسة، من 2009 إلى 2013، بأكثر من (2,400) شخص، تركزوا بشكل خاص في دول باكستان وأفغانستان واليمن والصومال، وكانت نسبة كبيرة منهم من المدنيين، ما أثار جدلاً واسعاً حول هذه الأسلحة، وشرعية استخدامها، وكان موقف الرئيس الأمريكي في حينها، باراك أوباما، الدفاع عن خيار استخدامها، معتبراً إياها جزءاً من حرب استباقية أمريكية تستهدف كلّ من يفكر بالاعتداء على مصالح الولايات المتحدة، وذلك بالتزامن مع توجهه لسحب القوات الأمريكية من ساحات القتال الساخنة، مثل العراق.
ومع وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض، مطلع عام 2017، أمر بالتوسّع في الاعتماد على "الدرونز"، وذلك بالتزامن مع نيته الالتزام بوعوده الانتخابية بعدم توريط الولايات المتحدة في حروب خارجية مكلفة، وجاءت العملية الأبرز في عهده، مع قرار اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، مطلع العام الجاري، لتكون أول عملية اغتيال لشخصية سياسية وعسكرية رسميّة تستخدم الولايات المتحدة فيها "الدرونز".

خيار إسرائيلي مفضّل
اتجهت "إسرائيل" لتطوير أنظمة الطائرات بدون طيّار منذ زمن مبكر، ومع مطلع السبعينيات كانت قد طوّرت الجيل الأول منها، والذي عُرف باسم "زاهافان"، وهي كلمة عبرية تعني "المستكشف"، وكان الاستخدام الأول لها في حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973، حين جرى استخدامها للتشويش على أجهزة الرادار السورية والمصرية، وفي حرب اجتياح لبنان، عام 1982، استخدمت في "معركة سهل البقاع"، حين قامت بتدمير أغلب بطاريات الدفاع الجوي السورية، وبالتالي تمكّنت المقاتلات الإسرائيلية من القضاء على سرب الطائرات الحربيّة السورية وإخراجه من المعارك.

اقرأ أيضاً: "أسراب الدرونز".. سلاح أمريكي جديد "سينقل الحرب الجوية لمستوى آخر"
وخلال الأعوام القليلة الماضية، تكررت الهجمات بالطائرات المسيّرة ضدّ أهداف في كلّ من سوريا ولبنان والعراق، وتكرر تحميل "إسرائيل" مسؤوليتها.
في سوريا، خلال الحرب؛ تكرر استخدامها لضرب مواقع وصفتها "إسرائيل" بأنها إيرانية، وفي لبنان؛ تمّ إسقاط طائرة درون إسرائيلية في الضاحية الجنوبية ببيروت، معقل حزب الله، في آب (أغسطس) 2019، ورجّح أنّ أهدافها كانت استطلاعية، وفي العراق؛ شهد عام 2019 سلسلة من الهجمات على مقرات للحشد الشعبي، باستخدام طائرات مسيّرة، وسط تلميحات بأنّ "إسرائيل" وراء تلك الهجمات، وفي قطاع غزة؛ أعلن الجيش الإسرائيلي، في تموز (يوليو) 2019، سقوط طائرة مُسيّرة له، كانت تُحلق في أجواء القطاع، وكانت تقوم بمهمات استطلاعية أيضاً.

نموذج لطائرات "زاهافان" الجيل الأول من الطائرات المسيّرة الإسرائيليّة

ليست حكراً على الدول
ما ضاعف من خطورة الطائرات المسيّرة سهولة اقتنائها وتطويرها من قبل أشخاص أو جماعات؛ حيث إنّها، خلافاً لما جرى عليه الحال في الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، سرعان ما خرجت عن احتكار الدول، وانتقلت إلى أيدي اللاعبين غير الدوليين؛ ففي اليمن، برزت طائرات "الدرونز" كسلاح بيد جماعة أنصار الله (الحوثيين)، وخلال عام 2019؛ قامت الجماعة بتنفيذ عشرات الهجمات بالطائرات المسيرة ضدّ أهداف في عمق الأراضي السعودية، وكان أخطرها الهجوم ضدّ معملين لأرامكو في السعودية، نفِّذ باستخدام مجموعة طائرات، ضربت مصفاة نفط في بقيق، وحقل نفط قرب خريص.

اقرأ أيضاً: هل انطلقت الدرونز الإسرائيلية على الضاحية من لبنان؟
وكانت إيران قد وجدت في طائرات "الدرونز" مزايا عديدة، تتوافق مع إستراتيجية الحرب "غير المتماثلة" التي تعتمدها، حيث الاعتماد في المواجهات على التنظيمات لا الدول، وقد تمكّنت من تطوير طائرات مسيّرة خاصة بها، أطلقت عليها اسم "أبابيل"، وأرسلت العديد منها إلى حلفائها، في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وبحسب تقارير أمنية إسرائيلية؛ فإنّ حزب الله تلقى ما لا يقل عن 12 طائرة "أبابيل" من إيران قبل حرب لبنان عام 2006.
وفي قطاع غزة؛ تمكّن الجناح العسكري لحركة حماس، كتائب الشهيد عز الدين القسام، من تطوير طائرات بدون طيار، أطلق عليها اسم "أبابيل-1"، وعام 2016؛ جاءت عملية اغتيال المهندس التونسي، محمد الزواري، من قبل عناصر الموساد الإسرائيلي، وأعلنت حماس في بيان نعيه أنه كان مشرفاً على مشروع تطوير هذه الطائرات.

سيناريو مستقبلي يثير القلق
لا تنته مخاطر الدرونز عند إمكان انتقالها وسهولة انتشارها، وتعذّر ضبطها والتصدي لها وتحديد الجهة المسؤولة عنها، وإنما تتعدى ذلك لتصبح أساساً لسيناريوهات مستقبلية متشائمة من مستقبل الذكاء الاصطناعي ككل، فحتى اليوم ما تزال "الدرونز" طائرات يتم التحكّم بها من غرف تحكّم يديرها البشر، ولكن ماذا سيحصل لو استمر تطوير تقنياتها وقدراتها حتى تمتلك قدراً من الوعي تصبح معه مستقلة عن أيّ تحكم وسيطرة خارجية؟
عام 2017؛ نشر خبير الذكاء الاصطناعي، ستيوارت راسل، فيديو تمّ إنتاجه بالتعاون مع "معهد الحياة" الأمريكي، يتخيّل مستقبلاً قاتماً للطائرات المسيّرة؛ حيث يؤدي دمج التكنولوجيا والصناعات الحربية إلى إنتاج "روبوتات قاتلة"، عبارة عن طائرات "درونز" بحجم العصافير، قادرة على شنّ هجوم بناءً على تقنيات ذكيّة تمكنها من التعرف على الوجوه وغيرها من الصفات، بل وقد تصبح قادرة على التحرك من ذاتها لتنفيذ هجمات لا يمكن إيقافها أو السيطرة عليها، وهذا الفيديو:

ولخطورة السيناريو، عُرض الفيديو في اجتماع للأمم المتحدة خاص بالحدّ من انتشار الأسلحة، وما تزال المقترحات والمطالبات في ازدياد حول ضرورة فرض قيود دوليّة على هذه الصناعة، التي قد تكون أخطر من الأسلحة النووية على مستقبل البشرية.

للمشاركة:

حكومة حسان دياب: هل انتصرت إيران على ثورة اللبنانيين؟

2020-01-23

لم يقبل لبنانيون غاضبون بتشكيلة الحكومة الجديدة؛ حيث تمثلت ردّة الفعل الشعبية الأولى في نزول العديد من المواطنين الى الشارع، وقد عمدوا إلى قطع طريق رئيسية في بيروت ومدن جبيل (وسط) وطرابلس (شمال) وصيدا (جنوب)، بالإطارات المشتعلة والعوائق.

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يصعّدون رفضاً لحكومة دياب
وفي وسط العاصمة تجمّع مئات المتظاهرين أمام مدخل شارع يؤدّي إلى البرلمان الذي أحاطت به تعزيزات من الشرطة. وحاول المحتجون انتزاع الأسلاك الشائكة وألقوا حجارة على قوات الأمن التي رّدت عليهم بقنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وفقاً لمصور في وكالة "فرانس برس".
وتضم الحكومة الجديدة 20 حقيبة وزارية يشغلها وزراء مدعومون من أحزاب ممثلة في البرلمان، كما ضمت الحكومة وللمرة الأولى في تاريخ البلاد 6 نساء، أبرزهن زينة عكر عدرا، التي تولت وزارة الدفاع، وهي أول أمرأة عربية تتولى هذا المنصب.
وجاءت الحكومة بعد احتجاجات اندلعت في لبنان في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، رافعة شعارات ضد الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد.

 

حكومة الوكلاء
المحتجّون اعتبروا أنّ الحكومة لا تتجاوب مع مطالبهم؛ لأنّ الأحزاب السياسية التي يرفضونها هي التي قامت بتسمية الوزراء. وأطلق آلاف المحتجين والنشطاء على التشكيلة الجديدة لقب "حكومة الوكلاء" واللون الواحد و"حكومة حزب الله".

دمشق أحد الرابحين من تشكيل الحكومة الجديدة فهي عادت وإن بقدرة وقوة غيرها، إلى المشهد السياسي في لبنان

وتوافق معلقون مع آراء المحتجين في كون الحكومة تألفت من فريق واحد يعتبر مقرّباً من "نهج المقاومة". وبالتالي، فهذه هي "حكومة الفريق الواحد الذي أعمَت عيونه جشع السلطة وطمعها، واضعاً نفسه في فخ الانهيار المالي والنقدي والاجتماعي والاقتصادي، وتتحمّل المسؤولية بالنيابة عن الحريرية السياسية وحلفائها، وبعض من 8 آذار"، كما كتب في صحيفة "الجمهورية" المعلق السياسي حسن خليل، الذي تساءل "لماذا رضي الرئيس المكلف، صاحب السجل الأكاديمي النظيف، أن يضع نفسه في هذا الموقع؟".

اقرأ أيضاً: هل تحظر النمسا حزب الله اللبناني؟
النائبة بولا يعقوبيان، المستقلّة والمتعاطفة مع الانتفاضة الشعبية، قالت في تغريدة على "تويتر" إنّ "الوجوه الجديدة هي كرقعة جديدة على ثوب قديم"، مضيفة أنّ حسّان دياب "لم يلتزم بوعده بتأليف حكومة مستقلّين".
وقد رفضت أحزاب عدّة المشاركة في الحكومة، على رأسها تيار المستقبل برئاسة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع. وبالتالي، انحصرت اتصالات دياب، خلال العمل على تشكيلة حكومته، بفريق واحد يتمثل في التيار الوطني الحر الذي يتزعمه رئيس الجمهورية ميشال عون ويرأسه صهره جبران باسيل، وكذلك حلفائه وأبرزهم حزب الله وحركة أمل التي يترأسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

 

إطاحة جبران باسيل
اللافت في التشكيلة الحكومية اللبنانية الجديدة غياب جبران باسيل، الذي كان يتولى منصب وزير الخارجية في حكومة تسيير الأعمال اللبنانية.
وكانت إطاحة باسيل أحد أبرز مطالب المحتجين اللبنانيين في انتفاضتهم المستمرة منذ الـ17 من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كما اتهمه سياسيون لبنانيون بعرقلة تشكيل الحكومة بإصراره على "الثُلث المعطل"، وبتبنيه مواقف تنذر بدفع لبنان إلى الهاوية.

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان.. وتحدي الطائفية
وفي المقابل، شكك مراقبون في قدرة وزير الخارجية الجديد ناصيف حتّي، في توفير مواعيد مهمة لرئيس الحكومة في الدول العربية وبعض دول الخليج؛ لأنّ مشكلته الكبرى ستكمن في سيطرة "حزب الله" الفعلية ليس على السياسة الإستراتيجية للحكومة فحسب، بل على السياسة الميدانية الخارجية أيضاً.
ورافق اسم ناصيف حتّي الجدل، حيث كشف مقال نشرته صحيفة "الأخبار" اللبنانية المقربة من حزب الله، أنّ حتي أدلى بحديث صحفي إلى قناة تلفزيونية إسرائيلية عام 2013 عندما كان سفيراً للجامعة العربية في باريس. ولكن هذا الأخير قدم توضيحاً، كما ذكرت "مونت كارلو" قال بموجبه إنّ الصحفي كريستيان مالار الذي أجرى معه هذا الحديث هو صحفي فرنسي يعرفه معرفة جيدة بحكم اهتمام هذا الصحفي بشؤون العالم العربي. وأضاف حتّي يقول إنه لم يكن يعلم أن هذا الصحفي يعمل مع قناة " إسرائيل 24" التي بثت المقابلة والتي يملكها رجل الأعمال الفرنسي الإسرائيلي باتريك دراهي.

 

سياسة حزب الله الخارجية
ويتطرق كثيرون إلى أنّ "سياسة حزب الله الخارجية" التي تتفوّق على القدرات الدبلوماسية اللفظية والكتابية لحتّي، هي "بيت الداء" في علاقات لبنان مع الخارج ولا سيما مع دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية. ويتساءلون كيف ستترجم الحكومة الجديدة وعد "النأي بالنفس" في ظل قرار"صانعها الأول" المشاركة في حرب إخراج "الولايات المتحدة الأمريكية" عسكرياً من الشرق الأوسط، وفق التوجهات الإيرانية؟

الحكومة من تكليف رئيسها إلى تشكيلها، بدت موضع شك، ومصدر خوف وقلق، ولا تمتلك ذرة ثقة من الناس والشارع

ويوصف رئيس الحكومة الجديدة حسان دياب بأنّه محسوب على تيار حزب الله. وقالت وكالة "إيسنا" الإيرانية للأنباء إنّه حصل على الدعم اللازم من حزب الله ليشغل منصب رئيس وزراء لبنان. ووصفت العديدُ من الصحف الأمريكية والأوروبية الرئيس الجديد بـ"مرشح حزب الله"، كما ذكر تقرير لموقع "العربية".
واعتبرت صحيفة "واشنطن بوست" أنّ اختيار دياب خطوة تخاطر بإثارة اضطرابات سياسية وتنفير الحلفاء الغربيين للبلاد. وأضافت الصحيفة أنّ إمكانية استمرار حسان دياب ضعيفة، سواء بمواجهة ردة الفعل الشعبية، أو رقابة المجتمع الدولي، لافتة إلى أنّ تعيينه لا يتعارض فقط مع تقليد لبنان الطويل في السياسة التوافقية، بل يؤكد أنّ حزب الله هو بالفعل أقوى لاعب سياسي في لبنان. كما رأت "واشنطن بوست" أنّ اعتبار دياب مرشحاً لحزب الله سيردع المساعدات الغربية في المستقبل.
"سي إن إن" وصفت دياب بأنّه "مدعوم من حزب الله"، وهو نفس الوصف الذي استخدمته صحيفة "فاينانشيال تايمز".
مساعي إحباط ثورة اللبنانيين
ويرى الكاتب في موقع "الحرة" فارس خشان أنّ من يدقق في ظروف ولادة الحكومة اللبنانية يرى أنّ "حزب الله" الذي كان قد رفع لواء إحباط الثورة، قد لعب دوراً حاسماً فيها، "فهو جمّع فريقه وأعطى أمر تسمية الدكتور حسّان دياب الذي أحاط نفسه بمقربين من الحزب، وهو أسقط، بعد خطاب مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي الأخير الذي دعا إلى إخراج "عملاء أمريكا" من حكومة لبنان، الحواجز التي كانت تمنع تشكيلها".
وهذا يعني، في نظر خشان، أنّ محاولة استيعاب الثورة تمهيداً لإطفائها لا تزال مستمرة، وأنّ الحكومة الجديدة خطوة جديدة في هذا المسار.
وفي السياق ذاته، يرى الكاتب محمد حجيري، في موقع "المدن"، أنّ "هذه الحكومة من تكليف رئيسها إلى تشكيلها، بدت موضع شك، ومصدر خوف وقلق، ولا تمتلك ذرة ثقة من الناس والشارع، ولا تمتلك أي مشروع إنقاذي، بل ربما جوهر وجودها هو أمني وكيدي. هي لا تشبه الحكومات في ولادتها، بل تبدو أقرب إلى حكومة في نهاية عهدها وقد أنهكها الفشل والزحطات. هي حكومة تصريف أعمال قبل أن تصل إلى مجلس النواب، وقبل أن تأخذ الثقة. هي حكومة الإكراه والتعسف، هذا إذ غضضنا النظر عن أسطوانة الميثاقية وما شابه. هي طبخة بحص ربما، طبخة مسمومة للرأي العام، مزينة بنصف دزينة من الجنس اللطيف، ناعمات إلى درجة الفتك، كأنهن الشرك الجاهز لأمر غامض.. حكومة يعول رئيسها على الكثير من "الأحلام"، وإن كان يعي مسبقاً أنها ذاهبة الى المجهول".

 

حكومة التوازنات المتداخلة
وتحت عنوان "حكومة التوازنات المتداخلة وانتصارات الحلفاء على بعضهم" كتب علي منتش في موقع "لبنان 24" أنّ التركيبة الحكومية الحالية تبعد كل البعد عن البساطة والعفوية، بل ترتبط بتوازنات دقيقة ستصيغ التسوية المقبلة في لبنان بين الفريقين التقليديين، 8 و14 آذار، وبين حلفاء الصفّ الواحد المقربين من "حزب الله".

"سي إن إن" وصفت دياب بأنه "مدعوم من حزب الله"، وهو نفس الوصف الذي استخدمته صحيفة "فاينانشيال تايمز"

في الصورة العامة، كما يقول الكاتب، حقق فريق حلفاء إيران تقدماً سياسياً على خصومهم، من خلال عدم الخضوع للهدف الأمريكي المباشر، أي إخراج "حزب الله" من السلطة التنفيذية، إذ بقي الحزب في الحكومة في حين خرج منها الحريري ومكونات 14 آذار، لكن النظر إلى لوحة السلطة ليست بهذه البساطة، إذ من الممكن اكتشاف الكثير من الرابحين وأكثر من الخاسرين عند الدخول في التفاصيل.
لعل النقطة الأساسية التي حققها فريق الثامن من آذار عبر تأليفه حكومته هي أنه بات قادراً على التفاوض مباشرةً تمهيداً للتسوية المقبلة التي ستكون مدخلاً حقيقياً للإنقاذ، ولإعادة رسم التوزانات السياسية في لبنان، إذ إنه يمتلك اليوم في حكومة اللون الواحد قدرة أكبر على المناورة ورفع السقوف وخفضها.

 

الثنائي الشيعي
الرابح الثاني، في نظر علي منتش، كان الثنائي الشيعي، إذ كرس ما بدأه في الحكومة الأخيرة، أنه أحد العوامل الأساسية في التأليف وأنّ المكون السني والماروني لا يتفردان بهذه العملية الدستورية، فبعدما كان "حزب الله" قد عطل الحكومة السابقة لفرض شرط توزير شخصية سنية قريبة منه، استطاع اليوم، وبالرغم من مناورة حلفائه، فرض كلمته في اللحظة الحاسمة عبر التلويح بسحب يده من التأليف، الأمر الذي ظهّر نفوذ "حزب الله" والرئيس برّي.
أما الرابح الثالث فهي دمشق، التي عادت وإن بقدرة وقوة غيرها، إلى المشهد السياسي في لبنان؛ إذ إنّ الدور الكبير والحاسم الذي لعبه النائب جميل السيد في عملية التأليف والذي حرص على تظهيره من خلال "سكوباته التويترية"، لا يمكن إلا أن يؤشر للمحاولة الجدية لدمشق في العودة إلى بيروت، ولعل حصول حلفائها اللصيقين على 5 وزراء زائد وزير الداخلية هو خير دليل على ذلك.
على المستوى الداخلي، يقدر الكاتب أنّ تشكيل الحكومة في ظل غياب أي غطاء سني وفاعل سواء من الرئيس سعد الحريري إلى الرئيس نجيب ميقاتي الذي غرّد رافضاً حكومة المحاصصة، إلى دار الفتوى الذي لم يتضح بعد ما اذا كان سيستقبل رئيس الحكومة أم لا، إلى الشارع السني الذي يشعر بغبن موصوف، وبغياب الشرعية عن حكومة قانونية، سينعكس على التوازنات، ما سيلزم "حزب الله" والمكونات السياسية المشاركة في الحكومة الحالية بالقبول بعودة الدور للسنية السياسية في الحكومة المقبلة التي من المتوقع أن تكون الحكومة الإنقاذية.. وحكومة التسوية.

للمشاركة:

كيف تحولت المؤسسات الدستورية في إيران إلى أدوات للصراع السياسي؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2020-01-22

أعلن "مجلس صيانة الدستور" في إيران خلال المرحلة الأولى من عملية التدقيق في المرشحين لخوض الانتخابات البرلمانية المتوقعة في شباط (فبراير) 2020، أنّ 90 من أعضاء البرلمان الحالي غير مؤهلين لخوض الانتخابات مرة أخرى. ومن بين الذين رفض ترشيحهم أصوات بارزة في المجلس مثل؛ محمود صادقي، وعلي مطهري.

اقرأ أيضاً: نصرالله يقود بإشراف إيراني مصالحة بين الصدر والفصائل الشيعية
وبحسب الدستور الإيراني، فإنّ بإمكان القائد الأعلى علي خامنئي إلغاء قرارات "مجلس صيانة الدستور". وهو ما فعله خامنئي في الماضي أكثر من مرة، ويرجّح أن يكرره قبل الانتخابات المقبلة إذا شعر بأنّ عملية الرفض الجماعي للمرشحين ستؤدي إلى مقاطعة عامة لانتخابات شباط (فبراير) 2020. وهو ما من شأنه أن يتسبب بالإحراج لخامنئي، خاصة بعد تحذيرات رموز الإصلاحيين المتكررة له بشأن انهيار شعبية النظام، وتناقص شرعيته. وعلى سبيل المثال توقع الرئيس الأسبق، محمد خاتمي، عزوف قطاعات واسعة من الإيرانيين عن المشاركة في الانتخابات المقبلة؛ لأنهم يئسوا من إمكانية إصلاح النظام.

لكن ما هو "مجلس صيانة الدستور"؟ ولماذا يفعل ذلك؟ وما هي طبيعة علاقته بباقي المؤسسات الدستورية في إيران، مثل: "مجلس الشورى الإسلامي"، و"مجمع تشخيص مصلحة النظام"، و"مجلس خبراء القيادة"؟

أفضت "الحركة الدستورية" الإيرانية عام 1906 إلى تشكيل أول برلمان وطني إيراني (مجلس). ووافق أعضاء البرلمان آنذاك على تشكيل هيئة منفصلة تضم خمسة من كبار رجال الدين، لضمان توافق القوانين التي يقرها البرلمان مع أحكام الشريعة الإسلامية.

بدلاً من حماية الدستور أصبح مجلس صيانة الدستور حامياً للقائد الأعلى وللمؤسسات التي تخضع لسيطرته وعلى رأسها الحرس الثوري

وبعد نحو 70 عاماً وفي أعقاب ثورة عام 1979 عَيَّنَ آية الله الخميني الدكتور حسن حبيبي (أحد خريجي جامعة السوربون) لصياغة الدستور الإيراني التمهيدي، بالاستعانة بالدستور الفرنسي كمرجع. وقدم حبيبي إلى جانب العديد ممن شاركوه في صياغة الدستور الجديد، نصيحةً تَتَمَثَّل بتشكيل هيئة تسمى "مجلس صيانة الدستور"، تتولى دور مطابقة كافة القوانين مع الدستور والشريعة الإسلامية. ومع أنّ الدور التمهيدي لهذا المجلس تمثل في أسلمة القوانين التي يقرها البرلمان، غير أنّ المجلس تحول مع مرور الوقت، وبعد رحيل الخميني، وتعديل الدستور (تموز/يوليو 1989) وبداية عهد خامنئي في حزيران (يونيو) 1989 إلى كيان سياسي. وباختصار، فقد تحول "مجلس صيانة الدستور" كما نعرفه اليوم إلى كيان يقوم بدور حماية المصالح السياسية للنظام، خاصة تلك في معسكر التشدد.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

ولعلّ أحد المزايا الفريدة التي لعبت دوراً مُهماً في بقاء الجمهورية الإسلامية، تَتَمَثَّل في الطبيعة المعقدة للمؤسسات التي تمتلك واجهة ديمقراطية، غير أنّها في الحقيقة تحمي المصالح السياسية لمراكز القوة. وتدعم هذه المؤسسات "مجموعات مصالح خاصة" داخل النظام في الوقت الذي تستخدم فيه قناع الديمقراطية والالتزام بالإجراءات الديمقراطية الغربية. وعملت هذه المؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور على تشكيل نظام مستبد داخل فقاعة ديمقراطية. وقال أكبر هاشمي رفسنجاني الذي يُعَدُّ أحد مهندسي الجمهورية الإسلامية الحالية خلال خطبة جمعة في 31 آذار (مارس) 1984: "خلال الانتخابات السابقة كنا نتنافس مع ليبراليين أو مجاهدين (مجاهدي خلق إيران)، ونحن بالطبع لسنا ودودين معهم، غير أنّ كافة الأشخاص الذين يتنافسون الآن هم أتباع نهج الإمام (مصطلح يستخدم لوصف الأتباع المخلصين لأية الخميني). وإذا ما استمر هذا التنافس الانتخابي غير الصحي، وتحول إلى صراع فإننا قد نواجه عواقب يصعب إصلاحها".

وبناء على خطاب رفسنجاني هذا، فإنّ بالإمكان التأكيد أنّ مجلس صيانة الدستور حظي منذ أيامه الأولى، بدور كبير لمصلحة مجموعات المصالح تلك التي عملت على التخلص من منافسيها السياسيين منذ قيام ثورة 1979. وبعبارة أخرى شَكَّلَ المجلس أداة مهمة في أيدي قلة، امتلكت أو كانت تمتلك عند نقطة معينة علاقات وثيقة مع الخميني، وبعد ذلك خامنئي.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

وتعلّم مهندسو الجمهورية الإسلامية دروسهم من التاريخ، وبالتالي لم يرغبوا في تكرار أخطاء الشاه من خلال تركيز "سلطة مطلقة" في يد شخص واحد أو مجموعة بعينها. وعمل هؤلاء المهندسين على تصميم نظام تتماشى فيه كافة مراكز القوة مع أهداف وأجندة الطبقة الحاكمة، وفي الوقت نفسه تحظى بمظهر الديمقراطية واختيار قادتها عبر أنظمة انتخابية ديمقراطية. وبعبارة أخرى، تحول مجلس صيانة الدستور إلى أداة للسيطرة على العملية الانتخابية من خلال توفير مناخ انتخابي تنافسي وهمي والاحتفاظ بحق النقض ضد كافة القوانين التي يقرها البرلمان.

ويضم مجلس صيانة الدستور في عضويته اثني عشر شخصاً من كبار رجال الدين. ويقوم القائد الأعلى (علي خامنئي حالياً) بشكل مباشر بتعيين 6 من كبار رجال الدين الأعضاء في المجلس. بعد ذلك يقوم رئيس السلطة القضائية بترشيح الأعضاء الستة الآخرين الذين يجب المصادقة على تعيينهم من جانب البرلمان لفترة مدتها ستة أعوام. وبما أنّ القائد الأعلى هو من يعين رئيس السلطة القضائية أيضاً، فإنّه في الحقيقة يسيطر على تعيين كافة أعضاء مجلس صيانة الدستور. ويمتلك كافة أعضاء مجلس صيانة الدستور إمّا آراء غير سياسية أو محافظة تتماشى مع آراء النخبة الحاكمة المتشددة في إيران. كما أنّ أياً منهم لا ينتمي إلى أي مجموعة معارضة أو حتى المعسكر الإصلاحي.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة في حكم إيران استغل خامنئي سلطات مجلس صيانة الدستور في المصادقة النهائية على القوانين

ويمنح دستور الجمهورية الإسلامية صلاحيات لمجلس صيانة الدستور تشمل: صلاحية تأييد أو رفض أي قوانين يقرها البرلمان لتعارضها مع الدستور أو الشريعة الإسلامية، وصلاحية تشكيل "محكمة دستورية" وتفسير الدستور الإيراني، وصلاحية التدقيق في أي مرشح لخوض انتخابات "مجلس خبراء القيادة" و"الرئاسة" و"البرلمان" من خلال عملية "إشراف وسيطرة تقديرية". ويحظى مجلس صيانة الدستور بسيطرة على السلطة التنفيذية من خلال امتلاك صلاحية التدقيق بالمرشحين لخوض انتخابات الرئاسة، وبالتالي فإنّ المجلس وأعضاءه الاثني عشر يمتلكون صلاحية السيطرة على من سيصادق على القوانين، والقوانين التي يمكن المصادقة عليها، وعلى من سينفذ هذه القوانين.
وفي حال وجود أي خلاف بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور حول أي قانون، يتم تحويل الخلاف إلى مجلس "تشخيص مصلحة النظام"، الذي يرأسه حالياً هاشمي شاهرودي. وبما أنّ تعيين أعضاء "مجلس تشخيص مصلحة النظام" هي أيضاً من صلاحيات القائد الأعلى، فخامنئي يتحكم إلى حد كبير بكل جانب من السلطات الثلاث في الدولة.

ويُشَكِّلُ "الإشراف والسيطرة التقديرية" أحد أكثر صلاحيات مجلس صيانة الدستور المثيرة للخلاف؛ فبعد اندلاع ثورة عام 1979 مباشرة، وخلال انتخابات أول برلمان في عهد الجمهورية الإسلامية، قرر محافظ طهران عدم أهلية مرشحي حزب توده (الحزب الشيوعي)، ومرشحي (مجاهدي خلق) لخوض الانتخابات. وبعث مكتب المحافظ بقراره إلى مجلس صيانة الدستور للمصادقة عليه. وشَكَّلَتْ هذه الحادثة بداية "الإشراف والسيطرة التقديرية" من جانب المجلس. وتعني عبارة الإشراف والسيطرة التقديرية، أنّ بإمكان مجلس صيانة الدستور رفض ترشيح أي شخص لخوض انتخابات (الرئاسة والبرلمان ومجلس خبراء القيادة أو أي انتخابات أخرى) في أي وقت يرى فيه المجلس أنّ المرشح لا يتماشى مع توجهات القيادة. وبالفعل، واصل مجلس صيانة الدستور رفض ترشح الكثير من منتقدي النظام بحجة عدم التزام المرشحين عملياً بالدين الإسلامي و/أو حكم القائد الأعلى طوال العقود الأربعة الماضية.

اقرأ أيضاً: إيران: الأخبار السيئة لا تأتي فرادى
يقول حميد جرهمي (عضو برلمان عن منطقة نيشابور) في مقابلة له: "كافة أعضاء البرلمان يخشون من رفض ترشيحهم خلال الانتخابات المقبلة، لذلك يؤدي هذا الخوف للتأثير على سلوكهم وقراراتهم أيضاً. وفي بعض الحالات يعمد أعضاء البرلمان إلى تغيير مواقفهم حول قضية ما، خشية أن يتعارض هذا مع قرار النظام".
وقال أحمد مزاني؛ رجل دين وسياسي إصلاحي، وعضو في البرلمان عن منطقة (ري-شميرانات-وإسلام شهر) الانتخابية في طهران: "عندما يتعلق الأمر بالانتخابات وبدلاً من الخوف من الله، فإننا نخاف من مجلس صيانة الدستور والأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري، ووزارة الإعلام وأذرعها التنفيذية. لذلك أنا أتصرف بطريقة تجعلني أتأهل لخوض الانتخابات المقبلة. وهذا يقود إلى ضعف الفاعلية لأي عضو في برلمان بغض النظر إن كان رئيساً للبرلمان أو مجرد عضو في المجلس".

وأدت عملية الإشراف والسيطرة التقديرية إلى تغيير المشهد البرلماني في الجمهورية الإسلامية تماماً. ولعل المجلسين السادس والسابع أفضل مثال على مثل هذا التغيير؛ فقد شَكَّلَ الإصلاحيون أغلبية المجلس السادس برئاسة مهدي كروبي، غير أنّ الخلافات بين البرلمان والقائد الأعلى والحرس الثوري أدت إلى رفض ترشيح معظم أعضاء البرلمان لخوض انتخابات المجلس السابع. وتمثلت القضايا الخلافية بين الطرفين بحرية التعبير، وحرية الصحافة (والقوانين المعدلة التي تحكم وسائل الإعلام والصحافة)، وفكرة دمج القوات المسلحة والحرس الثوري في قوات موحدة. وعلى إثر هذه الخلافات، رفض مجلس صيانة الدستور في طهران وحدها ترشح 890 شخصاً لخوض انتخابات المجلس السابع، ونتيجة لذلك شَكَّلَ المتشددون (الأتباع المخلصون للقائد الأعلى) الأغلبية المطلقة في ذلك المجلس.

اقرأ أيضاً: العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي
ويخضع مجلس صيانة الدستور كما حال المؤسسات المهمة الأخرى في إيران لسيطرة القائد الأعلى التامة، ويقوم بالتدقيق بالمرشحين لعضوية مجلس خبراء القيادة (الذي يتولى مسؤولية الإشراف على نشاطات القائد الأعلى والمؤسسات الخاضعة لسيطرته). وقد عمد خامنئي خلال الأعوام الثلاثين الماضية إلى تغيير هياكل مجلس صيانة الدستور، ومجلس خبراء القيادة بطريقة جعلت المجلسين مجرد أدوات لسلطته المطلقة، بدلاً من الإشراف على نشاطاته!

يقول آية الله علم الهدى؛ وهو أحد رجال الدين المتشددين، وعضو مجلس خبراء القيادة في خطاب له: "الدور الإشرافي لمجلس خبراء القيادة على أفعال القائد الأعلى يستند للحفاظ على مبادئ الولي الفقيه وحماية قيادة القائد الأعلى".

واستغل خامنئي صلاحيات مجلس صيانة الدستور لإقصاء خصومه، ومنتقديه السياسيين مرات عديدة؛ فقد استخدم سلطة الاعتراض الممنوحة لمجلس صيانة الدستور خلال دورتين متتاليتين للانتخابات الرئاسية، لإقصاء الرؤساء السابقين محمود أحمدي نجاد (2017)، وهاشمي رفسنجاني (2013) من الانتخابات. كما استخدم هذه السلطة الممنوحة لمجلس صيانة الدستور مرة أخرى في انتخابات مجلس الخبراء في عام 2015 لإقصاء سيد حسن الخميني (حفيد آية الله الخميني) من الانتخابات، خوفاً من أنّه قد يسعى ليُصبح القائد الأعلى للثورة الإسلامية المقبل. وخطّط مجلس صيانة الدستور انتخابات مجلس الخبراء في عام 2015؛ بحيث تم استبعاد جميع القادة المنتقدين للقائد الأعلى للثورة الإسلامية، وتم اختيار أعضاء المجلس العشرين قبل أن يبدأ التصويت. وبذلك، ضمن مجلس صيانة الدستور أن جميع أعضاء مجلس الخبراء الجدد مؤيدين للقائد والحرس الثوري.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني

وخلال العقود الثلاثة الأخيرة في حكم إيران، استغل خامنئي سلطات مجلس صيانة الدستور في المصادقة النهائية على القوانين، ولضمان منع المصادقة على أي تشريع من شأنه أن يعرّض سلطاته كقائد أعلى في الدولة للخطر، أو يُثير تساؤلات حول شفافية أنشطة المؤسسات الخاضعة له. وعلى سبيل المثال: صادق البرلمان الإيراني على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المُنظّمة العابرة للحدود الوطنية (تُعرف أيضاً باسم اتفاقية باليرمو)، بيد أنّ هذه الاتفاقية قد تكبح بشدة الأنشطة الإقليمية والعابرة للحدود الوطنية للحرس الثوري الإسلامي، خاصة دعمه لجماعات مثل "حزب الله اللبناني"، وبالتالي، أصدر خامنئي بياناً بهذا الخصوص قال فيه: "من الممكن أن بعض بنود هذه الاتفاقية جيدة للمعاهدات الدولية، بيد أنّه لا لزوم للانضمام لمثل هذه الاتفاقيات، والتي يكتنفها بعض الغموض، والتي لا نعلم نواياها وأهدافها".

وثمة تطابق بين أهداف الحرس الثوري الإسلامي، وأهداف علي خامنئي، ويتمثّل دور الأخير بحماية مكانة وأهداف القائد الأعلى للثورة. ولذلك، ازداد توجه مجلس صيانة الدستور لإقرار ترشيح أعضاء سابقين في الحرس الثوري في الانتخابات، وهو ما برز بشكل واضح في الانتخابات البرلمانية، والانتخابات الرئاسية لعام 2013، حيث كان هناك 4 مرشحين من أصل 6 من جنرالات سابقين في الحرس الثوري الإسلامي. ويُرسل مجلس صيانة الدستور استفسارات إلى الحرس الثوري الإيراني وأجهزته الأمنية للحصول على معلومات أساسية عن الأفراد المعنيين، وفي حالة تقديم مشروع قانون إلى البرلمان للمصادقة من شأنه تعريض مصالح الحرس للخطر، يتدخل مجلس صيانة الدستور فوراً ويحل المشكلة لصالح الحرس.

وخلاصة القول إنه بدلاً من حماية الدستور، فقد أصبح مجلس صيانة الدستور حامياً للقائد الأعلى الإيراني، وللمؤسسات التي تخضع لسيطرته، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني.

للمشاركة:



ماذا يحدث في قناة "الشرق"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

انتفض العاملون بقناة "الشرق" الإخوانية ضدّ إدارتها؛ بسبب ما وصفوها بـ "ممارسات مشبوهة" داخل القناة، و"فساد مالي" لصالح نخبة من المذيعين والملاك، فيما يعاني صغار الموظفين ضيق الحياة.

ووفق البيان الصادر عن العاملين في القناة؛ فقد "ظهرت بعض التسريبات عن تمويل القناة بملايين الدولارات شهرياً، دون أي ردّ من مالكي القناة، مما يثبت صحة التمويل"، وفق ما نقلت "العين" الإخبارية.

عاملون بقناة "الشرق" ينتفضون بسبب "ممارسات مشبوهة" و"فساد مالي" لصالح نخبة من المذيعين والملاك

وأضاف البيان: "بعد مطالباتنا بتعديل رواتبنا، لكن دون جدوى، في ظلّ الرواتب الباهظة التي يتحصل عليها بعض من مذيعين القناة، في حين أننا نحصل على رواتب قليلة، على الرغم من صعوبة المعيشة في إسطنبول؛ لأننا لسنا من علية القوم مثل غيرنا، ممن يحصلون على الجنسيات التركية المجانية".

وتابع البيان: "لذلك قررنا أن يصل صوتنا للجميع؛ لذا قمنا بالسيطرة على الموقع الرسمي للقناة المملوكة لشركة إنسان، والمتمثلة في شخص أيمن نور، وكذلك الصفحة الرسمية للقناة على موقع تويتر والصفحة الرسمية للقناة على موقع أنستغرام".

وأشار العاملون بالقناة إلى أنهم سيقومون بـ "نشر المستندات" التي تثبت صحة ماقالوه عن "رواتب وفضائح القائمين على قناة الشرق".

وبعدها بساعات، قام العاملون بالفعل بنشر عقد المذيع الإخواني، معتز مطر، الذي أشارت التسريبات إلى تقاضيه آلاف الدولارات شهريا.ً

العاملون يعلنون سيطرتهم على الموقع الرسمي للقناة وعلى صفحات القناة في تويتر وأنستغرام

وليست هذه هي الأزمة الأولى داخل القناة؛ حيث سبق أن اشتدّ الصراع بين أيمن نور وأعضاء الجمعية العمومية، أمثال: عبد الرحمن القرضاوي، نجل الإخواني الهارب يوسف القرضاوي، وأستاذ العلوم السياسية سيف عبدالفتاح، والمحامي الحقوقي هيثم أبو خليل، وبعض العاملين بالشرق.

ولم يتوقف الأمر عند التراشق بالألفاظ على صفحاتهم الشخصية، بل تطور إلى نشر تسجيلات وفيديوهات سابقة حول النزاعات والصراعات داخل القناة.

وتبثّ قناة الشرق من تركيا، وهي موجهة ضدّ الدولة المصرية، خاصة أنّ القائمين عليها ومموليها من جماعة الإخوان المصنفة في عدد من الدولة كتنظيم إرهابي.

 

للمشاركة:

ماذا قال بلحاج عن تدخّل تركيا في ليبيا وعن مؤتمر برلين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

قال القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة الإرهابية، ورئيس حزب "الوطن"، المطلوب لمكتب النائب العام الليبي، عبد الحكيم بلحاج: "نحن نؤيد اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين تركيا وليبيا".

وصرّح بلحاج، في حديث مع موقع "عربي 21" القطري:؛ "من وجهة نظرنا؛ فإنّ حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي يمتلكان من المقاتلين "ميليشيات طرابلس" ما يمكنهما من ردّ هجوم الجيش الليبي وإقرار الأمن والسلام في ليبيا، بقليل من الدعم العسكري، وهو أمر مسموح به وفق كلّ القوانين فحكومة الوفاق هي حكومة شرعية، وتمتلك الحقّ في توقيع اتفاقيات التعاون المشترك مع بقية الدول".

وقال العضو السابق في تنظيم القاعدة الإرهابي: "الجزائر يمكنها أن تمارس دوراً مهماً في دعم التوازن السياسي بين الأطراف المتدخلة في الشأن الليبي، وهي قادرة على جمع الفرقاء الليبيين وتقديم مبادرة لدعم الحلّ السياسي في ليبيا."

بلحاج: نؤيد اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين تركيا وليبيا، وحكومة الوفاق تملك مقاتلين قادرين على صدّ هجوم الجيش

وأوضح أنّ مؤتمر برلين حول ليبيا، الذي انعقد الأحد الماضي، أو المزمع عقده في مطلع شباط (فبراير) المقبل، لا يهدف لحلّ الأزمة الليبية، وإنما تحجيم الدور التركي في ليبيا والمنطقة، وهو مسعى تقوده فرنسا بحسب زعمه.

وأضاف: "الدليل على ذلك أيضا" إضعاف دور الجزائر وتغييب المغرب وتونس، وهو ما أعطى انطباعاً للجميع بعدم التوازن بين الأطراف الحاضرين لمؤتمر برلين، هذه الملاحظات الشكلية تعكس أيضاً مضمون المؤتمر، الذي هو في نهاية المطاف تكرار للمحاولات الفاشلة وغير المجدية بالنسبة إلى الليبيين".

وزعم بلحاج أنّ الليبيين "يعوّولون على الأرضية الصلبة، المتمثلة في ما وصفه بـ "الشرعية الدولية التي تعكسها حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي"، والعدالة الدولية التي ترفض الانقلابات العسكرية، بالإضافة إلى دول الجوار الجريئة، والتي تقف صفاً واحداً ضدّ الانقلابات العسكرية، والاعتماد على القوة لحسم الخلافات السياسية".

مؤتمر برلين حول ليبيا الذي انعقد أو المزمع عقده في شباط (فبراير) لا يهدف لحلّ الأزمة الليبية وإنما لتحجيم دور تركيا

كما دعا المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق إلى مراجعة سريعة وعاجلة لأدائها السياسي والعسكري، خاصة أنّ غالبية القوى العسكرية التي كان يعتمد عليها القذافي موجودة في المنطقة الغربية، وحثّها على العمل لتشكيل جيش وطني وقوات أمنية قادرة على حماية الشرعية وتأمين ليبيا، قائلاً: "الذي يدافع عن أرضه لا يحتاج إلى جلب قوات تدافع عنه"، في إشارة إلى الرهان على تركيا، فيما وصفه بـ "ردّ هجوم الجيش على طرابلس والشرعية الدولية في ليبيا".

ورأى بلحاج؛ أنّ الحديث عن قرار رفض تسليح الأطراف الليبية، الصادر عن مؤتمر برلين، المقصود به تركيا وحكومة الوفاق، وليس كلّ الأطراف الليبية، وإلا فما سرّ وصول حفتر (القائد العام للقوات المسلحة) إلى حصار المدن ومهاجمة طرابلس، لولا وجود التسليح الدولي؟".

 

 

 

للمشاركة:

مطالبات بحماية الصحفيين الإيرانيين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-23

يواصل النظام الإيراني مطاردة الصحفيين الإيرانيين داخل البلاد، وخارجها، في مسعى لإسكات أيّ صوت يتحدث عن الأوضاع الحقيقية في طهران.

ودعت منظمة "مراسلون بلا حدود"، قادة الدول السبع، فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وجمهورية التشيك والسويد والولايات المتحدة، التي تستضيف وسائل الإعلام الناطقة باللغة الفارسية، إلى حماية الصحفيين الإيرانيين من تهديدات الحكومة الإيرانية، وإدانة تصرفات النظام ضد الصحفيين العاملين في هذه الوسائل.

وطالبتهم المنظمة بالوقوف إلى جانب هذه الشبكات، والدفاع عن الحق الأساسي في الحصول على المعلومات".

منظمة "مراسلون بلا حدود" تطالب بحماية الصحفيين الإيرانيين من تهديدات الحكومة الإيرانية

وأشارت المنظمة إلى سيطرة الحكومة على وسائل الإعلام المحلية في إيران، والتي تمنع الصحفيين من تغطية الأحداث الكبرى، مثل الاحتجاجات المناهضة للحكومة، وإلى أنّ وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية التي تبث من أوروبا وأمريكا تعد المصادر الإخبارية المستقلة للإيرانيين.

وأوضحت المنظمة أنّ مسؤولية حماية الصحفيين الإيرانيين داخل حدود هذه الدول تقع على عاتقهم، وهي تنبع من الالتزام بالقانون الدولي، مضيفة أنّها أحصت أكثر من 200 تهديد متتالٍ ضدّ الصحفيين الإيرانيين المقيمين في الخارج، بينها 50 تهديداً بالقتل.

وفي آب (أغسطس) 2016؛ منع القضاء الإيراني أكثر من 150 شخصاً يعملون في الإذاعة والتلفزيون "بي بي سي"، باللغة الفارسية، من إجراء أيّ معاملات مالية داخل إيران، ويتجنّب الصحفيون الإيرانيون الذين يعملون في الخارج السفر إلى إيران خوفاً من القبض عليهم.

بدورها، نقلت عدة مؤسسات إعلامية، مثل "إيران إنترناشونال" و"بي بي سي الفارسية"، قضاياها ضدّ الحكومة الإيرانية إلى هيئات دولية مثل الأمم المتحدة.

وتحتل إيران المرتبة 179 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2019، الصادر عن "مراسلون بلا حدود."

وفي سياق متصل بانتهاكات السلطات الإيرانية؛ فقد أعلن قائد شرطة طهران، أمس، اعتقال شاب إيراني، عمره أقل من 18 عاماً، بتهمة تمزيق صورة قاسم سليماني أثناء الاحتجاجات، وفقاً لوكالة "إيسنا" الإيرانية.

وفي وقت سابق، تحدثت تقارير صحفية عن اعتقال شخص آخر بتهمة "إهانة" صورة قاسم سليماني.

كما تمّ اعتقال 4 أشخاص آخرين، في مطلع الشهر الجاري، في محافظة أصفهان، جنوب البلاد، بتهمة إهانة قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني.

شرطة طهران تعتقل مواطنين بتهمة تمزيق صورة قاسم سليماني أثناء الاحتجاجات

وأظهرت مقاطع الفيديو التي تداولها النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، أنّ المتظاهرين في إيران والعراق، حرصوا أثناء احتجاجاتهم على تمزيق صور سليماني وحرقها.

وأكّد النشطاء الذين يرسلون مقاطع فيديو لـ "إيران إنترناشيونال"، استمرار المظاهرات قرب جامعة "أمير كبير" بطهران، وآخر هتافاتهم: "الموت للولي الفقيه".

وتعليقاً على تمزيق صور سليماني في الاحتجاجات، قال المرشد الأعلى: "هل يمثل مئات الأشخاص الذين أهانوا صورة سليماني الشعب الإيراني؟".

يذكر أنّ سليماني وعدد آخر من العسكريين، من بينهم نائب قائد ميليشيا الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، قٌتلوا في غارة أمريكية في العاصمة العراقية بغداد، مطلع الشهر الجاري.

 

للمشاركة:



ليبيا والمواجهة المصرية ـ التركية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

عبد الرحمن الراشد

لأنَّ الأتراك على وشك أن يخسروا الحرب في ليبيا، ذهبوا إلى برلين، ساحة الحرب الأخيرة، نتيجة استيلاء الجيش على مدينة سرت قبل أسبوعين ومحاصرته طرابلس. هناك تفاوض المنتصرون والخاسرون، آملين أن تدفع الواقعية الجميع إلى التوصل الى اتفاق ينهي سنوات العنف. الاتفاق تم توقيعه من الأطراف المعنية، ورعته الأمم المتحدة، لكن الأرجح أن يعود كل فريق للاقتتال على الأميال الأخيرة.
للحرب مراحل مؤلمة في ليبيا، و2015 كانت السنة التي قضت على آمال المصالحة، حيث أغلقت السفارات في طرابلس، وسحبت الأمم المتحدة قوتها، وعمَّت الفوضى العاصمة. وتسبب تنافس القوى الإقليمية والكبرى في استمرار الحرب، وتركيا من بينها. لها ميليشيات معظم أفرادها أجانب، ويبرر الأتراك انخراطهم في الحرب بأنَّ لهم ديوناً ضخمة على ليبيا، موَّلت بها مشاريع في آخر عهد القذافي، وتدَّعي أن في ليبيا مليونَ مواطن هم من أصول تركية، وهذا طبعاً غير صحيح.
أما لماذا تُصرّ على القتال وليبيا بعيدة عنها، يُقال لأنها تريد بناء إمبراطورية، وهو أمر غير ممكن، لأنَّها لا تملك الموارد، حتى بالدعم القطري غير المحدود لها. الحقيقة لم يبقَ لتركيا سوى ليبيا، من مكاسب «الربيع العربي». وليبيا ممر خطير لزعزعة أمن مصر، وكذلك ضد أوروبا.
فقد راهنت بشكل خاص على جماعة الإخوان في سوريا ومصر والسودان وليبيا، خسروا الحكم، ومعهم خسرت تقريباً كل هذه الدول. لم يتبقَ لها سوى ليبيا، وحتى في ليبيا بقي لحليفها «الوفاق» 15 في المائة، في طرابلس ومصراته. كما خسروا مناطق النفط، من قبل.
في هذا الوضع السيئ، تهدّد أنقرة بإرسال المزيد من المدد للدفاع عن طرابلس. خبراء أتراك، والقوة التركية هم من المقاتلين الأجانب من حرب سوريا. فتركيا بعد الاتفاق مع الروس في إدلب، تريد التخلص من تركة الحرب السورية، وعلى أرضها آلاف المقاتلين الأجانب الذين سيصبحون مشكلة لها. وفي حال فشل اتفاق برلين سيقاتلون مع حكومة الوفاق، وإذا خسروا واستولى الجيش الليبي على طرابلس، سيكون للمقاتلين الأجانب في ليبيا مهمة زرع الفوضى. وورقة يساوم إردوغان بهم في ضغوطه على دول جنوب أوروبا. هذا التصور من وحي تهديدات الرئيس التركي نفسه الذي كرَّر بأنَّ أوروبا لن تكون آمنة إن سقط حلفاؤه في ليبيا!
مصر هي الهدف الآخر للأتراك في ليبيا، وكما قال الرئيس المصري في تعليقه على تزايد التدخل التركي بأنَّ مصر معنية باستقرار ليبيا، والتدخل التركي يمثّل خطراً كبيراً على مصر وقد تكون الهدف التالي. لهذا نرى القاهرة رفعت صوت خطابها معلنة بأنَّها لن تبقى متفرجة إن دخل الأتراك الحرب. في ليبيا، بمقدورهم إطالة أمد وتوسيع الفوضى، لكنَّهم لن يستطيعوا حكم ليبيا، والجميع يحاول دفع أنقرة لتكون واقعية وتتعاون بدعم أي حكومة مشتركة، تشكل وفق اتفاق برلين، حتى تنتهي هذه المأساة العبثية. ولا ننسى أنَّ الحرب الحالية بسبب إفشال فرصة سابقة للتشارك في الحكم، عندما طمع المتطرفون الذين تدعمهم تركيا، في كل السلطة. الأتراك الذين يريدون استخدام ليبيا لتعزيز وضع فشلهم في سوريا ستكون ليبيا عبئاً وفشلاً إضافياً إن أصرُّوا على دعم الحرب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

اتفاق أردوغان-السراج والإرهاب في شمال أفريقيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

باسم عدلي

تحاول الدولة التركية استعادة مكانتها الدولية والإقليمية من خلال الدعم للجماعات الإرهابية، وتصعيدها إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية والأفريقية، وذلك من خلال عدة أدوات إنسانية، واقتصادية وسياسية، ومعها تأتي الأداة التسليحية والعسكرية والأمنية، خاصة في الدول الاستراتيجية التي يمكن من خلالها تحقيق أكثر من هدف، مستغلة المشاعر الدينية، والتقاربات الأيديولوجية، والحالة الأمنية، والمراحل الانتقالية.

هذا ما تم تنفيذه في الحالة السورية، وتحاول تركيا تكرار ذلك النموذج مع الدولة الليبية، من خلال مذكرة التفاهم للتعاون العسكري والأمني التي تم توقيعها بين أردوغان وحكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج في 26 نوفمبر 2019، والذي يعد نسخة أوسع من الاتفاق الإطاري للتعاون العسكري المبرم بين الطرفين في وقت سابق، هذا إلى جانب اتفاق بحري تم توقيعه في ذات الفترة يهدف إلى تحديد الحدود البحرية بين البلدين.

وأثارت مذكرة التفاهم تلك العديد من ردود الأفعال الدولية والإقليمية، وخاصة من دول الجوار المباشر لليبيا، وخاصة مع التخوف من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى نقل مسلحين دواعش إلى الأراضي الليبية، أو تهديد حالة الاستقرار في حقول غاز شرق المتوسط، إلى جانب الانتفاضة العربية تجاه محاولة تركيا انتهاك سيادة دولة عربية، ويمكن رصد تأثير مذكرة التفاهم العسكرية بين تركيا وحكومة على نشاط الجماعات الإرهابية في النقاط الآتية:

المحور الأول: التعريف بمذكرة التفاهم والاتفاق البحري:
على الرغم من عمومية نصوص مذكرة التفاهم، وتضمنها مبادئ يمكن القول إنها مبادئ تكافح من خلالها تركيا الإرهاب، لكن التخوف ينبع من تعريف من هو الإرهابي، ومن ستواجهه القوات التركية، ومن ستعزز من قدراته، ومن ستزوده بالأسلحة والتدريب، ومن ستغطيه بوحدات الدفاع الجوي، أي مع أي طرف ستقف، وضد أي طرف؟

فقد نصت مذكرة التفاهم على ضرورة الحفاظ على الأمن والسيادة الليبية، وتعزيز قدرات حكومة الوفاق في مكافحة الإرهاب والهجرة غير المنظمة والجريمة، وتؤسس لمهام تدريب وتعليم، ونقل خبرات بين الجيشين التركي، والجيش التابع لحكومة الوفاق، والتعاون في تبادل المعلومات الأمنية بين الطرفين، وتغطية جميع الجوانب الأمنية.

في حين تم النص في الاتفاق البحري بين الطرفين على تحديد مناطق السيادة البحرية، وحدود المناطق الاقتصادية لكل دولة من الدولتين، بحسب الإحداثيات، وبهدف إطلاق السيادة على بعض المناطق، وهو ما يمنع بعض الدول المشاطئة، وخاصة اليونان، من توقيع وتفعيل اتفاقيات بعينها للتنقيب عن الغاز، أو تحديد حدودها البحرية كما كان متصوراً، ويؤثر على عمل منتدى الغاز الذي أسسته مصر بعضوية 7 دول بحر متوسطية باستثناء تركيا، بل ويؤثر على النشاط التنقيبي في شرق المتوسط كاملاً، وخاصة النشاط المصري، مع احتمالية المواجهة أو عدم الاستقرار في تلك المنطقة.

واعتمدت تركيا في هذا التقسيم البحري على مبدأ المناطق الاقتصادية الخالصة، والتي تحددها الأمم المتحدة والمادة 55 من قانون البحار بأنها منطقة تمارس الدولة فيها حقوقها السيادية خاصة في الاستغلال واستخدام الموارد البحرية، والتي تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري.

وعند إعلان ليبيا في مايو 2009 حدودها البحرية ومناطقها الاقتصادية، أعلنت أيضاً أنها منفتحة مع كافة الدول لترسيم الحدود البحرية، وهو ما دفع اللواء البحري التركي "جهاد بايجي" إلى نشر كتابه "ليبيا جارة تركيا في البحر"، والذي أشار إلى أهمية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا لإفساد ما تخطط له اليونان وقبرص الجنوبية، والاستفادة من احتياطات الغاز في شرق المتوسط التي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار.

مواقف دول شمال أفريقيا من مذكرة التفاهم
كان لهذا الاتفاق العديد من الأثار والتداعيات التي ترجمتها مواقف دول شمال القارة، بخاصة مع معرفة تلك الدول وقادتها بطبيعة الدور التركي في تكوين المليشيات، وتسليح الجماعات التي تدين بالفكر الإخواني المنحرف عن الإسلام، والتي تناهض الدولة الوطنية، وما يمكن أن يحمله ذلك من تداعيات على دول الجوار، وهو ما ظهر في الموقف المصري، الذي تم ترجمته من خلال الاتصالات، والزيارات، واللقاءات بين مصر وعدد من الدول الأوروبية، ومع الولايات المتحدة، وعدد من الدول العربية التي لا تزال تهتم بالقومية العربية والسيادة الوطنية للدول التي تضمها هذه القومية، وخاصة بعد إعلان أردوغان عن وصول عسكريين إلى ليبيا من جنسيات مختلفة، ونجاح الجيش الوطني الليبي في تحرير سرت.

وحاول أردوغان شق الصف العربي من خلال زيارة مسؤولين أتراك إلى تونس والجزائر، رغبة إظهار أن هناك تنسيقا ما على التدخل التركي في ليبيا، خاصة مع وجود حركة النهضة الإخوانية على رأس البرلمان التونسي، ومع طبيعة ما تواجهه المرحلة الانتقالية في الجزائر، ووجود جماعات تركية داخل الدولة الجزائرية، وهي المحاولات التي باءت بالفشل، وتم رفض التدخل التركي في الدول العربية، واعتبرت تونس والجزائر أن الحل السياسي هو الأفضل، وعلى إثر ذللك عُقد في القاهرة يوم 8 يناير 2020 اجتماع على مستوى بين مصر وعدد من الدول الأوروبية على رأسها اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وهو الاجتماع الذي اعتبر اتفاقية أردوغان مع السراج باطلة، وهو نفسه موقف البرلمان الليبي المنتخب.

ومع كل هذه المواقف، والهزائم التي تلحق بالمليشيات المدعومة من قبل تركيا في الداخل الليبي، وما يتكشف من رفض لأجهزة الدولة الليبية لهذا الاتفاق، لا تزال تركيا وحكومة السراج تدافعان عن هذا الاتفاق، رغبة في خدمة المشروع الإخواني في واحد من آخر معاقله، ورغبة في الاستفادة من غاز ليس من حق تركيا في إعطاء قبلة الحياة لمشروع السلطنة التركية الإخوانية، والتي كانت تقوم على تولي ولي إخواني لكل دولة عربية، يتبع مباشرة الولي التركي الإخواني، واستبدال الصفة العثمانية بالصفة الإخوانية.

الاتفاق ونشاط الجماعات الإرهابية.. مصادر التهديد
يعتبر كثيرون أن الاتفاق التركي مع حكومة السراج لا يهدف فقط إلى التدخل في الشأن الليبي، وتهديد عدد من دول الجوار من خلال دعم جماعات إرهابية، ونقل مقاتلي داعش، بل يهدف كذلك إلى رفع معنويات المليشيات والجماعات المسلحة التي لقت العديد من الهزائم على يد الجيش الليبي، واستخدامها في تقوية الموقف التركي في المفاوضات حول غاز شرق المتوسط، وهو ما يجعله عنصرا مؤثرا على أمن دول شمال أفريقيا، وجنوب أوروبا من خلال الجماعات التي يمكن استخدامها ودعمها، ويمكن أن يكون مصدر تهديد من خلال:

1. نقل إرهابيي داعش من سوريا: وهي عناصر ترى في مصر ودول أوروبا أعداء لها، وترى في العديد من الدول العربية معوقاً أمام مشروع الخلافة الإسلامية في ثوبها الإخواني، ومن الطبيعي أن تضع كل هذه الدول ومصالحها في الدول الأوروبية وأمريكا محل استهداف.

2. استخدام الأجواء الليبية الجوية والبرية والبحرية للتأثير على عدد من الدول: خاصة التي تقع في الجوار المباشر، ودعم الجماعات المسلحة التي تؤثر على استقرار تلك الدول، وهو ما يهدد الدول العربية، ودول الساحل الأفريقي.

3. هدم الجيش الوطني الليبي: وإتاحة المجال للمليشيات للسيطرة على دولة استراتيجية مثل الدولة الليبية، وتوفير ساحة لممارسة نشاط تلك الجماعات.

4. قاعد عسكرية تركية في المستقبل: يعتبر من الأهداف الاستراتيجية في الفكر الأمني التركي أن تتخذ من الأراضي الليبية مستقراً لقاعدة عسكرية، وهو ما سيمكنها من التأثير على الأمن القومي لعدد من الدول، ودعم الجماعات والتنظيمات الإرهابية في دول أفريقية وعربية من ناحية أخرى.

5. منتدى ومشروعات غاز شرق المتوسط وخط الغاز لأوروبا: تحاول تركيا من خلال كافة تلك التحركات التأثير على سبل الانتفاع بالغاز الطبيعي في البحر المتوسط، إلى جانب محاولة خدمة مشروعها الأيديولوجي الإخواني، وهو ما دفعها لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا، بطريقة تخالف القانون والاتفاقيات والأعراف الدولية.

6. دعم الجماعات الموالية من خلال نقل سلاح أو عمليات تدعم دورها: وهو ما قامت به تركيا مع المليشيات الموالية لحكومة الوفاق، ويمكن أن يتسع مجاله وأنماطه، خاصة مع الهزائم التي تلحق بهذه المليشيات، وتقدم الجيش الوطني الليبي نحو طرابلس.

7. شد أطراف نظم سياسية قائمة بما يؤثر على خططها التنموية: خاصة النظام المصري، الذي بدأت ملامح تجربته تظهر وتؤكد أنه على الطريق الصحيح، وتحاول تركيا أن تحبط تلك التجربة، أو أن تستدرج النظام المصري نحو مواجهة وحرب تعطل الخطط التنموية، وتتيح فرصة لعودة الجماعات الإرهابية إلى هذه الدولة.

8. محور جذب لأبناء الجماعات من الدول وتكوين بؤرة تأثير على الحدود: وخلق بديل مكاني لهذه الجماعات عن سوريا والعراق ليصبح شمال أفريقيا هو المقر الجديد للجماعات الإرهابية، مع الظهير الصحراوي الأفريقي في منطقة الساحل الأفريقي، وهو ما سيؤثر على الأمن القومي للعديد من الدول العربية والأفريقية.

9. إضعاف الدولة الليبية: بما يسمح للمرتزقة والمهاجرين غير الشرعيين ومن يعملون في الجريمة المنظمة بالتدفق إليها، وجمعيهم سيتم استخدامهم لخدمة المشروع التركي في تكوين مليشيات، أو التأثير على دول الجوار، أو التأثير على الجنوب الأوروبي.

10. نهب الغاز والبترول الليبي، والتأثير على توازن سوق البترول الدولي، بما يسمح له ليس فقط التأثير على دول الجوار المباشر لليبيا، بل التأثير على كافة الدول المصدرة للبترول والغاز، واستخدام فائض تلك الثروات في تمويل الجماعات الإرهابية.

11. ساحة مواجهة جديدة مع دول ترغب في استعادة الدولة الليبية: منها دول خليجية ودول أفروعربية، وتحاول تركيا إثبات أنها من القوى المؤثرة في التوازنات الإقليمية، وفي التطورات الداخلية في الدول العربية، وأن مشروعها الاستيطاني لا يزال قادرا على التمدد.

12. الانشقاقات الداخلية الليبية وتأثيراتها الإرهابية: والتي بدأت في صفوف مؤسسات الدولة الليبية التي لا تزال تعمل، وتأثير ذلك على الجبهة الداخلية وعلى سبل مواجهة الجماعات الإرهابية.

سبل مواجهة التغلغل التركي في الشأن الليبي

يحتاج التدخل التركي في الشأن الليبي إلى العديد من الأدوات التي يمكن تفعيلها لمواجهته، وللتخفيف من آثاره، لعل من أهم تلك الأدوات:

-تكوين جبهة إقليمية ودولية رافضة لذلك التدخل، وتوضيح الآثار والأهداف الفعلية التي تحرك تركيا نحو ليبيا.

- العمل على التوعية الدولية والإقليمية بمخاطر هذا التدخل، وعدم قانونية الاتفاقات التي تعقدتها حكومة السراج مع تركيا.

- تكوين جبهة من دول الجوار ترفض أن تستخدم تركيا أرضها في احتلال الأراضي الليبية.

- دعم الجيش الليبي الوطني، ومحاولة بذل جهد لرفع حظر التسليح عنه، حتى يستطيع مواجهة المليشيات.

- توفير الحماية اللازمة لمشروعات غاز المتوسط، وهي حماية قانونية، وحماية عسكرية.

- العمل على تقوية مؤسسات الدولة الليبية، بما يمكنها من مواجهة هذا الاحتلال التركي.

- استصدار قرارات أممية، من الأمم المتحدة والجمعية العامة، ومؤسسات أفريقية، ومن المؤسسات العربية والإسلامية التي تدين هذا التحرك وتوضح حقيقة نواياه.

- العمل على فصل ليبيا عن الساحل الأفريقي في تحرك الجماعات الإرهابية، بما يمنع تلك الجماعات داخل ليبيا من مصادر التمويل البشري.

في النهاية يمكن القول إن التحرك التركي للتأثير على الأمن الليبي، ودعمه للجماعات الإرهابية لن يتوقف عند هذا الحد، لن تكون ليبيا هي المحطة الأخيرة، فما يحرك أردوغان ليس المصلحة التركية، إنما مصلحة إخوانية تعبر عن مشروع فكري يسعى أردوغان إلى القيام بجزء مهم فيه، يستهدف التهام الدول العربية، ووضعها تحت لواء السلطنة التركية الإخوانية بثوبها الأردوغاني.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-22

يفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الحادية والخمسين أبوابه يوم الأربعاء، 22 يناير/كانون الثاني، في مركز مصر للمعارض الدولية بمنطقة التجمع الخامس شرقيّ القاهرة. وقد وقع اختيار الهيئة المنظمة للمعرض على المفكر الجغرافي الراحل جمال حمدان ليكون شخصية المعرض هذا العام.

عُرف حمدان بعشقه الشديد لمصر والذي تجلى في كتابه الأهم "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" الذي يقع في أربعة أجزاء ضمت أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير، وصدر على مدى عشر سنوات كاملة.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

يقول حمدان: "ببساطة إن مصر، أقدم وأعرق دولة في الجغرافيا السياسية للعالم، غير قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر مهما كانت قوة الضغط والحرارة. مصر هي "قدس أقداس" السياسة العالمية والجغرافيا السياسية".

واشتهر حمدان بدفاعه عن الناصرية والقومية العربية وحركة الضباط الأحرار في يوليو/تموز 1952، وكان يرى أن جمال عبد الناصر هو أول زعيم مصري يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية.

وعن القومية، يقول حمدان: "إلى الآن، الحقيقة المحورية الوحيدة التي تدور حولها الحياة السياسية والوجود السياسي في العالم هي: القومية لا بديل عنها ولا مفر منها ولا مبيد لها ... كقطعة الفلين على الماء، مهما غمرتها بالقسر في غياهب الماء تطفو إلى السطح حتما .. القومية هي سنة الحياة السياسية".

"نبوءات" حمدان

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أشار غير مرّة إلى حمدان، مستشهدا ببعض أقواله، كما في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، وفي ذكرى تحرير سيناء.

وفي كتاب بعنوان "قناة السويس نبض مصر"، قال حمدان إن "قناة السويس هي نبض مصر، والقلب النابض فى النظام العالمي، وهي مركز النقل الأول في أوروبا"، داعيا إلى توسيع القناة كـ "مصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة".

وقال السيسي في افتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب 2015: "ها هي نبوءة جمال حمدان تتحقق".

ولكن لحمدان نبوءات كثيرة وردت في مذكراته التي عُني بجمعها ونشر بعضها أخوه الباحث عبد الحميد صالح حمدان.

ووصفت تلك "النبوءات" بأنها ذات طابع شديد التشاؤم، وربما كان للمحبس الاختياري -الذي لجأ إليه حمدان وظل فيه حتى وفاته الغامضة- أثر كبير فيه.

"مستقبل نهر النيل"
وفي بعض هذه النبوءات، يقول جمال حمدان إن مصر إذا لم تتحرك لكي تكون "قوة عظمى تسود المنطقة بأثرها، فسوف يتداعى عليها الجميع يوما ما "كالقصعة!" أعداء وأشقاء وأصدقاء أقربين وأبعدين".

ويقول في فقرة أخرى، لقد "ظهر لمصر منافسون ومطالبون ومدّعون هيدرولوجيا. كانت مصر سيدة النيل، بل مالكة النيل الوحيدة - الآن فقط انتهى هذا إلى الأبد، وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائي محدود وثابت وغير قابل للزيادة، إن لم يكن للنقص، والمستقبل أسود".

ويرصد حمدان أن مصر الوطن تعني عنصري الأرض والشعب. ويشير إلى أن أرض مصر بعد بناء السد العالي لم تعد تتسع بل أخذت في الانحسار في الوقت الذي بلغ فيه تعداد شعبها "الذروة غير المتصوّرة قط، وهكذا بينما تشهد القاعدة الأرضية والمائية انكماشا أو ثباتا أو انقراضا، وصل الطفح السكاني إلى مداه، ولم يبق سوى المجاعة وبقي عامل السكان الذي تعدى إمكانيات الأرض".

ويبلغ حمدان ذروة التشاؤم فيقول: "سيأتي اليوم الذي تطرد فيه الزراعة تماما من أرض مصر، لتصبح كلها مكان سكن، دون مكان عمل، أي دون عمل، أي دون زراعة، أي دون حياة أي موت! لتتحول في النهاية من مكان سكن على مستوى الوطن إلى مقبرة بحجم دولة".

ويضيف حمدان أن المتغيرات الخارجية من "انقلاب عالمي وهيمنة أمريكية" تعصف بمكانة مصر.

محبس اختياري
وكان حمدان قد اختار لنفسه محبسا في شقة صغيرة في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة جنوبي القاهرة حيث قرر اعتزال العالم بعد أن تعرض لما وصفه البعض ب"مظلمة أكاديمية لم ينصفه فيها أحد" رغم وضوح موقفه.

وبحسب الروايات، فإن أحد زملائه في الجامعة قد سطا على أبحاثه وسبقه بها إلى نيل درجة علمية لم يكن هو قد حصل عليها بعد.

وإذا كان حمدان قد انقطع عن العالم في محبسه هذا، فإن أعماله لم تنقطع، حيث والى نشر العديد منها ليثري المكتبة العربية بذخائر على رأسها ملحمته "شخصية مصر - دراسة في عبقرية المكان" وكتاب "بترول العرب"، وكتاب "اليهود، أنثروبولوجيا" وكتاب "قناة السويس"، وكتاب "أفريقيا الجديدة" وغيرها من المؤلفات المنشورة باللغتين العربية والإنجليزية.

وتوفي حمدان في ظروف غامضة في شقته في شهر أبريل/نيسان 1993.

وكان حمدان قد ولد في قرية ناي بمحافظة القليوبية بمصر في الرابع من فبراير/شباط 1928 لأسرة تنحدر من قبيلة "بني حمدان العربية".

وحصل حمدان على ليسانس الآداب في الجغرافيا من الجامعة المصرية بتقدير ممتاز عام 1948، وعُيّن معيدا بالكلية وسافر في بعثة في السنة التالية إلى إنجلترا لاستكمال دراساته العليا ليعود عام 1953 وقد حصل على درجة الدكتوراة، وانضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا إلى أن استقال عام 1969 وتفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية