لماذا تخشى إسرائيل من تحقيق الجنائية الدولية في الأراضي الفلسطينية؟

لماذا تخشى إسرائيل من تحقيق الجنائية الدولية في الأراضي الفلسطينية؟

مشاهدة

04/03/2021

أعلنت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، عبر بيان صحفي صدر عن مكتبها أمس، فتح تحقيق رسمي في جرائم حرب مفترضة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة رحّب بها الفلسطينيون، وعارضتها إسرائيل بشدة.

المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية: يجب أن ينصبّ اهتمامنا على ضحايا الجرائم من الفلسطينيين والإسرائيليين، جراء دوامة طويلة الأمد من العنف وانعدام الأمن

وقالت المدعية العامة المنتهية ولايتها بنسودا، في بيانها إنّ "هناك أساساً معقولاً" لأن تكون الأراضي الفلسطينية قد شهدت جرائم حرب من الأطراف التي شاركت في حرب غزة عام 2014 (الجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية المُسلّحة وعلى رأسها حركة حماس)، مشيرة إلى أنّ "قرار فتح التحقيق جاء بعد فحص أولي شاق استمر قرابة 5 أعوام"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس 24".

اقرأ أيضاً: لماذا تسعى إسرائيل إلى التقرّب من النظام السوري؟

وأكّدت أنّ "مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيقاً يتعلّق بالوضع في فلسطين، ويتناول جرائم مشمولة بالاختصاص القضائي للمحكمة، والتي يعتقد أنّها ارتكبت منذ 13 حَزِيران (يونيو) 2014".

المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا

وأضافت بنسودا، التي سيخلفها في المنصب البريطاني كريم خان في 16 حزيران (يونيو) المقبل: "ليس على جدول أعمالنا سوى الوفاء بواجباتنا القانونية بموجب نظام روما الأساسي بنزاهة ومهنية".

وتابعت: "في النهاية، يجب أن ينصب اهتمامنا على ضحايا الجرائم، من الفلسطينيين والإسرائيليين، جراء دوامة طويلة الأمد من العنف وانعدام الأمن التي تسبّبت في معاناة عميقة وإحباط لكافة الأطراف".

اقرأ أيضاً: لماذا تزوّد إسرائيل المستوطنين بطائرات مسيّرة؟

وأوضح البيان أنّ مكتب المدعي العام "سيُحدّد الأولويات المتعلّقة بالتحقيق في الوقت المناسب، بسبب صعوبات العمل وسط انتشار جائحة كورونا، والمصادر المحدودة المتاحة لنا، وعبء العمل الحالي لدينا".

إبادات جماعية وجرائم ضد الإنسانية

ويأتي هذا القرار بعد أن صوتت الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية الشهر الماضي، بالأغلبية، على أنّ الاختصاص الإقليمي للمحكمة في حالة فلسطين يمتد إلى الأراضي التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، بما في ذلك غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، لتمهّد بذلك الطريق أمام ادعائها لفتح تحقيق بارتكاب جرائم حرب من جانب الجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية المُسلّحة.

ويحقُ للمحكمة الجنائية الدولية محاكمة المتهمين بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي وقعت على أراضي الدول الأعضاء في "نظام روما الأساسي"، الذي تأسست بموجبه المحكمة.

ولم تصادق إسرائيل قط على نظام روما الأساسي وسبق أن عارضت بشدة أي تحقيق بسبب تبعاته القاتمة على مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين من مرتكبي الجرائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكنّ الأمين العام للأمم المتحدة قبل عضوية الفلسطينيين في عام 2015، في خطوة اعتبرتها السلطة الفلسطينية إنجازاً سياسياً ودبلوماسياً يؤسس لملاحقة إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها المُرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.

يحق للمحكمة الجنائية الدولية محاكمة المتهمين بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية التي وقعت على أراضي الدول الأعضاء في نظام روما الأساسي

وفي العام 2018؛ تقدّمت السلطة الفلسطينية في رام الله بطلب إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية لملف جرائم إسرائيلية تضمن ثلاث قضايا وهي: الاستيطان، والأسرى، والعدوان على غزة بما فيه انتهاكات "مسيرة العودة وكسر الحصار"الحدودية.

قرار طال انتظاره

ورحّبت السلطة الفلسطينية بقرار المحكمة الجنائية الدولية، عبر بيان لوزارة الخارجية الفلسطينية قالت فيه إنّ "هذه الخطوة التي طال انتظارها، تخدم مسعى فلسطين الدؤوب لتحقيق العدالة والمساءلة كأساسات لا غنى عنها للسلام الذي يطالب به ويستحقه الشعب الفلسطيني".

ووفق بيان الخارجية الفلسطينية، فقد ذكّرت دولة فلسطين المدعية العامة والدول الأطراف بأنّ الجرائم التي يرتكبها قادة الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني هي جرائم مستمرة وممنهجة وواسعة النطاق، وهذا ما يجعل من الإنجاز السريع للتحقيق ضرورة ملحّة وواجبة، انسجاماً مع ولاية المحكمة الجنائية الدولية في مكافحة الإفلات من العقاب وردع مرتكبي هذه الجرائم.

اقرأ أيضاً: ما البند السري في صفقة إسرائيل مع النظام "المُمانع" في سوريا؟

ورأت دولة فلسطين أنّ قرار المدعية العامة بفتح التحقيق الجنائي وقرار الدائرة التمهيدية الأولى يثبت احترامها لولايتها واستقلالها والتزامها بقيم ومبادئ العدالة الجنائية على النحو المنصوص عليه في ميثاق روما الأساسي.

رحّبت السلطة الفلسطينية في رام الله، وحركة حماس في غزة بقرار المحكمة الدولية فيما أدانته إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية

ودعت دولة فلسطين الدول الأطراف لاحترام مسؤولياتهم وعدم تسييس مجريات هذا التحقيق المستقل، مؤكدة على الاستمرار في تعاونها التام، والاستعداد لتقديم أي مساعدة مطلوبة تنفيذاً لالتزاماتها كدولة طرف في ميثاق روما بما يخدم تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني وفق الضوابط القانونية المنصوص عليها في الميثاق.

كما رحّبت حركة "حماس" بقرار المحكمة الجنائية، على لسان المتحدث باسم الحركة في غزة "حازم قاسم"، الذي أكّد عدم خوف حركته من نتائج هذا التحقيق، مُشدّداً على أن "مقاومتنا تأتي في إطار الدفاع عن شعبنا، وهي مقاومة مشروعة كفلتها كل الشرائع والقوانين الدولية".

رفض إسرائيلي وأمريكي

وقوبل قرار المحكمة برفض إسرائيلي وأمريكي؛ إذ اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قرار الجنائية الدولية "عداءً صرفاً للسامية، مبنياً على جرائم كاذبة".

أمّأ وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي، فرفض قرار المحكمة، واصفاً إياه بـ "القرار السياسي" الذي يندرج ضمن "الإفلاس الأخلاقي والقانوني".

وقال أشكنازي، في بيان أمس، إنّ "قرار فتح تحقيق ضد إسرائيل هو استثناء من تفويض المحكمة، وإهدار لموارد المجتمع الدولي من جانب مؤسسة متحيزة فقدت كل الشرعية"، مضيفاً أنّ إسرائيل "ستتخذ كل الخطوات اللازمة لحماية مواطنيها وجنودها من الاضطهاد القانوني".

اقرأ أيضاً: هل تنجح مساعي إسرائيل في إسقاط قرار الجنائية الدولية؟

فيما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس "إنّ الولايات المتحدة تعارض بشدة إعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بأنّ مكتبها سيحقق رسمياً في جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية".

وأضاف برايس في إفادة صحفية بحسب وكالة "رويترز" للأنباء: "سنواصل التمسّك بالتزامنا القوي تجاه إسرائيل وأمنها بما يتضمن معارضة الإجراءات التي تسعى لاستهداف إسرائيل على نحو جائر؛ فالمحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص بشأن هذه المسألة".

ما الذي تخشاه إسرائيل؟

وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في تقرير نشرته اليوم الخميس، إنّ تل أبيب تراهن على إمكانية أن يقوم كريم خان الذي تم اختياره لخلافة فاتو بنسودا بتجاوز ملف التحقيق مع إسرائيل بعد أن يتولى مهام منصبه بعد 5 أشهر وأن يهتم بدلاً من ذلك بملفات أخرى.

اقرأ أيضاً: عجلة القدس: مشروع إسرائيلي لخنق المدينة المقدسة وتهويدها

لكنّ التقرير نفسه، قد نقل عن مصادر رسمية في تل أبيب قولها إنّ المسؤولين الإسرائيليين "أخطأوا" عندما أعلنوا تفضيلهم اختيار خان، حيث ادعى هؤلاء المسؤولون أنّ التصريحات الإسرائيلية دفعت بنسودا للمسارعة باتخاذ القرار بالتحقيق في شبهات جرائم الحرب من أجل تقليص هامش المناورة أمام خليفتها.

ونوّهت الصحيفة الإسرائيلية إلى أنّه على الرغم من رهان إسرائيل على دور إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن في إحباط قرار المحكمة الدولية، إلّا أنّها شككت في موضوعية هذا الرهان، مشيرة إلى أنّ قرار إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب حظر دخول بنسودا وطاقمها الولايات المتحدة لم يحل دون اتخاذها قراراً بالتحقيق مع إسرائيل.

يديعوت أحرنوت:  قائمة المتضررين المحتملين من قرار المحكمة الدولية تضم مستويات قيادية في الجيش والمؤسسة الأمنية ومسؤولين سياسيين

وبحسب الصحيفة؛ فإنّ قائمة المتضررين المحتملين من قرار المحكمة الدولية تضم المستويات القيادية الكبرى في الجيش والمؤسسة الأمنية وكبار المسؤولين السياسيين إلى جانب المسؤولين المتورطين في دفع المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية وعلى رأسهم رئيس الحكومة، وقادة المستوطنات أنفسهم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض إسرائيل إطلاق أسرى غزة بعد انتهاء محكوميتهم؟

وأوضحت أنّ ما يثير المخاوف في تل أبيب حقيقة أنّ رفض إسرائيل المؤكد التعاون مع المحكمة الدولية سيدفعها إلى إصدار قرارات باعتقال المسؤولين السياسيين والعسكريين المتهمين بارتكاب جرائم الحرب، مشيرة إلى أنّ ما يفاقم الأمور خطورة، هو حقيقة أنّ أوامر الاعتقال يمكن أن تصدر بشكل سري، ممّا يزيد من فرص اعتقال المسؤولين الإسرائيليين عند زيارتهم الدول المشاركة في المحكمة الدولية.

الصفحة الرئيسية