لماذا تراجعت تنظيمات الإسلام السياسي؟ وما ملامح مستقبلها؟

لماذا تراجعت تنظيمات الإسلام السياسي؟ وما ملامح مستقبلها؟

مشاهدة

17/10/2021

لعل الحقيقة المؤكدة أنّ الهزيمة المدوّية التي تعرض لها حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات النيابية مؤخراً تشكل عنواناً لانتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة أخرى في تاريخ الإسلام السياسي في المنطقة، عنوانها "أفول" نجمه، بعد خوضه تجربة الحكم ليس في المغرب وحده، فرغم تفاوت مستوياتها إلا أنّ المؤكد أنّ تنظيمات الإسلام السياسي "الإخوان المسلمين" تواجه تحديات ضخمة ستدفعها للإجابة، وبدون مواربات لغوية، عن تساؤلات كبرى حول شكل ومضمون الحكم المنشود ما بين واقعية سياسية تستجيب لمتطلبات الانخراط في المجتمع العالمي، ومقدس تاريخي منشود بأنساقه المغلقة المتمثل بالدولة الدينية وإقامة الخلافة الإسلامية.

 

لعل أبرز أسباب تراجع مشروع الإسلام السياسي تكمن في عدم قدرته على الفصل بين الدعوي والسياسي، وتفكيك إشكالية إدارة الدولة

 

خريطة الإسلام السياسي في المنطقة تشير إلى أنّ تنظيماته ليست بحال أفضل ممّا هي عليه في المغرب، بدءاً من سقوطه في مصر ولاحقاً في السودان، وتعثره في تونس وتفككه في ليبيا ومعاناته في الجزائر، والأمر نفسه ينسحب على تنظيمات الإخوان المسلمين في المشرق العربي، بدءاً من تنظيمات الإخوان في السعودية ودول الخليج، والعراق ثم الأردن وفلسطين وفي سوريا وحتى في اليمن، لا سيّما بعد تسريبات حول تعاون إخوان اليمن مع الحوثي، على طريقة تعاون حماس مع إيران، رغم الخلاف المذهبي مع ولاية الفقيه الإيرانية. ورغم تداخل العوامل الداخلية مع الخارجية التي أدت إلى تراجع الإسلام السياسي، إلا أنه يمكن إجمالها على النحو التالي:

العوامل الخارجية

وقف الدعم الأمريكي لمشروع تصعيد الإسلام السياسي للحكم وفق مقاربة أمريكية تم التوافق عليها خلال حكم "باراك أوباما" تقول إنّ الإسلام السياسي "الإخوان" يشكل بديلاً موضوعياً لأنظمة الحكم الدكتاتورية العربية وللتنظيمات الإرهابية، وإنّ تلك الأنظمة تتحمل المسؤولية في إنتاج التنظيمات الإرهابية ودفع مواطنيها للانخراط فيها، فبعد دعمها الربيع العربي أسهمت أمريكا في تصعيد الإخوان إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع تنفيذاً لمشروعها، في الوقت الذي لم تطرح فيه مظاهرات الربيع العربي في أيّ دولة عربية "الخلافة أو الإسلام هو الحل".

اقرأ أيضاً: الدور على الإسلام السياسي الشيعي

لقد جاء وقف الدعم الأمريكي للإسلام السياسي من إدارة أوباما، الذي عبّر أكثر من مرة عن خيبة أمله من إنتاج إسلام سياسي قادر على قيادة الدول الإسلامية ملتزماً بقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وذهبت إدارة ترامب باتجاهات أكثر حدة من خلال إعادة طرح ملفات الإخوان المسلمين ودراسة إمكانيات تصنيفهم تنظيماً إرهابياً، وهو المشروع الذي تم تعليقه من قبل ترامب دون إغلاقه.

 

ردود الفعل التي تشهدها النهضة في تونس والعدالة في المغرب، وما سبقها من مراجعات في مصر والأردن تشير إلى أنّ هناك اعترافاً من قبل الإسلام السياسي بتراجعه

 

وبالتزامن، فقد أصبح واضحاً أنّ الإخوان فقدوا حواضن وغطاءات مهمة في المنطقة، فإذا كانت إجراءات القيادة التركية التي تتضمن التضييق على الإخوان المسلمين ووقف دعمهم بما في ذلك الدعم اللوجستي لهم "مقرات وجوازات سفر ومنصات إعلامية" في إطار التحولات التي تشهدها علاقات تركيا مع خصومها "السابقين" في القاهرة وأبو ظبي والرياض، فإنّ مخرجات اتفاقات "العلا" بين الدوحة وجيرانها تبدو تجلياتها عبر التضييق على الإخوان في قطر ومنصاتهم الإعلامية، بما في ذلك برامج الذراع الإعلامية الأبرز لقطر وهي قناة الجزيرة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي وصناعة الكراهية

ملحظ ثالث في إطار العوامل الخارجية، هو اتخاذ دول الاتحاد الأوروبي إجراءات ضد جمعيات وواجهات خيرية تشكل غطاءات لجماعات الإخوان المسلمين، ثبت لدى الأوروبيين "عبر تحقيقات" أنها تحول دون اندماج المهاجرين مع المجتمعات الأوروبية، وتوفر شبهات حول تجاوزها مهمة العمل الخيري بتعزيز خطاب الكراهية والتطرف، وارتباط بعض قياداتها بعلاقات مشبوهة مع التنظيمات الإرهابية وتوفير حواضن لها، تلك التنظيمات التي نجحت في تنفيذ عمليات موجعة في عواصم أوروبية.

اقرأ أيضاً: تأسيس "علم الإسلام السياسي"

إسرائيل من زاوية الاعتراف بها أو اتخاذ مواقف حاسمة من التطبيع معها كانت من بين محطات الانكشاف الإخواني، بين خطابات توجه للداخل بشيطنة إسرائيل ورفض التطبيع معها، والخضوع لإملاءات دولية ربما كانت تجلياتها أكثر وضوحاً حينما تسلم الإخوان الحكم في مصر وتصريحات الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي وموقفه الملتزم باتفاقات كامب ديفيد، وموقف الحكومة الإخوانية في المغرب من التطبيع وتأييد بعض أوساطها له، وقد كشفت تسريبات عن رسائل إخوانية من إخوان تونس وليبيا إلى جهات غربية تتضمن تعهدات بالاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها في حال وصول جماعة الإخوان إلى الحكم، علماً بأنّ دولاً داعمة للإخوان "تركيا وقطر" ترتبطان بعلاقات مع إسرائيل، عبر تمثيل دبلوماسي متبادل لأنقرة، وتجاري بالنسبة إلى الدوحة.

العوامل الداخلية

لعل أبرز أسباب تراجع مشروع الإسلام السياسي تكمن في عدم قدرته على الفصل بين الدعوي والسياسي، وتفكيك إشكالية إدارة الدولة بين مفاهيم عصرية تنسجم مع المجتمعات الدولية، ومفهوم الدولة الحديثة بالتزامن مع مفاهيم الخلافة الإسلامة التاريخية، وربما كانت أبرز تجليات تناقض الإسلام السياسي بوقوعه في تناقض بخطاباته خلال حواراته مع الغرب، والتي تؤكد على احترام حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، بالتزامن مع خطابات موجهة لقواعده يؤكد فيها على "فسطاطي الإيمان والكفر"، بنسخة مضمونية لخطاب "القاعدة".

اقرأ أيضاً: لماذا يبدو أفول الإسلام السياسي في المغرب محتوماً؟

لكنّ المحطة الأهم التي انكشف فيها الإسلام السياسي بعد وصوله إلى الحكم، وعُدّت امتحاناً عسيراً له، هي عدم قدرته على ترجمة وعوده التي قدّمها قبل الوصول إلى الحكم وخلال وجوده في الحكم، بخصوص تحسين الحياة العامة للناس ومواجهة الفقر والبطالة وتحقيق العدالة والقضاء على الفساد، وبدلاً من ذلك مارس سياسات اقتصادية ذات مرجعيات رأسمالية وتحديداً بمواصلة طلب القروض من البنك الدولي "وهي ربوية"، والتوسع بفرض الضرائب التي تطال الطبقات الوسطى والفقيرة التي تشكل قواعد للإسلام السياسي، وللتغطية على ذلك توسع الإسلام السياسي في إصدار القرارات الخاصة بالأندية الليلية والملاهي ومحلات بيع الخمور، وهي قضايا لم تعد تشد اهتمام الناخب بعد وصول دعاته إلى الحكم.

اقرأ أيضاً: ناشطة تونسية: الإسلام السياسي انتهى إقليمياً ودولياً

في الإدارة العامة وبناء التحالفات، تتفاوت سياسات الإسلام السياسي في التعامل مع الحلفاء وبناء المنظومات السياسية من دولة إلى أخرى، لكنّ القاسم المشترك بينها كان الاستحواذ على السلطة واستبعاد الآخرين، وربما كانت الأخطاء القاتلة التي وقع فيها الحكم الإخواني في مصر قد أسهمت في إفشال التجارب اللاحقة، ففي مصر أقام مكتب الإرشاد الإخواني منظومة الجمهورية على غرار نظام ولاية الفقيه في إيران، واستبعد قوى فاعلة في الثورة المصرية لصالح قوى دينية ذات خلفيات إرهابية، وكانت تجربة النهضة في تونس أكثر ذكاءً بالبقاء في الصف الثاني والتحالف مع شخصيات من خارج النهضة ودفعها لتكون بالواجهة، وكان السقوط حينما قررت النهضة أن تكون بالواجهة في البرلمان، وسياساتها بتكوين دولة داخل دولة، باستلهام نموذج حزب الله اللبناني وعلاقته مع الدولة اللبنانية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أضاع فرصة تركيا للتعايش مع الغرب

الشغف بالسلطة واختلاط الأجندات وتناقضها، ما بين اتخاذ نموذج حزب الله بتكون نظام سياسي مواز "دولة داخل الدولة"، وأخطاء فادحة في بناء التحالفات مع قوى علمانية أو جهادية، أوقع الإسلام السياسي فيما وقعت فيه قوى علمانية من انشقاقات وخلافات بسبب عدم قدرة المكون الرئيسي على الإجابة عن الأسئلة الكبرى حول شكل الحكم وأنظمته الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما أفرز كتلاً من داخله تدعو إلى الحوار مع الدولة العميقة التي انقلب عليها، مقابل تعزز تيارات تكفيرية أظهرت مقارباتها وطروحاتها أنها أقرب لداعش والقاعدة.

اقرأ أيضاً: أحزاب الإسلام السياسي.. فشل النهج والزعامة

الموقف من الإرهاب والعلاقة مع تنظيمات إرهابية كانت محطة من أبرز المحطات التي توقف عندها الناخب، وإذا كانت تنظيمات الإسلام السياسي "ترفض" إدانة الإرهاب والإرهابيين وتذهب إلى مناقشة أسباب الإرهاب، ممّا يعني تأييد أفعالها بالقتل على أسس دينية، فقد ثبت "حسب تحقيقات أمنية" أنّ أوساطاً قيادية في تنظيمات إخوانية بتونس لها علاقات مع إرهابيي القاعدة وداعش وعمليات الاغتيال التي نُفذت ضد معارضين للنهضة، وفي مصر أثبتت التحقيقات علاقة الإخوان مع تنظيمات إرهابية في سيناء، وقد حمل إخوان سوريا والعراق السلاح في بلدانهم.

مستقبل الإسلام السياسي

تتعدد سيناريوهات مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة، ما بين احتمالات استمرار أفول نجمه، أو استعادته لمكانته بعد تغييرات جذرية وعميقة تطال أسسه، وفي مقدمتها الفصل بين الدعوي والسياسي، بما يضمن إعادة إنتاج أحزاب بمرجعيات إسلامية.

إنّ مقولات الإسلام السياسي في تبرير أسباب تراجعه، بما فيها تكالب القوى الدولية وما يمكن وصفه بالدولة العربية العميقة في المنطقة بقيادة ثورة ارتدادية ضدّية، ربما تكون صحيحة في بعض جوانبها، لكنها تتجاهل حقيقة أنّ القواعد الشعبية لتنظيمات الإسلام السياسي، وبعيداً عن نظريات المؤامرة، قدّمت إجابات حول مستقبل الإسلام السياسي وتقييم إنجازاته عبر صناديق الاقتراع، ناهيك عن قرار تصعيد الإسلام السياسي للحكم كان بقرار ودعم من تلك القوى الدولية التي توجه إليها الاتهامات اليوم.

 

تتعدد سيناريوهات مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة، ما بين احتمالات استمرار أفول نجمه، أو استعادته لمكانته بعد تغييرات جذرية وعميقة تطال أسسه

 

وبالتزامن، فإنّ مزاعم الإسلام السياسي بأنه لم يأخذ فرصته لترجمة مقارباته تبدو مقولات بحاجة لمراجعة، لا سيّما أنّ بعض تنظيماته أدارت الحكم لمدد زمنية كافية لإصدار أحكام عليه، ومنها تجربة الإنقاذ في السودان "30 عاماً" والعدالة في المغرب "10 أعوام".

ردود الفعل التي تشهدها النهضة في تونس والعدالة في المغرب، وما سبقها من مراجعات في مصر والأردن، تشير إلى أنّ هناك اعترافاً من قبل الإسلام السياسي بتراجعه، وهناك بدايات على مراجعات نقدية، يؤمل ألّا تنطلق من نظريات المؤامرة وحدها بالبحث في الأسباب الخارجية، وتجاهل أسباب تراجع الإسلام السياسي محلياً، وألّا تكون مخرجاتها بالمزيد من الانشقاقات، لا سيّما أنّ خيارين أمام تنظيمات الإسلام السياسي، وهما: إمّا الذهاب إلى مفاهيم الدولة الحديثة بما تتضمنه من مقاربات حقوقية وديمقراطية وعدالة واقتصاد عالمي والانخراط فيه ضمن متطلباته، وإمّا الذهاب إلى إقامة دولة الخلافة، بما فيها من مخيال عاطفي مشبع بمفردات قداسة غير قادرة على الاستمرار، ولا يستطيع أتباعها ومريدوها العيش في كنف قوانينها.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية