لماذا تستمر عمليات تنظيم داعش في سيناء؟

لماذا تستمر عمليات تنظيم داعش في سيناء؟

مشاهدة

30/06/2019

يبدو السؤال منطقياً بالنظر إلى تكرار عمليات تنظيم داعش الإرهابي بحق عناصر الشرطة المصرية خلال الأسابيع الماضية بشكل لافت، إلى حد قيام التنظيم باستهداف ثلاث نقاط شرطية في وقت واحد، كما يبرز السؤال برغم مرور ما يقارب من عام ونصف العام على انطلاق العملية الشاملة التي أطلقتها القوات المسلحة المصرية، والتي ضمت عدداً كبيراً ونوعياً من القوات؛ إضافة إلى قوات من المظلات انتشرت على نطاق واسع لتغطي منطقة شمال سيناء، بشكل ربما ضيّق على حركة حماس وشعرت أنّ وجود القوات الأمنية يزيد في عزلة القطاع وحصاره.

استهدف التنظيم في البداية خطوط النفط، قبل أن ينتقل لاحقاً في العام 2012 إلى استهداف نقاط عسكرية

بلا شك، لا يمكننا المقارنة بين وتيرة وحجم العمليات قبل وبعد انطلاق العملية الشاملة؛ حيث تراجعت إلى حد كبير قدرات التنظيم وتقلصت عملياته، لكن عودته بهذه الوتيرة تطرح سؤالا: لماذا تستمر العمليات رغم إحكام الحصار من قبل القوات المسلحة وقوات الشرطة المصرية؟

انطلقت إستراتيجية جديدة لمواجهة التنظيم في العام 2015، وانخرطت معها القوات في تدابير خاصة؛ حيث زادت المنطقة العازلة بين غزة وسيناء إلى كيلومتر، وفي العام 2016 وضمن إطار عملية الشهيد تمكّنت القوات من قتل زعيم التنظيم أبو دعاء الأنصاري، أما في العام 2017 فقد قامت بتنفيذ المرحلة الثالثة للمنطقة العازلة التي زادت بطول 15 كيلومتراً، وبالتالي صعّب الأمر على التنظيم نسبياً. 

اقرأ أيضاً: الأمن المصري يلاحق الإرهابيين في سيناء.. حصيلة آخر هجوم

لكن يجب أن نؤكد دوماً أنّ مسرح العمليات في منطقة شمال سيناء ليس تقليدياً، نتحدث فيه عن معارك بين جيوش نظامية، أو مجموعات تتمركز في نقاط يمكن استهدافها والقضاء عليها. إننا نتحدث عن ثلث دولة تقريباً، باعتبار أنّ التنظيم يتحرك فقط في الشمال دون الوسط والجنوب، بما يشي بأنّ خطوط إمداده وقدرته على تعويض خسائره ما تزال مفتوحة، لذلك ينشط التنظيم، في الغالب، في الشمال دون الجنوب والوسط.

تنتشر عناصر التنظيم بالأساس في مغارات ودروب جبلية في جبل الحلال، وقرى الماسورة والخروبة والسكاسنة والوادي الأخضر في الشيخ زويد، والمزارع في العريش وأم شيحان في الوسط، والخروم والرويسات في الجنوب.

اقرأ أيضاً: أحدث فتاوى داعش في سيناء

وقد شكّل العنصر غير المصري في بنية تنظيم داعش ما نسبته 20-30%، وهذا قبل الضربات الموجعة التي تلقاها التنظيم، بما انعكس على تركيبته التي غلب عليها في هذه المرحلة العنصر الأجنبي، وربما بعض سكان المنطقة المحسوبين على عالم التهريب وعصابات المخدرات والذين بإمكانهم الحركة داخل كل الشمال دون لفت الأنظار، وقد قدرت العديد من المصادر عدد عناصر التنظيم في الحد الأدنى بين 700 إلى 1000 عنصر، وفي الحد الأقصى بين 1000 إلى 1500.

استهدف التنظيم في البداية خطوط النفط، قبل أن ينتقل لاحقاً في العام 2012 إلى استهداف نقاط عسكرية وشرطية، خصوصاً بعد 30 يونيو (حزيران)؛ حيث تغيرت وتيرة وحجم العمليات، وبدا أنّ مرحلة استهداف خطوط النفط والعداء لإسرائيل كانت مجرد حيلة لكسب الأنصار وتعبئة العناصر الجهادية.

اقرأ أيضاً: الفكر يتحدى الإرهاب في سيناء عبر سفارات المعرفة

لتنظيم داعش ثلاثة خصوم: الدولة المصرية، وإسرائيل، وحركة حماس، فهل من الممكن أن تجتمع هذه الأطراف الثلاثة وتضرب التنظيم عن قوس واحدة، وتنسق ضمن إستراتيجية واحدة؟ الإجابة بالطبع لا، فعلى الرغم من تشاركهم العداوة مع التنظيم، إلا أنّهم لا يتشاركون أجندة أو أهدافاً واحدة.

لذا يمكننا أن نفهم أنّ الأنفاق من جانب غزة وإسرائيل ما تزال قادرة على تعويض خسائر التنظيم، ورفده بما يحتاجه من أموال أو أسلحة أو أفراد، ورغم أنّ إسرائيل نفذّت 100 غارة بين العامين 2015 و2018، إلا أننا لم نقرأ تقييماً لمدى فعاليتها في كسر قدرات التنظيم، ولم يتحدث أحد عن خط الحدود الطويل معها، وفي جانب الأفراد تحديداً نلاحظ دخول عنصر أجنبي مدرب في ساحات ساخنة كسوريا والعراق وليبيا، فمن المعروف أنّ التنظيم بعد خسارته لدولة الخلافة المزعومة، ما تزال نقاط كسيناء تمثل أهمية كبيرة له، كما لا نستطيع أن نغفل نهوض بعض الدول المعادية لمصر بتسليح التنظيم وتقديم الدعم له، وقد أكدت عمليات مداهمة لبعض أوكار التنظيم أنّه يحظى بهذا الدعم.

اقرأ أيضاً: سيناء بعد "الإخوان"

خطة التنظيم هي التمركز في مصر، واعتبارها قاعدة مهمة، لذا سعى لتدشين أربع مجموعات لتأكيد هذا الوجود، وهي: مجموعة الوادي، ومجموعة المنطقة المركزية، ومجموعة المنطقة الغربية، ومجموعة الشرقية والإسماعيلية.

عملياً تمكّنت الدولة من دحر كل هذه المجموعات وحصار عناصرها، وذلك ضمن الخطة الشاملة، وبقيت مجموعة سيناء عصية على التصفية، بالنظر لكل العوامل السابقة التي يبقى أهمها أنّ التنظيم يتحرك في الثغرات التي يتيحها التباين بين خصومه الثلاث.

لا يمكننا المقارنة بين وتيرة وحجم عمليات التنظيم قبل وبعد انطلاق العملية الشاملة حيث تراجعت إلى حد كبير

لم ينجح التنظيم في بناء حواضن شعبية ربما، لكن مساعدة بعض سكان المنطقة، ما تزال تمثل عامل ضعف في كل إستراتيجية لمواجهة التنظيم، فقد خلّف ضعف التنمية وظروف الحرب مع إسرائيل فجوة واضحة بين قطاعات من السكان والدولة المصرية، وعزز انخراط بعض أبناء سيناء في حركات كالإخوان والسلفيين والجهاديين، الخصومة بينهم وبين الدولة المصرية، ورغم أنّ الغالبية الكاسحة من الشعب السيناوي والقبائل ظلت راسخة الولاء للدولة ولمؤسساتها خصوصاً الجيش، إلا أنّه ما تزال هناك عناصر من ضعاف النفوس الذين تحركهم الثارات والخصومات الشخصية، أو الرغبة في الثراء السريع، فتعاونوا مع تلك العصابات، سيما أنّ الحدود بين عصابات التطرف وعصابات الجريمة المنظمة قد زالت بشكل كامل، وأصبحنا أمام تحالف يربطهم في مواجهة الدولة المصرية، لذلك تبدو حملات القوات المسلحة حريصة على عدم التفرقة في المكافحة بين الجميع، وإذا قمنا بعد كل حملة بمراجعة المضبوطات، سنكتشف أنّها تضم مهربي مخدرات وسلاح وبشر، سواء بسواء مع الإرهابيين، ففي النهاية يتشارك كل هؤلاء الفساد والإفساد.

اقرأ أيضاً: سيناء .. والإرهاب المستوطن

التنمية هي كلمة السر في حصار الإرهاب، الذي يسعى إلى تكريس قطيعة سيناء عن الدولة الأم، إخلاصاً لمخططات إقليمية مشبوهة، ليست بعيدة عن دعم هذه المجموعات بما يمكنها من تنفيذ مزيد من العمليات، لكن الزمن لم يعد في صالح تلك الجماعات، خصوصاً بعد تمركز القوات الأمنية المصرية والتطبيع مع الأرض يوماً بعد يوم، وارتفاع القدرات والخبرات أيضاً، بما يؤكد أنّه مهما فعلت تلك الجماعات أو تلقت من دعم، فالعاقبة في النهاية للشعب، وللدولة التي تبقى عصية على الهزيمة.

الصفحة الرئيسية