لماذا تسعى إسرائيل إلى التقرّب من النظام السوري؟

لماذا تسعى إسرائيل إلى التقرّب من النظام السوري؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
04/03/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

تزامناً مع استمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، يشهد التعاون الإنساني بين إسرائيل وسوريا، برعاية روسيا، تنامياً ملحوظاً، ويبدو أنّ إسرائيل في حالة سلام شبه قريب مع دمشق، فالمعلومات المتواترة التي تسرَّب من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية، تتحدث عن مساعٍ روسية لإجراء ترتيبات لعقد لقاء عسكري إسرائيلي سوري قريباً داخل قاعدة حميم السورية، هذه اللقاءات تأتي في ظل رغبة إسرائيل في إنهاء الوجود الإيراني داخل الأراضي السورية، مع البقاء على علاقات جيدة من النظام السوري.

 رئيس النظام بشار الأسد، يواجه صعوبة كبيرة في طرد الإيرانيين ومبعوثيهم من داخل الأراضي السورية، أما إسرائيل فهي من جهتها تواصل عملها هناك، فعلى الرغم من أنّ الروس لا يحبّون الهجمات الإسرائيلية التي تضعف الأسد، إلا أنّهم من ناحية أخرى، لا يذرفون الدموع على الأهداف الإيرانية التي يتمّ تدميرها، ومع ذلك فإنّهم لا يفعلون ما يكفي لطرد الإيرانيين، وإسرائيل تفضل اختيار أعمال الشرّ، وبالعلن، لأنّها تبحث عن عنوان لها في دمشق والعنوان هو الأسد المرتبط ببوتين، وهنا تبدأ التناقضات؛ حيث لا تتقاطع مصالح إيران وروسيا في سوريا، والأمر لا يستحق البناء على مواجهة أمامية بينهما، هاتان دولتان تريدان فرض ثمن مساعدتهما للأسد خلال الحرب، حتى إن كان التقرّب الإسرائيلي مشكوكاً فيه، وهنا يمكن استذكار استعادة جثمان الجندي زخاريا من مقبرة مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، وهو إنجاز لا يستهان به، وفي هذه الأيام يجتهد الروس للبحث عن الإسرائيليين المفقودين في سوريا.

بدأ الموقف الإسرائيلي واضحاً بعدم إثارة مطالب سياسية عسكرية؛ كوقف العمليات الإسرائيلية في سوريا، لمنع تواجد إيران وحزب الله على الحدود في هضبة الجولان

خلال الأسابيع الماضية، تمّت، بشكل مفاجئ، صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل والنظام السوري، برعاية روسية، بموجبها تم إطلاق سراح أسيرين سوريين من محافظة القنيطرة كانا معتقلين في السجون الإسرائيلية، مقابل إطلاق سراح فتاة إسرائيلية دخلت، بطريق الخطأ، إلى الأراضي السورية، وتمّ اعتقالها من قبل الأمن السوري، لكنّ الحدث كلّه يطرح سلسلة من الأسئلة العسيرة، لا سيما حول الثمن.

لقاحات كورونا للأسد

 وفق منشورات أجنبية؛ فإنّ إسرائيل دفعت لروسيا مبلغ 1.2 مليون دولار، خصص هذا المبلغ لتمويل نقل لقاحات كورونا للأسد، ولم تعترف إسرائيل بأنّ هذا المقابل اندرج في الصفقة، فقد منعت الرقابة العسكرية نشر التفاصيل، وتسربت هذه المعلومات إلى وعي الجمهور الإسرائيلي، في جملة من الإشاعات والتغريدات للنواب في القائمة العربية المشتركة، والذين تساءلوا إذا كانت ثمة حاجة إلى إسرائيلية تجتاز الحدود إلى غزة كي يتلقى سكان القطاع اللقاح، لكن ما هي الطريقة التي تمكّنت من خلالها الشابة اجتياز الحدود؟! لقد سبق أن علم بأنّ الاجتياز تمّ بمنطقة جبل الشيخ ومجدل شمس؛ حيث لا يوجد سياج، لكن من المهم أن نفهم بنية المنطقة أمام تساؤل كيف ينجح شخص ليس مقاتلاً كبيراً في اجتياز السياج سيراً على الأقدام، ولا يوجد سبيل لنصب عائق أمام السير بالأقدام في منحدر كهذا، وعليه فإنّ الجيش الإسرائيلي يعتمد على وسائل تكنولوجية متطورة، وتتركز هذه الوسائل في مسار الدخول إلى إسرائيل بهدف منع تسلل جهات معادية، فعلى طول قاطع الحدود مع سوريا، من منطقة حمات غدير حتى سفوح جبل الشيخ، أقيم في السنوات الأخيرة جدار جديد بطول وسمك مشابهين للجدار الذي أقيم على حدود مصر في بداية العقد، بارتفاع تسعة أمتار، إضافة إلى سياج مدبب وإلى جانب الجدار الجديد الذي أقيم كجزء من منظومة جمع المعلومات الحديثة، ثمة سياج قديم ما يزال موجوداً، وفيه أيضاً مجسّات إخطار ومن خلفها عائق إضافي.

لقد خرجت في أعقاب عملية التبادل الهادئة، أصوات سورية تحدثت عن مخاطر العمل بالقرب من الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان، قال أحدهم: من حسن الحظ أنّني لست راعيَ أغنام سوري يعيش في هضبة الجولان بالقرب من الحدود مع دولة إسرائيل، فلو كنت كذلك ربما لم أكن لأعود إلى البيت في نهاية يوم عملي، فرغم انقضاء الأمر وتبادل أسرى الجانبين، تبقى عملية تبادل السجناء بينهما بمساعدة روسية في غموض قائم، وذلك حول طريقة دخول تلك الفتاة الإسرائيلية إلى سوريا، ولم يتم الكشف فيما بعد عن هويتها، بسبب أمر أمني يمنع تحديد هويتها، رغم أنّها وصفت بأنّها من عائلة متدينة، وهي في العشرينيات من عمرها، ولم يعرف سبب اجتيازها الحدود مع سوريا؛ حيث أوردت الصحافة الإسرائيلية تقارير متناقضة حول التفاصيل.

حقيقة اجتياز الفتاة الإسرائيلية للحدود

 ومهما كانت حقيقة اجتياز الإسرائيلية للحدود السورية، لكنّ التقارير المتواترة تقول إنّ الحدث حصل عند الجولان قبل أسبوعين من منطقة لم يقم فيها سياج، وفشلت كاميرات المراقبة باكتشاف حركتها، ونظراً للرقابة والحراسات الأمنية القوية والمشددة، ربما كانت تعرف مقدماً مكامن الضعف في منطقة الاجتياز، حتى أنّ رواية إسرائيلية خامسة تضع فرضية أنّ الإسرائيلية ربما وصلت إلى سوريا عبر دولة ثالثة، من تركيا أو الأردن، وتمّ اعتقالها بعد وصولها إلى سوريا بفترة قصيرة، فيما علمت القوات الروسية باعتقالها وقامت بإبلاغ إسرائيل.

في نهاية المطاف من المهم أن نفهم أنّ روسيا تمنح إسرائيل مجال مناورة كبيراً في كلّ ما يتعلق بالأعمال العسكرية داخل سوريا

 في المقابل؛ إسرائيل حاولت التغطية على حقيقة تلك الشابة التي أطلق سراحها النظام السوري، فقد قالوا إنّها تجاوزت الحدود عند منطقة لا يوجد فيها جدار أمني، في حين أنّ الإسرائيليين الذين خدموا كجنود احتياط في الجولان، يؤكّدون أنّه يستحيل أن يتجاوز أحد الحدود دون أن يكشفه الجيش الإسرائيلي، هذا يعني أنّه في حال تجاوزت هذه الشابة الإسرائيلية الحدود السورية، فإنّ هذا يتطلب مساعدتها بطائرة بدون طيار، مما يرجح ذلك احتمالاً كبيراً بأنّها كانت في مهمة استخبارية إسرائيلية، لا سيما في ظلّ الاهتمام الكبير الذي أبدته إسرائيل لضمان الإفراج عنها، فضلاً عن الاستنفار الروسي لضمان هذه النتيجة، مع أنّ الجيش الإسرائيلي يبدو مطالباً بأن يفحص كيفية عدم ملاحظته لعبور تلك الإسرائيلية للحدود السورية في مثل هذا المكان الحساس، وما هي إجراءاته لمنع تكرار هذا الإخفاق في مرات قادمة.

قبل أيام، تعرضت الرقابة العسكرية ورئيسها لسلسلة من الانتقادات، فقد اتُّهم رئيس جهاز الرقابة بتوفير سترة واقية سياسية لحكومة إسرائيل ورئيسها، الذي قدّم، وفق منشورات أجنبية بالطبع، بادرة إنسانية لواحد من أكبر أعدائنا، رئيس النظام السوري المجرم، بشار الأسد، والحجة المركزية كانت أنّ إخفاء بند تمويل اللقاح عن الجمهور يستهدف ظاهراً حجب النقد عن نتنياهو في ذروة معركة الانتخابات، غير أنّ مصادر أمنية رفيعة المستوى مطلعة على تفاصيل الصفقة تعرض صورة أخرى تماماً؛ فعلى حدّ قول هذه المحافل، فإنّ فرض السرّية على ذلك البند ليس سياسياً، بل وليد طلب روسي لا لبس فيه، أما إسرائيل، كما تقول هذه المحافل، فتحتاج إلى معونة الروس فيما يجري في سوريا أكثر بكثير مما تحتاج روسيا لمعونة إسرائيل، بالتالي، يجب اللعب في ملعب بوتين وفق قواعد بوتين، وبحسب تلك المحافل أصرت روسيا على السرّية كي تحافظ على كرامة الأسد، كما أنّ الطلبات الرسمية لنزع التعتيم، والتي نقلت إلى موسكو في عدة قنوات رُدَّت، لكن هناك معلومات حول ردّ الروس للطلبات وصلت إلى رئيس جهاز الرقابة الإسرائيلي الذي واصل التعتيم.

روسيا تمنح إسرائيل مجال مناورة

 وفي نهاية المطاف من المهم أن نفهم أنّ روسيا تمنح إسرائيل مجال مناورة كبير في كلّ ما يتعلق بالأعمال العسكرية داخل سوريا، ومنع نقل وسائل القتال في الأراضي السيادية للأسد، إذا كان ممكناً أن نسمي سوريا "أرضاً سيادية للأسد"، فالروس هم الذين يسمحون للجيش الإسرائيلي بالمهاجمة، لا يدخل أيّ رجل دفاع سوريّ واحد لمنظومة "إس 300"، التي تنصب في المنطقة كي يتعلم كيف يستخدمها، وبالتالي؛ إذا كانت روسيا تصرّ ألا تنشر جزءاً من الاتفاق، فليس أمامنا إلا السير على الخطّ، والموافقة عندما تجنّد وسيطاً لمثل هذا الحجم، فإنك تحترمه وتحترم طلباته، قبل عملية التبادل بأسبوع تحدثت معلومات إسرائيلية عن أنّ النظام السوري أبلغ الروس باستعداده لتبادل السجناء، بعد أن تمّ التحقيق مع المرأة للتأكّد من عدم ارتباطها بالمخابرات الإسرائيلية، وهي على خلاف سياسي مع الإسرائيليين، فقد أبلغت محققيها السوريين بأنّها لم تخدم في الجيش الإسرائيلي يوماً ما، وأقنعتهم بأنّه لا يوجد أيّ داع للإبقاء عليها رهن الاحتجاز، أو المطالبة بثمن كبير لتسليمها، وقد تم طيّ صفحة صفقة جديدة بين إسرائيل والنظام السوري، فقد فرضت الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية تعتيماً كاملاً على تفاصيلها، خاصّة الثمن الذي طلبوه مقابل الإفراج عن الشابة الإسرائيلية، لكنّ تسريب جلسة مجلس الوزراء بشأن هذه المسألة مثير للقلق، وربما كان يهدف لتعزيز صورة بنيامين نتنياهو على أنّه يتمتع بعلاقات دولية، وقد تعني أنّ فلاديمير بوتين يقدم مساهمته في حملة نتنياهو الانتخابية، فيما يرى الإسرائيليون أنّه ليس لدى النظام السوري الكثير ليطالب إسرائيل من أجله في مجال إطلاق سراح الأسرى، إلا أنّ رفع الرقابة منعهم من المبالغة في تقدير ما يمكن أن تقدّمه إسرائيل مقابل إطلاق سراح الشابة الإسرائيلية، ولذلك فضّل وزير الدفاع، بيني غانتس، ورئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن يوضحا للروس أنّ هذه قضية إنسانية بحتة من وجهة نظر إسرائيلية.

 بدأ الموقف الإسرائيلي واضحاً بعدم إثارة مطالب سياسية عسكرية؛ كوقف العمليات الإسرائيلية في سوريا، لمنع تواجد إيران وحزب الله على الحدود في هضبة الجولان فى عمق سوريا، مع أنّ الروس أثاروا مثل هذا الاحتمال في تلميح خلال الاتصالات مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لكنّ ردّها لم يترك مجالاً لمزيد من النقاش حول هذه القضية، بزعم أنّ الحديث يدور عن قضية إنسانية لن تقدم إسرائيل أيّة تنازلات إستراتيجية مقابل حلّها، بالعودة إلى حادثة اعتقال رعاة الأغنام في منطقة الجولان؛ فقد تضاربت الروايات الإسرائيلية حول طريقة الاعتقال، فالاحتمال الأول هو أنّ رعاة الأغنام اعتقلوا دون أية علاقة باحتجاز الفتاة الإسرائيلية في سوريا، وأنّ عملية الاجتياز تمت بالخطأ، فليس من المؤكد أنّ الأمر يتعلق بجريمة، وعلى أيّ حال، في دولة تواجه المشاكل مثل سوريا، تجب إعادة أشخاص كهؤلاء إلى دولتهم، أما الاحتمال الثاني؛ فهو أنّ الرعاة اعتقلوا كي يكونوا ورقة مساومة، هذا الاحتمال الذي تحدث عنه سياسيون، وهو أنّ إسرائيل تجمع رعاة أغنام لغرض المساومة مستقبلاً في عمليات كالتي حصلت منذ أسابيع، ومع انتهاء الصفقة يبقى المطلوب من الجيش الإسرائيلي؛ مراقبة الحدود بكافة الوسائل التكنولوجية، لعدم إحداث ثغرة أمنية تستغلها جهات معادية للدولة.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.ynet.co.il/news/article/ryRFzCs11O

الصفحة الرئيسية