لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟

لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟

مشاهدة

09/09/2019

ترجمة: كريم محمد


كانت الكلمات الأولى التي مُرِّرت بين الأوروبيين والأمريكيين (أُحاديّةً ومرتبكةً كما وجب أن تكون) مشفوعةً باللغة المقدّسة للإسلام، وقد أملَ كريستوفر كولومبوس في الإبحار إلى آسيا، واستعدّ للتواصل مع محاكمها الكبرى بإحدى اللغات الرئيسة للمتاجرة الأوراسية، لذلك؛ عندما تحدّث شارح كولومبوس، اليهوديّ الإسباني، إلى التاينو، تحدّث باللغة العربيّة، ولا يقتصر الأمر على لغة الإسلام فحسب؛ بل على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا عام ١٤٩٢؛ أي قبل أكثر من عشرين عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه على الباب، مشعلاً مسيرة الإصلاح البروتستانتي.

على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا ١٤٩٢ أي قبل أكثر من 20 عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه الإصلاحي

احتلّ البرابرةُ، المسلمون الأفارقة والعرب، الجزء الأكبر من شبه الجزيرة الأيبيرية، عام 711، وأنشؤوا ثقافة إسلاميّة استمرّت قرابة ثمانية قرون، وبحلول أوائل عام 1492، أكمل ملوك إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا، حروب الاسترداد (سقوط الأندلس)، وهزموا آخر الممالك المسلمة، ألا وهي غرناطة، وبحلول نهاية القرن، كانت محاكم التفتيش، التي كانت قد بدأت قبل قرن، قد أرغمت ما بين ثلاثمئة وثمانمئة ألف مسلم (وربما ما لا يقلّ عن سبعين ألف يهوديّ) على اعتناق المسيحيّة، وغالباً ما كان الكاثوليك الإسبان يشتبهون في أنّ هؤلاء الموريسكوس، أو أتباعهم، كانوا يَدينون بالإسلام (أو باليهودية) سرّاً، وطاردتهم محاكم التفتيش واضطهدتهم، ومن المؤكَّد أغلب الظنّ؛ أنّ البعض قد أبحر مع رهط كولومبوس، حاملين الإسلامَ في عقولهم وأفئدتهم.

مارتن لوثر

لقد خلّفت ثمانية قرون من الحكم الإسلاميّ إرثاً ثقافياً عميقاً في إسبانيا، وواضحٌ من خلال طرق جليّة، ومدهشة في بعض الأحيان، خلال الفتح الإسباني للأمريكيّتين.

أعجب بيرنال دياز ديل كاستيلو، مؤرخ غزو هيرنان كورتيس لأمريكا الوسطى، بأزياء الراقصات الأصليات من خلال كتابته: "muy bien vestidas a man man y y que parecían moriscas"، أو "يرتدي ملابسهن بطريقته الخاصة، بدا وكأنّه نساء مغاربيات"، استخدم الإسبان بشكل روتيني "mezquita" (الإسبانية للمسجد) للإشارة إلى المواقع الدينية الأمريكية الأصلية، أثناء سفره عبر أناهواك (تكساس والمكسيك اليوم)؛ ذكر كورتيس أنّه شاهد أكثر من 400 مسجد.

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد وغدت بعض أفكاره نهجاً يتعاملون مع العالم به

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط أو الخوارزميّة بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد، وغدت بعض أفكار الإسلام بمثابة نهج يتعاملون مع العالم به؛ ففي حين أنّهم كانوا يواجهون بشراً وأشياء جديدةًعليهم، فإنّهم التفتوا إلى الإسلام فلربّما يفهمون عن طريقه ما كانوا يرون، وما كان يحدثُ لهم، يشيرُ إلى ذلك استعمالهم لكلمة "كاليفورنيا"، وما قد ينطوي عليه أصله من جذور عربيّة؛ فالإسبان أطلقوا الاسم، عام ١٥٣٥، من رواية "Deeds of Esplandian" "مآثر إسبلانديان"، وهي رواية رومانسيّة ذائعة الصيت بين الغزاة، تستعرضُ جزيرةً غنيّةً، هي كاليفورنيا، يحكمها الأمازون السود وملكتهم كالافيا، وقد نُشرت هذه الرواية في إشبيلية، وهي المدينة التي كانت، لقرون عدّة، جزءاً من الخلافة الأموية (انتبهوا إلى كلمات: الخليفة، كالافيا، كاليفورنيا).

خريطة 1719 لماريلاند وفرجينيا وخليج تشيسابيك

وفي كافّة أنحاء نصف الكرة الغربيّ، أينما وصلوا إلى أراضٍ جديدة أو واجهوا شعوباً أصليّة، قرأ الغزاة الإسبان عليهم المطالب، وهي إعلانٌ قانوني بليغ؛ هذه المطالب تنطوي، في جوهرها، على بيان بإعلان وضع جديد للمجتمع: إتاحة الفرصة للأمريكيين الأصليين للتحول إلى المسيحية والخضوع للحكم الإسبانيّ، أو تحمّل المسؤولية عن كلّ "الوفيات والخسائر" التي ستلحق ذلك، والحال؛ أنّ الإعلان الرسميّ والعموميّ عن نيّة الغزو، بما في ذلك العرض على غير المؤمنين بفرصة الاستسلام ويصبحون مؤمنين، هو المطلب الرسمي الأوّل للجهاد، وبعد قرون من الحرب مع المسلمين، تبنّى الإسبان هذه الممارسة، وصبغوها بصبغة مسيحيّة، وسمّوها المطالب، وأخذوها إلى أمريكا معهم، ربّما اعتقد المسيحيون الأيبيريّون أنّ الإسلام خاطئ، إلّا أنّهم كانوا يعرفونه جيداً، وحتّى لو أنّهم رأوه غريباً عنهم، إلّا أنّه وجب عدّه بمثابة غرابة شديدة الألفة بالنسبة إليهم.

اقرأ أيضاً: وكانت أمريكا مسلمة قبل اكتشاف كولومبوس للقارة

ومع حلول عام ١٥٠٣، كان مسلمو غرب إفريقيا أنفسهم قد أتوا إلى العالم الجديد، في ذلك العام، كتب حاكم هيسبانيولا الملكيّ إلى إيزابيلا، يطلب تقليص استيرادها للمستعبدين المسلمين؛ فقد كانوا، كما كتبَ في رسالته، "مصدراً للعار بالنسبة إلى الهنود"؛ فإنّهم "قد فرّوا من ملاكهم"، مراراً وتكراراً، كما كتب.
وفي صباح يوم عيد الميلاد، 1522، في أول تمرّد للعبيد في العالم الجديد؛ حيث ثار نحو عشرين عبداً من عبيد هيسبانيولا العاملين في حقول السكّر، وبدؤوا في ذبح الإسبان، وكما أشار الحاكم؛ فإنّ المتمردين كان معظمهم من الولوف، أحد شعوب سنغامبيا، التي اعتنق أهلها الإسلام منذ القرن الحادي عشر.

نسيان مسلمي أمريكا القدماء هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم

والحال؛ أنّ المسلمين كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة، وهي قُدرةٌ قلّما حبّذها مُلّاك المزارع، وفي العقود الخمسة التي تلت تمرد العبيد، عام 1522، على هيسبانيولا، أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تحظر استيراد العبيد المسلمين.

بعد ذلك؛ وصل المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون، عام 1607، وجاء المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس البيوريتانيين في مستعمرة خليج ماساتشوستس، عام 1630؛ فالمسلمون لم يكونوا يعيشون في أمريكا فقط قبل البروتستانت، بل أيضاً قبل أن تكون البروتستانتيّة موجودة؛ فبعد الكاثوليكية، كان الإسلام هو الديانة التوحيديّة الثانية في الأمريكيَّتين.

المسلمون كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة

إنّ سوء الفهم الشائع حتّى في الأوساط المتعلّمة، بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا، يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب؛ فهو يكشف، بشكلٍ خاص، كيف برّر المؤرّخون واحتفلوا ببزوغ الدولة-الأمّة الحديثة؛ فقد كانت إحدى الطرق للتضخيم من أمريكا هي التقليل من عدم الضخامة وعدم التجانس (الكزومباليتانيّة والتنوع والوجود المشترك المتبادل بين الشعوب)، في أمريكا أثناء الثلاثمئة عام الأولى للوجود الأوروبيّ.

سوء الفهم الشائع بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب

كما أنّ كتابة التاريخ الأمريكيّ أيضاً هيمنَت عليها المؤسّسات البوريتانيّة، لربّما لم يعد هذا الأمر صحيحاً تماماً الآن، كما كان قبل 100 عام، حين اشتكى المؤرخ الأمريكي (الجنوبي)، أولريك بونيل فيليبس، من كون ولاية بوسطن هي التي كتبت التاريخ الأمريكي، وأنَّ ما كتبته جاء خاطئاً إلى حدٍّ بعيد، بيد أنّ الأمر عندما يتعلّق بتاريخ الدين في أمريكا، فإنّ عواقب هيمنة المؤسسات البوريتانيّة الرائدة في بوسطن (جامعة هارفرد) ونيو هيفن (جامعة يِلْ) تظلّ مهولةً؛ هذا "الأثر البوريتاني" على رؤية الدين وفهمه في تاريخ أمريكا المبكّر (وأصول أمريكا)، يقوم بتشويه حقيقيّ؛ حيث يصبح الأمر كما لو كان علينا، ولا بدّ من أن نُسلّم التاريخ السياسيّ للقرن العشرين إلى التروتسكيين.

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة، كما حدث بالفعل؛ فوحده التاريخ يجعل العالَم أو المكان أو الشعب بائنين كما هم عليه، أو على ما كانوا عليه، وعلى النقيض من ذلك؛ يجب التفكير في الماضي على أنّه قطعٌ أو أجزاء من التاريخ يختارها مجتمعٌ ما من أجل تصديق نفسه، والتأكيد على أشكال حكمه ومؤسّساته وأخلاقه المهيمنة.

اقرأ أيضاً: نداءات في ألمانيا: المسلمون غير آمنين!

بالتالي؛ إنّ نسيان مسلمي أمريكا القدماء، هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ، وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم؛ فتاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم، بل التاريخ هو شيءٌ حيّ، من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد، وإلا اندثرَ واختفى؛ فقد أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام، وجعل من الصعب رؤية إجاباتٍ واضحةٍ لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟ وحول معايير الانتماء، ومَن يملك حقّ إقرارها؟

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة كما حدث بالفعل

فماذا تعني "أمريكا"؟ أو ماذا يعني "أمريكي"؟ يشيرُ مشروع معهد "أوموهوندرو" لـ "أمريكا الضخمة المبكرة"، والمعهد هو المنظمة العلميّة الرائدة في التاريخ الأمريكيّ المبكّر، إلى إجابة واحدة محتملة؛ فـ "أمريكا المبكرة، و"الأمريكي"؛ هما مصطلحان كبيران وعامّان، ولكن ليس إلى حدّ أن يكونا بلا معنى؛ فيجب فهمهما، تاريخياً، أفضل الفهم، على أنّهما التصادم العظيم والاختلاط والغزو بين شعوب (وحيوانات وميكروبات) أوروبا وإفريقيا مع شعوب ومجتمعات نصف الكرة الغربيّ، من منطقة البحر الكاريبيّ إلى كندا، التي بدأت عام ١٤٩٢؛ فمن عام ١٤٩٢ إلى عام ١٨٠٠، على أقلّ تقدير، فأمريكا هي أمريكا العظمى، أو أمريكا الضخمة المبكرة.

تاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم بل التاريخ هو شيءٌ حيّ من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد وإلا اندثرَ واختفى

كان المسلمون جزءاً من أمريكا العظمى من البداية، بما فيها تلك الأجزاء التي ستغدو، بعدئذٍ، الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من هؤلاء المسلمين؛ مصطفى الزموري، المسلم العربيّ ذو الأصول المغربية، والذي وصل إلى فلوريدا عام 1527، عبداً في حملة إسبانية بائسة، قادها بانفيلو دي نارفاييث، واقفاً ضدّ كلّ الصعاب، نجا الزموري وأسّس حياة لنفسه، مترحلاً من سواحل المكسيك عبر ما يُعرف الآن بالجنوب الغربيّ للولايات المتحدة، وعبر منطقة أمريكا الوسطى أيضاً، وتكبّد الزموري مشاق العبوديّة لأهل البلد الأصليين، قبل أن يكوّن نفسه كرجل طيب محترم وذائع الشهرة والصيت.

وفي عام ١٥٢٤؛ نشر كابيزا دي فاكا، وهو أحد الناجين الأربعة من حملة نارفاييث، أوّل كتاب أوروبيّ يكرسه صاحبه للحديث عن أمريكا الشمالية؛ هذا الكتاب الذي عُرف بعد ذلك بعنوان "مغامرات في مجاهل أمريكا" ( Adventures in the Unknown Interior of America)؛ حيث يروي فيه دي فاكا أخبارَ الكوارث التي حلّت بالغزاة، وأعوام الأسر الثمانية التي أمضاها الناجون في ترحالهم عبر مناطق شمال أمريكا ووسطها.

اقرأ أيضاً: كيف رأى المسلمون الأوائل الفنون؟
ويقرّ دي فاكا بكيف أنّ الزموري أصبحَ شخصاً لا يمكنهم الاستغناء عنه، فكما كتب دي فاكا: "كان العبد الزنجي هو من يتحدّث إليهم طيلة الوقت"، والـ "هم" ههنا إنّما هي عائدةٌ على الأمريكيين الأصليين، ومن ثمّ، تمثّلت براعة الزموري في اللغات المحلية، التي هي ما أنقذ حياة الرجال، حتى أنَّها فتحت لهم أبواباً لنوعٍ من رغد العيش بعدئذٍ.

إخفاء التاريخ جعل من الصعب رؤية إجابات واضحة لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا؛ بل أكثر منهم مجتمعين.
تروي ليلى العلمي المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الرحلة في روايتها المتميزة "حكاية المغربيّ" (The Moor’s Account)، الصادرة عام 2014، والتي تتعقب فيها الزموري من مرحلة الطفولة في المغرب، ثمّ استقراره في إسبانيا، حتى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكيّ، وإذا كان هناك شيءٌ يمكن أن يوصف بأنَّه أفضل نسخة تجسّد روح الريادة الأمريكية، أو تطلعها الذي لا يعرف حدّاً، وتعكس تجربةً ملهمةً في القدرة على التكيف والابتكار، التجربة الجديرة بأن توسم بها أمّة، أو مجموعة من الناس، فإنّه من الصعب بمكان أن تجد شخصيةً تمثّل ذلك أفضل من الزموري.

أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام

في الفترة بين عامي 1675 و1700، سمحت بدايات تكوّن المجتمع الزراعي في تشيسابيك لتجار الرقيق بجلب أكثر من 6000 إفريقي لفرجينيا وماريلاند، ودفعت هذه الطفرة في التجارة إلى تغيير مهم في الحياة الأمريكية.
وفي عام 1668؛ كان عدد العبيد من البيض في تشيسابيك يفوق عدد العبيد السود بمقدار خمسة إلى واحد، وبحلول 1700 انعكست هذه النسبة؛ إذ جاء المزيد من الأفارقة إلى تشيسابيك خلال الأربعة عقود الأولى من القرن الثامن عشر، وبين عامي 1700 و1710؛ أدّى نموّ الثروة الزراعة إلى استيراد 8000 آخرين من الأفارقة المستعبَدين، وبحلول 1730 جاء 2000 عبد، على الأقل، كلّ عام إلى تشيسابيك.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

كانت تشيسابيك الأمريكية تتحول من مجتمع يضمّ العبيد (أغلب المجتمعات في التاريخ البشري كانت تضمّ العبيد)، إلى مجتمع عبيد، وهو أمر غير عادي تماماً؛ ففي مجتمع العبيد، تكون العبودية الأساس للحياة الاقتصادية، وتمثّل علاقة السيد والعبد علاقة اجتماعية نموذجية، ومثالاً للآخرين.

الجيل الأول من الأفارقة الذين جُلبوا إلى أمريكا الشمالية كانوا يعملون في الحقول جنباً إلى جنب، وينامون تحت سقف سيّدهم نفسه، وهم أيضاً، كما أشار المؤرخ إرا برلين في عدة آلاف ذهبوا (1998)، يسعون بحماس للتحول إلى المسيحية، كانوا يأملون أن يساعدهم التحوّل في حماية مكانتهم الاجتماعية.
جاء الأفارقة، الذين جلبوا أواخر القرن السابع عشر وخلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، للعمل كعبيد في فرجينيا ووماريلاند وكارولاينا، من أجزاء مختلفة من إفريقيا، أو من الهند الغربية، أكثر من الأجيال المُستأجرة السابقة، وكان أغلبهم مسلمين، وأقلّ احتمالاً لأن يكونوا من أصول مختلطة.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟
المبشرون والمزارعون في القرن الثامن عشر اشتكوا من أنّ هذا "الجيل المزارع" أظهر اهتماماً أقلّ بالمسيحية، كما انتقد المبشرون والمزارعون ما عدّوه ممارسة "طقوس وثنية"، يمكن للإسلام، إلى حدٍّ ما، الاستمرار في هذه المزارع الخاصة بمجتمع العبيد الأمريكي.

إذا كان الغربُ يعني جزئياً نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية

وبالمثل؛ في عامَي 1719 و1731، استفاد الفرنسيون من الحرب الأهلية في إفريقيا الغربية لأسر الآلاف؛ حيث جلبوا ما يقارب 6000 أسير إفريقي مباشرة إلى لويزيانا، أغلبهم جاؤوا من فوتا تورو، منطقة حول نهر السنيغال الممتد حالياً بين موريتانيا والسنغال، وصل الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر.
عرفت فوتا تورو منذ ذلك الوقت بعلمائها وفصائلها الجهادية ثيوقراطياتها، بمن فيها إمامة فوتا تورو، التي استمرت منذ 1776 حتى 1861، وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر كانت أصداء الصراعات في غولد كوست (ما يعرف الآن بغانا) وهاوس لاند (المعروفة حالياً بنيجيريا) تتردّد في الأمريكيتين.

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا

في السابق؛ هزم الآسانتي تحالف المسلمين الأفارقة، ولاحقاً، فاز الجهاديون أخيراً ولكن من خلال عملية أفقدتهم الكثير من رفاقهم لصالح تجارة العبيد والغرب. 

أيوب سليمان ديالو؛ أبرز شخصية مسلمة في القرن الثامن عشر في شمال أمريكا، كان من الشعب الفولاني، مسلمون من غرب إفريقيا، في بداية القرن السادس عشر؛ أسر التجار الأوروبيون العديد منهم، وأرسلوهم ليتم بيعهم في أمريكا، ولد ديالو في بوندو، منطقة بين السنغال ونهر غامبيا، في ظلّ ثيوقراطية إسلامية، وأُسر من قبل تاجر رقيق بريطاني، في 1731، وبيع لمالك عبيد في ماريلاند.
لاحظ مبشّر أنّ ديالو يكتب العربية، فعرض عليه شرب النبيذ ليرى إن كان مسلماً أم لا، لاحقاً، كتب محامٍ قصة استرقاق ديالو ونقله إلى ماريلاند، وتحويل اسمه من أيوب إلى جوب، واسم عائلته سليمان إلى ابن سليمان، وبهذه الطريقة أصبح أيوب سليمان جوب بن سليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

وبهذه الطريقة، شهدت تجربة الاسترقاق تحويل العديد من الأسماء العربية إلى أسماء إنجليزية؛ والأسماء القرآنية تحوّلت إلى شيء مشابه لما ورد في إنجيل نسخة الملك جيمس.
موسى أصبح موسس، وإبراهيم أصبح أبراهام، وأيوب أصبح جايكوب أو جوب، وداوود أصبح دايفيد، وسليمان أصبح سولومون، وهكذا.

أشارت توني موريسون للممارسة التي تعرضت لها الأسماء الإسلامية في روايتها "نشيد سليمان" (1977)، وجاء عنوان الرواية من أغنية شعبية تحمل أدلة على تاريخ بطلها، ميلك مان ديد وعائلته، المقطع الرابع من الأغنية يبدأ بأسماء أخذت من الأفارقة المسلمين العبيد، في فيرجينيا وماريلاند وكنتاكي وكارولاينا، وأماكن أخرى في أمريكا، وبالتالي؛ فإنّ نشيد سوليمون كان ربما أيضاً أول نشيد لسليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية

كانت إعادة التسمية (أحياناً تتم بطريقة مهينة أو مزعجة) أداة مهمة لسلطة صاحب المزرعة، ونادراً ما يتم إهمالها، ومع ذلك، عبر أمريكا الشمالية؛ بقيت الأسماء العربية جزءاً من السجل التاريخي، فسجلات محكمة لويزيانا لقرني الثامن عشر والتاسع عشر أظهرت إجراءات تتعلق بالمنصور وسومان وأماديت وفاطمة وياسين وموسى وبكري ومعمري وآخرين.
وتظهر سجلات محكمة جورجيا في القرن التاسع عشر إجراءات تتضمن أسماء؛ سليم وبلال، وفاطمة، وإسماعيل، وعليق، وموسى، وآخرين.

النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ متواصلة وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات

قضى نوبل بوكيت، عالم اجتماعي في القرن العشرين، حياته في جمع مادة إثنوغرافية عن الحياة الثقافية الإفروأمريكية، في كتابه "أسماء سوداء في أمريكا: الأصول والاستخدام"، وثّق بوكيت أكثر من 150 اسماً عربياً شائعياً بين المنحدرين من أفارقة الجنوب، أحياناً يكون للشخص اسم أنجليكي (اسم عبد) للاستخدامات الرسمية، بينما يسود الاسم العربي في الممارسة.

من الصعب معرفة إلى أيّ مدى ثبتت الأسماء العربية المتعلقة بممارسة دينية أو هوية، لكن من غير المرجَّح أنّها فصلت تماماً؛ كتبت جريدة في جورجيا، عام 1791، في إعلان عن عبد هارب، على سبيل المثال: "زميل زنجي جديد يسمى جيفري، أو إبراهيم"؛ نظراً للتحكّم الشديد الذي مارسه مالكو العبيد على التسمية، فقد كان هناك العديد من الرجال الذين يسمون "جيفري" بينما اسمهم الحقيقي هو "إبراهيم"، نساء كثيرات سمين "ماسي"، بينما اسمهنّ الفعلي هو "معصومة"، وهكذا.

قام لورينزو دو تيرنر، باحث في القرن العشرين في الغولا (لغة يُتحدث بها في الجزر قبالة الساحل الجنوب شرقي لأمريكا) بتوثيق ما يقارب من 150 اسماً من أصل عربي شائعة في هذه الجزر وحدها، تتضمن: أكبر، وعلي، وأمينة، وحامد، وآخرين، وكان اسم مصطفى شائعاً في المزارع في أوائل القرن التاسع عشر في كاليفورنيا.

أيّ بيان يخفي حقيقة المسلمين الأمريكيين بصرف النظر عن مدى حسن نيّته فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة

الأسماء العربية لا تجعل المرء مسلماً بالضرورة، على الأقل في المغرب وبلاد الشام، التي تضمّ المسلمين والمسيحيين واليهود أيضاً، لكنّ انتشار الإسلام هو ما جلب الأسماء العربية لغرب إفريقيا، بالتالي؛ فإنّ أسماء أكبر وأمينة، أو على الأقل، آباؤهم وأجدادهم، كانوا مسلمين بكل تأكيد.

وبدافع الخوف؛ حاولت السلطات الإسبانية حظر العبيد المسلمين من مستعمراتها المبكرة في أمريكا، في مجتمعات العبيد الأكثر رسوخاً وأماناً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أنجلو أمريكا، كان بعض أصحاب المزارع يفضلونهم، وفي كلتا الحالتين، كان السبب ذاته؛ أنّ المسلمين كانوا بمعزل، وحازوا سلطة ونفوذاً.

المسلمون تاريخياً هم الأمريكيون مثلهم مثل الأنجلو-بروتستانت ومسلمو أمريكا القدماء هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ

نصح أحد المنشورات "القواعد العملية للإدارة والعلاج الطبي للعبيد الزنوج في مستعمرات السكر" عام 1803، التي تركز على الهند الغربية، بأنّ المسلمين "بارعون في رعاية الماشية والخيل والخدمة المنزلية"، لكنّ "قلة منهم مؤهلون للعمل القاسي في الحقل، والذي لا ينبغي أن يمارسوه"، وأشار المؤلف إلى أنّ "كثيراً منهم في المزارع يتحدثون العربية".

دافع أحد ملاك العبيد في جورجيا، في أوائل القرن التاسع عشر، والذي ادّعى أنّه يقدّم نموذجاً مستنيراً للرقّ؛ من أجل جعل "قادة الديانة المحمدية سائقين أو زنزوجاً مؤثرين" في المزارع، وأبدى أنّهم سيظهرون "النزاهة لأسيادهم"، وقد ذكر هو وآخرون حالات لعبيد مسلمين انحازوا لصفّ الأمريكيين ضدّ البريطانيين، في حرب 1812.

بعض العبيد المسلمين، في القرن التاسع عشر في أمريكا، أصبحوا هم أنفسهم ملاك عبيد، ومدرسين، أو ضباطاً عسكريين في إفريقيا؛ إبراهيم عبد الرحمن كان عقيداً في جيش والده إبراهيم صوري، أمير أو حاكم في فوتا جالون، التي تعرف الآن بغينيا، لكن في عام 1788، وفي عمر 26 عاماً، أُسر عبد الرحمن في الحرب، واشتراه تجار بريطانيون، ونُقل إلى أمريكا، حيث أمضى عبد الرحمن 40 عاماً في جني القطن في ناتشيز في المسيسيبي، وكان مالكه، توماس فوستر، يطلق عليه "الأمير".

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
عام 1826، وخلال سلسلة من الأحداث غير المرجَّحة، لفت عبد الرحمن أنظار جمعية الكولونيالية الأمريكية، وأُنشئِت هذه الجمعية لغرض ترحيل الأشخاص المنحدرين من أصول إفريقية في أمريكا، وإعادتهم إلى إفريقيا، وتشمل الجمعية العديد من كبار المحسنين، وبعضاً من أقوى سياسيّيها، وقد جمعت بين نمطي الوطنية البيضاء والعالمية المسيحية، وقد ضغطت الرابطة لما يزيد عن عامين على فوستر، الذي وافق أخيراً على تحرير عبد الرحمن، لكنّه رفض تحرير عائلته، وفي محاولة لجمع المال من أجل شراء حرية عائلته، ذهب عبد الرحمن إلى المدن الحرّة في الشمال الأمريكي؛ حيث شارك في فعاليات واستعراضات تهدف لجمع التبرعات، مرتدياً الزيّ "المغاربي"، وكاتباً الفاتحة، فاتحة القرآن، على ورقة للمانحين (دافعاً إياهم للاعتقاد بأنّها صلاة الربّ).

عبد الرحمن كان مسلماً ويتعبّد كالمسلمين، وعندما التقى بقادة الجمعية، أخبرهم بأنّه كان مسلماً، ومع ذلك منحه توماس جالاودت، ناشط إنجيلي بارز ومثقف تخرَّج من ييل، إنجيلاً باللغة العربية، ودعاه لأن يصليا معاً؛ من خلال اقتراح إمكانية العودة لإفريقيا، والحصول على فرصة عمل مربحة، ضغط آرثر تابان، من كبار محسني أمريكا، على عبد الرحمن كي يصبح مبشراً مسيحياً، ويساعد في توسيع إمبراطورية الإخوة تابان المربحة في إفريقيا.

وصفت مجلة "The African Repository and Colonial"؛ كيف أصبح عبد الرحمن "الرائد الرئيس للحضارة من أجل تنوير إفريقيا"؛ لقد رأوه يغرس "صليب المخلص على قمة جبال كونج!"، وهذا باختصار هو الأثر البروتستاني على العمل، أولاً؛ رفض دين وتحديد هويته، ثانياً؛ عملت المؤسسات القوية المتخصصة في الكتابة ومسك الدفاتر والنشر والتعليم (المهارات الأساسية في صياغة التاريخ) لتشويهه. 

اقرأ أيضاً: المسلمون في أوروبا وقضيّة الاندماج: لماذا يتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى؟

قد تكون تفاصيل قصة عبد الرحمن غير عادية، لكنّ تجربته كمسلم أمريكي يواجه احتكاراً أنجلو بروتستانتي لتحويل دولة غير مسيحية إلى دولة "مسيحية"، وتطور الإسلام، جزئياً، ليعلو على الاختلافات اللغوية والثقافية الهائلة لإفريقيا وآسيا؛ عبد الرحمن كان يتحدث ستّ لغات، بينما، على النقيض من ذلك؛ فإنّ الأنجلو أمريكية الإنجيلية البروتستانتية ديانة أصغر وأضيق؛ حيث تبلورت في منطقة شمال الأطلسي المقيدة ثقافياً، وكانت في علاقة ديناميكية مع كلّ من الرأسمالية والوطنية، ولم تكن تهدف إلى تجاوز عدم التجانس؛ بل (كما حاول جالاودت وتابان مع عبد الرحمن) إلى التجانس.

المسلمون في أمريكا على عكس الأنجلو-بروتستانت قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين بمن فيهم الأمريكيون الأصليون

كم شخصاً شارك تجربة عبد الرحمن؟ كم عدد المسلمين الذين كانوا موجودين في أمريكا لنقل بين عامي 1500 و1900؟ وكم منهم كان في أمريكا الشمالية؟ سيلفيانا ديوف هي مؤرخة كبيرة في هذا الموضوع، وقد كتبت في "خدام الله"، 1998، الذي يعدّ تخيلاً محافظاً؛ "كانت هناك مئات الآلاف من المسلمين في الأمريكيتين"، "وهذا ما يمكننا قوله عن الأرقام والتقديرات"، ومن العشرة ملايين مستعبَد إفريقي، الذين أرسلو إلى العالم الجديد، فإنّ أكثر من 80% منهم ذهبوا إلى منطقة البحر الكاريبي، أو البرازيل، ومع ذلك؛ فقد قدم مسلمون كثر إلى أمريكا، بادئ الأمر، أكثر مما جاء بريطانيون خلال ذروة الكولونيالية البروتستانتية.

اقرأ أيضاً: كيف عالج المسلمون في كندا أزمة التمويل الشرعي لشراء مساكنهم؟
شهدت ذروة الاستيطان البروتستانتي، خلال "الهجرة الكبرى"، بين عامَي 1620 و1640، قدوم 21000 بريطاني إلى أمريكا الشمالية، وربما 25% منهم جاؤوا كخدام لا يمكن تقدير ولائهم البروتستانتي، وبحلول 1760، أصبحت نيو إنجلاند موطناً لأكثر من 70.000 من الأبرشانيين (كنيسة البروتستانتيين في نيو إنجلاند).

رغم هذه الأعداد الصغيرة؛ فإنّ البروتستانت نجحوا في أن يكونوا أساتذة الأمة، ومع ذلك، وفي بعض النواحي؛ فإنّ نيو إنجلاند هي الخاسر أيضاً في نهوض الولايات المتحدة؛ حيث وصلت إلى ذروة اقتصادها وتأثيرها السياسي في القرن الثامن عشر، ورغم دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، فإنّها لم تكن إطلاقاً مركز السلطة الاقتصادية والسياسية، سواء في المستعمرات البريطانية في شمال أمريكا، أو في أمريكا الكبرى، أو حتى في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش اللاجئون المسلمون إيمانهم في فرنسا ؟

كانت يُنظر إلى نيو إنجلاند، ببساطة، على أنّها واحدة من مستعمرات العالم الحديث، نشازاً في بعض النواحي المهمة؛ فقد كانت استثنائيّة ديموغرافيّاً (نظراً لسكّانها من العائلات)، وطائفيّة دينيّاً، وغريبة سياسيّاً، من منظور أوروبا، وثانويّة اقتصاديّاً، وحتى عبارة "نيو إنجلاند البيوريتانيّة" يمكن أن تكون مخادعة ومضلّلة؛ إذ إنّ تجارة الأسماك والأخشاب، لا سيما التجارة مع مزارع الهند الغربيّة، هو ما جعل الحياة على ما هي عليه في القرنين السابع والثامن عشر في نيو إنجلاند، وليس الدين، ولم يكن البيوريتانيون محبوبين وغير ممثّلين، بالضرورة، لشعب نيو إنجلاند؛ فمثلاً، في بواكير القرن السابع عشر في مستعمرة خليج ماساتشوستس، قاطع أحد المستعمرين عِظة قسيس بيوريتانيّ، قائلاً: "إنّ مصلحة نيو إنجلاند في سمك القدّ وليست مع الله!".

اقرأ أيضاً: يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

إنّ بعض الصّفات التي جعلت من البيورتانيين غريبين للغاية ساعدتهم على التميّز في كتابة التاريخ؛ إذ إنّهم أظهروا براعة فذّة في كلّ ما يتعلق بالقراءة والكتابة، والتعليم وتأويل النصوص، وبناء المؤسسات؛ حيث مكّنتهم تلك المهارات، لا سيما بين الأمريكيين، في مواجهة التحدي الذي أطلق عليه عالم الاجتماع، روجر فريدلاند، "مشكلة التمثيل الجماعيّ" في العالم الحديث؛ إذ إنّ تاريخ الأمم ما قبل العالم الحديث كان بمثابة أنساب؛ فالشعب هو الذي ينحدرُ من جدّ واحد: كإبراهيم، أو إينياس، على سبيل المثال، ومن ثمّ يرتبطون بشكلٍ طبيعيّ، ومثّل نموذج الأمّة الحديثة مشكلةً جديدةً: فمن المفترض أنّ الأمة هي شعبٌ مشتركٌ واحدٌ، يتقاسم سمات أساسيّة وجوهريّة حتّى، وليس سلالةً، أو ملكاً أو ملكة.

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

في نهاية القرن الثامن عشر؛ لم يكن أحد يعرف، على الأغلب، كيف له أن يمثّل شعباً مشتركاً، في أمريكا الشماليّة، كان البيورتانيّون هم الأقرب لهذا؛ فقد فكّروا وكتبوا عن أنفسهم لا كشعب عاديّ، ولكن كشعبٍ مختار، شعبٍ لا يتقاسم أصلاً من ربّ ما، بل هو تابعُ الربّ، ومن أجل تحويل تاريخ السكّان غير المتجانسين إلى وحدة قوميّة، فقد كان التصوّر البيوريتانيّ أبعد ما يكون عن ذلك، ولكن سيكون لا بدّ عليه أن يقوم بذلك.

استبعدَ التأثير البيوريتاني الكثيرَ، بما في ذلك الوجود الطويل والدائم للمسلمين والإسلام في أمريكا، وكذلك بعض التجارب ذات النزاهة والحدّة في التجربة البيوريتانيّة نفسها، وفق شروطها الخاصة، والتي كانت مختلفة عن تجربة البيورتانيين في تاريخ الولايات المتحدة القوميّ، وأعطت هيمنة المؤسسات البيوريتانيّة نيو إنجلاند الاستعماريّة دوراً كبيراً؛ فعلى مدار قرنين، تغيّرت الأعراف كثيراً، بيد أنّ مؤرخينَ من القرن التاسع عشر، مثل فرانسيس باركمان وهنري آدمز، يتقاسمون مع خلفهم في القرنين العشرين والواحد والعشرين؛ بيري ميلر، وبرنارد بايلين، وجيل ليبور، التزاماً بالبحث عن أمريكا، وعن الأصول القوميّة للولايات المتحدة، في نيو إنجلاند القرن الثامن عشر.

وقد كان أحد أكثر الأعمال المُضلّة في كتابة التاريخ البيوريتانيّ متمثلاً في الزعم بتأطير الحريّة الدينيّة، باعتبارها التزاماً أنجلو-بروتستانتيّ؛ ففي الواقع، كان البيورتانيّون والبروتستانت الأنجليّون دائماً ما يستدعون ويضطهدون أعداءَهم الدينيين: الأمريكيين الأصليين، والكاثوليك، واليهود، والشيوعيين، والمسلمين، وأحياناً بعض البروتستانت؛ فمثلاً، لم يتعرض جون وينثروب، أو كوتن ماثر، ولا أيّة شريحة من سلالة البيوريتانيين، لأيّ اضطهاد دينيّ فعليّ. فامتلاك القوّة، مثلما امتلكها الأنجلو-بروتستانت في أمريكا، ليس متوافقاً تماماً مع أساس ادعاءات السلطة الأخلاقيّة في المسيحيّة، بالنسبة إلى البعض، كما أنّه ليس متوافقاً مع فكرة أمريكا، باعتبارها أرض الحريّة الدينيّة، وكملجأ للمضطهدين، كما وصفها توم بين في عام ١٧٧٦.

وإذا كانت أية مجموعة دينيّة تمثّل النسخةَ الأفضل من الحريّة الدينيّة في أمريكا، فإنّها المسلمون، من أمثال الزمّوري وعبد الرحمن؛ فقد جاءا إلى أمريكا في ظلّ ظروف الاضطهاد الحقيقيّ، وناضلا من أجل الاعتراف بدينهما وبحريّة ممارسته؛ فالمسلمون في أمريكا، على عكس الأنجلو-بروتستانت، قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون.

اقرأ أيضاً: المسلمون وموروث العقل المثير للجدل

وقد كانت العاقبةُ الأكثر تأثيراً للأثر البيوريتانيّ متمثلةً في الالتزام المتواصل بإنتاج ماضٍ يدور متمركز على الأفعال المِقدامة المرتكزة إلى المبادئ التي قام بها الأنجو-بروتستانت (التي كانت غالباً في نيو إنجلاند وتشيسابيك، وأسفرت عن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظام حكمها ومؤسساتها)؛ ففي الواقع: إنّ تاريخ أمريكا ليس سرديّة أنجلو بروتستانتيّة في أوّل الأمر، مثله مثل الغرب بشكل أوسع؛ فلربّما ما يشكله الغرب تحديداً قد لا يكون بيّناً أو أمراً بدهيّاً، إلّا أنّ  العصر الأكثر كونيّةً في التاريخ، والذي كان في مقدمته الاستعمار الأوروبيّ لنصف الكرة الأرضية الغربيّ، ينبغي أن يكون جزءاً رئيساً منه.

فإذا كان الغربُ يعني، جزئياً، نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة؛ فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية، والحال أنّ النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ هي نزاعات متواصلة، وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات، وهي مهمّة للغاية؛ فالمسلمون، تاريخياً، هم الأمريكيون، مثلهم مثل الأمريكيين الأنجلو-بروتستانت، ومسلمو أمريكا القدماء، بنواحٍ عديدة، هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ، وأيّ بيان أو مقترح بعكس ذلك، بصرف النظر عن مدى حسن نيّته، فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة.


المصدر: سامي هاسبلي


الصفحة الرئيسية