لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟

9982
عدد القراءات

2019-09-09

ترجمة: كريم محمد


كانت الكلمات الأولى التي مُرِّرت بين الأوروبيين والأمريكيين (أُحاديّةً ومرتبكةً كما وجب أن تكون) مشفوعةً باللغة المقدّسة للإسلام، وقد أملَ كريستوفر كولومبوس في الإبحار إلى آسيا، واستعدّ للتواصل مع محاكمها الكبرى بإحدى اللغات الرئيسة للمتاجرة الأوراسية، لذلك؛ عندما تحدّث شارح كولومبوس، اليهوديّ الإسباني، إلى التاينو، تحدّث باللغة العربيّة، ولا يقتصر الأمر على لغة الإسلام فحسب؛ بل على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا عام ١٤٩٢؛ أي قبل أكثر من عشرين عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه على الباب، مشعلاً مسيرة الإصلاح البروتستانتي.

على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا ١٤٩٢ أي قبل أكثر من 20 عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه الإصلاحي

احتلّ البرابرةُ، المسلمون الأفارقة والعرب، الجزء الأكبر من شبه الجزيرة الأيبيرية، عام 711، وأنشؤوا ثقافة إسلاميّة استمرّت قرابة ثمانية قرون، وبحلول أوائل عام 1492، أكمل ملوك إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا، حروب الاسترداد (سقوط الأندلس)، وهزموا آخر الممالك المسلمة، ألا وهي غرناطة، وبحلول نهاية القرن، كانت محاكم التفتيش، التي كانت قد بدأت قبل قرن، قد أرغمت ما بين ثلاثمئة وثمانمئة ألف مسلم (وربما ما لا يقلّ عن سبعين ألف يهوديّ) على اعتناق المسيحيّة، وغالباً ما كان الكاثوليك الإسبان يشتبهون في أنّ هؤلاء الموريسكوس، أو أتباعهم، كانوا يَدينون بالإسلام (أو باليهودية) سرّاً، وطاردتهم محاكم التفتيش واضطهدتهم، ومن المؤكَّد أغلب الظنّ؛ أنّ البعض قد أبحر مع رهط كولومبوس، حاملين الإسلامَ في عقولهم وأفئدتهم.

مارتن لوثر

لقد خلّفت ثمانية قرون من الحكم الإسلاميّ إرثاً ثقافياً عميقاً في إسبانيا، وواضحٌ من خلال طرق جليّة، ومدهشة في بعض الأحيان، خلال الفتح الإسباني للأمريكيّتين.

أعجب بيرنال دياز ديل كاستيلو، مؤرخ غزو هيرنان كورتيس لأمريكا الوسطى، بأزياء الراقصات الأصليات من خلال كتابته: "muy bien vestidas a man man y y que parecían moriscas"، أو "يرتدي ملابسهن بطريقته الخاصة، بدا وكأنّه نساء مغاربيات"، استخدم الإسبان بشكل روتيني "mezquita" (الإسبانية للمسجد) للإشارة إلى المواقع الدينية الأمريكية الأصلية، أثناء سفره عبر أناهواك (تكساس والمكسيك اليوم)؛ ذكر كورتيس أنّه شاهد أكثر من 400 مسجد.

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد وغدت بعض أفكاره نهجاً يتعاملون مع العالم به

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط أو الخوارزميّة بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد، وغدت بعض أفكار الإسلام بمثابة نهج يتعاملون مع العالم به؛ ففي حين أنّهم كانوا يواجهون بشراً وأشياء جديدةًعليهم، فإنّهم التفتوا إلى الإسلام فلربّما يفهمون عن طريقه ما كانوا يرون، وما كان يحدثُ لهم، يشيرُ إلى ذلك استعمالهم لكلمة "كاليفورنيا"، وما قد ينطوي عليه أصله من جذور عربيّة؛ فالإسبان أطلقوا الاسم، عام ١٥٣٥، من رواية "Deeds of Esplandian" "مآثر إسبلانديان"، وهي رواية رومانسيّة ذائعة الصيت بين الغزاة، تستعرضُ جزيرةً غنيّةً، هي كاليفورنيا، يحكمها الأمازون السود وملكتهم كالافيا، وقد نُشرت هذه الرواية في إشبيلية، وهي المدينة التي كانت، لقرون عدّة، جزءاً من الخلافة الأموية (انتبهوا إلى كلمات: الخليفة، كالافيا، كاليفورنيا).

خريطة 1719 لماريلاند وفرجينيا وخليج تشيسابيك

وفي كافّة أنحاء نصف الكرة الغربيّ، أينما وصلوا إلى أراضٍ جديدة أو واجهوا شعوباً أصليّة، قرأ الغزاة الإسبان عليهم المطالب، وهي إعلانٌ قانوني بليغ؛ هذه المطالب تنطوي، في جوهرها، على بيان بإعلان وضع جديد للمجتمع: إتاحة الفرصة للأمريكيين الأصليين للتحول إلى المسيحية والخضوع للحكم الإسبانيّ، أو تحمّل المسؤولية عن كلّ "الوفيات والخسائر" التي ستلحق ذلك، والحال؛ أنّ الإعلان الرسميّ والعموميّ عن نيّة الغزو، بما في ذلك العرض على غير المؤمنين بفرصة الاستسلام ويصبحون مؤمنين، هو المطلب الرسمي الأوّل للجهاد، وبعد قرون من الحرب مع المسلمين، تبنّى الإسبان هذه الممارسة، وصبغوها بصبغة مسيحيّة، وسمّوها المطالب، وأخذوها إلى أمريكا معهم، ربّما اعتقد المسيحيون الأيبيريّون أنّ الإسلام خاطئ، إلّا أنّهم كانوا يعرفونه جيداً، وحتّى لو أنّهم رأوه غريباً عنهم، إلّا أنّه وجب عدّه بمثابة غرابة شديدة الألفة بالنسبة إليهم.

اقرأ أيضاً: وكانت أمريكا مسلمة قبل اكتشاف كولومبوس للقارة

ومع حلول عام ١٥٠٣، كان مسلمو غرب إفريقيا أنفسهم قد أتوا إلى العالم الجديد، في ذلك العام، كتب حاكم هيسبانيولا الملكيّ إلى إيزابيلا، يطلب تقليص استيرادها للمستعبدين المسلمين؛ فقد كانوا، كما كتبَ في رسالته، "مصدراً للعار بالنسبة إلى الهنود"؛ فإنّهم "قد فرّوا من ملاكهم"، مراراً وتكراراً، كما كتب.
وفي صباح يوم عيد الميلاد، 1522، في أول تمرّد للعبيد في العالم الجديد؛ حيث ثار نحو عشرين عبداً من عبيد هيسبانيولا العاملين في حقول السكّر، وبدؤوا في ذبح الإسبان، وكما أشار الحاكم؛ فإنّ المتمردين كان معظمهم من الولوف، أحد شعوب سنغامبيا، التي اعتنق أهلها الإسلام منذ القرن الحادي عشر.

نسيان مسلمي أمريكا القدماء هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم

والحال؛ أنّ المسلمين كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة، وهي قُدرةٌ قلّما حبّذها مُلّاك المزارع، وفي العقود الخمسة التي تلت تمرد العبيد، عام 1522، على هيسبانيولا، أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تحظر استيراد العبيد المسلمين.

بعد ذلك؛ وصل المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون، عام 1607، وجاء المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس البيوريتانيين في مستعمرة خليج ماساتشوستس، عام 1630؛ فالمسلمون لم يكونوا يعيشون في أمريكا فقط قبل البروتستانت، بل أيضاً قبل أن تكون البروتستانتيّة موجودة؛ فبعد الكاثوليكية، كان الإسلام هو الديانة التوحيديّة الثانية في الأمريكيَّتين.

المسلمون كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة

إنّ سوء الفهم الشائع حتّى في الأوساط المتعلّمة، بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا، يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب؛ فهو يكشف، بشكلٍ خاص، كيف برّر المؤرّخون واحتفلوا ببزوغ الدولة-الأمّة الحديثة؛ فقد كانت إحدى الطرق للتضخيم من أمريكا هي التقليل من عدم الضخامة وعدم التجانس (الكزومباليتانيّة والتنوع والوجود المشترك المتبادل بين الشعوب)، في أمريكا أثناء الثلاثمئة عام الأولى للوجود الأوروبيّ.

سوء الفهم الشائع بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب

كما أنّ كتابة التاريخ الأمريكيّ أيضاً هيمنَت عليها المؤسّسات البوريتانيّة، لربّما لم يعد هذا الأمر صحيحاً تماماً الآن، كما كان قبل 100 عام، حين اشتكى المؤرخ الأمريكي (الجنوبي)، أولريك بونيل فيليبس، من كون ولاية بوسطن هي التي كتبت التاريخ الأمريكي، وأنَّ ما كتبته جاء خاطئاً إلى حدٍّ بعيد، بيد أنّ الأمر عندما يتعلّق بتاريخ الدين في أمريكا، فإنّ عواقب هيمنة المؤسسات البوريتانيّة الرائدة في بوسطن (جامعة هارفرد) ونيو هيفن (جامعة يِلْ) تظلّ مهولةً؛ هذا "الأثر البوريتاني" على رؤية الدين وفهمه في تاريخ أمريكا المبكّر (وأصول أمريكا)، يقوم بتشويه حقيقيّ؛ حيث يصبح الأمر كما لو كان علينا، ولا بدّ من أن نُسلّم التاريخ السياسيّ للقرن العشرين إلى التروتسكيين.

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة، كما حدث بالفعل؛ فوحده التاريخ يجعل العالَم أو المكان أو الشعب بائنين كما هم عليه، أو على ما كانوا عليه، وعلى النقيض من ذلك؛ يجب التفكير في الماضي على أنّه قطعٌ أو أجزاء من التاريخ يختارها مجتمعٌ ما من أجل تصديق نفسه، والتأكيد على أشكال حكمه ومؤسّساته وأخلاقه المهيمنة.

اقرأ أيضاً: نداءات في ألمانيا: المسلمون غير آمنين!

بالتالي؛ إنّ نسيان مسلمي أمريكا القدماء، هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ، وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم؛ فتاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم، بل التاريخ هو شيءٌ حيّ، من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد، وإلا اندثرَ واختفى؛ فقد أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام، وجعل من الصعب رؤية إجاباتٍ واضحةٍ لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟ وحول معايير الانتماء، ومَن يملك حقّ إقرارها؟

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة كما حدث بالفعل

فماذا تعني "أمريكا"؟ أو ماذا يعني "أمريكي"؟ يشيرُ مشروع معهد "أوموهوندرو" لـ "أمريكا الضخمة المبكرة"، والمعهد هو المنظمة العلميّة الرائدة في التاريخ الأمريكيّ المبكّر، إلى إجابة واحدة محتملة؛ فـ "أمريكا المبكرة، و"الأمريكي"؛ هما مصطلحان كبيران وعامّان، ولكن ليس إلى حدّ أن يكونا بلا معنى؛ فيجب فهمهما، تاريخياً، أفضل الفهم، على أنّهما التصادم العظيم والاختلاط والغزو بين شعوب (وحيوانات وميكروبات) أوروبا وإفريقيا مع شعوب ومجتمعات نصف الكرة الغربيّ، من منطقة البحر الكاريبيّ إلى كندا، التي بدأت عام ١٤٩٢؛ فمن عام ١٤٩٢ إلى عام ١٨٠٠، على أقلّ تقدير، فأمريكا هي أمريكا العظمى، أو أمريكا الضخمة المبكرة.

تاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم بل التاريخ هو شيءٌ حيّ من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد وإلا اندثرَ واختفى

كان المسلمون جزءاً من أمريكا العظمى من البداية، بما فيها تلك الأجزاء التي ستغدو، بعدئذٍ، الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من هؤلاء المسلمين؛ مصطفى الزموري، المسلم العربيّ ذو الأصول المغربية، والذي وصل إلى فلوريدا عام 1527، عبداً في حملة إسبانية بائسة، قادها بانفيلو دي نارفاييث، واقفاً ضدّ كلّ الصعاب، نجا الزموري وأسّس حياة لنفسه، مترحلاً من سواحل المكسيك عبر ما يُعرف الآن بالجنوب الغربيّ للولايات المتحدة، وعبر منطقة أمريكا الوسطى أيضاً، وتكبّد الزموري مشاق العبوديّة لأهل البلد الأصليين، قبل أن يكوّن نفسه كرجل طيب محترم وذائع الشهرة والصيت.

وفي عام ١٥٢٤؛ نشر كابيزا دي فاكا، وهو أحد الناجين الأربعة من حملة نارفاييث، أوّل كتاب أوروبيّ يكرسه صاحبه للحديث عن أمريكا الشمالية؛ هذا الكتاب الذي عُرف بعد ذلك بعنوان "مغامرات في مجاهل أمريكا" ( Adventures in the Unknown Interior of America)؛ حيث يروي فيه دي فاكا أخبارَ الكوارث التي حلّت بالغزاة، وأعوام الأسر الثمانية التي أمضاها الناجون في ترحالهم عبر مناطق شمال أمريكا ووسطها.

اقرأ أيضاً: كيف رأى المسلمون الأوائل الفنون؟
ويقرّ دي فاكا بكيف أنّ الزموري أصبحَ شخصاً لا يمكنهم الاستغناء عنه، فكما كتب دي فاكا: "كان العبد الزنجي هو من يتحدّث إليهم طيلة الوقت"، والـ "هم" ههنا إنّما هي عائدةٌ على الأمريكيين الأصليين، ومن ثمّ، تمثّلت براعة الزموري في اللغات المحلية، التي هي ما أنقذ حياة الرجال، حتى أنَّها فتحت لهم أبواباً لنوعٍ من رغد العيش بعدئذٍ.

إخفاء التاريخ جعل من الصعب رؤية إجابات واضحة لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا؛ بل أكثر منهم مجتمعين.
تروي ليلى العلمي المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الرحلة في روايتها المتميزة "حكاية المغربيّ" (The Moor’s Account)، الصادرة عام 2014، والتي تتعقب فيها الزموري من مرحلة الطفولة في المغرب، ثمّ استقراره في إسبانيا، حتى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكيّ، وإذا كان هناك شيءٌ يمكن أن يوصف بأنَّه أفضل نسخة تجسّد روح الريادة الأمريكية، أو تطلعها الذي لا يعرف حدّاً، وتعكس تجربةً ملهمةً في القدرة على التكيف والابتكار، التجربة الجديرة بأن توسم بها أمّة، أو مجموعة من الناس، فإنّه من الصعب بمكان أن تجد شخصيةً تمثّل ذلك أفضل من الزموري.

أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام

في الفترة بين عامي 1675 و1700، سمحت بدايات تكوّن المجتمع الزراعي في تشيسابيك لتجار الرقيق بجلب أكثر من 6000 إفريقي لفرجينيا وماريلاند، ودفعت هذه الطفرة في التجارة إلى تغيير مهم في الحياة الأمريكية.
وفي عام 1668؛ كان عدد العبيد من البيض في تشيسابيك يفوق عدد العبيد السود بمقدار خمسة إلى واحد، وبحلول 1700 انعكست هذه النسبة؛ إذ جاء المزيد من الأفارقة إلى تشيسابيك خلال الأربعة عقود الأولى من القرن الثامن عشر، وبين عامي 1700 و1710؛ أدّى نموّ الثروة الزراعة إلى استيراد 8000 آخرين من الأفارقة المستعبَدين، وبحلول 1730 جاء 2000 عبد، على الأقل، كلّ عام إلى تشيسابيك.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

كانت تشيسابيك الأمريكية تتحول من مجتمع يضمّ العبيد (أغلب المجتمعات في التاريخ البشري كانت تضمّ العبيد)، إلى مجتمع عبيد، وهو أمر غير عادي تماماً؛ ففي مجتمع العبيد، تكون العبودية الأساس للحياة الاقتصادية، وتمثّل علاقة السيد والعبد علاقة اجتماعية نموذجية، ومثالاً للآخرين.

الجيل الأول من الأفارقة الذين جُلبوا إلى أمريكا الشمالية كانوا يعملون في الحقول جنباً إلى جنب، وينامون تحت سقف سيّدهم نفسه، وهم أيضاً، كما أشار المؤرخ إرا برلين في عدة آلاف ذهبوا (1998)، يسعون بحماس للتحول إلى المسيحية، كانوا يأملون أن يساعدهم التحوّل في حماية مكانتهم الاجتماعية.
جاء الأفارقة، الذين جلبوا أواخر القرن السابع عشر وخلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، للعمل كعبيد في فرجينيا ووماريلاند وكارولاينا، من أجزاء مختلفة من إفريقيا، أو من الهند الغربية، أكثر من الأجيال المُستأجرة السابقة، وكان أغلبهم مسلمين، وأقلّ احتمالاً لأن يكونوا من أصول مختلطة.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟
المبشرون والمزارعون في القرن الثامن عشر اشتكوا من أنّ هذا "الجيل المزارع" أظهر اهتماماً أقلّ بالمسيحية، كما انتقد المبشرون والمزارعون ما عدّوه ممارسة "طقوس وثنية"، يمكن للإسلام، إلى حدٍّ ما، الاستمرار في هذه المزارع الخاصة بمجتمع العبيد الأمريكي.

إذا كان الغربُ يعني جزئياً نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية

وبالمثل؛ في عامَي 1719 و1731، استفاد الفرنسيون من الحرب الأهلية في إفريقيا الغربية لأسر الآلاف؛ حيث جلبوا ما يقارب 6000 أسير إفريقي مباشرة إلى لويزيانا، أغلبهم جاؤوا من فوتا تورو، منطقة حول نهر السنيغال الممتد حالياً بين موريتانيا والسنغال، وصل الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر.
عرفت فوتا تورو منذ ذلك الوقت بعلمائها وفصائلها الجهادية ثيوقراطياتها، بمن فيها إمامة فوتا تورو، التي استمرت منذ 1776 حتى 1861، وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر كانت أصداء الصراعات في غولد كوست (ما يعرف الآن بغانا) وهاوس لاند (المعروفة حالياً بنيجيريا) تتردّد في الأمريكيتين.

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا

في السابق؛ هزم الآسانتي تحالف المسلمين الأفارقة، ولاحقاً، فاز الجهاديون أخيراً ولكن من خلال عملية أفقدتهم الكثير من رفاقهم لصالح تجارة العبيد والغرب. 

أيوب سليمان ديالو؛ أبرز شخصية مسلمة في القرن الثامن عشر في شمال أمريكا، كان من الشعب الفولاني، مسلمون من غرب إفريقيا، في بداية القرن السادس عشر؛ أسر التجار الأوروبيون العديد منهم، وأرسلوهم ليتم بيعهم في أمريكا، ولد ديالو في بوندو، منطقة بين السنغال ونهر غامبيا، في ظلّ ثيوقراطية إسلامية، وأُسر من قبل تاجر رقيق بريطاني، في 1731، وبيع لمالك عبيد في ماريلاند.
لاحظ مبشّر أنّ ديالو يكتب العربية، فعرض عليه شرب النبيذ ليرى إن كان مسلماً أم لا، لاحقاً، كتب محامٍ قصة استرقاق ديالو ونقله إلى ماريلاند، وتحويل اسمه من أيوب إلى جوب، واسم عائلته سليمان إلى ابن سليمان، وبهذه الطريقة أصبح أيوب سليمان جوب بن سليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

وبهذه الطريقة، شهدت تجربة الاسترقاق تحويل العديد من الأسماء العربية إلى أسماء إنجليزية؛ والأسماء القرآنية تحوّلت إلى شيء مشابه لما ورد في إنجيل نسخة الملك جيمس.
موسى أصبح موسس، وإبراهيم أصبح أبراهام، وأيوب أصبح جايكوب أو جوب، وداوود أصبح دايفيد، وسليمان أصبح سولومون، وهكذا.

أشارت توني موريسون للممارسة التي تعرضت لها الأسماء الإسلامية في روايتها "نشيد سليمان" (1977)، وجاء عنوان الرواية من أغنية شعبية تحمل أدلة على تاريخ بطلها، ميلك مان ديد وعائلته، المقطع الرابع من الأغنية يبدأ بأسماء أخذت من الأفارقة المسلمين العبيد، في فيرجينيا وماريلاند وكنتاكي وكارولاينا، وأماكن أخرى في أمريكا، وبالتالي؛ فإنّ نشيد سوليمون كان ربما أيضاً أول نشيد لسليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية

كانت إعادة التسمية (أحياناً تتم بطريقة مهينة أو مزعجة) أداة مهمة لسلطة صاحب المزرعة، ونادراً ما يتم إهمالها، ومع ذلك، عبر أمريكا الشمالية؛ بقيت الأسماء العربية جزءاً من السجل التاريخي، فسجلات محكمة لويزيانا لقرني الثامن عشر والتاسع عشر أظهرت إجراءات تتعلق بالمنصور وسومان وأماديت وفاطمة وياسين وموسى وبكري ومعمري وآخرين.
وتظهر سجلات محكمة جورجيا في القرن التاسع عشر إجراءات تتضمن أسماء؛ سليم وبلال، وفاطمة، وإسماعيل، وعليق، وموسى، وآخرين.

النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ متواصلة وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات

قضى نوبل بوكيت، عالم اجتماعي في القرن العشرين، حياته في جمع مادة إثنوغرافية عن الحياة الثقافية الإفروأمريكية، في كتابه "أسماء سوداء في أمريكا: الأصول والاستخدام"، وثّق بوكيت أكثر من 150 اسماً عربياً شائعياً بين المنحدرين من أفارقة الجنوب، أحياناً يكون للشخص اسم أنجليكي (اسم عبد) للاستخدامات الرسمية، بينما يسود الاسم العربي في الممارسة.

من الصعب معرفة إلى أيّ مدى ثبتت الأسماء العربية المتعلقة بممارسة دينية أو هوية، لكن من غير المرجَّح أنّها فصلت تماماً؛ كتبت جريدة في جورجيا، عام 1791، في إعلان عن عبد هارب، على سبيل المثال: "زميل زنجي جديد يسمى جيفري، أو إبراهيم"؛ نظراً للتحكّم الشديد الذي مارسه مالكو العبيد على التسمية، فقد كان هناك العديد من الرجال الذين يسمون "جيفري" بينما اسمهم الحقيقي هو "إبراهيم"، نساء كثيرات سمين "ماسي"، بينما اسمهنّ الفعلي هو "معصومة"، وهكذا.

قام لورينزو دو تيرنر، باحث في القرن العشرين في الغولا (لغة يُتحدث بها في الجزر قبالة الساحل الجنوب شرقي لأمريكا) بتوثيق ما يقارب من 150 اسماً من أصل عربي شائعة في هذه الجزر وحدها، تتضمن: أكبر، وعلي، وأمينة، وحامد، وآخرين، وكان اسم مصطفى شائعاً في المزارع في أوائل القرن التاسع عشر في كاليفورنيا.

أيّ بيان يخفي حقيقة المسلمين الأمريكيين بصرف النظر عن مدى حسن نيّته فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة

الأسماء العربية لا تجعل المرء مسلماً بالضرورة، على الأقل في المغرب وبلاد الشام، التي تضمّ المسلمين والمسيحيين واليهود أيضاً، لكنّ انتشار الإسلام هو ما جلب الأسماء العربية لغرب إفريقيا، بالتالي؛ فإنّ أسماء أكبر وأمينة، أو على الأقل، آباؤهم وأجدادهم، كانوا مسلمين بكل تأكيد.

وبدافع الخوف؛ حاولت السلطات الإسبانية حظر العبيد المسلمين من مستعمراتها المبكرة في أمريكا، في مجتمعات العبيد الأكثر رسوخاً وأماناً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أنجلو أمريكا، كان بعض أصحاب المزارع يفضلونهم، وفي كلتا الحالتين، كان السبب ذاته؛ أنّ المسلمين كانوا بمعزل، وحازوا سلطة ونفوذاً.

المسلمون تاريخياً هم الأمريكيون مثلهم مثل الأنجلو-بروتستانت ومسلمو أمريكا القدماء هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ

نصح أحد المنشورات "القواعد العملية للإدارة والعلاج الطبي للعبيد الزنوج في مستعمرات السكر" عام 1803، التي تركز على الهند الغربية، بأنّ المسلمين "بارعون في رعاية الماشية والخيل والخدمة المنزلية"، لكنّ "قلة منهم مؤهلون للعمل القاسي في الحقل، والذي لا ينبغي أن يمارسوه"، وأشار المؤلف إلى أنّ "كثيراً منهم في المزارع يتحدثون العربية".

دافع أحد ملاك العبيد في جورجيا، في أوائل القرن التاسع عشر، والذي ادّعى أنّه يقدّم نموذجاً مستنيراً للرقّ؛ من أجل جعل "قادة الديانة المحمدية سائقين أو زنزوجاً مؤثرين" في المزارع، وأبدى أنّهم سيظهرون "النزاهة لأسيادهم"، وقد ذكر هو وآخرون حالات لعبيد مسلمين انحازوا لصفّ الأمريكيين ضدّ البريطانيين، في حرب 1812.

بعض العبيد المسلمين، في القرن التاسع عشر في أمريكا، أصبحوا هم أنفسهم ملاك عبيد، ومدرسين، أو ضباطاً عسكريين في إفريقيا؛ إبراهيم عبد الرحمن كان عقيداً في جيش والده إبراهيم صوري، أمير أو حاكم في فوتا جالون، التي تعرف الآن بغينيا، لكن في عام 1788، وفي عمر 26 عاماً، أُسر عبد الرحمن في الحرب، واشتراه تجار بريطانيون، ونُقل إلى أمريكا، حيث أمضى عبد الرحمن 40 عاماً في جني القطن في ناتشيز في المسيسيبي، وكان مالكه، توماس فوستر، يطلق عليه "الأمير".

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
عام 1826، وخلال سلسلة من الأحداث غير المرجَّحة، لفت عبد الرحمن أنظار جمعية الكولونيالية الأمريكية، وأُنشئِت هذه الجمعية لغرض ترحيل الأشخاص المنحدرين من أصول إفريقية في أمريكا، وإعادتهم إلى إفريقيا، وتشمل الجمعية العديد من كبار المحسنين، وبعضاً من أقوى سياسيّيها، وقد جمعت بين نمطي الوطنية البيضاء والعالمية المسيحية، وقد ضغطت الرابطة لما يزيد عن عامين على فوستر، الذي وافق أخيراً على تحرير عبد الرحمن، لكنّه رفض تحرير عائلته، وفي محاولة لجمع المال من أجل شراء حرية عائلته، ذهب عبد الرحمن إلى المدن الحرّة في الشمال الأمريكي؛ حيث شارك في فعاليات واستعراضات تهدف لجمع التبرعات، مرتدياً الزيّ "المغاربي"، وكاتباً الفاتحة، فاتحة القرآن، على ورقة للمانحين (دافعاً إياهم للاعتقاد بأنّها صلاة الربّ).

عبد الرحمن كان مسلماً ويتعبّد كالمسلمين، وعندما التقى بقادة الجمعية، أخبرهم بأنّه كان مسلماً، ومع ذلك منحه توماس جالاودت، ناشط إنجيلي بارز ومثقف تخرَّج من ييل، إنجيلاً باللغة العربية، ودعاه لأن يصليا معاً؛ من خلال اقتراح إمكانية العودة لإفريقيا، والحصول على فرصة عمل مربحة، ضغط آرثر تابان، من كبار محسني أمريكا، على عبد الرحمن كي يصبح مبشراً مسيحياً، ويساعد في توسيع إمبراطورية الإخوة تابان المربحة في إفريقيا.

وصفت مجلة "The African Repository and Colonial"؛ كيف أصبح عبد الرحمن "الرائد الرئيس للحضارة من أجل تنوير إفريقيا"؛ لقد رأوه يغرس "صليب المخلص على قمة جبال كونج!"، وهذا باختصار هو الأثر البروتستاني على العمل، أولاً؛ رفض دين وتحديد هويته، ثانياً؛ عملت المؤسسات القوية المتخصصة في الكتابة ومسك الدفاتر والنشر والتعليم (المهارات الأساسية في صياغة التاريخ) لتشويهه. 

اقرأ أيضاً: المسلمون في أوروبا وقضيّة الاندماج: لماذا يتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى؟

قد تكون تفاصيل قصة عبد الرحمن غير عادية، لكنّ تجربته كمسلم أمريكي يواجه احتكاراً أنجلو بروتستانتي لتحويل دولة غير مسيحية إلى دولة "مسيحية"، وتطور الإسلام، جزئياً، ليعلو على الاختلافات اللغوية والثقافية الهائلة لإفريقيا وآسيا؛ عبد الرحمن كان يتحدث ستّ لغات، بينما، على النقيض من ذلك؛ فإنّ الأنجلو أمريكية الإنجيلية البروتستانتية ديانة أصغر وأضيق؛ حيث تبلورت في منطقة شمال الأطلسي المقيدة ثقافياً، وكانت في علاقة ديناميكية مع كلّ من الرأسمالية والوطنية، ولم تكن تهدف إلى تجاوز عدم التجانس؛ بل (كما حاول جالاودت وتابان مع عبد الرحمن) إلى التجانس.

المسلمون في أمريكا على عكس الأنجلو-بروتستانت قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين بمن فيهم الأمريكيون الأصليون

كم شخصاً شارك تجربة عبد الرحمن؟ كم عدد المسلمين الذين كانوا موجودين في أمريكا لنقل بين عامي 1500 و1900؟ وكم منهم كان في أمريكا الشمالية؟ سيلفيانا ديوف هي مؤرخة كبيرة في هذا الموضوع، وقد كتبت في "خدام الله"، 1998، الذي يعدّ تخيلاً محافظاً؛ "كانت هناك مئات الآلاف من المسلمين في الأمريكيتين"، "وهذا ما يمكننا قوله عن الأرقام والتقديرات"، ومن العشرة ملايين مستعبَد إفريقي، الذين أرسلو إلى العالم الجديد، فإنّ أكثر من 80% منهم ذهبوا إلى منطقة البحر الكاريبي، أو البرازيل، ومع ذلك؛ فقد قدم مسلمون كثر إلى أمريكا، بادئ الأمر، أكثر مما جاء بريطانيون خلال ذروة الكولونيالية البروتستانتية.

اقرأ أيضاً: كيف عالج المسلمون في كندا أزمة التمويل الشرعي لشراء مساكنهم؟
شهدت ذروة الاستيطان البروتستانتي، خلال "الهجرة الكبرى"، بين عامَي 1620 و1640، قدوم 21000 بريطاني إلى أمريكا الشمالية، وربما 25% منهم جاؤوا كخدام لا يمكن تقدير ولائهم البروتستانتي، وبحلول 1760، أصبحت نيو إنجلاند موطناً لأكثر من 70.000 من الأبرشانيين (كنيسة البروتستانتيين في نيو إنجلاند).

رغم هذه الأعداد الصغيرة؛ فإنّ البروتستانت نجحوا في أن يكونوا أساتذة الأمة، ومع ذلك، وفي بعض النواحي؛ فإنّ نيو إنجلاند هي الخاسر أيضاً في نهوض الولايات المتحدة؛ حيث وصلت إلى ذروة اقتصادها وتأثيرها السياسي في القرن الثامن عشر، ورغم دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، فإنّها لم تكن إطلاقاً مركز السلطة الاقتصادية والسياسية، سواء في المستعمرات البريطانية في شمال أمريكا، أو في أمريكا الكبرى، أو حتى في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش اللاجئون المسلمون إيمانهم في فرنسا ؟

كانت يُنظر إلى نيو إنجلاند، ببساطة، على أنّها واحدة من مستعمرات العالم الحديث، نشازاً في بعض النواحي المهمة؛ فقد كانت استثنائيّة ديموغرافيّاً (نظراً لسكّانها من العائلات)، وطائفيّة دينيّاً، وغريبة سياسيّاً، من منظور أوروبا، وثانويّة اقتصاديّاً، وحتى عبارة "نيو إنجلاند البيوريتانيّة" يمكن أن تكون مخادعة ومضلّلة؛ إذ إنّ تجارة الأسماك والأخشاب، لا سيما التجارة مع مزارع الهند الغربيّة، هو ما جعل الحياة على ما هي عليه في القرنين السابع والثامن عشر في نيو إنجلاند، وليس الدين، ولم يكن البيوريتانيون محبوبين وغير ممثّلين، بالضرورة، لشعب نيو إنجلاند؛ فمثلاً، في بواكير القرن السابع عشر في مستعمرة خليج ماساتشوستس، قاطع أحد المستعمرين عِظة قسيس بيوريتانيّ، قائلاً: "إنّ مصلحة نيو إنجلاند في سمك القدّ وليست مع الله!".

اقرأ أيضاً: يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

إنّ بعض الصّفات التي جعلت من البيورتانيين غريبين للغاية ساعدتهم على التميّز في كتابة التاريخ؛ إذ إنّهم أظهروا براعة فذّة في كلّ ما يتعلق بالقراءة والكتابة، والتعليم وتأويل النصوص، وبناء المؤسسات؛ حيث مكّنتهم تلك المهارات، لا سيما بين الأمريكيين، في مواجهة التحدي الذي أطلق عليه عالم الاجتماع، روجر فريدلاند، "مشكلة التمثيل الجماعيّ" في العالم الحديث؛ إذ إنّ تاريخ الأمم ما قبل العالم الحديث كان بمثابة أنساب؛ فالشعب هو الذي ينحدرُ من جدّ واحد: كإبراهيم، أو إينياس، على سبيل المثال، ومن ثمّ يرتبطون بشكلٍ طبيعيّ، ومثّل نموذج الأمّة الحديثة مشكلةً جديدةً: فمن المفترض أنّ الأمة هي شعبٌ مشتركٌ واحدٌ، يتقاسم سمات أساسيّة وجوهريّة حتّى، وليس سلالةً، أو ملكاً أو ملكة.

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

في نهاية القرن الثامن عشر؛ لم يكن أحد يعرف، على الأغلب، كيف له أن يمثّل شعباً مشتركاً، في أمريكا الشماليّة، كان البيورتانيّون هم الأقرب لهذا؛ فقد فكّروا وكتبوا عن أنفسهم لا كشعب عاديّ، ولكن كشعبٍ مختار، شعبٍ لا يتقاسم أصلاً من ربّ ما، بل هو تابعُ الربّ، ومن أجل تحويل تاريخ السكّان غير المتجانسين إلى وحدة قوميّة، فقد كان التصوّر البيوريتانيّ أبعد ما يكون عن ذلك، ولكن سيكون لا بدّ عليه أن يقوم بذلك.

استبعدَ التأثير البيوريتاني الكثيرَ، بما في ذلك الوجود الطويل والدائم للمسلمين والإسلام في أمريكا، وكذلك بعض التجارب ذات النزاهة والحدّة في التجربة البيوريتانيّة نفسها، وفق شروطها الخاصة، والتي كانت مختلفة عن تجربة البيورتانيين في تاريخ الولايات المتحدة القوميّ، وأعطت هيمنة المؤسسات البيوريتانيّة نيو إنجلاند الاستعماريّة دوراً كبيراً؛ فعلى مدار قرنين، تغيّرت الأعراف كثيراً، بيد أنّ مؤرخينَ من القرن التاسع عشر، مثل فرانسيس باركمان وهنري آدمز، يتقاسمون مع خلفهم في القرنين العشرين والواحد والعشرين؛ بيري ميلر، وبرنارد بايلين، وجيل ليبور، التزاماً بالبحث عن أمريكا، وعن الأصول القوميّة للولايات المتحدة، في نيو إنجلاند القرن الثامن عشر.

وقد كان أحد أكثر الأعمال المُضلّة في كتابة التاريخ البيوريتانيّ متمثلاً في الزعم بتأطير الحريّة الدينيّة، باعتبارها التزاماً أنجلو-بروتستانتيّ؛ ففي الواقع، كان البيورتانيّون والبروتستانت الأنجليّون دائماً ما يستدعون ويضطهدون أعداءَهم الدينيين: الأمريكيين الأصليين، والكاثوليك، واليهود، والشيوعيين، والمسلمين، وأحياناً بعض البروتستانت؛ فمثلاً، لم يتعرض جون وينثروب، أو كوتن ماثر، ولا أيّة شريحة من سلالة البيوريتانيين، لأيّ اضطهاد دينيّ فعليّ. فامتلاك القوّة، مثلما امتلكها الأنجلو-بروتستانت في أمريكا، ليس متوافقاً تماماً مع أساس ادعاءات السلطة الأخلاقيّة في المسيحيّة، بالنسبة إلى البعض، كما أنّه ليس متوافقاً مع فكرة أمريكا، باعتبارها أرض الحريّة الدينيّة، وكملجأ للمضطهدين، كما وصفها توم بين في عام ١٧٧٦.

وإذا كانت أية مجموعة دينيّة تمثّل النسخةَ الأفضل من الحريّة الدينيّة في أمريكا، فإنّها المسلمون، من أمثال الزمّوري وعبد الرحمن؛ فقد جاءا إلى أمريكا في ظلّ ظروف الاضطهاد الحقيقيّ، وناضلا من أجل الاعتراف بدينهما وبحريّة ممارسته؛ فالمسلمون في أمريكا، على عكس الأنجلو-بروتستانت، قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون.

اقرأ أيضاً: المسلمون وموروث العقل المثير للجدل

وقد كانت العاقبةُ الأكثر تأثيراً للأثر البيوريتانيّ متمثلةً في الالتزام المتواصل بإنتاج ماضٍ يدور متمركز على الأفعال المِقدامة المرتكزة إلى المبادئ التي قام بها الأنجو-بروتستانت (التي كانت غالباً في نيو إنجلاند وتشيسابيك، وأسفرت عن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظام حكمها ومؤسساتها)؛ ففي الواقع: إنّ تاريخ أمريكا ليس سرديّة أنجلو بروتستانتيّة في أوّل الأمر، مثله مثل الغرب بشكل أوسع؛ فلربّما ما يشكله الغرب تحديداً قد لا يكون بيّناً أو أمراً بدهيّاً، إلّا أنّ  العصر الأكثر كونيّةً في التاريخ، والذي كان في مقدمته الاستعمار الأوروبيّ لنصف الكرة الأرضية الغربيّ، ينبغي أن يكون جزءاً رئيساً منه.

فإذا كان الغربُ يعني، جزئياً، نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة؛ فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية، والحال أنّ النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ هي نزاعات متواصلة، وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات، وهي مهمّة للغاية؛ فالمسلمون، تاريخياً، هم الأمريكيون، مثلهم مثل الأمريكيين الأنجلو-بروتستانت، ومسلمو أمريكا القدماء، بنواحٍ عديدة، هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ، وأيّ بيان أو مقترح بعكس ذلك، بصرف النظر عن مدى حسن نيّته، فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة.


المصدر: سامي هاسبلي

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:

أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

2019-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم. ومنذ محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016، تواصلت أنقرة مع الإنتربول 1,252 مرّة، من أجل تسلُّم أو تقديم معلومات عن مواطنين أتراك يعيشون في ألمانيا.
وكُشِف عن هذه المعلومات في أعقاب تحقيقٍ برلمانيّ قام به حزب اليسار الاشتراكيّ.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وينقسم هذا الرّقم، وفق تحليلات "دويتشه فيله"، إلى 1,168 إشعار أحمر - طلبات إلقاء القبض على مواطن تركيّ وتسليمه إلى تركيا - و84 إشعاراً أزرق، أو طلبات جمع معلومات حول هويّة الشّخص أو موقعه أو أنشطته.
ويعدّ هذا الرّقم المرتفع بشكل غير مألوف مصدر قلق عميق للنّائب عن حزب اليسار أندريه هونكو، الّذي يعتقد أنّ "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم. ويقول إنّ الهدف الوحيد للإنتربول يتمثّل في مكافحة الجريمة، وإطاره القانونيّ يحظر التّحقيقات الّتي تُجرى على أُسس سياسيّة.

 "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم

انتهاك دستور الإنتربول

تنصّ المادّة (3) من دستور الإنتربول على أنّه "ممنوع منعاً باتًّا على المنظّمة القيام بأيّ تدخّل أو أنشطة ذات طابع سياسيّ أو عسكريّ أو دينيّ أو عرقيّ".
ومع ذلك، فإنّ الإنتربول يُدرك تماماً خطر إمكانيّة إساءة استخدام الإشعارات الحمراء لأسباب سياسيّة من قِبل الدّول الأعضاء. ولهذا السّبب، في عام 2018، أنشأت المنظّمة "فرقة العمل المعنيّة بالإشعارات والانتشار"، والّتي تتألّف من سبعة خبراء قانونيّين من سلوفاكيا وكرواتيا وأوكرانيا والسّويد وألمانيا.

الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم

وتتمثّل مهمّتهم في التّدقيق في مذكّرات التّوقيف الفرديّة الّتي يبلغ عددها 80,000 والّتي قُدّمت إلى الإنتربول وتحديد ما إذا كان أيّ منها ينتهك المادّة (3). وفي العام الماضي، أعلنت الحكومة الألمانيّة أنّ الإنتربول وجد بالفعل 130 حالة تنتهك هذه المادّة وتعود إلى كانون الثّاني (يناير) 2014.
لكن هونكو يريد من الإنتربول أن يفعل أكثر من مجرّد مراجعة كافّة الإشعارات الحمراء؛ إنّه يدعو المنظّمة إلى فحص الإشعارات الزّرقاء أيضاً، والّتي تطلب السّلطات عبرها جمع معلومات حول مكان وجود الشّخص وأنشطته. ويقول إنّ أنقرة قد أساءت استخدام هذا الخيار الثّاني من أجل تعقّب واختطاف المعارضين الأتراك في الخارج.

أنقرة تتعقّب معارضيها

لقد أُلقي القبض بشكل متكّرر على ألمان من أصل تركيّ في الخارج بناء على أوامر اعتقال دوليّة نيابةً عن تركيا. والعديد من هذه الحالات تصدّرت عناوين الصّحف في الأعوام الأخيرة.

نائب وزير الداخلية التركي: الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة منها 462 استهدفت مؤيّدي فتح الله غولن

ومن بين هؤلاء كان عصمت كيليج (54 عاماً)، الّذي حصل على حقّ الّلجوء السّياسيّ في ألمانيا منذ أكثر من 20 عاماً ويعيش الآن في دويسبورغ. وجرى اعتقاله في سلوفينيا في تمّوز (يوليو) بناءً على طلب تركيّ، لكن الإنتربول قرّر أنّ اعتقاله غير قانونيّ في أيلول (سبتمبر). وفي هذه الأثناء، احتُجِز كيليج حتّى منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر).
وكان "مكتب الشّرطة الجنائيّة الفيدراليّة" في ألمانيا قد تلقّى مذكّرة التّوقيف الدّوليّة الخاصّة بكيليج في صيف عام 2013، لكنّه فشل في إبلاغه أو تحذيره بخطر الاعتقال في الخارج.
وقضيّة الرّوائيّ الّذي يتّخذ من كولونيا مقرّاً له، دوغان أخانلي، مُشابِهة. ففي عام 2017، أُلقي القبض عليه في إسبانيا بناءً على طلب تركيّ. وبالرّغم من أنّ أخانلي يحمل الجنسيّة الألمانيّة، فإنّه قد مُنع من مغادرة إسبانيا لمدّة شهرين.

أنقرة تتّهم الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة

يوم الإثنين، قال نائب وزير الدّاخليّة التّركيّ، إسماعيل كاتاكلي، إنّ الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة، منها 462 استهدفت مؤيّدي رجل الدّين فتح الله غولن، الّذي يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، والّذي ترى أنقرة أنّه العقل المدبّر للانقلاب الفاشل في عام 2016. وهناك 115 مذكّرة اعتقال جرى رفضها وكانت تستهدف أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ، الّذي يشنّ حرب عصابات داخل تركيا منذ الثّمانينيات.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
ووفقاً لكاتاكلي، لم يعترض الإنتربول، على كلّ حال، على 66 مذكّرة اعتقال تستهدف مقاتلي داعش. وقال أيضاً إنّه لا تزال هناك 784 مذكّرة اعتقال دوليّة عالقة تخصّ أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ.
وتعتبر الحكومة التّركيّة داعش وحركة غولن وحزب العمّال الكردستانيّ منظّمات إرهابيّة. ومن جانبه، اتّهم كاتاكلي الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة عن طريق معاملة هذه الجماعات بشكل مختلف، ممّا يسهّل محاكمة البعض وليس الآخرين.


إلماس توبغو، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/turkey-using-interpol-to-track-down-dissidents/a-5...

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

الجائزة الكبرى لـ"حماس" وجائزة الترضية لـ"الجهاد"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

نبيل عمرو

بَرَعَتْ حركة «حماس» في إخفاء أجنداتها المضمرة تحت ساتر كثيف من شعارات جذابة، وجملٍ محبَّبةٍ للجمهور، غير أنها بدت أكثر براعة وجسارة في الانتقال من موقع إلى موقع مختلف، أو حتى مناقض، وذلك حسب الضرورة.
حدث ذلك بأوضح الصور وأكثرها مباشرة حين اعتبرت «أوسلو» خيانة بالجملة والتفصيل، وقاطعت انتخاباتها الأولى كي لا تلوث طهارتها الكفاحية ذات الأساس المبدئي غير القابل للتصرف، وحين رأت ضرورة لدخول «أوسلو» من بابها العريض (الانتخابات)، أعلنت جاهزيتها للمشاركة فيها حتى لو لم تسمح إسرائيل بإجرائها في القدس، فبوسع القدس أن تنتظر التحرير.
وفي هذه الأيام، ومن قبيل تهيئة الذات لدخول المستقبل من باب المرونة والبراغماتية، فقد سحبت معظم تحفظاتها القديمة على إجراء الانتخابات العامة، ولم يبقَ إلا أن تعلن بصريح العبارة أنها توافق على رؤية محمود عباس لإجرائها.
إلا أن ما بدا كتغير استراتيجي طال قواعد اللعب، فقد حدث بعد تصفية القيادي في «الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا؛ حيث لم تشارك «حماس» في معركة الدفاع عن الوطن الذي تعرض لأشرس هجمات تدميرية من قبل إسرائيل، رافقها بحر من الدم نزف من أجساد المواطنين وناشطي «الجهاد»، دون أن يتعرض أي موقع حمساوي لأذى.
إسرائيل من جانبها قدرت ذلك لـ«حماس»، وتجددت دعوات التفاوض المباشر معها من غير الاكتفاء بوساطات أخرى، ذلك أن إحجاماً كهذا لا بد وفق كثير من الروايات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية أن يستحق مكافأة؛ بل وأن يُبنى عليه، حتى أن كُتاباً ذوي شأن في إسرائيل تحدثوا عن تحالف موضوعي بين نتنياهو المستفيد الأول من موقعة «الحزام الأسود»، و«حماس» التي من حقها انتظار مكافأة على ترك «الجهاد الإسلامي» يواجه أقداره بمفرده.
السؤال: لماذا تغيرت الأمور بهذه السرعة؟ وما هي الرهانات المترتبة عليها؟ وفق منطق الحسابات البراغماتية الصرفة المتجردة من الأغلفة المبدئية والشعارية، فإنَّ ما فعلته «حماس» ما كان بوسعها أن تفعلَ غيره، ذلك أن حكمها لغزة واستعداداتها للتمدد نحو الضفة، يتطلب التهدئة وتجنب حرب تدميرية كتلك الحروب التي فعلت في أهل غزة ما فعلت، ذلك أن «حماس» لا تريد، وليس من مصلحتها، أن تبدأ العمل على التهدئة من الصفر، فالمحاولات الراهنة لإنجازها يمكن أن تنجح.
كذلك فإن «حماس» تستشعر المآزق التي آلت إليها تشكيلات وأذرع الإسلام السياسي، ومركزه إيران، الممول الوحيد لـ«الجهاد» وأحد الممولين لـ«حماس»، ولغيرها ممن توصي بهم من الفصائل الأخرى.
السخاء الإيراني القديم لم يعد كما كان؛ بل هو مرشح للتناقص، والتنقيط القَطري قد لا يستمر إلى ما لا نهاية. وهنالك دافع ربما يكون الأقوى، ذلك أن «حماس» وغزة دخلت بقوة إلى السجال الحزبي في إسرائيل، وهو سجال سوف يقرر هوية الحكم القادم في الدولة العبرية، وبالتالي لا توجد ضمانة، لا عند «حماس» ولا حتى عند المصريين والإسرائيليين، من ألا تتدحرج الأمور إلى حرب واسعة لن تلحق أذى بالغاً بـ«حماس» فحسب؛ بل ستعيد غزة كلها إلى ما كانت عليه في الأيام التالية للحروب التدميرية، التي لا تزال آثارها شاخصة رغم مرور الزمن.
إسرائيل، وإن كانت تعلن أنها في غير وارد الانجرار إلى حرب واسعة، وهي صادقة في ذلك، فإن صاروخاً منفلتاً من عقاله يقتل إسرائيليين أو يقع على مقربة من هدف حيوي، يكفي أن يقود إلى حرب، حتى لو لم يكن السياسيون غير راغبين فيها.
«حماس» فعلت ما فعلت في العدوان الأخير بفعل حسابات متعقلة، وتحسّب من حرب لن يكون أهل غزة سعداء بها، أما «الجهاد» التي تعتبر نفسها مخذولة، فبإمكان «حماس» احتواء عتبها وغضبها، ولو باللغة الحميمة التي استخدمها السيد إسماعيل هنية، واصفاً العلاقة مع «الجهاد» بالعروة الوثقى.
وأنا اكتب السطور الأخيرة لهذه المقالة، أبلغني مساعدي مروان أن «حماس» التحقت بالمعركة، إذ أطلقت قذيفتين على منطقة بئر السبع، وقامت إسرائيل بالرد الفوري عليها. لم أغير التحليل، إلا أنني استذكرت مثلاً يصدق على دخول المعركة بعد وقف إطلاق النار: «العليق بعد الغارة ما يفيد» واستذكرت كذلك حكاية الجوائز، فإسرائيل اقترحت الجائزة الكبرى لـ«حماس»، أما «حماس» فقد اقترحت جائزة الترضية لـ«الجهاد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

صراع قطري تركي في الصومال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

مارتن جاي

أثارت زيارة وفد حكومي قطري وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو، العديد من التساؤلات. وكان الوفد قد وصل لإجراء محادثات مع مسؤولين صوماليين، تركزت حول العلاقة بين قطر وتركيا، وهل أن تلك العلاقة قوية كما هو معتقد. وتأتي المحادثات في أجواء من التوتر سادت بين الدولتين الحليفتين، فجّرته قناة الجزيرة، إثر بثها أخبارا عن الحملة العسكرية التركية شمال سوريا.

والسؤال هنا هو، هل التراشق بالاتهامات، بين صحيفة “الصباح اليومي” المؤيدة لأردوغان، وقناة “الجزيرة”، مجرد حدث عابر، أم أن خلافات عديدة متراكمة سبقته وأدت إلى خروجه للعلن؟

ينظر إلى هاتين الدولتين، تركيا وقطر، في الشرق الأوسط، بوصفهما دولتين متقاربتين إلى حد التماهي، تربط بينهما مشاريع عسكرية، كما هو الحال في منطقة البحر الأحمر، حيث تقوم قطر ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة تابعة للسودان.

ومؤخرا، أيدت قطر قرارا تركيا بالتخطيط للتدخل العسكري شمال سوريا. ولا يمكن أن ننسى الدعم التركي لقطر، بعد مقاطعة الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لها الأمر الذي أدى إلى عزلها عن شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في صيف عام 2017. وفي هذه الظروف، أهدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طائرة فاخرة من طراز بيونغ، فضلا عن استضافة قطر لحوالي 3 آلاف جندي تركي على أراضيها.

الأمثلة التي تؤكد وجود صداقة عميقة وطويلة الأمد بين الدولتين لا حصر لها. فلماذا يتم الآن نشر تقارير سلبية وتسريب الشائعات عن توتر انتاب العلاقة فجأة؟

توتر العلاقات بين أنقرة والدوحة
يتكهن بعض الخبراء في المنطقة، بأن زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى قطر لم تسر على هوى أنقرة. وفي الواقع، لم يكن جوهر الخلاف، الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، في وسائل الإعلام التركية والقطرية، بشأن الحملات العسكرية لأنقرة في سوريا، هو السبب.

لكن الدليل على توتر العلاقات يظهر بوضوح من خلال الحادث الذي وقع في الصومال قبل أسبوعين، وهي دولة تمارس فيها كل من قطر وتركيا سيطرتها.

ويتم اختبار العلاقة بين الدولتين في الصومال، حيث بدأ البعض يرى مؤشرات على تفكك تدريجي لهذه العلاقة. ووفقا لمصادر في مقديشو، فوجئ مسؤولون صوماليون بسماع شخصيات قطرية تتحدث بطريقة، وصفت بأنها غير لائقة، عن تركيا، وتقترح على حكومة، محمد عبدالله محمد، إنهاء تعاونها مع أنقرة، وبذل قصارى جهدها لعقد شراكة أكثر جرأة مع قطر. ومع ذلك، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى استجابة النخبة الصومالية لهذه التحريضات.

وعلى العكس من ذلك، انتشر الغضب والاستياء من قطر، التي يعتبرها الكثير من الصوماليين مثيرة للشغب والمشاكل، حيث دأبت على تأليب الأطراف المتقاتلة، محرضة الصوماليين ضد بعضهم. ويقارن الصوماليون ما يحدث اليوم بما حدث مع الأميركيين عام 1993، عندما دفع التحريض الأميركي الطرفين المتقاتلين للاتحاد في مواجهة الأميركيين الراغبين في استعمارهم.

بالطبع، لا ترغب قطر ولا تركيا في السيطرة على البلاد، كما هو حال الأميركيين خلال حادثة كلينتون، التي أضرت بسمعة الأمم المتحدة في أفريقيا لمدة عشر سنوات، إلى درجة وقوفها عاجزة تراقب رواندا وهي تغرق في الحرب بعد عام على أحداث الصومال. لكن ذلك لا ينفي أن لكلا البلدين، قطر وتركيا، أهدافا مختلفة للغاية في الصومال.

وبينما تنظر تركيا إلى القرن الأفريقي كدولة مسلمة تمثل بوابة لها لولوج أفريقيا، والاستثمار بحكمة على علاقة طويلة الأمد، خاصة من خلال تطوير قطاع التعليم ، ولا ترى مانعا في تزويد الصوماليين بالمعدات العسكرية أحيانا، على أساس التزام الحياد، كما تدّعي. تقوم قطر، من جانبها، بلعبة أكبر وأكثر ضراوة، في دعم النظام واستخدام الصومال كموقع لإطلاق أهدافها في المنطقة المجاورة، وليست القارة الأفريقية فحسب، حيث تستثمر قطر في الاستخبارات والجيش، وبالطبع في الموانئ، ومع ذلك، فإن جهودها ليست مدروسة بشكل متقن. وقد وصف أكاديمي بريطاني الزيارة الأخيرة بأنها “صب الملح في الجراح”، في إشارة إلى معارك سابقة يُعتقد أن قطر كانت ترعاها.

أجندات متضادة
ويقول محمد حاجي إنغيرييس، الأكاديمي بجامعة أوكسفورد، إن قطر وتركيا تتحدان”أو يبدو أنهما متحدتان بشأن الأزمة الخليجية، لكن ليس في الصومال. هنا، لكل منهما مصالح تتناقض مع مصالح الطرف الآخر. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لا يتعين عليهما النزاع علنا بشأن هذا الاختلاف. وبدلا من ذلك، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون تقويض الآخر”.

ويبدو أن للقطريين أهدافا قصيرة الأجل في الصومال، في حين لتركيا أهداف طويلة الآجال. لهذا السبب تختلف مقاربتهما وعلاقتهما مع الصوماليين اختلافا جذريا.

ويعتقد خبراء أن دولة الإمارات ستنجح في إخراج قطر من الصومال، بحلول عام 2020، وحينها ستكون الأمور أكثر استقرارا مع وجود الإمارات فقط إلى جانب تركيا. وهذا ما يرجحه إنغيرييس الذي يرى أن قطر “ستفقد نفوذها في السياسة الصومالية، لكن تركيا ستبقى”. هذا لأن معظم الصوماليين ينظرون إلى تركيا بوصفها شريكا محايدا. في هذه الحالة، يتنبأ الكثيرون أن تحل الإمارات محل قطر. ولكن تظل مسألة التعاون بين الإمارات وتركيا مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تربط بين أبوظبي وأنقرة علاقة مثيرة للجدل، وبالتالي فإن أي شراكات يصعب التنبؤ بها.

ولكن عند المقارنة بين قطر والإمارات، لا يوجد أي مجال للشك في موقف الصوماليين. وأوضح نائب صومالي، في موقع مؤثر في الحكومة الفيدرالية، "كيف تستخدم قطر المال للتأثير على المسؤولين الحكوميين، في حين أن الإمارات تعقد علاقة عمل واضحة ومباشرة".

ويقول علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي السابق، “قطر جاءت مؤخرا على الساحة الصومالية، وهي على اتصال وثيق بالجماعات الإسلامية، تقدم الدعم السياسي والاقتصادي لها. وليس لدى قطر مشروع واحد ملموس في الصومال، إنها فقط توفر التمويل لكسب أو إفساد السلطة في البلاد. الدعم القطري في الإدارة الصومالية هو مصدر مدمر يُستخدم لإفساد رجال الدين والإعلام والشيوخ وجماعات المجتمع المدني”.

وعلى النقيض، ينظر الصوماليون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية، وهو ما أوضحه علي بكير، المحلل الجيوسياسي الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، حيث كانت تركيا في الحقيقة أول من سعى إلى توفير الأمان في البلاد.

ويقول بكير، “تقود تركيا الجهود لدعم الحكومة والشعب الصوماليين وتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة التي شتّتتها الحرب قبل حوالي عقد من الزمن”.

وقال بكير لـ”ميدل إيست أون لاين”، “ظهرت قطر في الصومال مؤخرا، لكن دور كل من تركيا وقطر في الصومال متوافق ومكمل في الوقت نفسه”. وإن كان هذا التوافق أمرا مشكوكا فيه.

وكشف بكير لموقع إلكتروني، يتخذ من قطر مقرا له، عن اعتقاده أن الخلاف بين قطر وتركيا، حول قضية شمال سوريا، كان يدور حول الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى وسائل الإعلام الخاصة بها، مشيرا إلى أن تركيا أسيرة لمنابرها الإعلامية الخاصة التي تنشر روايات منحازة، بدلا من أن تلتزم الموضوعية. وكذلك هو الحال مع الشائعات المغرضة التي ينشرها القطريون حول أنقرة.

الأمر كله يتعلق بالحس الصحافي.. صحيفة “الصباح اليومي” التركية، التي قد يظن المرء أن أردوغان ينشرها بنفسه، بسبب الترويج المضحك للزعيم التركي وحكومته، تصف صحافيي الجزيرة بأنهم “فاشلون” يختبئون وراء شعارات الصحافة المستقلة.

كان الأجدر بالصحيفة أن تعمل وفق ما تتوقعه من قناة الجزيرة، وتلتزم هي أيضا بالموضوعية، لا أن تكون واحدة من وسائل الإعلام التركي التابع لجهاز الدولة، يعوزها الحياد والحرفية.

على الرغم من ذلك، لم يصل هذا النزاع إلى مقديشو.

لم يسمع علي عمر، عضو البرلمان، عن الخلاف بين “الصباح اليومي” وقناة “الجزيرة”. هو، مثل العديد من الصوماليين، يميل إلى الجانب التركي بشكل تلقائي، عند الحديث في مثل هذه المواضيع والمقارنة بين الدولتين، وغالبا ما يتخذ موقفا معارضا لقطر.

يقول عمر، “تركيا أكبر وأكثر تقدما. دعمت تركيا الصومال بشكل كبير في وقت الحاجة. كانت زيارة الرئيس أردوغان في عام 2011 بمثابة نقطة تحول بالنسبة إلى الصومال، وأعادت وضعه على الخريطة. قدمت تركيا الدعم الملموس للصومال من خلال بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب الحكومية ومعسكرات التدريب العسكري. كما عرضت منح للآلاف من الطلاب الصوماليين وطلاب الجيش. تحترم تركيا المؤسسات الرسمية وتتعامل مع الحكومة المركزية فقط”.

في الواقع، قد تتجاوز أهمية تركيا، في الصومال، أهمية قطر، التي، على النقيض، قد تعمل على تدمير أسس المجتمع الصومالي، بدعمها الجماعات المتطرفة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية