لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟

8826
عدد القراءات

2019-09-09

ترجمة: كريم محمد


كانت الكلمات الأولى التي مُرِّرت بين الأوروبيين والأمريكيين (أُحاديّةً ومرتبكةً كما وجب أن تكون) مشفوعةً باللغة المقدّسة للإسلام، وقد أملَ كريستوفر كولومبوس في الإبحار إلى آسيا، واستعدّ للتواصل مع محاكمها الكبرى بإحدى اللغات الرئيسة للمتاجرة الأوراسية، لذلك؛ عندما تحدّث شارح كولومبوس، اليهوديّ الإسباني، إلى التاينو، تحدّث باللغة العربيّة، ولا يقتصر الأمر على لغة الإسلام فحسب؛ بل على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا عام ١٤٩٢؛ أي قبل أكثر من عشرين عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه على الباب، مشعلاً مسيرة الإصلاح البروتستانتي.

على الأرجح أنّ الدينَ نفسه قد وصلَ أمريكا ١٤٩٢ أي قبل أكثر من 20 عاماً من وضع مارتن لوثر خطابه الإصلاحي

احتلّ البرابرةُ، المسلمون الأفارقة والعرب، الجزء الأكبر من شبه الجزيرة الأيبيرية، عام 711، وأنشؤوا ثقافة إسلاميّة استمرّت قرابة ثمانية قرون، وبحلول أوائل عام 1492، أكمل ملوك إسبانيا، فرديناند وإيزابيلا، حروب الاسترداد (سقوط الأندلس)، وهزموا آخر الممالك المسلمة، ألا وهي غرناطة، وبحلول نهاية القرن، كانت محاكم التفتيش، التي كانت قد بدأت قبل قرن، قد أرغمت ما بين ثلاثمئة وثمانمئة ألف مسلم (وربما ما لا يقلّ عن سبعين ألف يهوديّ) على اعتناق المسيحيّة، وغالباً ما كان الكاثوليك الإسبان يشتبهون في أنّ هؤلاء الموريسكوس، أو أتباعهم، كانوا يَدينون بالإسلام (أو باليهودية) سرّاً، وطاردتهم محاكم التفتيش واضطهدتهم، ومن المؤكَّد أغلب الظنّ؛ أنّ البعض قد أبحر مع رهط كولومبوس، حاملين الإسلامَ في عقولهم وأفئدتهم.

مارتن لوثر

لقد خلّفت ثمانية قرون من الحكم الإسلاميّ إرثاً ثقافياً عميقاً في إسبانيا، وواضحٌ من خلال طرق جليّة، ومدهشة في بعض الأحيان، خلال الفتح الإسباني للأمريكيّتين.

أعجب بيرنال دياز ديل كاستيلو، مؤرخ غزو هيرنان كورتيس لأمريكا الوسطى، بأزياء الراقصات الأصليات من خلال كتابته: "muy bien vestidas a man man y y que parecían moriscas"، أو "يرتدي ملابسهن بطريقته الخاصة، بدا وكأنّه نساء مغاربيات"، استخدم الإسبان بشكل روتيني "mezquita" (الإسبانية للمسجد) للإشارة إلى المواقع الدينية الأمريكية الأصلية، أثناء سفره عبر أناهواك (تكساس والمكسيك اليوم)؛ ذكر كورتيس أنّه شاهد أكثر من 400 مسجد.

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد وغدت بعض أفكاره نهجاً يتعاملون مع العالم به

مثّل الإسلام ضرباً من المخطّط أو الخوارزميّة بالنسبة إلى الإسبان في العالم الجديد، وغدت بعض أفكار الإسلام بمثابة نهج يتعاملون مع العالم به؛ ففي حين أنّهم كانوا يواجهون بشراً وأشياء جديدةًعليهم، فإنّهم التفتوا إلى الإسلام فلربّما يفهمون عن طريقه ما كانوا يرون، وما كان يحدثُ لهم، يشيرُ إلى ذلك استعمالهم لكلمة "كاليفورنيا"، وما قد ينطوي عليه أصله من جذور عربيّة؛ فالإسبان أطلقوا الاسم، عام ١٥٣٥، من رواية "Deeds of Esplandian" "مآثر إسبلانديان"، وهي رواية رومانسيّة ذائعة الصيت بين الغزاة، تستعرضُ جزيرةً غنيّةً، هي كاليفورنيا، يحكمها الأمازون السود وملكتهم كالافيا، وقد نُشرت هذه الرواية في إشبيلية، وهي المدينة التي كانت، لقرون عدّة، جزءاً من الخلافة الأموية (انتبهوا إلى كلمات: الخليفة، كالافيا، كاليفورنيا).

خريطة 1719 لماريلاند وفرجينيا وخليج تشيسابيك

وفي كافّة أنحاء نصف الكرة الغربيّ، أينما وصلوا إلى أراضٍ جديدة أو واجهوا شعوباً أصليّة، قرأ الغزاة الإسبان عليهم المطالب، وهي إعلانٌ قانوني بليغ؛ هذه المطالب تنطوي، في جوهرها، على بيان بإعلان وضع جديد للمجتمع: إتاحة الفرصة للأمريكيين الأصليين للتحول إلى المسيحية والخضوع للحكم الإسبانيّ، أو تحمّل المسؤولية عن كلّ "الوفيات والخسائر" التي ستلحق ذلك، والحال؛ أنّ الإعلان الرسميّ والعموميّ عن نيّة الغزو، بما في ذلك العرض على غير المؤمنين بفرصة الاستسلام ويصبحون مؤمنين، هو المطلب الرسمي الأوّل للجهاد، وبعد قرون من الحرب مع المسلمين، تبنّى الإسبان هذه الممارسة، وصبغوها بصبغة مسيحيّة، وسمّوها المطالب، وأخذوها إلى أمريكا معهم، ربّما اعتقد المسيحيون الأيبيريّون أنّ الإسلام خاطئ، إلّا أنّهم كانوا يعرفونه جيداً، وحتّى لو أنّهم رأوه غريباً عنهم، إلّا أنّه وجب عدّه بمثابة غرابة شديدة الألفة بالنسبة إليهم.

اقرأ أيضاً: وكانت أمريكا مسلمة قبل اكتشاف كولومبوس للقارة

ومع حلول عام ١٥٠٣، كان مسلمو غرب إفريقيا أنفسهم قد أتوا إلى العالم الجديد، في ذلك العام، كتب حاكم هيسبانيولا الملكيّ إلى إيزابيلا، يطلب تقليص استيرادها للمستعبدين المسلمين؛ فقد كانوا، كما كتبَ في رسالته، "مصدراً للعار بالنسبة إلى الهنود"؛ فإنّهم "قد فرّوا من ملاكهم"، مراراً وتكراراً، كما كتب.
وفي صباح يوم عيد الميلاد، 1522، في أول تمرّد للعبيد في العالم الجديد؛ حيث ثار نحو عشرين عبداً من عبيد هيسبانيولا العاملين في حقول السكّر، وبدؤوا في ذبح الإسبان، وكما أشار الحاكم؛ فإنّ المتمردين كان معظمهم من الولوف، أحد شعوب سنغامبيا، التي اعتنق أهلها الإسلام منذ القرن الحادي عشر.

نسيان مسلمي أمريكا القدماء هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم

والحال؛ أنّ المسلمين كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة، وهي قُدرةٌ قلّما حبّذها مُلّاك المزارع، وفي العقود الخمسة التي تلت تمرد العبيد، عام 1522، على هيسبانيولا، أصدرت إسبانيا خمسة مراسيم تحظر استيراد العبيد المسلمين.

بعد ذلك؛ وصل المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس شركة فرجينيا لمستعمرة جيمس تاون، عام 1607، وجاء المسلمون إلى أمريكا قبل أكثر من قرن من تأسيس البيوريتانيين في مستعمرة خليج ماساتشوستس، عام 1630؛ فالمسلمون لم يكونوا يعيشون في أمريكا فقط قبل البروتستانت، بل أيضاً قبل أن تكون البروتستانتيّة موجودة؛ فبعد الكاثوليكية، كان الإسلام هو الديانة التوحيديّة الثانية في الأمريكيَّتين.

المسلمون كانوا أكثر تأهّلاً من غيرهم من الأفارقة المستعبدين دراية بالقراءة والكتابة

إنّ سوء الفهم الشائع حتّى في الأوساط المتعلّمة، بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا، يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب؛ فهو يكشف، بشكلٍ خاص، كيف برّر المؤرّخون واحتفلوا ببزوغ الدولة-الأمّة الحديثة؛ فقد كانت إحدى الطرق للتضخيم من أمريكا هي التقليل من عدم الضخامة وعدم التجانس (الكزومباليتانيّة والتنوع والوجود المشترك المتبادل بين الشعوب)، في أمريكا أثناء الثلاثمئة عام الأولى للوجود الأوروبيّ.

سوء الفهم الشائع بأنّ الإسلامَ والمسلمين هما بمثابة إضافات حديثة لأمريكا يخبرنا بأشياء مهمّة بشأن التاريخ الأمريكي المكتوب

كما أنّ كتابة التاريخ الأمريكيّ أيضاً هيمنَت عليها المؤسّسات البوريتانيّة، لربّما لم يعد هذا الأمر صحيحاً تماماً الآن، كما كان قبل 100 عام، حين اشتكى المؤرخ الأمريكي (الجنوبي)، أولريك بونيل فيليبس، من كون ولاية بوسطن هي التي كتبت التاريخ الأمريكي، وأنَّ ما كتبته جاء خاطئاً إلى حدٍّ بعيد، بيد أنّ الأمر عندما يتعلّق بتاريخ الدين في أمريكا، فإنّ عواقب هيمنة المؤسسات البوريتانيّة الرائدة في بوسطن (جامعة هارفرد) ونيو هيفن (جامعة يِلْ) تظلّ مهولةً؛ هذا "الأثر البوريتاني" على رؤية الدين وفهمه في تاريخ أمريكا المبكّر (وأصول أمريكا)، يقوم بتشويه حقيقيّ؛ حيث يصبح الأمر كما لو كان علينا، ولا بدّ من أن نُسلّم التاريخ السياسيّ للقرن العشرين إلى التروتسكيين.

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة، كما حدث بالفعل؛ فوحده التاريخ يجعل العالَم أو المكان أو الشعب بائنين كما هم عليه، أو على ما كانوا عليه، وعلى النقيض من ذلك؛ يجب التفكير في الماضي على أنّه قطعٌ أو أجزاء من التاريخ يختارها مجتمعٌ ما من أجل تصديق نفسه، والتأكيد على أشكال حكمه ومؤسّساته وأخلاقه المهيمنة.

اقرأ أيضاً: نداءات في ألمانيا: المسلمون غير آمنين!

بالتالي؛ إنّ نسيان مسلمي أمريكا القدماء، هو شيء أكثر من مجرّد شأن سريّ، وعاقبة ذلك على صلة وثيقة بمسألة الانتماء السياسيّ اليوم؛ فتاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم، بل التاريخ هو شيءٌ حيّ، من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد، وإلا اندثرَ واختفى؛ فقد أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام، وجعل من الصعب رؤية إجاباتٍ واضحةٍ لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟ وحول معايير الانتماء، ومَن يملك حقّ إقرارها؟

يجب التفكير في التاريخ باعتباره يمثل عمق واتساع التجربة البشريّة كما حدث بالفعل

فماذا تعني "أمريكا"؟ أو ماذا يعني "أمريكي"؟ يشيرُ مشروع معهد "أوموهوندرو" لـ "أمريكا الضخمة المبكرة"، والمعهد هو المنظمة العلميّة الرائدة في التاريخ الأمريكيّ المبكّر، إلى إجابة واحدة محتملة؛ فـ "أمريكا المبكرة، و"الأمريكي"؛ هما مصطلحان كبيران وعامّان، ولكن ليس إلى حدّ أن يكونا بلا معنى؛ فيجب فهمهما، تاريخياً، أفضل الفهم، على أنّهما التصادم العظيم والاختلاط والغزو بين شعوب (وحيوانات وميكروبات) أوروبا وإفريقيا مع شعوب ومجتمعات نصف الكرة الغربيّ، من منطقة البحر الكاريبيّ إلى كندا، التي بدأت عام ١٤٩٢؛ فمن عام ١٤٩٢ إلى عام ١٨٠٠، على أقلّ تقدير، فأمريكا هي أمريكا العظمى، أو أمريكا الضخمة المبكرة.

تاريخ الأمم ليس أضرحةً أو صناديق رفاتٍ لحفظ الموتى أو تذكاراتهم بل التاريخ هو شيءٌ حيّ من الأجدر به كما تشكَّل أن يتجدد وإلا اندثرَ واختفى

كان المسلمون جزءاً من أمريكا العظمى من البداية، بما فيها تلك الأجزاء التي ستغدو، بعدئذٍ، الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من هؤلاء المسلمين؛ مصطفى الزموري، المسلم العربيّ ذو الأصول المغربية، والذي وصل إلى فلوريدا عام 1527، عبداً في حملة إسبانية بائسة، قادها بانفيلو دي نارفاييث، واقفاً ضدّ كلّ الصعاب، نجا الزموري وأسّس حياة لنفسه، مترحلاً من سواحل المكسيك عبر ما يُعرف الآن بالجنوب الغربيّ للولايات المتحدة، وعبر منطقة أمريكا الوسطى أيضاً، وتكبّد الزموري مشاق العبوديّة لأهل البلد الأصليين، قبل أن يكوّن نفسه كرجل طيب محترم وذائع الشهرة والصيت.

وفي عام ١٥٢٤؛ نشر كابيزا دي فاكا، وهو أحد الناجين الأربعة من حملة نارفاييث، أوّل كتاب أوروبيّ يكرسه صاحبه للحديث عن أمريكا الشمالية؛ هذا الكتاب الذي عُرف بعد ذلك بعنوان "مغامرات في مجاهل أمريكا" ( Adventures in the Unknown Interior of America)؛ حيث يروي فيه دي فاكا أخبارَ الكوارث التي حلّت بالغزاة، وأعوام الأسر الثمانية التي أمضاها الناجون في ترحالهم عبر مناطق شمال أمريكا ووسطها.

اقرأ أيضاً: كيف رأى المسلمون الأوائل الفنون؟
ويقرّ دي فاكا بكيف أنّ الزموري أصبحَ شخصاً لا يمكنهم الاستغناء عنه، فكما كتب دي فاكا: "كان العبد الزنجي هو من يتحدّث إليهم طيلة الوقت"، والـ "هم" ههنا إنّما هي عائدةٌ على الأمريكيين الأصليين، ومن ثمّ، تمثّلت براعة الزموري في اللغات المحلية، التي هي ما أنقذ حياة الرجال، حتى أنَّها فتحت لهم أبواباً لنوعٍ من رغد العيش بعدئذٍ.

إخفاء التاريخ جعل من الصعب رؤية إجابات واضحة لأسئلة مهمة بشأن: مَن ينتمي إلى أمريكا؟ ومَن الأمريكيّ؟

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا؛ بل أكثر منهم مجتمعين.
تروي ليلى العلمي المزيد والمزيد من تفاصيل تلك الرحلة في روايتها المتميزة "حكاية المغربيّ" (The Moor’s Account)، الصادرة عام 2014، والتي تتعقب فيها الزموري من مرحلة الطفولة في المغرب، ثمّ استقراره في إسبانيا، حتى نهايته الغامضة في الجنوب الغربي الأمريكيّ، وإذا كان هناك شيءٌ يمكن أن يوصف بأنَّه أفضل نسخة تجسّد روح الريادة الأمريكية، أو تطلعها الذي لا يعرف حدّاً، وتعكس تجربةً ملهمةً في القدرة على التكيف والابتكار، التجربة الجديرة بأن توسم بها أمّة، أو مجموعة من الناس، فإنّه من الصعب بمكان أن تجد شخصيةً تمثّل ذلك أفضل من الزموري.

أخفى احتكار الإنجيليين البروتستانتيين الفعليّ لتاريخ الدين في أمريكا حضور المسلمين الذي استمر لخمسمئة عام

في الفترة بين عامي 1675 و1700، سمحت بدايات تكوّن المجتمع الزراعي في تشيسابيك لتجار الرقيق بجلب أكثر من 6000 إفريقي لفرجينيا وماريلاند، ودفعت هذه الطفرة في التجارة إلى تغيير مهم في الحياة الأمريكية.
وفي عام 1668؛ كان عدد العبيد من البيض في تشيسابيك يفوق عدد العبيد السود بمقدار خمسة إلى واحد، وبحلول 1700 انعكست هذه النسبة؛ إذ جاء المزيد من الأفارقة إلى تشيسابيك خلال الأربعة عقود الأولى من القرن الثامن عشر، وبين عامي 1700 و1710؛ أدّى نموّ الثروة الزراعة إلى استيراد 8000 آخرين من الأفارقة المستعبَدين، وبحلول 1730 جاء 2000 عبد، على الأقل، كلّ عام إلى تشيسابيك.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

كانت تشيسابيك الأمريكية تتحول من مجتمع يضمّ العبيد (أغلب المجتمعات في التاريخ البشري كانت تضمّ العبيد)، إلى مجتمع عبيد، وهو أمر غير عادي تماماً؛ ففي مجتمع العبيد، تكون العبودية الأساس للحياة الاقتصادية، وتمثّل علاقة السيد والعبد علاقة اجتماعية نموذجية، ومثالاً للآخرين.

الجيل الأول من الأفارقة الذين جُلبوا إلى أمريكا الشمالية كانوا يعملون في الحقول جنباً إلى جنب، وينامون تحت سقف سيّدهم نفسه، وهم أيضاً، كما أشار المؤرخ إرا برلين في عدة آلاف ذهبوا (1998)، يسعون بحماس للتحول إلى المسيحية، كانوا يأملون أن يساعدهم التحوّل في حماية مكانتهم الاجتماعية.
جاء الأفارقة، الذين جلبوا أواخر القرن السابع عشر وخلال النصف الأول من القرن الثامن عشر، للعمل كعبيد في فرجينيا ووماريلاند وكارولاينا، من أجزاء مختلفة من إفريقيا، أو من الهند الغربية، أكثر من الأجيال المُستأجرة السابقة، وكان أغلبهم مسلمين، وأقلّ احتمالاً لأن يكونوا من أصول مختلطة.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟
المبشرون والمزارعون في القرن الثامن عشر اشتكوا من أنّ هذا "الجيل المزارع" أظهر اهتماماً أقلّ بالمسيحية، كما انتقد المبشرون والمزارعون ما عدّوه ممارسة "طقوس وثنية"، يمكن للإسلام، إلى حدٍّ ما، الاستمرار في هذه المزارع الخاصة بمجتمع العبيد الأمريكي.

إذا كان الغربُ يعني جزئياً نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية

وبالمثل؛ في عامَي 1719 و1731، استفاد الفرنسيون من الحرب الأهلية في إفريقيا الغربية لأسر الآلاف؛ حيث جلبوا ما يقارب 6000 أسير إفريقي مباشرة إلى لويزيانا، أغلبهم جاؤوا من فوتا تورو، منطقة حول نهر السنيغال الممتد حالياً بين موريتانيا والسنغال، وصل الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر.
عرفت فوتا تورو منذ ذلك الوقت بعلمائها وفصائلها الجهادية ثيوقراطياتها، بمن فيها إمامة فوتا تورو، التي استمرت منذ 1776 حتى 1861، وفي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر كانت أصداء الصراعات في غولد كوست (ما يعرف الآن بغانا) وهاوس لاند (المعروفة حالياً بنيجيريا) تتردّد في الأمريكيتين.

لعلّ الزموري شاهدَ مما يمثل الولايات المتحدة الحالية وأراضيها وأهلها أكثر بكثير مما شهده أيٌّ من "الآباء المؤسسين" لأمريكا

في السابق؛ هزم الآسانتي تحالف المسلمين الأفارقة، ولاحقاً، فاز الجهاديون أخيراً ولكن من خلال عملية أفقدتهم الكثير من رفاقهم لصالح تجارة العبيد والغرب. 

أيوب سليمان ديالو؛ أبرز شخصية مسلمة في القرن الثامن عشر في شمال أمريكا، كان من الشعب الفولاني، مسلمون من غرب إفريقيا، في بداية القرن السادس عشر؛ أسر التجار الأوروبيون العديد منهم، وأرسلوهم ليتم بيعهم في أمريكا، ولد ديالو في بوندو، منطقة بين السنغال ونهر غامبيا، في ظلّ ثيوقراطية إسلامية، وأُسر من قبل تاجر رقيق بريطاني، في 1731، وبيع لمالك عبيد في ماريلاند.
لاحظ مبشّر أنّ ديالو يكتب العربية، فعرض عليه شرب النبيذ ليرى إن كان مسلماً أم لا، لاحقاً، كتب محامٍ قصة استرقاق ديالو ونقله إلى ماريلاند، وتحويل اسمه من أيوب إلى جوب، واسم عائلته سليمان إلى ابن سليمان، وبهذه الطريقة أصبح أيوب سليمان جوب بن سليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

وبهذه الطريقة، شهدت تجربة الاسترقاق تحويل العديد من الأسماء العربية إلى أسماء إنجليزية؛ والأسماء القرآنية تحوّلت إلى شيء مشابه لما ورد في إنجيل نسخة الملك جيمس.
موسى أصبح موسس، وإبراهيم أصبح أبراهام، وأيوب أصبح جايكوب أو جوب، وداوود أصبح دايفيد، وسليمان أصبح سولومون، وهكذا.

أشارت توني موريسون للممارسة التي تعرضت لها الأسماء الإسلامية في روايتها "نشيد سليمان" (1977)، وجاء عنوان الرواية من أغنية شعبية تحمل أدلة على تاريخ بطلها، ميلك مان ديد وعائلته، المقطع الرابع من الأغنية يبدأ بأسماء أخذت من الأفارقة المسلمين العبيد، في فيرجينيا وماريلاند وكنتاكي وكارولاينا، وأماكن أخرى في أمريكا، وبالتالي؛ فإنّ نشيد سوليمون كان ربما أيضاً أول نشيد لسليمان.

اقرأ أيضاً: مسلمو أوروبا بين التطرف الإسلاموفوبي وعنف الجماعات الإسلاموية

كانت إعادة التسمية (أحياناً تتم بطريقة مهينة أو مزعجة) أداة مهمة لسلطة صاحب المزرعة، ونادراً ما يتم إهمالها، ومع ذلك، عبر أمريكا الشمالية؛ بقيت الأسماء العربية جزءاً من السجل التاريخي، فسجلات محكمة لويزيانا لقرني الثامن عشر والتاسع عشر أظهرت إجراءات تتعلق بالمنصور وسومان وأماديت وفاطمة وياسين وموسى وبكري ومعمري وآخرين.
وتظهر سجلات محكمة جورجيا في القرن التاسع عشر إجراءات تتضمن أسماء؛ سليم وبلال، وفاطمة، وإسماعيل، وعليق، وموسى، وآخرين.

النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ متواصلة وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات

قضى نوبل بوكيت، عالم اجتماعي في القرن العشرين، حياته في جمع مادة إثنوغرافية عن الحياة الثقافية الإفروأمريكية، في كتابه "أسماء سوداء في أمريكا: الأصول والاستخدام"، وثّق بوكيت أكثر من 150 اسماً عربياً شائعياً بين المنحدرين من أفارقة الجنوب، أحياناً يكون للشخص اسم أنجليكي (اسم عبد) للاستخدامات الرسمية، بينما يسود الاسم العربي في الممارسة.

من الصعب معرفة إلى أيّ مدى ثبتت الأسماء العربية المتعلقة بممارسة دينية أو هوية، لكن من غير المرجَّح أنّها فصلت تماماً؛ كتبت جريدة في جورجيا، عام 1791، في إعلان عن عبد هارب، على سبيل المثال: "زميل زنجي جديد يسمى جيفري، أو إبراهيم"؛ نظراً للتحكّم الشديد الذي مارسه مالكو العبيد على التسمية، فقد كان هناك العديد من الرجال الذين يسمون "جيفري" بينما اسمهم الحقيقي هو "إبراهيم"، نساء كثيرات سمين "ماسي"، بينما اسمهنّ الفعلي هو "معصومة"، وهكذا.

قام لورينزو دو تيرنر، باحث في القرن العشرين في الغولا (لغة يُتحدث بها في الجزر قبالة الساحل الجنوب شرقي لأمريكا) بتوثيق ما يقارب من 150 اسماً من أصل عربي شائعة في هذه الجزر وحدها، تتضمن: أكبر، وعلي، وأمينة، وحامد، وآخرين، وكان اسم مصطفى شائعاً في المزارع في أوائل القرن التاسع عشر في كاليفورنيا.

أيّ بيان يخفي حقيقة المسلمين الأمريكيين بصرف النظر عن مدى حسن نيّته فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة

الأسماء العربية لا تجعل المرء مسلماً بالضرورة، على الأقل في المغرب وبلاد الشام، التي تضمّ المسلمين والمسيحيين واليهود أيضاً، لكنّ انتشار الإسلام هو ما جلب الأسماء العربية لغرب إفريقيا، بالتالي؛ فإنّ أسماء أكبر وأمينة، أو على الأقل، آباؤهم وأجدادهم، كانوا مسلمين بكل تأكيد.

وبدافع الخوف؛ حاولت السلطات الإسبانية حظر العبيد المسلمين من مستعمراتها المبكرة في أمريكا، في مجتمعات العبيد الأكثر رسوخاً وأماناً في القرن الثامن عشر والتاسع عشر في أنجلو أمريكا، كان بعض أصحاب المزارع يفضلونهم، وفي كلتا الحالتين، كان السبب ذاته؛ أنّ المسلمين كانوا بمعزل، وحازوا سلطة ونفوذاً.

المسلمون تاريخياً هم الأمريكيون مثلهم مثل الأنجلو-بروتستانت ومسلمو أمريكا القدماء هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ

نصح أحد المنشورات "القواعد العملية للإدارة والعلاج الطبي للعبيد الزنوج في مستعمرات السكر" عام 1803، التي تركز على الهند الغربية، بأنّ المسلمين "بارعون في رعاية الماشية والخيل والخدمة المنزلية"، لكنّ "قلة منهم مؤهلون للعمل القاسي في الحقل، والذي لا ينبغي أن يمارسوه"، وأشار المؤلف إلى أنّ "كثيراً منهم في المزارع يتحدثون العربية".

دافع أحد ملاك العبيد في جورجيا، في أوائل القرن التاسع عشر، والذي ادّعى أنّه يقدّم نموذجاً مستنيراً للرقّ؛ من أجل جعل "قادة الديانة المحمدية سائقين أو زنزوجاً مؤثرين" في المزارع، وأبدى أنّهم سيظهرون "النزاهة لأسيادهم"، وقد ذكر هو وآخرون حالات لعبيد مسلمين انحازوا لصفّ الأمريكيين ضدّ البريطانيين، في حرب 1812.

بعض العبيد المسلمين، في القرن التاسع عشر في أمريكا، أصبحوا هم أنفسهم ملاك عبيد، ومدرسين، أو ضباطاً عسكريين في إفريقيا؛ إبراهيم عبد الرحمن كان عقيداً في جيش والده إبراهيم صوري، أمير أو حاكم في فوتا جالون، التي تعرف الآن بغينيا، لكن في عام 1788، وفي عمر 26 عاماً، أُسر عبد الرحمن في الحرب، واشتراه تجار بريطانيون، ونُقل إلى أمريكا، حيث أمضى عبد الرحمن 40 عاماً في جني القطن في ناتشيز في المسيسيبي، وكان مالكه، توماس فوستر، يطلق عليه "الأمير".

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
عام 1826، وخلال سلسلة من الأحداث غير المرجَّحة، لفت عبد الرحمن أنظار جمعية الكولونيالية الأمريكية، وأُنشئِت هذه الجمعية لغرض ترحيل الأشخاص المنحدرين من أصول إفريقية في أمريكا، وإعادتهم إلى إفريقيا، وتشمل الجمعية العديد من كبار المحسنين، وبعضاً من أقوى سياسيّيها، وقد جمعت بين نمطي الوطنية البيضاء والعالمية المسيحية، وقد ضغطت الرابطة لما يزيد عن عامين على فوستر، الذي وافق أخيراً على تحرير عبد الرحمن، لكنّه رفض تحرير عائلته، وفي محاولة لجمع المال من أجل شراء حرية عائلته، ذهب عبد الرحمن إلى المدن الحرّة في الشمال الأمريكي؛ حيث شارك في فعاليات واستعراضات تهدف لجمع التبرعات، مرتدياً الزيّ "المغاربي"، وكاتباً الفاتحة، فاتحة القرآن، على ورقة للمانحين (دافعاً إياهم للاعتقاد بأنّها صلاة الربّ).

عبد الرحمن كان مسلماً ويتعبّد كالمسلمين، وعندما التقى بقادة الجمعية، أخبرهم بأنّه كان مسلماً، ومع ذلك منحه توماس جالاودت، ناشط إنجيلي بارز ومثقف تخرَّج من ييل، إنجيلاً باللغة العربية، ودعاه لأن يصليا معاً؛ من خلال اقتراح إمكانية العودة لإفريقيا، والحصول على فرصة عمل مربحة، ضغط آرثر تابان، من كبار محسني أمريكا، على عبد الرحمن كي يصبح مبشراً مسيحياً، ويساعد في توسيع إمبراطورية الإخوة تابان المربحة في إفريقيا.

وصفت مجلة "The African Repository and Colonial"؛ كيف أصبح عبد الرحمن "الرائد الرئيس للحضارة من أجل تنوير إفريقيا"؛ لقد رأوه يغرس "صليب المخلص على قمة جبال كونج!"، وهذا باختصار هو الأثر البروتستاني على العمل، أولاً؛ رفض دين وتحديد هويته، ثانياً؛ عملت المؤسسات القوية المتخصصة في الكتابة ومسك الدفاتر والنشر والتعليم (المهارات الأساسية في صياغة التاريخ) لتشويهه. 

اقرأ أيضاً: المسلمون في أوروبا وقضيّة الاندماج: لماذا يتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى؟

قد تكون تفاصيل قصة عبد الرحمن غير عادية، لكنّ تجربته كمسلم أمريكي يواجه احتكاراً أنجلو بروتستانتي لتحويل دولة غير مسيحية إلى دولة "مسيحية"، وتطور الإسلام، جزئياً، ليعلو على الاختلافات اللغوية والثقافية الهائلة لإفريقيا وآسيا؛ عبد الرحمن كان يتحدث ستّ لغات، بينما، على النقيض من ذلك؛ فإنّ الأنجلو أمريكية الإنجيلية البروتستانتية ديانة أصغر وأضيق؛ حيث تبلورت في منطقة شمال الأطلسي المقيدة ثقافياً، وكانت في علاقة ديناميكية مع كلّ من الرأسمالية والوطنية، ولم تكن تهدف إلى تجاوز عدم التجانس؛ بل (كما حاول جالاودت وتابان مع عبد الرحمن) إلى التجانس.

المسلمون في أمريكا على عكس الأنجلو-بروتستانت قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين بمن فيهم الأمريكيون الأصليون

كم شخصاً شارك تجربة عبد الرحمن؟ كم عدد المسلمين الذين كانوا موجودين في أمريكا لنقل بين عامي 1500 و1900؟ وكم منهم كان في أمريكا الشمالية؟ سيلفيانا ديوف هي مؤرخة كبيرة في هذا الموضوع، وقد كتبت في "خدام الله"، 1998، الذي يعدّ تخيلاً محافظاً؛ "كانت هناك مئات الآلاف من المسلمين في الأمريكيتين"، "وهذا ما يمكننا قوله عن الأرقام والتقديرات"، ومن العشرة ملايين مستعبَد إفريقي، الذين أرسلو إلى العالم الجديد، فإنّ أكثر من 80% منهم ذهبوا إلى منطقة البحر الكاريبي، أو البرازيل، ومع ذلك؛ فقد قدم مسلمون كثر إلى أمريكا، بادئ الأمر، أكثر مما جاء بريطانيون خلال ذروة الكولونيالية البروتستانتية.

اقرأ أيضاً: كيف عالج المسلمون في كندا أزمة التمويل الشرعي لشراء مساكنهم؟
شهدت ذروة الاستيطان البروتستانتي، خلال "الهجرة الكبرى"، بين عامَي 1620 و1640، قدوم 21000 بريطاني إلى أمريكا الشمالية، وربما 25% منهم جاؤوا كخدام لا يمكن تقدير ولائهم البروتستانتي، وبحلول 1760، أصبحت نيو إنجلاند موطناً لأكثر من 70.000 من الأبرشانيين (كنيسة البروتستانتيين في نيو إنجلاند).

رغم هذه الأعداد الصغيرة؛ فإنّ البروتستانت نجحوا في أن يكونوا أساتذة الأمة، ومع ذلك، وفي بعض النواحي؛ فإنّ نيو إنجلاند هي الخاسر أيضاً في نهوض الولايات المتحدة؛ حيث وصلت إلى ذروة اقتصادها وتأثيرها السياسي في القرن الثامن عشر، ورغم دورها البارز في استقلال الولايات المتحدة، فإنّها لم تكن إطلاقاً مركز السلطة الاقتصادية والسياسية، سواء في المستعمرات البريطانية في شمال أمريكا، أو في أمريكا الكبرى، أو حتى في الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف يعيش اللاجئون المسلمون إيمانهم في فرنسا ؟

كانت يُنظر إلى نيو إنجلاند، ببساطة، على أنّها واحدة من مستعمرات العالم الحديث، نشازاً في بعض النواحي المهمة؛ فقد كانت استثنائيّة ديموغرافيّاً (نظراً لسكّانها من العائلات)، وطائفيّة دينيّاً، وغريبة سياسيّاً، من منظور أوروبا، وثانويّة اقتصاديّاً، وحتى عبارة "نيو إنجلاند البيوريتانيّة" يمكن أن تكون مخادعة ومضلّلة؛ إذ إنّ تجارة الأسماك والأخشاب، لا سيما التجارة مع مزارع الهند الغربيّة، هو ما جعل الحياة على ما هي عليه في القرنين السابع والثامن عشر في نيو إنجلاند، وليس الدين، ولم يكن البيوريتانيون محبوبين وغير ممثّلين، بالضرورة، لشعب نيو إنجلاند؛ فمثلاً، في بواكير القرن السابع عشر في مستعمرة خليج ماساتشوستس، قاطع أحد المستعمرين عِظة قسيس بيوريتانيّ، قائلاً: "إنّ مصلحة نيو إنجلاند في سمك القدّ وليست مع الله!".

اقرأ أيضاً: يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

إنّ بعض الصّفات التي جعلت من البيورتانيين غريبين للغاية ساعدتهم على التميّز في كتابة التاريخ؛ إذ إنّهم أظهروا براعة فذّة في كلّ ما يتعلق بالقراءة والكتابة، والتعليم وتأويل النصوص، وبناء المؤسسات؛ حيث مكّنتهم تلك المهارات، لا سيما بين الأمريكيين، في مواجهة التحدي الذي أطلق عليه عالم الاجتماع، روجر فريدلاند، "مشكلة التمثيل الجماعيّ" في العالم الحديث؛ إذ إنّ تاريخ الأمم ما قبل العالم الحديث كان بمثابة أنساب؛ فالشعب هو الذي ينحدرُ من جدّ واحد: كإبراهيم، أو إينياس، على سبيل المثال، ومن ثمّ يرتبطون بشكلٍ طبيعيّ، ومثّل نموذج الأمّة الحديثة مشكلةً جديدةً: فمن المفترض أنّ الأمة هي شعبٌ مشتركٌ واحدٌ، يتقاسم سمات أساسيّة وجوهريّة حتّى، وليس سلالةً، أو ملكاً أو ملكة.

اقرأ أيضاً: المسلمون بين السماحة والتسامح.. لماذا تناسينا قيم الإسلام الحقيقية؟

في نهاية القرن الثامن عشر؛ لم يكن أحد يعرف، على الأغلب، كيف له أن يمثّل شعباً مشتركاً، في أمريكا الشماليّة، كان البيورتانيّون هم الأقرب لهذا؛ فقد فكّروا وكتبوا عن أنفسهم لا كشعب عاديّ، ولكن كشعبٍ مختار، شعبٍ لا يتقاسم أصلاً من ربّ ما، بل هو تابعُ الربّ، ومن أجل تحويل تاريخ السكّان غير المتجانسين إلى وحدة قوميّة، فقد كان التصوّر البيوريتانيّ أبعد ما يكون عن ذلك، ولكن سيكون لا بدّ عليه أن يقوم بذلك.

استبعدَ التأثير البيوريتاني الكثيرَ، بما في ذلك الوجود الطويل والدائم للمسلمين والإسلام في أمريكا، وكذلك بعض التجارب ذات النزاهة والحدّة في التجربة البيوريتانيّة نفسها، وفق شروطها الخاصة، والتي كانت مختلفة عن تجربة البيورتانيين في تاريخ الولايات المتحدة القوميّ، وأعطت هيمنة المؤسسات البيوريتانيّة نيو إنجلاند الاستعماريّة دوراً كبيراً؛ فعلى مدار قرنين، تغيّرت الأعراف كثيراً، بيد أنّ مؤرخينَ من القرن التاسع عشر، مثل فرانسيس باركمان وهنري آدمز، يتقاسمون مع خلفهم في القرنين العشرين والواحد والعشرين؛ بيري ميلر، وبرنارد بايلين، وجيل ليبور، التزاماً بالبحث عن أمريكا، وعن الأصول القوميّة للولايات المتحدة، في نيو إنجلاند القرن الثامن عشر.

وقد كان أحد أكثر الأعمال المُضلّة في كتابة التاريخ البيوريتانيّ متمثلاً في الزعم بتأطير الحريّة الدينيّة، باعتبارها التزاماً أنجلو-بروتستانتيّ؛ ففي الواقع، كان البيورتانيّون والبروتستانت الأنجليّون دائماً ما يستدعون ويضطهدون أعداءَهم الدينيين: الأمريكيين الأصليين، والكاثوليك، واليهود، والشيوعيين، والمسلمين، وأحياناً بعض البروتستانت؛ فمثلاً، لم يتعرض جون وينثروب، أو كوتن ماثر، ولا أيّة شريحة من سلالة البيوريتانيين، لأيّ اضطهاد دينيّ فعليّ. فامتلاك القوّة، مثلما امتلكها الأنجلو-بروتستانت في أمريكا، ليس متوافقاً تماماً مع أساس ادعاءات السلطة الأخلاقيّة في المسيحيّة، بالنسبة إلى البعض، كما أنّه ليس متوافقاً مع فكرة أمريكا، باعتبارها أرض الحريّة الدينيّة، وكملجأ للمضطهدين، كما وصفها توم بين في عام ١٧٧٦.

وإذا كانت أية مجموعة دينيّة تمثّل النسخةَ الأفضل من الحريّة الدينيّة في أمريكا، فإنّها المسلمون، من أمثال الزمّوري وعبد الرحمن؛ فقد جاءا إلى أمريكا في ظلّ ظروف الاضطهاد الحقيقيّ، وناضلا من أجل الاعتراف بدينهما وبحريّة ممارسته؛ فالمسلمون في أمريكا، على عكس الأنجلو-بروتستانت، قد اعترضوا على اضطهاد الآخرين، بمن فيهم الأمريكيون الأصليون.

اقرأ أيضاً: المسلمون وموروث العقل المثير للجدل

وقد كانت العاقبةُ الأكثر تأثيراً للأثر البيوريتانيّ متمثلةً في الالتزام المتواصل بإنتاج ماضٍ يدور متمركز على الأفعال المِقدامة المرتكزة إلى المبادئ التي قام بها الأنجو-بروتستانت (التي كانت غالباً في نيو إنجلاند وتشيسابيك، وأسفرت عن تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ونظام حكمها ومؤسساتها)؛ ففي الواقع: إنّ تاريخ أمريكا ليس سرديّة أنجلو بروتستانتيّة في أوّل الأمر، مثله مثل الغرب بشكل أوسع؛ فلربّما ما يشكله الغرب تحديداً قد لا يكون بيّناً أو أمراً بدهيّاً، إلّا أنّ  العصر الأكثر كونيّةً في التاريخ، والذي كان في مقدمته الاستعمار الأوروبيّ لنصف الكرة الأرضية الغربيّ، ينبغي أن يكون جزءاً رئيساً منه.

فإذا كان الغربُ يعني، جزئياً، نصف الكرة الغربيّ أو أمريكا الشماليّة؛ فإنّ المسلمين كانوا جزءاً من مجتمعاته منذ البداية، والحال أنّ النزاعات حول ما هي الأمّة الأمريكيّة؟ ومَن ينتمي إليها؟ هي نزاعات متواصلة، وما تزال الإجابات مفتوحةً على مجموعة واسعة من الاحتماليّات، وهي مهمّة للغاية؛ فالمسلمون، تاريخياً، هم الأمريكيون، مثلهم مثل الأمريكيين الأنجلو-بروتستانت، ومسلمو أمريكا القدماء، بنواحٍ عديدة، هم نماذج على الممارسات الفضلى والمُثل العليا من الدين الأمريكيّ، وأيّ بيان أو مقترح بعكس ذلك، بصرف النظر عن مدى حسن نيّته، فإنّه نابعٌ من شوفينيّة مقصودة أو موروثة.


المصدر: سامي هاسبلي

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:

بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

هل ساهمت الصحافة في صعود الإسلاموية في إندونيسيا؟

2019-09-13

ترجمة: محمد الدخاخني


في أوائل كانون الثّاني (يناير) 2016، تحدّث صحافيّون في مدينة يوجياكارتا الإندونيسيّة عن طبيبةٍ تركت زوجها، وانتقلت إلى جزيرة كاليمانتان للانضمام إلى حركة تستهدف "العودة إلى الأرض"، تسمّى غفتار.

أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو فالأقلّيّات تواجه التّمييز والتّخويف والعنف وهناك، أيضاً تمييز واسع النّطاق ضدّ النّساء

وأفاد صحافيّون يعملون في العديد من وسائل الإعلام الإندونيسيّة بأنّ زوجها قدّم تقريراً عن "شخصٍ مفقود" إلى شرطة يوجياكرتا، قائلاً إنّها قد "اختُطِفت". وعلى نحو يحضّ على التّشاؤم، صوّروا غفتار على أنّها تنطوي على "تعاليم منحرفة" ضدّ الإسلام، مشيرين إلى أنّ الحركة قد خدعتها حتّى تضمّها إلى صفوفها. حتّى إنّ بعض الصّحافيّين أخذوا في البحث عن حالات "اختفاءٍ" أخرى.
وساعد هؤلاء الصّحافيّون بشكل متوقّع في توليد هستيريا عامّة حول حركة غفتار.

اقرأ أيضاً: العمل الخيري الإخواني تجارة لم تفلس بعد في إندونيسيا
وفي 15 كانون الثّاني (يناير) 2016، هدّد غوغاء مسلّحون بالعصيّ والهراوات والمناجل المجتمعات الزّراعيّة التّابعة لغفتار بالعنف إذا لم يغادروا كاليمانتان. وزار مسؤولون حكوميّون وضبّاط شرطة هذه المجتمعات للضّغط على أصحابها للامتثال. وبعد ثلاثة أيّام، هاجمت ميليشيات الملايو مزارع غفتار. ويُظهِر مقطع فيديو صوِّر بالهاتف المحمول ضبّاط شرطة وعسكريّين وهم يدعمون إلحاق الغوغاء الضّررَ بالممتلكات وحرق ثمانية منازل مشتركة.
وأخيراً، قام هؤلاء الغوغاء العنيفون والمسؤولون الحكوميّون بإخلاء 2,422 عائلة - 7,916 شخصاً، بينهم العديد من الأطفال - بين كانون الثّاني (يناير) ومنتصف شباط (فبراير) الماضيين. وفي ذروة الحملة، كانت السّلطات الإندونيسيّة تحتجز أكثر من 6,000 من أعضاء حركة غفتار الّذين تمّ إجلاؤهم قسراً من كاليمانتان.
وفي 3 شباط (فبراير) الماضي، أصدر "مجلس العلماء الإندونيسيّ"، وهو هيئة إسلاميّة قويّة، فتوى ضدّ غفتار، معلناً أنّها منظّمة هرطقيّة. ولم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ الشّرطة في اعتقال قادة غفتار.

 أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو

تراجعٌ في الصّحافة – والدّيمقراطيّة

لقد أصاب التّعصّب الدّينيّ إندونيسيا ما بعد سوهارتو. فالأقلّيّات، بما في ذلك المسيحيّون والهندوس والبوذيّون والأحمديّة والشّيعة، - والمؤمنون بالأديان الشّعبيّة الأصليّة وأتباع الدّيانات الجديدة مثل غفتار - تواجه التّمييز والتّخويف والعنف. وهناك، أيضاً، تمييز واسع النّطاق ضدّ النّساء.

اقرأ أيضاً: اعتقال زعيم أقدم الجماعات الإرهابية في إندونيسيا... مَن هو؟!
وفي بعض الأحيان، شَهِد الصّحافيون عنفاً طائفيّاً ومجتمعيّاً واسع النّطاق قُتِل فيه حوالي 90,000 شخص، بدءاً من العنف الطّائفيّ في جزر مولوكاس إلى الاضطّرابات الّتي وقعت في تيمور الشّرقيّة بعد الاستفتاء الّذي نظّمته الأمم المتّحدة.

شَهِد الصّحافيون في بعض الأحيان عنفاً طائفيّاً ومجتمعيّاً واسع النّطاق قُتِل فيه حوالي 90,000 شخص

لكن هناك لحظات يواجه فيها الصّحافيّون موضوعاً حسّاساً، مثل حركة غفتار الّتي تستهدف "العودة إلى الأرض"، على نحو يختبر مفهومهم عن المهنيّة.
وفي أيّار (مايو) 2016، قضت محكمة في جاكرتا على الحاكم السّابق للمدينة، باسوكي "أهوك" بورناما، وهو مسيحيّ، بالسّجن مدّة عامين بتهمة "التّجديف ضدّ الإسلام". وقد جرى إرسال أكثر من 150 شخصاً إلى السّجن بتهمة "التّجديف" في إندونيسيا ما بعد سوهارتو، بزيادة كبيرة عن 10 حالات فقط في السّابق. ويعاقِب قانون التّجديف لعام 1965 عن أيّ انحراف عن المبادئ الأساسيّة لديانات إندونيسيا السّت المعترف بها رسميّاً - الإسلام والبروتستانتيّة والكاثوليكيّة والهندوسيّة والبوذيّة والكونفوشيوسيّة - بالسّجن لمدّة تصل إلى خمسة أعوام.
ويشكّل ظهور الإسلامويّة المُحافِظة تحديّاً متزايد الأهميّة للصّحافيّين في أكبر بلد إسلاميّ في العالم. فالمضايقات والتّمييز والعنف الموجّه ضدّ الأقلّيّات الدّينيّة تُسهِّله بنية قانونيّة، كانت قد أُسّست عام 2006 بهدف الحفاظ على "الوئام الدّينيّ". ومن النّاحية الفعليّة، تعمل هذه البنية على تقويض الحرّيّة الدّينيّة. ويجد بعض الصّحافيّين الإندونيسيّين صعوبةً في الفصل بين دينهم ومهنتهم.

ويقول رمادي أحمد، وهو باحث مسلم، "إنّ الأصوليّة تنمو في صمت، لكنّها يمكن أن تنمو بسرعة في العديد من القطاعات، بما في ذلك الصّحافة".

اقرأ أيضاً: لماذا رفضت إندونيسيا فكرة الدولة الإسلامية وكيف صارت نموذجاً للتسامح والتعددية؟
وقد ثبت أنّ هذا الاتّجاه يمثّل مشكلة بالنّسبة إلى حقوق المرأة. ومنذ عام 2007، أدرجت "الّلجنة الوطنيّة المعنيّة بالعنف ضدّ المرأة" أكثر من 420 لائحة محلّيّة تميّز ضدّ المرأة. وهذا ينعكس بشكل مشابه في المشهد الإعلاميّ في البلاد.
ويقوم حسابان على موقع انستغرام، وهما "اسحقوا البطريركيّة Smash Patriarchy" و"ماجدلين إندونيسيا Magdalene Indonesia"، بفحص التّقارير الّتي تنشرها وسائل الإعلام الإندونيسيّة. وغالباً ما يستخدمون هاشتاغ wtfmedia#...

يشكّل ظهور الإسلامويّة المُحافِظة تحديّاً متزايد الأهميّة للصّحافيّين في أكبر بلد إسلاميّ في العالم

وهناك مشكلة أخرى تتمثّل في تضاؤل شعبيّة الوسائل الإعلاميّة التّقليديّة بسبب وصول وانتشار الإنترنت: غوغل وفيسبوك وتويتر وانستغرام وواتساب، إلخ. فقد غيّرت هذه الشّركات كيفيّة متابعة الإندونيسيّين للأخبار. ولا يزال المستهلكون الإندونيسيّون يتعلّمون الفارق بين كتابة التّقارير من مصادر موثوق بها والدّعاية من طرفٍ له مصلحة، وكيف تُصنع الصّحافة القويّة.
ولم يعد الصّحافيّون بمثابة حُرّاس يقرّرون ما يجب على الجمهور أن يعرفه وما لا ينبغي أن يعرفه. فالفرد الآن هو مدير التّحرير والتّوزيع. وحسب "مجلس الصّحافة الإندونيسيّ"، يوجد في إندونيسيا الآن 47,000 مؤسّسة إعلاميّة.
وقد أدّى نموّ "الأخبار الزّائفة" إلى خلق مشكلات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة. و"مستشارو وسائل الإعلام" متاحون دائماً لخدمة عملائهم - وفي هذه الأيّام، قد يشمل ذلك إنشاء حسابات مزيّفة ونشر الدّعايّة السّياسيّة.

اقرأ أيضاً: إندونيسيا: علماء دين وناشطون بيئيون أيضاً
كما قامت شركات الإنترنت، خاصّة غوغل وفيسبوك، بإعادة توجيه الإعلانات بعيداً عن الوسائط التّقليديّة، مستنفدة الميزانيات المحدودة لوسائل الإعلام السّائدة على نحو يضغط على مراسلي هذه الوسائل للعيش برواتب أقلّ. وأخْذ الرشاوى، وهي ممارسة تعود إلى عهد سوهارتو، من الأمور الشّائعة بين الصّحافيّين الإندونيسيّين.
هذه كلّها عناصر قويّة تُساهم في انخفاض خطير في جودة الصّحافة، وبالتّالي الدّيمقراطيّة، في إندونيسيا.

دليل إرشادي لصحافة أفضل
في كانون الأوّل (ديسمبر) 2003، زار بيل كوفاتش، الخبير الصّحافيّ، خمس مدن في جُزُر سومطرة وجاوة وبالي، حيث أطلق التّرجمة الإندونيسيّة لكتابه "عناصر الصّحافة"، والّذي شارك في كتابته توم روزنستيل.

اقرأ أيضاً: انتشار الفكر الجهادي يجعل طريق الإصلاح وعرة في إندونيسيا
وقد حدّد كوفاتش وروزنستيل المبادئ والممارسات العشرة الأساسيّة للصّحافة: التزام الصّحافة الأوّل هو الحقيقة؛ ولاؤها الأوّل للمواطنين؛ جوهرها مجال التّحقّق؛ يجب على ممارسيها الحفاظ على استقلالهم عن أولئك الذي يقومون بتغطيتهم؛ يجب أن تكون الصّحافة بمثابة مراقب مستقلّ للسّلطة؛ يجب أن توفّر منتدى للنّقد العام والحلول الوسط؛ يجب أن تسعى جاهدةً لإبقاء ما هو مهم معتبراً ووثيق الصّلة؛ يجب أن تُبقي الأخبار شاملة ومتناسبة؛ يجب السّماح لممارسيها بإبداء ما يعتمل داخل ضميرهم الشّخصيّ؛ للمواطنين، أيضاً، حقوق ومسؤوليّات عندما يتعلّق الأمر بالأخبار.

يجب أن تكون الصّحافة بمثابة مراقب مستقلّ للسّلطة وأن توفّر منتدى للنّقد العام والحلول الوسط

وقيل لكوفاتش، في كثيرٍ من الأحيان، إنّ هذه المبادئ العشرة من الصّعب للغاية تنفيذها. ومن جانبه، أقرّ بالصّعوبات، مشدّداً على أنّ تلك المبادئ تُشبه "النّجوم في السّماء... لمساعدة البحّارة على الإبحار". وكتب كوفاتش وروزنستيل أنّ ما ينبغي على الصّحافيّين اتباعه هو "الحقيقة الصّحافيّة" لمساعدة النّاس والمجتمع على العمل وفق أساسٍ يوميّ - ومن الواضح أنّ هذا لا صلة له بـ "حقيقة إسلاميّة" أو تفسيرات دينيّة أخرى.
ما يجب أن يستخدمه الصّحافيّون الإندونيسيون مرجعاً إرشاديّاً هو النّظام القانونيّ الإندونيسيّ - والأهم من ذلك دستور عام 1945، الّذي يضمن صراحةً الحرّيّة الدّينيّة وحقوق التّجمع وتكوين الجمعيّات والتّعبير عن الرّأي.
للأسف، يوفّر النّظام القانونيّ، أيضاً، مساحةً كبيرةً للغاية للسّلطات القضائيّة الدُنيا للحدّ من تلك الحقوق. ويوجد الآن المئات، إن لم يكن الآلاف، من القوانين والتّشريعات والمراسيم المحلّيّة ذات الطّابع الإشكاليّ - بما في ذلك نحو 420 مرسوماً تمّت صياغتهم باسم الشّريعة الإسلاميّة، ويحضّون على التّمييز ضدّ الأقليات غير المسلمة وجعل قواعد الحجاب إلزاميّة.
وكانت إندونيسيا قد صدّقت على ثماني اتّفاقيّات دوليّة أساسيّة بشأن حقوق الإنسان. وتوفّر هذه الاتّفاقيّات معايير أقوى يجب على الصّحافيّين الإندونيسيّين اتّباعها عند متابعة الحقيقة الوظيفيّة في تقاريرهم.
إنّ مراجعةً تستند إلى تفتيش المرء داخل ضميره بشأن المواضع الّتي فشل فيها الصّحافيّون الإندونيسيّون في الإبلاغ عن التّعصّب الدّينيّ ستقودنا إلى تزويد الصّحافيّين بتدريبٍ أفضل على دستور 1945 والعديد من اتّفاقيّات حقوق الإنسان. ونأمل أن يعالج هذا التّدريب مشكلات الصّحافيّين فيما يتعلّق بإثارة التّوترات الدّينيّة كما حصل ضدّ أعضاء غفتار.


المصدر: أندريس هارسونو، كاونتر بانش

للمشاركة:



قمة روسية تركية إيرانية.. هذه المواضيع التي ستبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

يعقد زعماء روسيا وإيران وتركيا لقاء قمة في أنقرة اليوم؛ لبحث أهم ملفات الأزمة السورية وسبل تسويتها، بما فيها الوضع في إدلب وشرق الفرات.

وسيكون هذا الاجتماع الثلاثي هو الخامس لرؤساء الدول الضامنة لعملية أستانا، بعد أن استضاف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين ،نظيريه؛ التركي رجب طيب أردوغان والإيراني حسن روحاني للمرة الأولى بسوتشي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، وفق ما ذكرت "روسيا اليوم".

أوشاكوف: القمة ستبحث تشكيل اللجنة الدستورية والوضع الإنساني وقضايا اللاجئين وإعادة إعمار سوريا

وتعقيباً على قمة اليوم، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إنّ الزعماء الثلاثة سيبحثون في أنقرة القضايا المتعلقة بدفع العملية السياسية التي يديرها السوريون بمساعدة الأمم المتحدة"، مضيفاً أنّ الانتهاء من "عملية تشكيل اللجنة الدستورية وإطلاق أعمالها سيكون خطوة هامة" في طريق تسوية الأزمة السورية.

وذكر أوشاكوف أنّ القمة ستبحث أيضاً الوضع الإنساني، وقضايا مساعدة اللاجئين، وإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية في سوريا، إضافة إلى استمرار إزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

ومن المتوقع أن يصدر عن القمة بيان مشترك، وأن يتحدث بوتين وروحاني وأردوغان لممثلي وسائل الإعلام في ختام لقائهم.

وقبل انطلاق القمة الثلاثية، سيعقد الرئيس الروسي لقاء منفصلاً مع نظيريه التركي الإيراني، يتناول العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية، إضافة إلى جوانب من الملف السوري، حسب أوشاكوف.

وعبرت موسكو عن أملها في أن تمهد قمة اليوم لعقد اجتماع قمة بـ "صيغة اسطنبول" التي تضم روسيا وتركيا وفرنسا وألمانيا.

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات قادرة على مواجهة الاضطراب المحتمل لإمدادات النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

طمأن وزير الطاقة الإماراتي، سهيل المزروعي، أسواق الطاقة على إمدادات النفط، وذلك بعد تراجع إنتاج السعودية بنحو النصف جراء هجمات استهدفت منشآتها النفطية أول من أمس.

المزروعي: لدينا طاقة إنتاج نفط فائضة لتعويض الأسواق ومن المبكر الدعوة لاجتماع طارئ لأوبك

وقال المزروعي، في تصريح نقلته وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم إنّ بلاده تملك طاقة إنتاجية فائضة للنفط لمواجهة اضطراب محتمل للإمدادات بعد الهجمات، لكنه أكد أنّ من المبكر للغاية الدعوة لاجتماع طارئ لمنظمة "أوبك".

وأضاف وزير الطاقة الإماراتي، أنّه إذا دعت السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لاجتماع طارئ للمنظمة "سنتعامل مع الأمر".

وكان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة مع السعودية، معبراً عن استنكاره لمثل هذه الأعمال الإرهابية، ومؤكداً أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه، وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية (واس).

محمد آل نهيان: الإمارات تقف مع السعودية والمملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية قد صرح، أول من أمس، بأنّه "عند الساعة الرابعة صباحاً، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة أرامكو حريقين في معملين تابعين للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون"؛ حيث تمت السيطرة على الحريقين والحد من انتشارهما".

 

 

 

للمشاركة:

عائلات فرنسية تقدم شكاوى ضد وزير الخارجية.. ما السبب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

قدّمت العشرات من عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا، شكاوى ضد وزير الخارجية الفرنسي، جان-إيف لودريان، بدعوى "إغفال تقديم الإغاثة" لهم عبر رفضه إعادتهم إلى فرنسا.

وقدّم المحامون؛ ماري دوزيه وهنري لوكلير وجيرار تشولاكيان، الشكاوى في تموز (يوليو) وأيلول (سبتمبر) من العام الجاري، إلى محكمة عدل الجمهورية، الهيئة القضائية الوحيدة المخولة بمحاكمة الوزراء أثناء ممارسة مهامهم، حسب ما نقلت وكالة "فرانس برس".

عائلات نساء وأطفال فرنسيين محتجزين تتدعي ان لودريان رفض إعادتهم من سوريا إلى فرنسا

وتتّهم العائلات وزير الخارجية الفرنسي بأنّه رفض "طوعاً وعمداً" إعادة نساء وأطفال جهاديين فرنسيين محتجزين في مخيمات الأكراد في سوريا و"معرضين للخطر" .إلى فرنسا

وتقول العائلات في الشكاوى، التي كشفت عنها أيضاً صحيفة "لوموند"، إنّه "منذ أشهر عدة، لم يكفّ الأكراد عن حضّ الدول على تحمّل مسؤولياتها وإعادة مواطنيها".

لكن حتى الآن، لم توافق الحكومة الفرنسية على إعادة أطفال هذه المخيمات إلا بعد درس "كل حالة على حدة". وبعد أشهر من المماطلة وسط غضب الرأي العام، أعادت باريس في العاشر من حزيران (يونيو) الماضي 12 طفلاً معظمهم أيتام بعد إعادة خمسة أطفال في آذار (مارس) من العام ذاته.

ويشير أطراف الشكوى إلى أنّ "هذه السياسة التي أُطلقت عليها تسمية "كل حالة على حدة" تهدف، قبل كل شيء، إلى ترك أكثر من مئتي طفل وأمهاتهم معرضين إلى معاملة غير إنسانية ومهينة وإلى خطر الموت الوشيك".

وتصف العائلات الشاكية الظروف التي يعيش فيها الأطفال والأمهات والتي لا تكفّ عن التفاقم في المخيمات؛ حيث تسود "أجواء من انعدام الأمن" المتزايد مثل؛ درجات حرارة قصوى في الصيف والشتاء، نقص في المياه والمواد الغذائية، تفشّي وباء السلّ أو حتى الكوليرا، غياب الرعاية الصحية.

وحالياً ينبغي أن تعلن لجنة تلقي الشكاوى في المحكمة موقفها بشأن قبولها.

 

 

للمشاركة:



استهداف السعودية بندٌ إيرانيٌّ ثابت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

غسان شربل

استهداف السعودية بندٌ ثابتٌ وقديمٌ على طاولة صاحب القرار في النظام الإيراني الحالي. إنها حقيقة أكدتها الأحداث على مدار عقود. استهداف السعودية ليس قراراً مؤقتاً أو عابراً. إنه خيار يتعلق بطبيعة النظام القائم في طهران ونظرته إلى الآخرين لا سيَّما الدول المجاورة.
حاولت السعودية على مدار عقود استكشاف أي إمكانية لتغيير هذا المسار. التقطت أي إشارة يمكن أن تعدَ بسياسة إيرانية عقلانية أو واقعية. اعتمدت سياسة اليد الممدودة حين تحدث البعض عن واقعية رفسنجاني. وحدث الأمر نفسه لدى شيوع الكلام عن مرونة محمد خاتمي. لم تتردد الرياض في اعتماد سياسة اليد الممدودة حيال أحمدي نجاد. وكانت التطورات تُظهر مرة بعد أخرى أن جوهر السياسة الخارجية موجود في مكتب المرشد لا في مكتب الرئيس. وثمة من وصل إلى حدِّ الاعتقاد بأن الواقعية العابرة التي يبديها الرؤساء أحياناً هي مجرد مساحيق لإخفاء حقيقة النظرة الإيرانية إلى السعودية، وهي نظرة المرشد الذي يأتمن «الحرس الثوري» على تنفيذ السياسات الراسخة في كتابه.
تعاملت السعودية بمسؤولية عالية مع اعتداءات أمنية حصلت على أراضيها أو استهدفت دبلوماسييها ومصالحها في الخارج. سعت إلى منع التصعيد وتفادي الانزلاق إلى مواجهات علنية تضاعف المخاطر في إقليم متوتر أصلاً. وكانت الرياض تراهن على أن يستنتج أصحاب القرار في طهران أن أوهام القوة مؤذية للجميع وليس فقط للآخرين. وأن لغة العداوة تصبُّ الزيت على النار وتضاعف التوتر المذهبي والسياسي والأمني.
حاولت طهران مراراً إخفاء حقيقة سياستها المعادية للسعودية عبر التحدث عن حسن الجوار والدور المشترك في تأمين الخليج وأمن الطاقة. لكن التحركات على الأرض كانت تدلل سريعاً على أن هذه الدعوات الإيرانية إلى أفضل العلاقات بين دول المنطقة كانت جزءاً من الحرب الإعلامية والدبلوماسية التي لا بدَّ من أن تواكب الحملة المفتوحة على الأرض.
ثمة مشكلة عميقة في العلاقات بين إيران والسعودية. مشكلة حاضرة أيضاً بين إيران وغالبية دول المنطقة والعالم. في عالمنا الحالي تبنى العلاقات بين الدول استناداً إلى مبادئ القانون الدولي والمصالح المتبادلة. لإرساء ذلك لا بدَّ من أن يكون مفهوم الدولة هو الغالب. المشكلة أن إيران تتوكأ على منطق الدولة حين تجد مصلحتها في ذلك لكن جوهر سياستها يبقى كامناً في منطق الثورة التي ترفض العيش ضمن خريطتها وترفض الاعتراف بالحصانة التي يعطيها القانون الدولي لخرائط الآخرين. وما كان الأمر ليشكل معضلة لو أن إيران بنت على أرضها نموذجاً سياسيا أو اقتصاديا جاذباً يمكن استلهامه طوعاً ولا تروِّج له خارج لغة الدبلوماسية والإعلام. لكن الذي حدث هو أن طهران حاولت وبذرائع مختلفة التسلل إلى أراضي الآخرين لفرض قدر من نموذجها، وبما يكفي لجعل الدول المستهدفة تدور في فلكها. هذه الاختراقات القسرية وبوسائل من خارج أصول التخاطب بين الدول المستقلة والسيدة حولت التدخلات الإيرانية نهجاً لزعزعة الاستقرار. لا نحتاج هنا إلى سوق الأمثلة. تزايد النفوذ الإيراني في هذه العاصمة أو تلك لم يؤدِ إلى إشاعة استقرار أو التمهيد لازدهار، بل أدَّى إلى إشاعة التوتر وتجويف الدول من مقوماتها الأساسية وزرع أسباب التوتر في علاقاتها بالعالم.
دول كثيرة، وبينها السعودية، حاولت فعلاً بناء علاقة طبيعية مع إيران. لكن هذه الدول اصطدمت باكتشاف أن الدولة الإيرانية ومؤسساتها ما هي إلا عباءة تتحرك تحتها سياسة الثورة التي تجيز لنفسها اختراق خرائط الآخرين والسعي إلى تبديل التوازنات على أرضهم وفي عواصمهم. والواضح هو أن إيران تتصرف كأنها ثورة تخشى التحول إلى دولة، لأن مثل هذا التحول ينسفُ مشروع الانقلاب الكبير المبني على تصدير الثورة.
في إطار سعيها لتنفيذ برنامج الانقلاب الكبير في المنطقة، اعتبرت إيران السعودية عائقاً كبيراً أمام برنامجها وطموحاتها، عائقاً خليجياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، عائقاً لما تتصف به السعودية من ثقل إسلامي وعربي ودولي. ثقل اقتصادي وسياسي تواكبه شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية مبنية على خيار الاعتدال والتعاون والحضِّ على الحوار والتفاهمات، وهو ما تجلَّى في أدوار الوساطة التي قامت بها في دول عدة. ولهذا السبب بالذات كان تطويق السعودية بنداً ثابتاً على طاولة الصانع الحقيقي للقرار في إيران. اعتبرت طهران الحالية أن إضعاف الحلقة السعودية يشكل مدخلاً ضرورياً للإمساك بقرار المزيد من العواصم أو على الأقل امتلاك القدرة على تعطيل قدرتها على القرار. وكانت الحلقة الأبرز التي كشفت على نحو لا لبس فيه برنامج تطويق السعودية بالميليشيات والجيوش الصغيرة العابرة للحدود بأفرادها أو صواريخها وطائراتها المسيرة، حلقة الانقلاب الحوثي. وأدركت السعودية منذ اللحظة الأولى أن إيران تحاول تحويل الحوثيين وكيلاً دائماً في زعزعة الاستقرار واختراق الخرائط، ولهذا تجاوبت مع نداء الشرعية اليمنية.
واضح أن السعودية مستهدفة بسبب حاضرها واعتراضها على سياسة تحويل خرائط عربية منصاتٍ لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة على أهداف عربية. والسعودية مستهدفة أيضاً بسبب ما يمكن أن يكون عليه مستقبلها في ظل التحول الكبير الذي تعيشه.
في هذا السياق، يمكن فهم العدوان على منشأتي النفط السعوديتين التابعتين لشركة «أرامكو». إنه تصعيد واسع وخطر والبصمات على الرسالة واضحة مهما نفت طهران. يدلُّ هذا التصعيد على مدى التوتر الذي يعيشه النظام الإيراني بفعل سياسة «الضغط الأقصى» الأميركية. إنه صبٌّ لمزيد من الزيت على نار المنطقة بهدف امتحان الإدارة الأميركية وتذكير واشنطن بقدرة طهران على تهديد إمدادات الطاقة، وجعلها رهينة إضافية في الأزمة المفتوحة. ردود الفعل العربية والدولية الداعمة للسعودية رداً على هذا العدوان تؤكد مرة أخرى حجم الهوة بين قاموس النظام الإيراني وقاموس القانون الدولي. بمضاعفة هذا النوع من الرسائل لا تترك إيران للسعودية إلا خيار توظيف ثقلها العربي والإسلامي والدولي لوضع المزيد من العوائق أمام الانقلاب الإيراني الكبير. وفي هذا السياق تملك السعودية الإرادة والقدرة، علاوة على ترسانة علاقات دولية مبنية على قاعدة دورها في إبقاء أمل الاستقرار والازدهار حياً في المنطقة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

إلى أين يأخذ الإخوان ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-16

أعادت تركيا الزخم لتحرك ميليشيا الاخوان المسلمين في الساحة الليبية تحت مظلة حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج بدعم سخي ماليا وتسليحيا خاصة بالطائرات المسيرة التي تراهن عليها لقلب موازين القوى في المواجهة مع قوات الجيش الوطني الليبي التي تشن منذ أبريل/نيسان حملة عسكرية لتطهير العاصمة طرابلس من الإرهاب.

وتؤكد القوات الليبية التي كان لها الفضل في تحرير شرق ليبيا من الجماعات المتطرفة وإعادة الاستقرار لجزء مهم من الأراضي الليبية، أن عملية طرابلس تستهدف بالأساس تطهيرها من الجماعات المتشددة وفي مقدمتها جماعة الإخوان وأذرعها العسكرية التي ترتهن حكومة الوفاق.

ويعتبر متابعون لتطورات الأزمة الليبية أن الحكومة المعترف بها دوليا والتي عجزت منذ توليها السلطة في غرب ليبيا في مارس/اذار 2016 والمنبثقة عن  اتفاق سياسي جرى التوصل إليه في منتجع الصخيرات  بالمغرب في ديسمبر/كانون الأول 2015، عن إعادة الاستقرار ولجم انفلات سلاح الميليشيات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، تحولت في نهاية المطاف إلى أداة بيد جماعة الإخوان المسلمين التي تتخذ من الساحة الليبية ساحة مواجهة مفتوحة لتمرير مشروعها بغض النظر عن حمام الدم الذي تسببت فيه.

وحال اخوان ليبيا دون التوصل لأي اتفاق سياسي في السابق ينهي الأزمة القائمة بين السلطة في طرابلس بقيادة السراج والسلطة في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر والحكومة المؤقتة التي رفضت الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق ما لم تحصل على ثقة البرلمان.

وكان واضحا منذ البداية أن الإخوان يدفعون باتجاه التصعيد بإيعاز من الحاضنة التركية للتنظيم ليصل الوضع الراهن لما هو عليه اليوم حيث يدفع الشعب الليبي من دمه وماله وأمنه ثمن أجندة التمدد الاخوانية.

وكان لافتا في الفترة الأخيرة مع تحول الدعم التركي للميليشيات الاخوانية من السرّ إلى العلن ومع وصول شحنات من مركبات عسكرية وطائرات مسيرة لميليشيات الجماعة المهيمنة على حكومة الوفاق، توجه إخوان ليبيا إلى التصعيد العسكري باعتبار أن وجود الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر أصبح تهديدا كبيرا لمشروعهم.

وحصل إسلاميو ليبيا من تركيا على نوعين من الطائرات المسيرة بما يمكنهم من شن هجمات على أهداف بشكل مباشر بمتفجرات خفيفة قادرة على قتل أشخاص.

وبالفعل قتل ثلاثة بينهم قياديان من قوات الجيش الوطني الليبي الجمعة في ضربة جوية بطائرة مسيرة يعتقد أنها تركية على مدينة ترهونة. كما نفذت طائرة تركية أخرى هجوما على القاعدة الجوية بالجفرة.

وأحبط الجيش الوطني الليبي اعتداءات متزامنة على قاعدة الجفرة من ثلاث محاور وأسقط ثلاث طائرات مسيرة تركية، في تطور سلط الضوء على مدى استعداد الإخوان للمضي قدما في ضرب الجيش الليبي دفاعا عن مشروعهم الذي يتجاوز الساحة الليبية.

والهجمات على قاعدة الجفرة التي قالت القيادة العامة للقوات الليبية العربية المسلحة إنه تم التخطيط لها في تركيا ومولتها قطر، ليست إلا فصلا من فصول معركة تبدو طويلة على ضوء استعداد الميليشيات الاخوانية لتحويل الساحة الليبية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

وتحويل ليبيا إلى ساحة مواجهة مفتوحة يؤكد قراءات سابقة كانت أشارت إلى أن اخوان ليبيا غير حريصين على الساحة الليبية وعلى دم الشعب الليبي بل هم أحرص على تمرير مشروعهم أيا كان الثمن الذي سيدفعه الليبيون.

والعودة القوية للاخوان للساحة الليبية بعد هزائم وانكسارات سياسية لا يمكن النظر لها بمعزل عمّا تمثله ليبيا من شريان مالي حيوي سواء ذلك الذي تحت إدارة حكومة الوفاق أو المنفلت منه والبعيد عن كل رقابة والمقترن  أساسا بنشاط الميليشيات المسلحة والمهربين وهي معادلة أخرى في الصراع الليبي.

ويجني إخوان ليبيا إيرادات طائلة من هذه الأنشطة إضافة إلى ما تحصل عليه من تمويلات سخية من قطر وتركيا.

وتطرح كل هذه التطورات مجتمعة أسئلة ملحة هو الدور التركي في تأجيج العنف في ليبيا وأيضا مصير ليبيا ومؤسساتها وشعبها في ظل تنامي نشاط الإخوان في غرب البلاد.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يختلف اليمينيون عن الإسلامويين؟ وما علاقة التطرف بـ "الجوع الديني"؟

2019-09-16

ترجمة: محمد الدخاخني


لا يختلف الإرهابيّون المحلّيّون اليمينيّون، مثل الرّجل المتّهم في عمليّة إطلاق النّار الّتي وقعت مؤخراً في مدينة إل باسو (تكساس)، كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين الرّاديكاليّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم - وليس فقط في تكتيكات نشر الإرهاب أو في طرق تجنيد الأتباع عبر الإنترنت. في الواقع، من المستحيل فهم عودة التّطرّف الرجعيّ في أمريكا دون إدراكه باعتباره ظاهرة دينيّة بشكل أساسيّ.

لا يختلف الإرهابيّون اليمينيّون كثيراً عن نظرائهم الإسلامويّين المنتشرين في كافّة أنحاء العالم بنشر الإرهاب أو بتجنيد الأتباع

على عكس الجهاديّين الإسلامويّين، فإنّ مجتمعات العُزّاب المحافظين والاستعلائيّين البيض الموجودة على الإنترنت، وإلى جانبها مجتمعات أصحاب نظريّات المؤامرة المستندة إلى معاداة السّاميّة، لا تقدّم مزاعم بشأن أيّ حقيقة ميتافيزيقيّة ولا تقدّم أيّ وعد بحياة أخرى أو مكافأة. لكنها تؤدّي الوظائف الّتي ينسبها علماء الاجتماع عموماً إلى الدّين: إنّها تقدّم للمنتسبين إليها تفسيراً له مغزى عن الطّريقة الّتي يسير بها العالم. وتوفّر لهم شعوراً بوجود غاية، وإمكانيّة للقداسة. كما توفّر الشّعور بوجود مجتمع يمكن للمرء الانتماء إليه. وتؤسّس أدواراً وطقوساً واضحة تُتيح للأتباع أن يشعروا ويتصرّفوا بوصفهم جزءاً من كلٍّ أكبر. وهذه ليست مجرّد ثقافات فرعيّة؛ بل كنائس. وإلى أن ندرك وجود الجوع الدّينيّ إلى جانب الكراهية المدمّرة داخل هذه المجتمعات، فلدينا فرصة ضئيلة لإيقاف هؤلاء الإرهابيّين.

والآن أكثر من أيّ وقت مضى، نجد الوعود الّتي كان الدّين يقطعها بشكل تقليديّ (عالم له معنى، مكان قابل للحياة بداخل هذا العالم، مجتمع يشاركنا هذا المكان، طقوس لجعل الحياة العادية مقدّسة) غائبة عن المجال العام. والمزيد والمزيد من الأمريكيّين ينضمّون إلى صفوف غير المنتمين دينيّاً. وهناك لادينيّين أكثر من الكاثوليكيّين أو الإنجيليّين، و36 في المائة من المولودين بعد عام 1981 لا يرتبطون بأيّ دين. وهذه الحركات الرّجعيّة الجديدة، مع قدرتها على تقديم إجابات تسكينيّة وذَمّيّة لفوضى الوجود، تُعدّ طريقة - بين طرق أخرى عديدة - يسدّ بها الأمريكيّون تلك الفجوة.

تعطي الجماعات الدينية أتباعها الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً شعوراً بالانتماء إلى مجتمع

المتطرّفون الّذين ارتكبوا مذابح في الأعوام الأخيرة - جرائم القتل الّتي ارتُكبت في جامعة كاليفورنيا-سانتا باربرا عام 2014، وهجوم الشّاحنة في تورنتو عام 2018، وإطلاق النّار في كنيس بيتسبرغ عام 2018، على سبيل المثال لا الحصر - لم يتشاركوا السّياسة نفسها. ففي حين عبّر معظمهم عن مزيجٍ من الرّؤى الاستعلائيّة البيضاء أو المعادية للسّاميّة أو الكارهة للنّساء، فإنّ القليل منهم كانوا جزءاً من حركات محدّدة أو منظّمة أو حتّى كانت لديهم وجهات نظر سياسيّة متماسكة. لكن ما شاركه كافّة هؤلاء الجناة تقريباً هو نظرة ذات بُعدٍ كونيّ تُصَنِّم العنف باعتباره ناراً مُطهِّرة: تدميرٌ ضروريّ "لإعادة ضبط" العالم وإخراجه من عطبه. وتؤمثِل هذه النّظرة العالميّة الرّجعيّة ماضياً متخيّلاً، ماضياً سابقاً على مِحَن النّسويّة والتّعدّديّة الثّقافيّة، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: مخاوف في ألمانيا من اختراق اليمين المتشدد لأجهزة الاستخبارات قبيل الانتخابات
عبر المنتديات الخاصّة باليمينيّين المتطرّفين، يكتشف هؤلاء الرّجال، أو يتمّ تلقينهم بمسبّبات مبسّطة بشكل مُسمِّم تدّعي أنّها تفسّر الفوضى الظّاهرة للحياة المعاصرة. وعوضاً عن الحديث عن معارك كونيّة لشرح مشكلة الشّرّ، وجدوا نظريّات المؤامرة: العالم تديره سرّاً شبكة يهوديّة تخطّط للقضاء على العرق الأبيض؛ تخطّط النّسويّات الرّاديكاليّات القامِعات لإبادة الرّجال.
وفي الوقت نفسه، تَعِد هذه المجموعات أعضاءها بوجود غاية في هذا العالم الفوضويّ: فرصة للمشاركة في إشعال حريقٍ مطهِّر. فهم مدعوون لارتداء عباءة المحاربين في سبيل القضّيّة. لم يعد هؤلاء الرّجال ضمن قائمة الـ "بيتا" [على عكس "ألفا"] (وتلك إهانة شائعة في دوائر اليمين المتطرّف) - إنّهم أبطال محتملون. ولننظر فقط إلى الّلغة المستخدمة في البيان الّذي كتبه الرّجل المتّهم بإطلاق النّار في مدينة إل باسو: لقد اعتبر نفسه بطلاً "تشرّف بأن يرأس المعركة لاستعادة بلدي من الدّمار". إنّ لغته، شأنها شأن لغة الجهاديّين، تأخذ شكلاً من أشكال صناعة الذّات الأسطوريّة: فهو يُعيد صياغة نفسه بوصفه شخصاً له دور حيويّ يلعبه في حربٍ كونيّة.

عندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى
لكن الجاذبيّة الاجتماعيّة والشّعبيّة لهذه الجماعات تكاد تكون مهمّة الفهم مثل جاذبيّاتها الأيديولوجيّة الّتي تشكّل العالم. فشأنها شأن كلّ الجماعات الدّينيّة تقريباً، تستخدم لغة مشتركة وطقوساً مشتركة. وعن طريق نشر أو إعادة تغريد محتويات بصريّة عنصريّة أو متحيّزة جنسيّاً أو عبر استخدام مصطلحات محدودة بمجموعة معيّنة...، يكرّر المنتسبون لهذه الجماعات سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة.

اقرأ أيضاً: تصاعد اليمين المتطرف يزيد مخاوف المسلمين
ولعلّ الأهم من ذلك أنّ هذه الجماعات تُعطي أتباعها، الّذين يَنظر كثير منهم إلى أنفسهم على أنّهم معزولون اجتماعيّاً، شعوراً بالانتماء إلى مجتمع. وقد أصبحت منتدياتهم أشبه ما تكون بصورة غير متجانسة من "فرسان الهيكل". فعندما ينشر رجالٌ (وعادةً ما يكونوا رجالاً) شيئاً عن إحباطاتهم فيما يتعلّق بالمواعدة (بإلقاء الّلوم على... النّسويّات الّلاتي يصعب إرضاؤهنّ) أو سوق العمل (بإلقاء الّلوم على المهاجرين)، يكون في انتظارهم آلاف المدوّنين من ذوي العقليّة المشابهة لتهدئتهم. وتوفّر هذه الجماعات الإحساس بالمكانة الاجتماعيّة الّتي لا يستطيع العالم الخارجيّ توفيرها. ولا يصبح النّاشرون الآخرون، على مواقع مثل "رديت"، مجرّد أسماء على الشّاشة ولكن مصادر للطّمأنينة والأخوّة في السّلاح.

اقرأ أيضاً: من يخشى اليمين الأوروبي الجديد؟
هذه الأخوّة لها تسلسل هرميّ خاصّ بها ولها "سِيَر قدّيسيها". فغالباً ما يتمّ تكريم أولئك الّذين ارتكبوا جرائم قتل جماعيّة باعتبارهم شهداء في سبيل القضيّة: فيُشار إلى إليوت رودجر، الرّجل المسلّح الكاره للنّساء الّذي يقف وراء عمليّات القتل في سانتا باربارا، في شبكات العزّاب المحافظين بأنّه "النّبيل الأعلى"؛ وخلال ساعات من إطلاق النّار الّذي وقع في مدينة إل باسو، اعتُبِر المسلّح "قديساً" في المنتديات القوميّة البيضاء. إنّ ارتكاب عمل إرهابيّ قد لا يُسفر عن المكافأة الميتافيزيقيّة نفسها الّتي يَعد بها الإسلام الرّاديكاليّ شهداءه، لكنّه مع ذلك يؤكّد للممارسين نوعاً معيّناً من وضعيّة الانتماء إلى جماعة. وطالما يوجد إنترنت، فإنّ إخوانهم المختارين سيتذكّرونهم.

من الضّروريّ إدانة جماعات الكراهية هذه وفظائعها. ولكن من التّبسيط، ومن غير المجدي، القيام بذلك في الفراغ. إنّ وصف هؤلاء القتلة بأنّهم رجال يعانون الوحدة والاستياء والسّخط، وبأنّهم متمرّدون يبحثون عن قضيّة، لا يقصد منه التخفيف من فظاعة أعمالهم، ولا تبريرها باعتبار أنّه "يُساء فهمهم". على العكس، نقوم بهذا التّوصيف من أجل تصوّر طريق مثمر إلى الأمام - فرصة لإزالة التّطرّف عن بعضهم قبل ارتكاب أعمال عنف، وتزويد النّاس بشكل مختلف من "وقود الحياة".

يكرّر المنتسبون للجماعات الدينية سرديّات الكراهية من حولهم ويمنحونها صورة مادّيّة

إنّ السّعي إلى حياة اجتماعيّة مترابطة وغنيّة بالمعنى - وهي أشياء مفقودة في عصرٍ متزايد التمزّق؛ حيث ثمّة إدارة رئاسيّة تزيد الانقسامات - يُعدّ احتياجاً إنسانيّاً حقيقيّاً للغاية. إنّنا بحاجة إلى الانتماء إلى كيانات أشبه بالكنائس، سواء كنّا دينيّين أو مدنيّين، مؤسّسيّين أو شعبيّين، على الإنترنت أو خارجه. وبالتّأكيد، يمكننا أن نرى في الارتفاع المتزامن لـ "الرّوحيّ ولكن ليس الدّينيّ" وجمهوره من حركات العصر الحديث - من عبادة الصّحّة والعافية إلى صعود السّحر والتّنجيم الحديثين - وفرةً من الجهود الجديدة النّاجحة بشكل متفاوتٍ لملء فجواتنا الرّوحيّة دون عنف أو كراهيّة.
وعندما نتجاهل الجانب الدّينيّ للجماعات المتطرّفة، نسمح لها بالمطالبة باحتكار المعنى. وهذه ليست أرضاً أنا، على الأقلّ، على استعداد للتّنازل عنها.


المصدر: تارا إيزابيلا بورتون، النيويورك تايمز

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية