لماذا تنحاز الدوحة لتحركات قاسم سليماني وتضرّ بمصالح سُنّة العراق؟

31720
عدد القراءات

2018-09-12

لم يعد خافياً على المراقبين أنّ الدوحة باتت على استعدادٍ تام على توثيق علاقاتها بطهران، من دون اكتراث في ما إذا كان في هذا الأمر إضرار في المصالح العربية. يظهر هذا اليوم في أوضح تجلياته على الساحة العراقية؛ حيث يكثّف مسؤولون قطريون منذ مدة اتصالاتهم بقيادات سنّية وكردية عراقية كان مفترضاً أن تلتحق بمشروع "الكتلة الأكبر" البرلمانية، وقد أسهمت تلك الاتصالات القطرية في عدم إعلان الكتلة، في خطوة تستهدف دعم مساعي إيران وتقوية محورها في العراق، الراغب في إبعاد حيدر العبادي عن رئاسة جديدة للحكومة، لا سيما بعد إعلانه الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران.

دعم الدوحة لتحركات قاسم سليماني

وقد كشف الصحافي اللبناني، حازم الأمين، في تحليل نشره موقع "درج" (4/9/2018) عن أنّ الجنرال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني"، التقى، في هذا السياق، في بغداد بممثّلين عن السنّة، وعلى رأسهم رجل الأعمال النافذ، خميس الخنجر، علماً أنّ للأخير علاقات متينة مع دولة قطر، وهو ما فُسّر بأنه انحياز من قبل الدوحة لمحور طهران في بغداد، بحسب الأمين، الذي لفت في مقال آخر له نشره موقع "راديو سوا" (30/8/2018) إلى أنّ سليماني لم يكتفِ بتأمين نصاب شيعي يُخرج حيدر العبادي من الحكومة، فقد تحركت الدوحة بما لها من نفوذ في أوساط الكتل العربية السنية لنجدة طهران، وتفاجأ الرأي العام العراقي بانحياز كتل سنيّة رئيسية ضد العبادي، والأمر نفسه تكرر مع الأكراد، فقد أعلن زعيمهم الأبرز مسعود برزاني وقوفه إلى جانب طهران في العراق.

تدخل بارزاني لمنح طائرة تقل سليماني إذْنَ الهبوط في مطار أربيل

وكانت صحيفة "الحياة" اللندنية قد ذكرت في تقرير لها بتاريخ (21/8/2018) أنّ برزاني وثّق علاقاته مع طهران في الشهور الأخيرة، فتم استقبال سليماني من جانب برزاني مرات عدة، ويبدو أنّ العلاقة بين الرجلين، تضيف "الحياة"، تعمقت قبل نحو شهر، عندما تدخل الزعيم الكردي لمنح طائرة تقل سليماني إذْنَ الهبوط في مطار أربيل، على رغم رفض سلطة الطيران المدني المركزية هبوطها. ولم تكشف المصادر في مطار أربيل تداعيات تلك الحادثة الغامضة، واكتفت بالقول إن "سلطة الطيران منعت منح إذن الهبوط لطائرة تقل سليماني في أربيل، فتدخل بارزاني في شكل شخصي".

تعدد الكتل السنية وتشتتها

في هذه الأثناء، أعلن رئيس كتلة "بيارق الخير"، النائب محمد الخالدي، يوم الجمعة الماضي، عن ترشيح نفسه لرئاسة البرلمان العراقي، ليكون سابع سنّي يترشح لرئاسة مجلس النواب. وقال الخالدي، في بيان مقتضب نشرته مواقع عراقية: "أعلن ترشحي لرئاسة مجلس النواب العراقي في دورته الرابعة وأستند بهذا الترشيح على برنامح عمل وطني شامل فيه الحلول المناسبة لمعاناة شعبي المظلوم من شمال العراق الى جنوبه متعهداً أن أعمل لوطني وشعبي بكل أمانة وشرف".

يعتبر أسامة النجيفي من الشخصيات الأساسية في المشهد السياسي العراقي ما بعد العام 2003 ويُحسب على المحور التركي-القطري

وفي وقت سابق ترشح لرئاسة البرلمان كل من زعيم ائتلاف القرار العراقي أسامة النجيفي، والقيادي بائتلاف الوطنية طلال الزوبعي، والقيادي بالتحالف العربي في كركوك محمد تميم، ومحافظ صلاح الدين أحمد الجبوري، والقيادي بـ"الأنبار هويتنا"محمد الحلبوسي، والقيادي بالحزب الإسلامي "إخوان العراق" رشيد العزاوي.

وقد نفى تحالف القرار العراقي، أول من أمس، الأنباء التي تداولتها بعض المواقع بشأن انسحاب زعيمه أسامة النجيفي، من الترشح لرئاسة البرلمان. وقال التحالف، في بيان صحفي، إنّ "التصريحات الصادرة من جهات معروفة بفسادها وقدرتها على التلوّن، ومفادها أنّ النجيفي لم يعد مرشحاً لتولي رئاسة مجلس النواب، عارية من الصحة"، وفق ما نقل قناة "إن آر تي" التلفزيونية العراقية.

وبعد انشقاق خميس الخنجر عنه أصبح تحالف القرار هو الكتلة السنيّة الأكثر ضعفاً. ولم يحقق التحالفُ (المكون من حزب "متحدون للإصلاح" بزعامة نائب رئيس الجمهورية أسامة النجيفي، الذي توجه نحو تحالف الإصلاح الذي كان يقوده حيدر العبادي-مقتدى الصدر، و"المشروع العربي" بزعامة الخنجر، الذي توجَّه إلى تحالف البناء الذي يقوده نوري المالكي- هادي العامري، وأعلن انشقاقه رسمياً في السابع من أيلول/ سبتمبر الجاري) النتائجَ التي كان يصبو كل واحد منهما إليها؛ وذلك نظراً للمنافسة الشرسة من قبل بقية الكيانات السنية في ائتلاف "الوطنية" وتحالف "العراق هويتنا"، والأحزاب والقوى المناطقية الجديدة، ولاسيما حزب "الجماهير الوطنية" وكتلة "بيارق الخير" بزعامة وزير الدفاع السابق خالد العبيدي، الذي تسبب انضمامُه إلى ائتلاف "النصر" بخسارة كتلة "متحدون للإصلاح" لسبعة مقاعد في محافظة نينوى، الأمر الذي فاقم من تراجع حصتها من 28 إلى 14 مقعداً، بما فيها 6 مقاعد لـ "المشروع العربي".

تبنى الخنجر التمرد المسلح الذي اندلع في المحافظات السنية نهاية العام 2013

ومن المعروف أنّ أسامة النجيفي يُعتبر من الشخصيات الأساسية في المشهد السياسي العراقي ما بعد عام 2003. ويُحسب النجيفي على المحور التركي-القطري، فلطالما أبدى مواقف مؤيدة لسياسات أنقرة تجاه العراق. وبرغم علاقاته الإقليمية والدولية الواسعة، فإن حظوظه في اعتلاء كرسي رئاسة البرلمان تبدو ضئيلة، ففضلاً عن تراجع شعبيته التي انعكست في انخفاض عدد المصوتين لصالحه من ربع مليون ناخب، إلى أكثر قليلاً من عشرين ألف، فإن حصوله على المنصب يحتاج إلى كتلة من ثلاثين مقعداً لا يملك منها سوى النصف بالمشاركة مع حليفه خميس الخنجر، بحسب نظام النقاط الذي تُوزع المناصب على أساسه، والذي لا يمنح الاثنين أكثر من وزارة سيادية واحدة.

خميس الخنجر ووساطة قطر لترتيب اتصالاته بطهران

في المقابل، يقدم "المشروع العربي" زعيمه خميس الخنجر كمرشح لرئاسة البرلمان، وهو لعب لأعوام أدواراً بارزة في كواليس المشهد السياسي السني. ويُعرف الخنجر بعلاقاته الوثيقة مع الدوحة و"الإخوان المسلمين"، وادّعاء العداء الشديد لإيران وحلفائها في العراق، الأمر الذي دفعه إلى تبني التمرد المسلح الذي اندلع في المحافظات السنية نهاية العام 2013، والترويج له إعلامياً بصفته "ثورة العشائر"، وهو ما دفع الكثير من السُّنة إلى تحميله جزءاً من المسؤولية عن تضليلهم، ووضْعه ضمن قوائم المطلوبين للحكومة العراقية.

يُعرف الخنجر بعلاقاته الوثيقة مع الدوحة و"الإخوان المسلمين" وادّعاء العداء الشديد لإيران وحلفائها في العراق

لكن يبدو أن ذلك صار من الماضي، ومن المرجّح أن تسويات ووساطات إقليمية جرت بشأنه، وسرعان ما أُغلق ملف القضايا المتهم بها عشية انطلاق عملية التحضير لانتخابات أيار (مايو) الماضي، ما سمح له بالمشاركة في الانتخابات، التي جاءت نتائجه فيها مخيّبة إلى أبعد الحدود، بعد حصول الكيان السياسي الذي يقوده "المشروع العربي في العراق" على ستة مقاعد فقط، غير أن ذلك لم يُنهِ طموحه بتولي منصب رئيس الجمهورية أو البرلمان، ما دعاه إلى محاولة كسر الجليد مع الأحزاب الشيعية والتواصل مع الحكومة الإيرانية؛ حيث تسربت معلومات عن قيامه بزيارة سرّية إلى طهران للقاء مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، بوساطة قطرية.

تسعى قطر لتوثيق علاقاتها بطهران بشكلٍ واضح

غياب كتلة سنية كبيرة...لمصلحة من؟

وثمة ترجيحات قد تفضي إلى انشقاق جديد في تحالف القوى الوطنية. فقد مثَّل إعلانُ تحالف "العراق هويتنا" برئاسة جمال الكربولي وحزب "الجماهير الوطنية" برئاسة أحمد عبد الله الجبوري، تشكيلَ تحالف باسم "تحالف القوى الوطنية"، من 31 نائباً، تحولاً نوعياً في مركز الثقل السياسي السني في العراق، خصوصاً مع النتائج المتواضعة التي حققها منافسهما المباشر على تمثيل الطائفة السنية، "تحالف القرار العراقي"، غير أن إعلان الجبوري دخوله في تحالف مع رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وصمت الكربولي حتى الآن، يوحي بأن الصراع على منصب رئيس البرلمان لن يسمح بوجود كتلة سنية كبيرة، ذلك أن كل حزب يسعى إلى ترشيح أحد نوابه إلى هذا المنصب، مستغلاً حالة الانقسام الشيعي وحاجة كل طرف من الأطراف الشيعية إلى أكبر عدد من النواب لتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان.

وفي كل الأحوال، يبقى التساؤل قائماً حول تداعيات تشتت الكتل السياسية لسنّة العراق على المكوّن السنيّ ومصالحه ومكتسباته ووزنه في المشهد العراقي المقبل، وما مصلحة الدوحة في أن تكون طرفاً مساهماً في هذا التشتيت عبر دعم محور طهران؟

اقرأ المزيد...

الوسوم: