لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

سوريا

لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟


19/02/2020

قد يبدو أنّ إدلب باتت "عبئاً" على تركيا بعدما كانت "فرصة" لتقوية موقفها التفاوضي في سوريا. وبعدما كانت إدلب ورقة في يد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في مفاوضاته ومساوماته مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، حول سوريا وليبيا وغيرهما، باتت عنواناً لتراجع مكاسب تركيا؛ التي غدا أكبر طموحها عقد اتفاق جديد مع موسكو لحفظ ماء الوجه، وتهدئة الداخل التركي، الذي يراقب بقلق تراجع قيمة الليرة التركية، وتزايد عزلة تركيا عن قوى الغرب والشرق الأوسط.

جوزيف ضاهر: أنقرة لا تريد تأجيج التوترات أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك

وفي حال لم تتدخل موسكو فإنّ الجيش التركي سيحقق، على الأرجح، تفوّقاً عسكرياً واضحاً في أي مواجهة واسعة النطاق مع الجيش السوري، لكن أنقرة، كما يقول الأستاذ في جامعة لوزان في سويسرا، جوزيف ضاهر، لا تريد تأجيج التوترات أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك. فموسكو هي الطرف الوحيد القادر على تقويض الخطوات السورية المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت. ويقول ظاهر في مداخلة نشرها "مركز كارنيغي للشرق الأوسط"، إنّ "تركيا تريد كذلك الحفاظ على علاقتها الوثيقة مع روسيا بسبب العزلة الدولية العميقة التي تعانيها، ولاسيما عزلتها عن قوى الغرب والشرق الأوسط، بسبب مغامرتها في ليبيا وتنافسها على مستوى الطاقة حول الموارد الهيدروكربونية في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط".
ويلفت ضاهر إلى أنّه "نظراً إلى تراجع النفوذ التركي بعد أن استعاد النظام السوري سيطرته على مناطق جديدة في إدلب، فإنّ الدعوات التركية إلى إبرام اتفاق سوتشي جديد مع روسيا وإيران، تعكس إلى حدٍّ ما، الخيارات المحدودة المُتاحة أمام أنقرة في سوريا".

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
وكانت موسكو صعّدت، السبت الماضي، اتهامها لأنقرة بنقل أسلحة نوعية ومعدات قتالية متطورة وصلت في جزء ملموس منها إلى أيدي مقاتلي "جبهة النصرة"/ "القاعدة"، ورأت موسكو أنّ في ذلك إشارات إلى محاولات الجانب التركي "تغيير قواعد اللعبة وانتهاك كل الخطوط الحمراء"، وفقاً لتعبير مصدر روسي نقلت عنه صحيفة "الشرق الأوسط".
 تراجع النفوذ التركي بعد أن استعاد النظام السوري سيطرته على مناطق جديدة في إدلب

ورقة تفاوضية استنفذت أغراضها
من جانبها، ذكرت الإعلامية اللبنانية، بيسان الشيخ، في مداخلة نشرها "مركز كارنيغي" أنّ أردوغان توعّد القوات السورية بأن "يتكفّل الجيش التركي بإجبارها على الانسحاب"، وأنّ "القوات (التركية) الجوية والبرية ستتحرك في كل مناطق عملياتنا في إدلب وسوف تقوم بعمليات عسكرية اذا ما اقتضت الحاجة". لكن عملياً لم يحدث شيء من هذا، لا بل مُنعت الفصائل السورية المدعومة تركياً من القتال أو تقديم أي مؤازرة للقرى والبلدات التي حاولت مقاومة تقدّم الجيش إليها، بحسب بيسان الشيخ، التي أضافت: "لسخرية القدر أنّ ذلك تزامن مع إعلان أنقرة إرسال المقاتلين السوريين إلى ليبيا، ما يعزّز فرضية تخلّي تركيا عن دور "الضامن" في سوريا لصالح دور "الغازي" في ليبيا".

اقرأ أيضاً: تركيا والأمن القومي العربي
وأردفت الإعلامية اللبنانية قائلة: "محافظة إدلب، التي كانت ذات يوم ورقة تفاوض قوية في يد أنقرة، استنفدت صلاحيتها، وأصبحت اليوم عبئاً هائلاً على من تقع إدارتها من نصيبه، ولا مصلحة لتركيا بها إلا في نطاق شريط حدودي تُبقي فيه المهجّرين داخلياً البالغ عددهم 1.7 مليون شخص، وربما تعيد استخدامهم في معارك تفاوضية لاحقة".
ردٌّ تركي خجول
ويرى المدير التنفيذي لمؤسسة "بيتنا سوريا" المعنية بدعم المجتمع المدني، أسعد العشي، في حديثه لـ "كارنيغي" أنّ من الصعب معرفة إلى أي درجة قد تكون تركيا مستعدّة للانخراط في إدلب. فقد أقدمت خلال الشهر الماضي على نشر أكثر من 5 آلاف جندي في المحافظة. مع ذلك، كان ردّها على مقتل جنودها في قصف مدفعي شنّته قوّات النظام خجولاً.

بيسان الشيخ: إرسال المقاتلين السوريين لليبيا يعزّز فرضية تخلّي تركيا عن دور "الضامن" بسوريا لصالح دور "الغازي" بليبيا

وفي شرح مقتضب لخسارات تركيا في سوريا يقول الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، خضور خضور، إنّه بعد المحاولات العسكرية الهادفة إلى إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، وجب على أنقرة تغيير مسار عملها بعد التدخّل العسكري الروسي في العام 2015. وعقب إدراكها واقع الوجود الروسي الحالي على الحدود التركية مع سوريا، عدّلت أنقرة النهج الذي تعتمده وبات يركّز في الدرجة الأولى على حماية الحدود". ويضيف خضور: "الآن سيقوم الجيش السوري، بدعم روسي وقبول تركي، بربط المناطق الحضرية الواقعة شمالي غرب سوريا-أي معرة النعمان، وسراقب، ومدينة إدلب، وجسر الشغور- بالمناطق الساحلية والجنوب السوري. وبذلك، يكون حديث تركيا عن إنشاء "منطقة آمنة" على طول 30 كيلومتراً داخل سوريا قد بات واقعاً. لكن بدلاً من أن تكون منطقة آمنة، ستكون هذه في الواقع بالنسبة إلى تركيا امتداداً للمنطقة الحدودية، وفقاً للباحث خضور.

سيناريو ينطوي على "إهانة"
إلى ذلك، قال الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سونر چاغاپتاي، في تحليل نشره المعهد إنه في حال مواصلة أردوغان عمليات التصدي التي يشنها في إدلب، فمن المرجح أن يجدد بوتين دعمه الكامل لقائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، ليضع بذلك طرابلس في قبضة الجنرال. وهذا السيناريو، برأي چاغاپتاي غير مقبول لأنقرة، ليس فقط لأنه سيكون بمنزلة إهانة لأردوغان في المنطقة، بل أيضاً لأنه سيؤدي إلى محاصرة تركيا في منطقة البحر المتوسط من قبل الخصوم القدامى (اليونان وقبرص) والجدد (مصر وإسرائيل). وخلال الأعوام القليلة الماضية، أطلقت هذه الدول الأربع مبادرات مختلفة تتعلق بالغاز الطبيعي والأمن، وهي مبادرات تعتقد أنقرة أنّها ستتبلور لتصبح تعاوناً إستراتيجياً نشطاً ضد تركيا.

اقرأ أيضاً: اشتباك مع روسيا في رقعة الشطرنج السورية.. تركيا الحائرة تبحث عن ذاتها
ومن وجهة نظر الباحث چاغاپتاي، فيبدو أنّ "الكرملين يدرك أنّ مصالحه الإستراتيجية الطويلة الأمد ستتحقق بشكل أفضل من خلال عرض اتفاق جديد على أردوغان في إدلب، حتى لو كان يعتزم خرق ذلك الاتفاق في وقت لاحق. وربما يسمح بوتين لتركيا بشن ضربات رمزية قوية على أهداف نظام الأسد. غير أنه من أجل الحفاظ على التوازن، لن تسمح موسكو لأردوغان بطرد قوات الأسد من إدلب بشكل كامل".

الصفحة الرئيسية