لماذا فشل تنظيم "أجناد مصر" وانتهى بلا رجعة؟

لماذا فشل تنظيم "أجناد مصر" وانتهى بلا رجعة؟
10324
عدد القراءات

2019-10-10

حين نسرد قصة "تنظيم أجناد مصر"؛ الذي ظهر في الفترة بين عامَي 2015 و2017، وانتهج أسلوب التفجيرات عن بعد، وقام بترتيب مراحله، لتبدأ بقنابل هيكلية، ثم بدائية الصنع، ثم قنابل ومتفجرات متقدمة، ستبدو على الفور الأسئلة وتتضح من السياق الأجوبة بشكلٍ وافٍ؛ هل يمكن أن ينتهي تنظيم للأبد؟ ماذا لو اختفى دون رجعة؟ أهي أسباب بنيوية تلك التي فكّكّت هذه العناصر أم خارجية؟ وهل يمكن أن تجري هذه المعادلات على كلّ التنظيمات أم هي حالة متفردة خاصة؟
التمحور حول القائد
تمحور تنظيم "أجناد مصر" حول شخصية واحدة، هي همّام محمد أحمد عطية، المولود بفرنسا، عام ١٩٨١، لأبوين مصريَّيْن، وقضى نحبه عن عمر ٣٦ عاماً، وكان مقيماً بشارع الشيخ أحمد بدري، مدينة الأحرار بمنطقة المرج، التابعة لمحافظة القاهرة، وحين تمّ قتله تشرذم أجناد مصر إلى مجموعات وقطع متناثرة.

تمحور "أجناد مصر" حول همّام محمد أحمد عطية وكثّف من ظهوره الإعلامي وتصارع داخلياً ففشل وانتهى بلا رجعة

أقام همام فترة مع والده الذي يعمل طباخاً في فرنسا، وعمل معه في مهنته نفسها، والتقى هناك بأحد أتباع القاعدة الذي أقنعه بالسفر لأفغانستان، واختفى بعدها وهرب من باريس إلى سويسرا، ومنها ذهب إلى لبنان، التي اتجه منها إلى الحدود الأفغانية حيث انضم لتنظيم القاعدة رسمياً، وتلقى تدريبات على فنون القتال وصناعة الأسلحة والمتفجرات، ثم ذهب، عام 2007، إلى العراق، حيث عمل خبيراً في المتفجرات، ثم قرّر فجأة العودة، فذهب إلى السعودية وعمل في تجارة الدواجن، وعاد منها إلى مصر، عام ٢٠١٢، عن طريق بيروت، التي دخل منها إلى مصر، مستغلاً فترة الفراغ الأمني بعد الثورة  المصرية.

همام محمد عطية

كان همام خبير متفجرات غير عادي، وكان مسؤولاً عن ذلك حين انضمّ إلى جماعة بيت المقدس، وعمل مع صديقه، بلال صبحي فرحات، ضمن الجماعة، وأصبح مسؤولاً عن الخلية التي أطلق عليها "الخلية الكيميائية"، التي صنعت المتفجرات المستخدمة في تفجيرات مديرية أمن جنوب سيناء، والقاهرة، والدقهلية، ومبنى الاستخبارات الحربية بالإسماعيلية، وكادت الشرطة أن تلقي القبض عليه وصاحبه في كمين على طريق الإسماعيلية القاهرة الصحراوي، قرب مدينة الشروق، في شهر أيلول (سبتمبر) 2012، لكنّهما تمكّنا من الفرار، عقب اشتباك مع قوة الكمين، وتركا سيارتهما التي عُثر فيها على بطاقاتهما الشخصية، وكمية من المتفجرات، فذهب إلى مدينة العريش، هرباً من الملاحقات الأمنية، وبقي حتى منتصف عام 2013؛ حيث عاد إلى محافظة الجيزة.

اقرأ أيضاً: النيابة المصرية تكشف نتائج التحقيقات مع خلية الكويت الإخوانية
مكث فترة في مدينة نصر، وكان يلتقي بالشباب ليعلمهم صناعة المتفجرات في إحدى الشقق، وتمكّن خلال تلك الفترة، من تشكيل خلايا عنقودية، ونجح خلال عام ونصف العام في تنفيذ أكثر من ٢٦ عملية، بدأت يوم 17 نيسان (أبريل) عام ٢٠١٤، التي أعلن التنظيم دعائياً عنها في إصدار مرئي بعنوان "القصاص حياة"، ثم توالت عملياته، التي كانت في الأغلب تتم كلّ يوم جمعة على الطريق الدائري، وأمام جامعة القاهرة، وأمام شرطة الجيزة، وعشرات غيرها راح ضحيتها العشرات من الأبرياء، وتم توثيقها في إصدارات متتالية، من أبرزها: "إقالة السفاح"؛ الذي تناول إقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم، و"زمجرة العبوات"، واللقاء المرئي المطول مع قائده "همام عطية"، بعنوان "الحوار المفتوح مع المسؤول العام لأجناد مصر"، ثم أصدر عدة بيانات أعلن من خلالها مسؤوليته عن الهجوم على قوات الأمن المركزي بمحطة البحوث، واستهداف قسم شرطة الطالبية، وفي يوم الجمعة التالي، بتاريخ ٣١ كانون الثاني (يناير)، أصدر بيانه الثالث؛ ليعلن من خلاله مسؤوليته عن استهداف معسكر الأمن المركزي على طريق الإسكندرية، بعبوتَين ناسفتَين.

اقرأ أيضاً: شجرة الجهاد: التاريخ العائليّ للتنظيمات المتطرفة في مصر

كما تبنّى التنظيم تفجير ٣ عبوات ناسفة أمام جامعة القاهرة، ضمن حملة "القصاص حياة"، وعدة عمليات إرهابية وقعت خلال شهر آذار (مارس)، ومنها استهداف قوات الأمن المتمركزة في مدينة "٦ أكتوبر"، في ٤ آذار (مارس) ٢٠١٤، واستهداف قوات الأمن بالقرب من السفارة الإسرائيلية، بتاريخ ١١ آذار (مارس)، واستهداف قسم شرطة في مدينة نصر بعبوة ناسفة، في ٢٩ آذار (مارس).
وكان همّام وتنظيمه لا يقومان بأيّة عملية إرهابية إلا يوم الجمعة من كلّ أسبوع، آخرها يوم الجمعة ٧ شباط (فبراير) عام ٢٠١٤، عندما زرع عبوتَين ناسفتَين أعلى كوبري الجيزة، ثم اختفت تلك الجماعة لفترة طويلة تعدّت الشهرين، حتى ظهرت ببيانها رقم (٥)، الذي تبنّت فيه استهداف قوات الأمن أمام جامعة القاهرة، والذي أسفر عن استشهاد عميد شرطة وإصابة ٥ آخرين، ثم غيّر إستراتيجيته، وبدأ ينفّذ عملياته في أيّ يوم، وكان منها: إلقاء قنبلة بدائية الصنع على كشك مرور كوبري الجلاء.

الظهور الإعلامي المكثف
اهتم تنظيم أجناد مصر بالإعلام بشكل كبير، وكثّف من ظهوره الإعلامي، حتى بتاريخ 13 كانون الأول (ديسمبر) 2014، أعلن اسمي اثنين من قياداته وذكر صفحتيهما على مواقع التواصل، لتسهيل الاتصال بينهما وبين الصحفيين ووسائل الإعلام، وهما: محمد بلال القاهري (مسؤول العلاقات العامة للتنظيم)، ومعاذ المصري (المسؤول الإعلامي لمؤسسة الكنانة).

كان همام خبير متفجرات وكان مسؤولاً عن ذلك حين انضمّ إلى جماعة بيت المقدس وعمل مع بلال صبحي فرحات

في بيان التنظيم الثاني عشر، الصادر في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2014؛ أعلن تأسيس ذراع إعلامي باسم "مؤسسة الكنانة"، لينشر عبرها إصداراته، وفي 2 كانون الأول (ديسمبر) 2014؛ دعا عبر مسؤوليه الجماهير لإرسال أسئلتهم واستفساراتهم، التي سيجيب عنها قائد الجماعة فيما بعد، وبالفعل نشر في 11 يناير (كانون الثاني) 2015، حواراً مرئياً مطولاً مع همام عطية، أجاب فيه عن تلك التساؤلات.
ونشر التنظيم عبر مؤسسة الكنانة عدداً من المقالات، مثل: "هل هناك أمل؟" لعلي سعيد، و"توالي الإقالات واستمرار العمليات" لعبد الرحمن أسامة، و"لماذا اخترنا العمل في مصر؟"، و"خطوة لتكون مجاهداً" لمحمد بلال القاهري.
القائد همام شرح في أجوبته أيديولوجيا التنظيم للجمهور والصحفيين، ورؤيته للأحداث في مصر، وموقفه الشرعي والديني من التيارات والجماعات الأخرى، وتحدث قائلاً: "أجناد مصر هو الاسم الذي كان يطلق في عصر العزّ والمجد على المجاهدين في مصر، فمن كانوا يخرجون للفتوحات كانوا يسمّون أجناد مصر، ومن خرجوا مع صلاح الدين وسيف الدين قطز كانوا يسمون أجناد مصر، فلذلك اخترنا هذا الاسم الذي فيه عبق من تاريخنا الإسلامي، تيمناً بعودة هذا العز لأمتنا من جديد".

اقرأ أيضاً: طلائع الفتح.. خطة الجماعات الجهادية لاحتلال مصر
دعا همام في لقائه الذي تحدث فيه بصوت مغاير لصوته الحقيقي لمواجهة الأنظمة السياسية، وقال إنّه غير مستعجل، وإنّ تنظيمه بدأ خطواته تدريجياً، ولا بدّ من السعي لحدوث تغيير شامل باستعمال القوة، ورفضه المشاركة السياسية في ظلّ أيّ نظام، وإنّ الحكم على أعيان الطائفة الممتنعة فيه خلاف بين أهل العلم، ومن ثم فإنّ التنظيم لا يلزم أفراده بقول معين في هذه القضية.
سقوط الرمز والصراع على التنظيم
كان همام يتنكر على هيئة صاحب (ماركت) في ميدان لبنان بالجيزة، ويلتقي عناصر الخلايا الذين يأتون في هيئة مشترين للبضائع، لكنّ سقوط إسلام شعبان شحاتة سليمان، اسمه الحركي حسن، ٢٣ عاماً، وهو طالب يقيم بمنطقة المطرية، أثناء قيامه بوضع قنبلة أمام دار القضاء العالي، أدى فيما بعد لسقوط القائد المؤسس.

اقرأ أيضاً: كيف دفعت مصر ثمن "الصحوة"؟
اعترف إسلام شعبان بأنّ مؤسس التنظيم هو صاحب الاسم الحركي، فوزي أو حسام، وأنه يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، ويسكن في شارع فيصل بالجيزة، ومن هنا كانت البداية؛ إذ ظلّ الأمن يتتبعه، لمدة ٣ أشهر كاملة، واكتشف أنّه الإرهابي الخطير المتخصص في صناعة المتفجرات، همّام محمد أحمد عطية، أحد المتهمين في قضية أنصار بيت المقدس، وفي هذه الأثناء غيّر محلّ إقامته ٣ مرات، كان آخرها شقة في منطقة الطوابق، استأجرها وكانت معه زوجته وأولاده الصغار، ولم يكن فيها أيّ أثاث، وكان رجال البحث في الآونة نفسها، يتتبعون الفريق الإعلامي لما يسمى مؤسسة الكنانة، ومنهم أبو بلال القاهري.

هناك رواية أخرى لسقوط همّام؛ أنّ قسم شرطة الهرم تلقّى بلاغاً من مواطن يفيد بتعرض شقته لسطو مسلح وسرقتها، فانتقلت أجهزة الأمن إلى مكان الواقعة، وتمت معاينة الشقة واستجواب حارس العقار، كما تمّ استدعاء صاحب العقار لسماع أقواله، وطلبت منه أجهزة الأمن الاطلاع على صور بطاقات الرقم القومي الخاصة بجميع السكان، خاصة الذين استأجروا شققاً بالعقار مؤخراً، وارتاب الأمن في صورة شخص، ففحصوا صورة بطاقته التي ارتابوا فيها، وتبيّن لهم أنّها تخصّ أخطر إرهابي بمصر، وهو المتورط في قتل العميد طارق المرجاوي، والعشرات من العمليات الإرهابية، وتمّ اقتحام شقة المتهم، وكان ساعتها يضع متفجرات خلف باب الشقة، وتمّ قتله برصاصة في رأسه، وادعّى التنظيم أنّه تمّ القبض عليه حياً، وعقب انتهاء التحقيقات اصطحب مرة أخرى للشقة التي قتلوه فيها.

اقرأ أيضاً: هل تخلّصت التيارات السلفية في مصر من عقدة اختلاط الدعوي بالسياسي؟

اعترفت زوجة همام، التي كانت معه أثناء مقتله، في تحقيقات النيابة المصرية؛ بأنّ الذي أجرى الحوار مع زوجها في إصدار التنظيم هو أحمد النجار، المشهور بالاسم الحركي (مالك الأمير عطا)، لتبدأ مرحلة البحث عن القادة الجدد للتنظيم.
مالك الأمير؛ الذي اعترف أنّه كان إخوانياً اتخذ من شارع فيصل مركزاً لإدارة عمليات التنظيم قبل مقتله، وكان كثير الحوارات الفكرية والكتابة بمواقع التواصل، حتى أنّه كان يطلق على نفسه في صفحته الشخصية (مسعَر حرب)، ومنها مقاله الذي جاء بعنوان "أنت مراقب"؛ حيث كانت صفحته ملتقى لكلّ من يعتنق هذا الفكر.
توصلت أجهزة الأمن لمالك، وقتلته بالرصاص في شقته، ومعه عنصر آخر، بعد أن فشلت كلّ محاولاته في التخفّي، ليضع نهاية غير طبيعية لتنظيم أجناد مصر، الذي تولى قيادته، بعد مقتل مؤسسه السابق، مجد الدين المصري، همام عطية.

مالك الأمير عطا

حاول تنظيم القاعدة، عن طريق أبي المجد الهراري، وهو أبو مارية القحطاني، أحد فقهاء القاعدة، ومنظريها بالشام، والعدو الأول لداعش، الذي خطط لاغتياله أكثر من مرة، أن يقنع همام بالانضمام لتنظيمه، وأرسل له عن طريق وسطاء محليين، ومشايخ مقربين من القاعدة بمصر، إلا أنّه فشل في ذلك، وحاول تنظيم داعش أن يفعل ذلك أيضاً، إلا أنّه فشل، وفق اعترافات إسلام شعبان، وعقب وصول الأمن له، ومقتله على أيدي الداخلية المصرية، تخلخلت بنية التنظيم.
تولى أحمد جلال أحمد محمد إسماعيل، اسمه الحركي (عز الدين المصري) فيما بعد قيادة التنظيم، وأعلن أجناد مصر بعدها مسؤوليته عن زرع عبوتين ناسفتين بشارع يوسف عباس، تقاطع صلاح سالم بالقرب من نادي الحرس الجمهوري خلف فندق "سونستا"، بمنطقة مدينة نصر، انتقاماً لمقتل مالك الأمير عطا.

أحمد جلال

كان قد بدأ، في هذه الفترة، ما يسمى تنظيم "العقاب الثوري" عمله، ومعه بعض الكتائب الإخوانية الأخرى، مثل كتائب حلوان، وغيرها من الأسماء الكثيرة، التي خرجت متوالية لتضليل الأجهزة الأمنية، ولتصعيب المهمة عليها.
استغلّ أحمد جلال هذه السيولة في إعادة برمجة وتشغيل الأجناد من جديد، ولم تكن هناك فروق كبيرة فكرية بين كلّ الذين يعملون في هذه التنظيمات، فكلّهم يؤمنون بما يسمى "شوكة النكاية"، وكلّهم يعتقدون أنّ هذا النظام مستبدل للشريعة، وأنّ رأسه كافر، مستباح الدم والعرض، وأنّ وزراءه لا يعذرون لا بجهل ولا بتأويل.
نجح جلال في إعادة تشكيل وترميم أجناد مصر، لكنّه، إلى حدٍّ ما، كان يؤمن بسياسة النفس الطويل، وارتأى أنّ الكمون لفترة وجيزة مهم لبناء تنظيمه، كما أدرك أنّ الحصول على المتفجرات والأسلحة والذخيرة، دائماً ما تكون البداية التي يصل بها الأمن للأفراد والعناصر المسلحة، فخطط للحصول على الأسلحة من ليبيا، وإدخالها عبر الصحراء الغربية، وقام باستئجار شقق، ومحلات تجارية، ومنها الشقة التي كانت في شارع اللبيني، وكانت أكبر مخزن للسلاح؛ حيث وُجدت فيها 500 قنبلة مركبة وجاهزة للتفجير. 
أيضاً، عن طريق أحد الأعضاء، توصل الأمن للقيادي عز الدين المصري، بعد رصده لفترة ليست بالقصيرة، ومعرفة من يقابلونه، وبعدها قاموا باقتحام شقته بمدينة الرحاب، التي كان يدير منها التنظيم، رغم أنّه من سكان المعادي، لكنّه بادرهم بإطلاق النيران، وبعدها قُتل، وتمّ نقله لمشرحة زينهم، وبدأ سقوط المجموعات، فسقطت مجموعة الهرم، وكرداسة، وأخيراً المعادي، التي واجهت الأمن بجسارة غريبة، ودامت المعركة المسلحة أكثر من 5 ساعات متواصلة.
عقب مقتل أحمد جلال؛ اختار عناصر التنظيم الكمون، وبعدها تشتّت أغلبهم؛ إما خارج البلاد في سوريا، أو باختيارهم الانضواء في المجموعات الإخوانية، أو الانضمام لما يسمى تنظيم "جند الخلافة في أرض الكنانة"، الذي بدأ أولى عملياته عقب انتهاء أجناد مصر، بقتله ضابط بمنطقة المطرية.
تمحور تنظيم أجناد مصر حول شخصية واحدة؛ هي همّام محمد أحمد عطية، وكثّف من ظهوره الإعلامي، وتصارع داخلياً حول أيديولوجيات معقّدة، ففشل وانتهى بلا رجعة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أنس قنطار.. لماذا لفّق أردوغان للاعب كرة سلة تهمة الإرهاب؟

2020-01-20

يتقاضى ملايين الدولارات من لعبه كرة السلة في عدة أندية لرابطة كرة السلة الأمريكية، لكنّ ذلك لم يشغل اللاعب التركي المولود في سويسرا، أنس قنطار، عن متابعة شؤون بلده الأم "تركيا"، وقد دفعه تخبّط السياسة التركية، الداخلية والخارجية، إلى انتقاد تسلّط وسيطرة حزب العدالة والتنمية، بزعامة رجب أردوغان، على مقادير الناس وأرزاقهم ومصائرهم في موطنه تركيا.

اقرأ أيضاً: الجزائر: إرسال أردوغان للمرتزقة السوريين فاقم أزمة ليبيا
وسلطت تعليقات "قنطار" ومواقفه الضوء على تحكم أردوغان وحزبه بمفاصل الدولة، والتستّر على جرائم فساد ومحسوبيات حدثت أثناء حكم هذا الحزب، الذي يتخذ من الدين نقاباً يستر به نشاطاته السرية، كما قال يوماً محمد بكار أوغلو، نائب رئيس حزب الشعب التركي المعارض.

تعرضت عائلة قنطار المقيمة في تركيا لمضايقات كثيرة من السلطات هناك
ولد أنس قنطار العام 1992، لوالدين تركيَّين كانا يعيشان في مدينة زيورخ السويسرية، وقد قضى معظم طفولته متنقلاً بين إسطنبول وأنقرة مع والديه اللذين كانا يعملان في مهنتَي الطبّ والتمريض.
وقد تأثر قنطار أثناء المرحلة المدرسية من حياته بأفكار حركة "الخدمة"، التي أسّسها الداعية الإسلامي، فتح الله غولن، ويقول قنطار، في حديث له مع قناة "سي بي سي" الكندية: إنّ "إصلاح هذا العالم وتحسين حياة الناس، كانت دائماً محاور حديثي مع الداعية غولن".

أصبح قنطار ناقداً لاذعاً لحكومة أردوغان بعد فضيحة الفساد الكبرى التي عصفت بالحكومة التركية العام 2013

وقد أصبح قنطار ناقداً لاذعاً لحكومة أردوغان بعد فضيحة الفساد الكبرى، التي عصفت بالحكومة التركية، العام 2013، عندما كشفت تورط بنك "هالك"، المملوك للحكومة التركية، وعدد من أبناء وزراء حكومة أردوغان وقادة شرطة، في عمليات تشمل تهريب ذهب، ورشاوى، وغسيل أموال، في عملية مقايضة كبيرة يتم فيها تقديم كميات من الذهب لإيران بطرق مختلفة، مقابل الحصول على كميات كبيرة من الغاز والنفط الإيراني.
وقد تناولت مواقع وصحف تركية هذه القضية، وظهر على شاشات التلفزة كثيرون من أبناء الوزراء الأتراك وأصدقائهم يقادون إلى المحاكم، لكن سرعان ما أُطلق سراحهم، وخرج أردوغان أمام حشد شعبي، العام 2013، متهماً قوى أجنبية خارجية في تدبير ما أسماها "المؤامرة" للإطاحة بحكمه ونظامه السياسي، واكتفى بطلب الاستقالة من بعض الوزراء، لكنّ الشارع التركي لم يقتنع، ولم يرضَ بالإجراءات، أو الإقالات، التي أحدثها أردوغان في حكومته.
فيديو الأتراك يتظاهرون للإطاحة بأردوغان بعد فضيحة الفساد العام 2013:

وعندما رأى أنس قنطار؛ أنّ قضية الفساد الكبرى في بلاده قد تمّ طيّها، وإخفاء معالم الجريمة التي حدثت، بدأ بانتقاد حكومة أردوغان علناً، كاشفاً "تواطؤ الحكومة مع أبناء الوزراء الفاسدين"، وفق قوله، وهنا استشاطت حكومة أردوغان غضباً، وتوعّدته وهدّدته بسجن والدَيه والتضييق على أقاربه المقيمين في تركيا.

اقرأ أيضاً: أردوغان في ليبيا وخامنئي في العراق

لكنّ ذلك لم يثنِ لاعب كرة السلة المحترف في الأندية الأمريكية، واستمر بالتعليق منتقداً سياسات الحكومة التركية عبر صفحته في موقع تويتر، وقد عمدت حكومة أردوغان بعد أن استنفدت كلّ أسلحة التخويف والتهديد والوعيد، إلى اللجوء لتلفيق تهمة الإرهاب لقنطار، واستطاعت أن تستصدر "إشعاراً أحمر" من الشرطة الدولية "الإنتربول" لاعتقاله، بحجة "انضمامه لتنظيم إرهابي سرّي"، وقد أثّر هذا الإشعار في حركة سفره، وأجبره الحظر والمتابعة الشرطية على اجتناب السفر لخارج الولايات المتحدة، ولم يزر إلا كندا خلال الأعوام الخمسة الأخيرة.

بدأ قنطار بالخشية على حياته ما دفعه لعدم مرافقة فريقه "بوسطن سلتكس" في رحلاته الخارجية

وبدأ أنس قنطار بالخشية على حياته، ما دفعه لعدم مرافقة فريقه "بوسطن سلتكس" في رحلاته الخارجية، خوفاً من أن تطاله يد الاستخبارات التركية، أو أعوانها في الحركات السلفية، المنتشرين في كلّ أنحاء العالم، ولم يشارك قنطار في مباريات مهمة، العام 2019، حتى في دول ذات مستوى أمني مرتفع مثل بريطانيا.
وكان ردّ لاعب السلة المحترف، قنطار، على تلك الاتهامات، في لقاء مع قناة "سي إن إن" الأمريكية: "الشيء الوحيد الذي أرهبني كان لوح تثبيت سلة التهديف"، وأضاف أنّه مواطن يحترم القوانين والأنظمة، ولم يرتكب يوماً حتى مخالفة سير فوق الأراضي الأمريكية.
وفي معرض تفنيده لاتهامات الحكومة التركية بأنّه مشارك في مؤامرة الانقلاب المزعوم على أردوغان، في صيف العام 2016، كان ردّ اللاعب أنّه كان حاضراً في مجلس فتح الله غولن حين وردت الأخبار عن ذلك التحرك العسكري في أنقرة، وقال إنّ "الزعيم التركي، غولن، استمر بالدعاء لله بسلامة وطنه تركيا، وأن يحفظ شعب تركيا من أيّ سوء". ويقول قنطار: "كان الحاضرون يتمنون، مع زعيمهم الديني، أن يحلّ السلام والخير في ربوع الجمهورية التركية في ذلك الوقت العصيب".
لقاء أنس قنطار مع قناة "سي إن إن" الأمريكية:

وقد تعرضت عائلة اللاعب أنس قنطار، المقيمة في تركيا، لمضايقات كثيرة من السلطات هناك، ومن مظاهر هذا التضييق إجبار الحكومة التركية لعائلة قنطار على إصدار تبرئة علنية من نسب أنس للعائلة، بل وإرغام أهله على نشر إعلان رسمي في وسائل الإعلام المحلية في تركيا بأنّ عائلته تشعر بالخزي والعار من أفعاله ونشاطاته السياسية.

لفقت حكومة أردوغان تهمة الإرهاب لقنطار واستطاعت أن تستصدر "إشعاراً أحمر" من "الإنتربول" لاعتقاله

ولم يمنع إعلان العائلة حكومة أنقرة من طرد والد أنس من مهنة التدريس في الجامعات التركية، وقد كان للإجراءات التعسفية والانتقامية التي تلت محاولة الانقلاب، العام 2016، وطالت أعداداً كبيرة من الأساتذة الجامعيين والأدباء والصحفيين والفنانين، وغيرهم، عام 2016 وما تلاه من الأعوام، أثر كبير في إصرار أنس قنطار، على الاستمرار بالنقد والتعليق على أيّة ممارسة تمسّ حريات وحقوق المواطن التركي ورصد أيّ تصرفات تخالف القانون لحكومة أردوغان.
وقد اعتقلت السلطات التركية والد قنطار لفترة من الزمن، العام 2017، ثم قامت سفارة تركيا في بوخارست بسحب جواز سفر أنس، أثناء مشاركته في بطولة لكرة السلة في رومانيا، مما أدّى لتخلفه عن زملائه العائدين إلى الولايات المتحدة، وقام أثناء مراقبته في المطار من قبل الشرطة الرومانية، بإجراء بثّ مباشر عبر حسابه في تويتر، تحدّث فيه للعالم عما حلّ بجواز سفره، وقال في ذلك البثّ إنّ حكومة أردوغان قد حرمته من وطنه بسحب جواز سفره، وأضاف أنّ "الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، شخص فظيع"، ونعته بأنّه "هتلر هذا القرن".
اللاعب أنس قنطار خلال بثّه المباشر من مطار بوخارست الروماني:

للمشاركة:

خامنئي يؤمّ صلاة الجمعة.. لماذا صعد إلى المنبر الآن؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-20

منذ تنفيذ عملية اغتيال قائد "فيلق القدس" الجنرال قاسم سليماني، ثمّة تداعيات كثيرة، محلية وإقليمية، حول الحادث، ستنجم عنها نتائج عديدة؛ حيث أشار محللون ومراقبون سياسيون، إلى أنّ العلاقات الأمريكية الإيرانية، منذ أربعة عقود، تعكس تاريخاً معقداً يحفل بالخلافات والصراعات والتباينات في المواقف، وأنّها في نهاية الحال ستسفر عن وقوع حرب بينهما، خاصة في ظلّ التصعيد العسكري النوعي مع الجمهورية الإسلامية، مؤخراً، إضافة إلى مواجهات غير مباشرة، ستتنوع ساحاتها الإقليمية، سواء في بغداد أو غيرها.

إيران وسياسة الضغط القصوى

وبينما تفادت الإدارتان الأمريكيتان السابقتان لترامب خيار الأخير الذي نفّذه فيما يخصّ قائد "فيلق القدس"، لتجنّب التصعيد العسكري مع الجمهورية الإسلامية؛ فإنّ سيناريوهات ما بعد سليماني ستبقى مفتوحة على عدة احتمالات؛ فهل ستنجح سياسة الضغط القصوى لترامب على إرغام طهران في العودة إلى طاولة المفاوضات؟ وكيف ستعمل الجمهورية الإسلامية على ترميم أسطورة قائد فيلق القدس المصنوعة، بعد أن جعلت من شخصيته قوة إقليمية تمتدّ شبكة علاقاتها على مدار عقدين، بين حزب الله في لبنان، مروراً بالحشد الشعبي في العراق، وحتى دعم الحوثيين في اليمن؟ وإلى أيّ حدّ سيوظف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الحادث، في ظلّ ما يعانيه من احتجاجات شعبية متواصلة، منذ نهاية عام 2017، في تعبئة الرأي العام ضدّ واشنطن والتغطية على ممارسات النظام القمعية؟

مهدي خلجي: إمامة خامنئي الصلاة في مثل هذه البيئة المشحونة سعت لمعالجة مصادر قلق رئيسة يتعرض لها النظام

اللافت أنّ النظام الإيراني يعاني من حالة تفلّت وارتباك شديدين، خاصة إثر اعتراف الحرس الثوري بإسقاط الطائرة الأوكرانية "عن طريق الخطأ"، بحسب روايته، والتي راح ضحيتها 176 مدنياً، بعد إنكارهم تلك الجريمة لمدة ثلاثة أيام متتالية، ما أدّى إلى اندلاع احتجاجات شعبية هائلة، وخروج الآلاف إلى الشوارع، في عدة مدن إيرانية، من طهران وحتى أصفهان، للتعبير عن استيائهم وغضبهم، الأمر الذي أفسد المشهدية "الكربلائية" التي حاول النظام صنعها لحساب سليماني.
ومن بين أبرز مشاهد الانفلات؛ اعتقال عناصر من الميليشيات الإيرانية للسفير البريطاني، روب ماكير، ومن ثم احتجازه لعدة ساعات للتحقيق معه، وتوجيه اتهامات بالتحريض وتصوير الاحتجاجات، قبل أن يتم إطلاق سراحه وطلب استدعائه بعدها بأيام.

اقرأ أيضاً: خامنئي في حالة النكران
ورأى المتحدث باسم السلطة القضائية في طهران السفير البريطاني؛ أنّه "شخص غير مرغوب فيه، قبل أن يتمّ الإعلان بعدها عن مغادرته للعاصمة".

دماء على منبر المرشد

بيد أنّ مهدي خلجي، الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يشير إلى حادثة أخرى ذات دلالة مهمة ومؤثرة، ترتبت عن مقتل سليماني؛ حيث أمّ المرشد الأعلى، علي خامنئي، صلاة الجمعة، قبل أيام قليلة، للمرة الأولى، منذ 8 أعوام، في حين اعتاد القادة الإيرانيون على تكليف أئمة ورجال دين آخرين، لأداء تلك المهمة، بينما لم يؤم الإمام الخميني، مثلاً، الصلاة يوماً.

اقرأ أيضاً: ما الرسائل التي حملتها خطبة خامنئي؟
وعليه، تعكس تلك الرمزية الدينية محاولة للصعود السياسي، بواسطة استدعاء الطقس والشعيرة الدينية، بهدف توظيفها في توجيه رسائل معينة وأهداف محددة، بحسب الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية؛ حيث إنّ إمامة الصلاة في مثل هذه البيئة المشحونة، سعت إلى معالجة مصادر قلق رئيسة يتعرض لها النظام، وبخلاف احتجاجات البنزين، التي اندلعت خلال تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تبين حتى الآن أنّه يتعذّر إصلاح الخطأ في السياسة الذي أجّج الاضطرابات الحالية.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء هتاف الشعب الإيراني ضد خامنئي والنظام: أنتم عدونا؟
وفي آخر مرة قدّم فيها خامنئي خطبة يوم الجمعة، عام 2012، كانت استجابة للضغوط الاقتصادية المتنامية محلياً، إضافة إلى قرار الحكومة بالتفاوض مع واشنطن فيما يخصّ البرنامج النووي.
لكنّ خامنئي، في الخطبة الأخيرة، استهدف الحديث عن الاحتجاجات الأخيرة بعد حادثة الطائرة الأوكرانية؛ حيث اتهمها بالحصول على دعم من حكومات أجنبية، ورأى أنّ المئات الذين عمدوا إلى إهانة قاسم سليماني أثناء مظاهراتهم الاحتجاجية لا يمثلون الشعب الإيراني مقارنة بالملايين في جنازته، حسبما قال.

جرائم سليماني تلاحقه

وعرّج المرشد، الذي تحدث عن استمرار دعمه إلى "فيلق القدس"، بينما وصف مقاتليه بأنّهم "مقاتلون بلا حدود"، على عدة أمور رئيسة، تبرز مخاوفه وهواجسه السياسية القادمة؛ حيث وجّه رسالة إلى الشعب الإيراني طالب فيها بضرورة الإقبال على التصويت فى الانتخابات البرلمانية، والمزمع إجراؤها الشهر المقبل، وذلك بهدف تفويت الفرصة على من وصفهم بـ "الأعداء"، الذين يستهدفون تقويض الديمقراطية في إيران.

اقرأ أيضاً: أزمة خامنئي تبدأ الآن: كيف تعاد هيكلة السلطة في إيران؟
من جهته، يشير الباحث والمحلل السياسي المصري، رامي محمد، إلى أنّه منذ اعتراف الحرس الثوري الإيراني، بمسؤوليته عن إسقاط الطائرة الأوكرانية، تبدّل المشهد الذي حاول النظام الإيراني تدشينه، سواء محلياً أو على المستوى الخارجي، فالصورة التي عمد إلى تصديرها للخارج عبر حشد جماهيري ضخم، وتكوين جسر بشري يعبّر عن غضبه ضدّ ما يرونه "الاستكبار الأمريكي" أثناء جنازة سليماني، أفسدته جريمة الحرس الثوري وانقلب الأمر للنقيض؛ حيث خرجت الجماهير الإيرانية التي ضاعفت الحادثة استياءها وغضبها، لتحتجّ على الأمر، بينما قامت بحرق وتمزيق صور قائد فيلق القدس، كما لاقى هذا الاعتراف من جانب ميليشيات الحرس تنديداً دولياً واستنكاراً شديداً.

النظام الإيراني يعاني من حالة تفلّت وارتباك شديدين خاصة إثر اعتراف الحرس الثوري بإسقاط الطائرة الأوكرانية "عن طريق الخطأ"

ويتابع محمد حديثه لـ "حفريات": "تحركت قوى المعارضة لمهاجمة المرشد ذاته، وطالبته بالتنحي؛ حيث انتقدت فائزة رفسنجاني، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق، هاشمي رفسنجاني، في شريط صوتي وجّهته للمرشد، الأوضاع في إيران، وحرضت على ضرورة العصيان المدني بهدف توسيع دائرة الاحتجاجات، كما طالب زعيم المعارضة الخضراء، مهدي كروبي، الذي يقبع تحت الإقامة الجبرية، منذ أعوام، هو الآخر، المرشد بضرورة التنحي وترك منصبه؛ حيث وصفه بأنّه "لا يمتلك صفات القيادة وعليه أن يتنحى".
ويختتم الباحث والمحلل السياسي؛ بأنّ النظام الإيراني، الذي اعتقل مهدي كروبي بعد رسالته للمرشد، كما جرى اعتقال حسين كروبي كذلك، بعد يومين من دعوة والده، الذي كان يخضع للإقامة الجبرية، منذ عام 2011، يعاني حالة من التأزم الشديدة داخل أطراف وأجنحة السلطة نفسها، في ظلّ توسيع هوة الخلاف مع الإصلاحيين والمعتدلين، ناهيك عن فشل خامنئي في خطبته الأخيرة في استعادة الثقة بالحرس الثوري كقوة عسكرية واقتصادية، بل إنّ السخط الشعبي والجماهيري، عكس تأكيداً على اعتبارهم عائقاً وسبباً في الأزمة، على خلفية سياستهم في إدارة المنطقة.

للمشاركة:

ما الذي تكشفه ردّة فعل تنظيم القاعدة على مقتل سليماني؟

2020-01-20

أثار مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني بغارة أمريكية في بغداد، فجر الجمعة 3 كانون الثاني (يناير) 2020، الكثير من ردود الفعل المتضاربة، ولا تزال تداعيات مقتله، الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية وعلاقات القوة والدبلوماسية في البلدين، مستمرة.

اقرأ أيضاً: اغتيال سليماني.. انتشاء "داعشي" وتخوّفات إقليمية
وإذا كان من المفهوم حدوث هذا التعقيد وتضارب المصالح، في علاقات "الأطراف الفاعلة من الدول" في ساحة العلاقات الدولية؛ فإنّ من اللافت في الأمر هو دخول "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، مثل الجماعات الإرهابية، على خط المسألة، بعد إصدار تنظيم داعش وتنظيم حراس الدين؛ ممثل تنظيم القاعدة في سوريا، تصريحات تُرحب بمقتله.

فرح داعش وحراس الدين

تزامن بروز نجم سليماني في ساحة الحرب السورية، عام 2011 مع معركة التحالف الدولي بقيادة أمريكا لمحاربة الجماعات الإرهابية في سوريا، وعلى رأسها تنظيم داعش والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة مثل تنظيم حراس الدين؛ حيث أشرف سليماني على كافة العمليات العسكرية الإيرانية التي استهدفت هذه التنظيمات، ليصبح من أشد أعدائها، لذلك أعلنت هذه التنظيمات على الفور عن فرحها وترحيبها بمقتل سليماني.

رحب تنظيم داعش عبر جريدة النبأ الأسبوعية الناطقة باسم التنظيم بمقتل قاسم سليماني واصفاً الحدث بالبشارة والتدخل الرباني

فقد رحب تنظيم داعش، عبر جريدة النبأ الأسبوعية الناطقة باسم التنظيم، في 3 تشرين الثاني (ديسمبر) 2020، بمقتل المذكور، واصفاً الحدث بـ "البشارة والتدخل الرباني"، مُعتبراً أنّ أعداء التنظيم يتقاتلون فيما بينهم، وأنّ مقتل سليماني سيغير مجرى الحرب ضد التنظيم، و"سيتمكّن الجهاديون من لم شملهم من جديد"، وفق ما أورد موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بالفارسية.
كما أصدر تنظيم حراس الدين، عبر منصة "مؤسسة شام الرباط للإنتاج الإعلامي"، بياناً موقعاً باسم أبو عبد الرحمن المكي، عضو مجلس شورى التنظيم (سعودي الجنسية ومُنشق عن جبهة تحرير الشام)، عبّر فيه عن فرح التنظيم بمقتل سليماني، الذي وصفه بـ"الزنديق هو ومن على شاكلته"، مؤكداً أنّ هلاك أعداء الإسلام هو فرح للمؤمنين، "ولو على غير أيدينا، كما فرح الصحابة بانتصار الروم على الفرس".

وأشار المكي إلى موقف حركة حماس من مقتل سليماني؛ حيث قال إنّ هذا هو "حال أهل السنة عند هلاك الكفرة الزنادقة ورؤوس المبتدعة، المتبعين غير سُبل المؤمنين ممن استنكروا قتل الزنديق سليماني كحركة حماس"، مؤكداً أنّ موقف الأخيرة "ضلالة وانحراف وتهاون بمسائل حاكمية الإسلام، والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، وعدم الركون للظالمين".

بعد هزيمة تنظيم القاعدة في أفغانستان، كانت إيران ملجأ لأهم قيادات التنظيم ومن ضمنهم أهم قادة حراس الدين اليوم

وكان قد أُعلن عن تأسيس تنظيم "حراس الدين" بشكل رسمي مع إصدار بيانه الأول في 27 شباط (فبراير)  عام 2018، ويضم التنظيم الذي يتزعمه  سمير حجازي "أبو همام الشامي" مجموعات؛ "جيش الملاحم، جيش الساحل، جيش البادية، سرايا الساحل، سرية كابل، جند الشريعة"، وفلول "جند الأقصى".
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان أصدرته في (10 أيلول، سبتمبر 2019)، إنّ "حراس الدين"، هي جماعة جهادية تابعة لتنظيم القاعدة، انفصلت عنه في أوائل 2018. وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إدراج التنظيم العامل في محافظة إدلب شمالي سوريا، وقائده "أبو همام الشامي" على قائمة الإرهاب.

لماذا لم يعلق تنظيم  القاعدة؟

إنّ الأمر المثير للتساؤل في بيان "حراس الدين" هو عدم صدور هذا التصريح من تنظيم "القاعدة الأم"، وترك الأمر إلى التنظيم الذي يُمثّل الأولى في سوريا، والذي يعاني أصلاً من خلافات حادة بين تيارين؛ معتدل يمثله قائد التنظيم أبو همام الشامي، والدكتور سامي العريدي، المسؤول الشرعي الحامل للجنسية الأردنية، بالإضافة إلى منظر هذا التيار، جمال إبراهيم اشتوي المصراتي المعروف بــ "عطية الله الليبي". وتيار آخر، مُتشدّد كان  يمثله أبو ذر المصري، وأبو عمرو التونسي، وأبو يحيى الجزائري، وأبو دجانة التونسي، وأبو إبراهيم الشامي، الذين قتلوا جميعاً في ضربة جوية لقوات التحالف، بتاريخ 30 حزيران (يوليو) 2019، فضلاً عن مُنظر التيار، الأردني أبو محمد المقدسي.

الأمر المثير للتساؤل هو عدم صدور بيان حول مقتل سليماني من تنظيم القاعدة الأم وترك الأمر إلى تنظيم حراس الدين

فهل لذلك علاقة بطبيعة التعاون التاريخي بين تنظيم القاعدة وإيران؟ حيث كانت الأخيرة ملاذاً لأهم قيادات القاعدة الذين تم نقلهم عن طريق الظواهري، ضمن صفقة تبادل أسرى من إيران إلى سوريا، عقب اندلاع الأزمة السوررية عام 2011، تحت ما يُسمى بـ "مجموعة خراسان" مثل؛ المصري سيف العدل، وأبو الخير المصري، وأبو محمد المصري، وعبدالله عبد الرحمن، الذي قتل بطائرة بدون طيار في إدلب (آذار 201)، وخالد مصطفى العاروري المعروف بـ "أبو القسام الأردني"، القائد العسكري الحالي لتنظيم حراس الدين.
وكان العاروري قد اعتقل من قبل الحرس الثوري الإيراني، ثم أُفرج عنه في صفقة أمنية بين إيران وتنظيم القاعدة، مقابل الإفراج عن دبلوماسي إيراني كان محتجزاً لدى التنظيم في اليمن، والأردني ساري محمد حسن شهاب المُلقب بـ "أبو خلاد المهندس"، والذي قتل بعبوة ناسفة في إدلب (22 آب/أغسطس 2019).

اقرأ أيضاً: لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟
فهل فقد الظواهري السيطرة على التنظيم في سوريا؟ أم أراد أن يظهر أكثر تسامحاً وليناً من تنظيم داعش مع إيران التي كانت، بعد هزيمة التنظيم في أفغانستان، ملجأ لأهم قيادات القاعدة ومن ضمنهم أهم قادة "حراس الدين" اليوم؟

للمشاركة:



مسلحون يطلقون النار على المتظاهرين العراقيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أطلق مسلحون ملثموم  النار على المتظاهرين العراقيين، اليوم، في الناصرية، ما أسفر عن إصابة عدد منهم، أحدهم في حالة حرجة.

وقال نشطاء عراقيين على موقع تويتر؛ إنّ "الملثمين ركبوا ثلاث سيارات رباعية الدفع، دون لوحات، مرت باتجاه جسر السريع، دون أن تحرّك الأجهزة الأمنية ساكناً".

ونقل الجرحى إلى مستشفى الحسين في المدينة، ولم تكشف بعد تفاصيل عن السيارات أو الملثمين الذين أطلقوا الرصاص الحي على المحتجين.

وكتب مغرد على تويتر؛ أنّ "ثلاث سيارات من نوع "بيك آب" مع دراجة مرت باتجاه جسر السريع، وقامت بإطلاق النار على المتظاهرين"، وذكر بعض الناشطين أنّ قوى الأمن العراقية "لم تحرك ساكناً" أمام المشهد.

الملثمون أطلقوا النار على المتظاهرين العراقيين دون أن تحرك الأجهزة الأمنية ساكناً

وتكررت حالات استهداف مجهولين للمتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات، بداية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، المطالبة برحيل الطبقة السياسية والتخلص من النفوذ الإيراني في البلاد.

وأقدم مسلحون مجهولون على إطلاق النار، الأسبوع الماضي، على المتظاهرين في ساحة التربية، معقل الاحتجاجات الشعبية في كربلاء، ما أدّى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بجراح أحدھم في حالة حرجة، بحسب الشرطة العراقية.

كما فتح مجهولون النار، في 10كانون الثاني (يناير) الماضي،على السيارة التي كان يستقلها صحفيان في منطقة قريبة من مقر قيادة شرطة البصرة ما أدّى إلى مقتلهما.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

تأتي هذه الاحتجاجات ضمن الموجة الثانية من مظاهرات خرجت للتنديد بالفساد والأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد، وقوبلت المظاهرات السلمية بموجة قمع استبدت بالعراقيين، مارسها ملثمون ومسلحون وقناصة على أسطح المباني، كما تعرّض المتظاهرون لاستهداف بإطلاق النار من على متن مروحيات، واتهمت بارتكاب هذه الاعتداءات ميليشيات تابعة لإيران.

هذا وقد استبقت قوات الأمن العراقية مظاهرات مقررة، اليوم، بهجوم على المركز الرئيس لاعتصام المحتجين في العاصمة بغداد، وقال ناشطون إنّ السلطة تحاول فضّ اعتصام ساحة التحرير بالقوة.

وفجر اليوم، فوجئ المعتصمون في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية، بغداد، بهجوم شنته قوات مكافحة الشغب، بإطلاق الرصاص والغاز المسيل للدموع.

وقد بدأ المتظاهرون العراقيون في التصعيد في عدة مناطق، مع انتهاء المهلة التي منحوها للقوى السياسية من أجل اختيار رئيس وزراء جديد، ومحاكمة المتسببين في مقتل المتظاهرين.

 

 

للمشاركة:

السلطات الصومالية تتصدى لمسلحي حركة الشباب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

أعلنت الحكومة الصومالية، اليوم، مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في بلدة ميركا بإقليم شبيلي، جنوب شرق البلاد.

وقال المتحدث باسم الحكومة، إسماعيل مختار عمر: "الاشتباك الذي وقع أمس نتيجة هجوم الحركة الإرهابية لم يسفر عن وقوع ضحايا بين الجنود أو المدنيين"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

 

 

ويذكر أنَّ سبعة أشخاص قتلوا وأصيب آخرون إثر انفجار سيارة مفخخة بالقرب من العاصمة مقديشو، الأول من أمس.

وكان الآلاف من المتظاهرين قد خرجوا للشوارع، في الثاني من كانون الثاني (يناير) الجاري، للمطالبة بإنهاء الهجمات الإرهابية التي تشنها الجماعات المسلحة، وقد أودى تفجير وقع قبل التظاهر بخمسة أيام بحياة أكثر من 80 شخصاً.

مقتل 5 عناصر من مسلحي حركة الشباب الإرهابية خلال مواجهات في جنوب شرق الصومال

وتعرضت قاعدة عسكرية في كينيا، تستخدمها القوات الأمريكية والكينية، لهجوم مطلع هذا الشهر، حيث لقي ثلاثة أمريكيين حتفهم.

وتدعم أمريكا القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في الحرب ضدّ حركة الشباب الإرهابية، وقد شنت عدة هجمات جوية تستهدف الحركة في الصومال.

وحذرت بريطانيا، الأحد الماضي، رعاياها من السفر إلى بعض المناطق في كينيا، بسبب ما عدته تهديداً أمنياً محتملاً في تلك المناطق.

وفي الأسابيع الماضية، فرضت الحكومة الكينية قيوداً على المسافرين وحافلات الركاب في الطريق بين لامو وممباسا، لمنع مسلحي الحركة من التسلل إلى داخل كينيا.

ويستغل إرهابيو حركة الشباب الحدود الهشة الممتدة بين كينيا والصومال وكثافة التداخل القبلي والسكاني بين القبائل والمجموعات، للتسلل إلى داخل كينيا واتخاذ المناطق الحدودية قاعدة لشنّ هجمات إرهابية.

 

للمشاركة:

كم عدد السوريين المطلوبين للقتال في ليبيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ عدد المجندين السوريين الذين وصلوا إلى العاصمة الليبية، طرابلس، ارتفع إلى نحو 2400 مسلح.

 

 

وأشار المرصد، الذي يتخذ من بريطانيا مقراً له، إلى أنّ عمليات التجنيد مستمرة حتى اليوم في المناطق الخاضعة لسيطرة تركيا في شمال سوريا، رغم القرارات التي تمخضت عن مؤتمر برلين، والتي ألزمت الدول الموقّعة بعدم تقديم الدعم العسكري للفرقاء الليبيين، موضحاً أنّ "تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري في ليبيا".

المرصد: تركيا تريد نحو 6000 متطوع سوري للقتال في العاصمة الليبية إلى جانب ميليشيات الوفاق

وجاء نشر هذه الأرقام بالتزامن مع مؤتمر برلين حول الأزمة الليبية، أمس، بمشاركة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

وقال أردوغان، في وقت سابق أمس: "لا يوجد حلّ عسكري في ليبيا، وأيّة محاولات لفرض حلّ عسكري لن تفضي إلى نتائج".

وكان أردوغان قد أعلن مؤخراً إرسال قوات إلى ليبيا، دون أن يحدّد هويتها، وطالب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس، خلال مؤتمر برلين حول ليبيا؛ "بالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً لحكومة السراج".

ماكرون يطالب أردوغان بـالكفّ عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعماً للسراج

وأعلن ماكرون، خلال المؤتمر: "يجب أن أقول لكم إنّ ما يقلقني بشدة هو وصول مقاتلين سوريين وأجانب إلى مدينة طرابلس، يجب أن يتوقف ذلك".

وأضاف الرئيس الفرنسي: "من يعتقدون أنهم يحققون مكاسب من ذلك لا يدركون المجازفات التي يعرضون أنفسهم ويعرضوننا جميعاً لها".

وشدّد ماكرون على ضرورة وقف غير مشروط لإطلاق النار، فيما يطالب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، بتراجع قوات المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي إلى مواقعها، قبل الهجوم على طرابلس.

 

للمشاركة:



الغنوشي وتحدي الدولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

جبريل العبيدي

موجة غضب في البرلمان التونسي على الغنوشي زعيم حركة «النهضة» الإخوانية، طالته بالاتهامات بالتبعية للخارج، وانتهاك السيادة الوطنية، مهددة بسحب الثقة وإسقاط رئاسته للبرلمان التونسي؛ «الحزب الدستوري الحر» جمع 73 توقيعاً لسحب الثقة، وقال الأمين العام لحزب «التيار الديمقراطي» غازي الشواشي، «إن زيارة الغنوشي إلى تركيا بصفته الرسمية رئيس مجلس نواب دون المرور عبر القنوات الرسمية هو ضرب للسيادة الوطنية»، ووصف الزيارة بـ«الدبلوماسية الموازية»، التي من شأنها أن تسلب صلاحيات رئيس البلاد، الأمر الذي يعتبر خرقاً دستورياً فظيعاً قام به راشد الغنوشي.
الغنوشي، الذي لم يستطع التخلص من كونه رئيس جماعة أو حركة ليندمج في منصبه الجديد رئيساً لبرلمان تونسي لكل التونسيين، لم يستفد من أخطاء مرسي العياط، في التخابر مع الخارج، فرئيس برلمان لا يمكن له أن يقابل أي شخصية قيادية أجنبية إلا بعلم البرلمان، ومشفوعاً بوجود بعض أعضاء البرلمان معه، أما أن يتحول إلى رئيس حركة وهو رئيس البرلمان، فالذنب والخطأ أكبر فداحة، فتبرير الغنوشي كان فادحاً حين برر سفرته المفاجئة لمقابلة إردوغان؛ زيارة مفاجأة وعاجلة إلى تركيا بعد ساعات من سقوط حكومة الحبيب الجملي، رغم تبرير الغنوشي لها بالقول إنه قابله بصفته الحزبية، لا كرئيس للبرلمان، يجعل منه في مأزق آخر، هو أنه ليس رئيساً لبرلمان كل التونسيين، بل هو رئيس جماعته، كما كان مرسي العياط في قصر الاتحادية رئيساً لجماعته، لا رئيساً لجميع المصريين.
سقطة الغنوشي كارثية بجميع المقاييس، ولا يضاهيها ويتفوق عليها سوى مقابلات وسفريات خالد المشري، رئيس ما يسمى «مجلس الدولة» في ليبيا، الذي أقام جسراً جوياً بينه وبين إردوغان والغنوشي وقطر، ممثلاً لجماعته جماعة «الإخوان المسلمين»، دون أن يستشير أحداً سوى جماعته.
التجارب المحدودة لجماعات الإسلام السياسي في السلطة تؤكد أن الولاء لديهم للجماعة، وأنهم لن يستطيعوا تمثيل أمة أو شعب، لأنهم اعتادوا على تمثيل جماعة وتنظيم يجمعهم، وأفقدهم الإحساس بالسيادة الوطنية والانتماء الجغرافي للوطن ضمن حدود جغرافية محددة، وذلك مرده لكونهم ينتمون لتنظيم وجماعة عابرة للحدود وللقارات، ولا تمثل الجغرافيا والحدود لها أي معنى، ما ينسحب بذلك على انتهاك للسيادة الوطنية.
الأزمات تحاصر الغنوشي وحركة «النهضة»، منذ استقالة أمينها العام زياد العذاري؛ تصدع وانشقاق وانقسامات في بيتها الداخلي بين جيل شيوخ «النهضة» وشبانها الجدد. صراع أجيال داخل حركة «النهضة»، التي تواجه أزمة ثقة داخلياً وخارجياً، بسبب أزمات كثيرة، ليس آخرها الاتهام بجود جهاز سري مسؤول عن الاغتيالات، رغم نفي الحركة المتكرر لوجود هذا الجهاز.
تمجيد الغنوشي للحقبة العثمانية، سنان باشا، الذي وصفه بمحرر تونس، وتناسي أن العثمانيين كانوا مستعمرين لبلاد العرب في ثوب إسلامي، جعله في مأزق آخر أمام الشارع والبرلمان التونسي، الذي يرفض خطاب الغنوشي المشبع بالغرام التركي الذي لا يمكن تفسيره بمعزل عن التقاء حركة «النهضة» بحزب «العدالة والتنمية» التركي، وكلاهما «إخواني» الهوى والمعتقد والفكر.
اجتماع الغنوشي بإردوغان كان سقطة كبيرة للغنوشي، جعلته في ورطة، وفتح الملف أمام حجم التدخل التركي في الشأن التونسي، خصوصاً في ظل الزيارة المفاجئة التي قام بها إردوغان لتونس، التي لم يعلن عنها إلا قبيل ساعات من حدوثها، والتي رتب لها الغنوشي، وكانت لأجل طلب إردوغان موطئ قدم أو قاعدة أو تسهيل عبور قواته وجنوده، وحتى مرتزقته إلى ليبيا، بعد أن كان إردوغان جاهراً بالتدخل العسكري واحتلال ليبيا.
رغم نفي الرئاسة التونسية لوجود أي اتفاق، ولو سري، مع تركيا إردوغان بشأن منح موطأ قدم لجنود إردوغان للتمركز في طريقهم نحو غزو ليبيا، إلا أن ملف الزيارة كان من بين الملفات التي قد تتسبب في سحب الثقة من الغنوشي بسبب لعنة إردوغان.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

منطق الفرس والعثمانيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

نورا المطيري
تعلمنا في الرياضيات أن "الأشكال الهندسية المتطابقة تكون فيها الأضلاع المتناظرة متطابقة والزوايا متناظرة متطابقة أيضاً"، وخلال الفترة الماضية، توالت إجراءات وتصريحات كثيرة من إيران وتركيا، بعد تصعيد الأولى حول مقتل قاسم سليماني، وتصعيد الثانية تجاه المشير خليفة حفتر شخصياً، فاستندت الأولى على الإرث الفارسي، والثانية على العثماني، حول تاريخ غزوهما للأرض العربية، وبدا أن هذين النظامين، يتطابقان في "الأضلع والزوايا السياسية" التي تعكس أهداف ومطامع كل منهما في المنطقة العربية.

بعد أقل من شهرين على "مبادرة هرمز للسلام" أو خطة إيران المزعومة لإرساء الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي أعلن عنها الرئيس الإيراني حسن روحاني في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلقت إيران صواريخها البالستية، فجر الثامن من يناير/كانون الثاني 2020، على قاعدة عين الأسد في العراق رداً على مقتل قاسم سليماني، فأصابت الطائرة الأوكرانية وقتلت 176 بريئاً، بدم بارد، ثم أطلق الرئيس الإيراني دعوة إلى أوروبا وأمريكا بعدم التدخل في شؤون المنطقة! ثم قال إن "إسرائيل دفعت ترامب للخروج من الاتفاق النووي"، ثم طالب الأمريكان بالخروج من المنطقة وسألهم: "لماذا زعزعتم أمن المنطقة؟"، وعقبها قال حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإسلامي، ولدى استقباله وفداً سورياً في طهران، لتقديم العزاء في سليماني إن "إيران تقف مع سوريا حتى خروج جميع الأعداء منها، وإن وحدة الأراضي السورية مثل وحدة أراضي إيران".

وتقرأ في أن التصعيد والإجراءات والتصريحات الصادرة عن النظام الإيراني، من رأس الهرم حتى أسفله، والمتناقضة بين دعوات الحرب والسلام، فيه تركيز عميق على "ثيمة" واحدة؛ وهي خروج الجميع من المنطقة، وعودة الفرس، على متن الصواريخ المضطربة الجاهلة للهيمنة عليها.

الشكل الثاني يجمع فيه أردوغان عصابات الإرهاب في سوريا منذ عام 2013 ويشن حرباً ضروساً تقتل وتذبح الأبرياء، ويستعد ويصرح لغزو ليبيا العربية، وخلال خطابه الذي ألقاه مؤخراً في المجمع الرئاسي في أنقرة، يقول: "ستواصل تركيا الدفاع عن حقوقها ومصالحها في العراق وسوريا والأبيض المتوسط حتى النهاية". وأضاف أردوغان: "إن وجود القوات التركية في ليبيا يهدف لإنهاء الظلم فقط، وإنه ومن خلال العمليات العسكرية استطاع تدمير الممر الإرهابي، وأفشل سيناريو حبس تركيا في سواحلها بالمتوسط". وانتقد أردوغان المعارضة التركية بالقول: «هؤلاء لا يدركون أن مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك ذهب على رأس جنوده إلى طرابلس الغرب، وأصيب هناك في عينه».

ثم قال، بعد فشل محادثات موسكو بين الجيش الوطني الليبي وحكومة الوفاق "الإخوانية" إنه سيلقن المشير حفتر، درساً لن ينساه.

وتقرأ أيضاً، في التصعيد والحروب والتصريحات التركية، الكثيرة وغير المترابطة والمجنونة أحياناً، أن هناك هدفاً أساسياً يجول في عقل الرئيس التركي، وهو حلمه الواهن بعودة الهيمنة العثمانية على الأرض العربية والسعي لإعادة احتلالها بالقوة العسكرية الهمجية.

في تحليل الخطابين، الفارسي والعثماني، تجاه المنطقة العربية، وبنظرة فاحصة على الأوضاع الداخلية في كلا البلدين، سنلاحظ الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، وضعف وهشاشة العلاقة بين هذين النظامين وشعبيهما، فالأول الذي يتصف بالشمولية، يحتج شعبه على تلك الأوضاع، بشكل شبه يومي، ويكاد يسقط شعبياً بسبب أحلامه الواهمة، أما الثاني الذي يتصف بالدكتاتورية، فقد تراجعت شعبيته، وراح يقتات على نبش التاريخ والدفاع عن هويته وقوميته، بسبب تناقضاته وأحلامه المارقة.

في الرياضيات، يفشل المنطق المتناقض وغير المترابط ويسقط تزوير الإحداثيات ولا تنجح سوى المعادلات الرياضية الصحيحة، وأن من أراد السلام، فليمدد يده بخط مستقيم.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

ليبيا.. نفط وغاز وشعب فقير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-20

ميلاد عمر المزوغي

على مدى عقد من الزمن التهم متصدري المشهد كافة مقدرات الشعب (بالداخل والخارج) التي امتدت اليها ايديهم، وما لم يستطيعوا الاستفادة منه قاموا بتدميره. مليارات الدولارات المهدورة التي لو وظف جزءا منها في خدمة المواطن لتغيرت حياته نحو الافضل ولشعر بشيء من صدقية اولئك الذي خرجوا عليه ابان الثورة وقد وضعوا في مخيلته احلاما ليست صعبة التحقيق. ولكن اتضح منذ الايام الاولى لتوليهم السلطة انها كانت مجرد اوهام، وان الفتات الذي منح للمواطن ما هو إلا تغطية على الكم الهائل من الاموال التي نهبها هؤلاء، لتستمر حياة البوس والشقاء واللهث خلف السيولة النقدية لأجل العيش، بينما سالت دماءه بدون وجه حق، فغرست في نفوس عامة شعورا لا يقبل الشك بان الساسة قد اكلوا الجمل وما حمل.

ذات يوم اوقف الجضران تدفق النفط فلم يحركوا (العملاء في السلطة وأسيادهم الذين نصّبوهم) ساكنا، لأنه حينها كانت هناك بعض المدخرات التي يمكن اللجوء اليها، بعدها فاوضوه لأجل اعادة تصدير النفط والغاز، وقدمت له ملايين الدنانير وفرشت له البسط الحمر، استقبل بطلا بدهاليز السياسة، وذهب اليه المندوب السامي الاممي في عقر داره مثمنا تجاوبه.

قد يحدث خلاف بين ابناء الوطن ويتقاتلون بسبب التدخلات الخارجية في الشأن المحلي، ولكن ان تجلب الحكومة الفاقدة للشرعية المحلية، اناس مصنفون ارهابيين من قبل الامم المتحدة لمقاتلة افراد الجيش الوطني الذي يعمل لأجل تحرير الوطن ممن تسرب اليه من الارهابيين، وان تمعن الحكومة العميلة في الاستهانة بكافة شرائح المجتمع الليبي وتضحياته، بإغداق المنح على المرتزقة من جبهة النصرة وأخواتها ببلاد الشام، من ايرادات النفط والغاز الذي يؤمنه الجيش الوطني، فذاك ما لا يمكن السكوت عنه، فالأفضل ان يظل بالأرض على ان يتحول الى اداة لتدمير البلد وجعله مرتهنا لسلطان يحلم بإعادة امجاد دولته التي عاثت في البلاد التي احتلتها فسادا وقهرا وظلما وتخلفا على مدى اربعة عقود.

لا نستغرب الاصوات الناعقة بشان وقف تصدير النفط، فهي المستفيدة من بيعه، ولا يهمها إلا اطالة مدة بقائها في السلطة، بينما الشعب يعيش تحت خط الفقر وتفتقر مؤسساته الخدمية الى ابسط الاشياء الضرورية للمواطن.

استخدام سلاح النفط والغاز في وجه الفئة الحاكمة الباغية ومن ورائها الدول الداعمة للإرهاب يعتبر حقا مشروعا، ولتعلم كافة دول العالم ان مصالحها رهن بمدى احترامها لإرادة الشعب الليبي في التصرف بموارده الطبيعية، وان الحكومة العميلة التي فرضت عليه منذ اربعة سنوات لم تقدم له سوى الاوهام، وإهدار الاموال وبث الفرقة بين مكونات المجتمع، والدفع بالشباب الى اتون حرب من خلال اغرائهم بالمال، فصلاة الجنازة على ابناء المؤسسة العسكرية والأمنية والمغرر بهم وضحايا القتل العمد على الهوية اصبحت احد معالم البلد.

هناك عديد الدول تدعم الارهاب في البلد ولكن العالم الذي يدعي انه متحضر يغض الطرف عن ذلك لمصالح شخصية، عديد المؤتمرات بشان ليبيا ولكن لم تكن هناك النية الصادقة لإحلال الامن والاستقرار.

تحية لأبناء الوطن المصرّين على خوض المعركة، ايا تكن التضحيات، ولن يهنا شذاذ الافاق ومن ورائهم الحالمين بتكوين ممالك وإمبراطوريات، خيرات البلد من بترول وغاز وسواهما يجب ان تكون للشعب، وان يعيش معتزا بوطنه، لا فقيرا متسولا ينعم الاخرين بخيراته.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية