لماذا فشل تنظيم داعش أسرع مقارنة بالقاعدة؟

11954
عدد القراءات

2019-03-10

عندما صعد أبوبكر البغدادي منبر المسجد الكبير بالموصل، قبل أقل من خمسة أعوام، ليخطب الجمعة متقمصاً حال خليفة المسلمين في خلافته المزعومة، بدا أنّ التنظيم حاز لحظة التمكين، وأصبح ملهماً لكثير من العناصر الجهادية حول العالم.

تصور التنظيم ببؤس أنّه قادر على مواجهة الخصوم عبر حلف ضعيف وهشّ اعتمد بالأساس على أخذ البيعة بالإكراه

تلك اللحظة التي حفلت بالزهوّ في وعي التنظيم، حجبت عن الكثيرين عوامل النهاية القريبة لداعش، وعندما توالت ضربات التحالف الدولي مع ضربات قوات سوريا الديمقراطية مع القوات العراقية، التي استعادت عافيتها وقرارها الواحد، بدت نهاية التنظيم، وتقلصت المساحات التي تخضع لسيطرته في سوريا والعراق، حتى انحاز في النهاية إلى جيب صغير في قرية الباغوز الحدودية.

لكن يبقى السؤال الذي لم يحجبه الصعود المفاجئ؛ لماذا سقط التنظيم الأكثر وحشية والأوفر في القدرات المالية والعسكرية؟ حتى أصبحت فلوله مشتتة في صحراء سوريا والعراق؟ ولماذا بدا أسرع في السقوط من تنظيم القاعدة الذي نجح ربما في الإفلات من المصير نفسه؟

هيكل غير متجانس

لا يمكننا أن نقارن تنظيم القاعدة والتراكم في الخبرات الإستراتيجية والتخطيطية التي حازتها قياداته بقيادات تنظيم داعش؛ حيث جمع داعش في قيادته مزيجاً، فكرياً وتنظيمياً، غير متجانس، تمثل بالأساس في الجمع بين قيادات بعثية وعسكرية عراقية سابقة وقيادات قاعدية مارقة من تنظيم القاعدة، هذا الهيكل غير المتجانس مضت خطته في استعداء كلّ الفرقاء، داخلياً وخارجياً، على نطاق لم تعرفه خبرة أيّة دولة أو تنظيم في العالم.

واصل تنظيم داعش حماقاته بإعلانه كسر الحدود وإعلان أرض التمكين دون امتلاك أية قدرات للحفاظ على هذا التمكين

استعدى داعش بداية رفقاء السلاح من القاعدة بشكل واضح، ودارت بين الفريقين معارك طاحنة في سوريا والعراق، استعدى أيضاً الإخوان وفصائل المقاومة الشيعية والكردية، هذا فضلاً عن فرقاء الداخل، أما الخارج؛ فقد أصرّ التنظيم ودولته المزعومة على استعداء الجميع، روسيا وأمريكا وأوروبا، حتى تركيا التي قدمت للتنظيم خدمات وتسهيلات كبيرة، في إطار لعبة أردوغان، لما تصوره معادلة النفوذ الإيراني، وبطبيعة الحال ناصب العرب بكل دولهم الوطنية العداء والخصومة.

فهل بنى داعش تحالفاً يصمد لعداوة كل هؤلاء الخصوم؟

تصور التنظيم ببؤس منقطع النظير؛ أنّه قادر على مواجهة كل هؤلاء الخصوم، عبر حلف ضعيف وهشّ، اعتمد بالأساس على أخذ البيعة بالإكراه والتخويف من شيوخ عشائر، وقد كان هذا التحالف أحد أدوات كسر التنظيم فيما بعد.

اقرأ أيضاً: آخر أيام داعش: ثمن الخروج الأمريكي

لم يكتفِ داعش ببناء هيكل قيادي غير متجانس، فكرياً أو تنظيمياً، ولم يكتفِ بتوسيع دائرة الخصوم والأعداء، وافتقاره لأيّة نظرة، إستراتيجية أو تخطيطية صحيحة تمكّن دولته من البقاء؛ بل واصل حماقاته بإعلانه كسر الحدود وإعلان أرض التمكين، دون امتلاك أية قدرات للحفاظ على هذا التمكين، سوى عبر الدعاية السوداء ومشاهد لكتائب الانغماسيين والانتحاريين، وفي غياب كامل مثلاً لقوات دفاع جوي، تناوش أو تحيد أيّ هجوم جويّ، صغير أو متوسط، أو واسع النطاق، كما جرى لاحقاً.

كما كانت أكبر حماقات التنظيم؛ إعلانه الحرب على كردستان العراق، دون أيّ منطق سياسي أو إستراتيجي يبررها، في مواجهة هؤلاء المقاتلين، الذين سُمّوا مقاتلي الجبال، أصحاب الخبرة العريقة في الحروب الطويلة، والذين لم يتوقف تدريبهم على القتال لعقود طويلة، وقد كان هؤلاء مع غيرهم الصخرة التي تحطمت عليها أحلام التنظيم، وما تزال المعارك التي خاضتها قوات سوريا الديمقراطية، أو كردستان العراق، الأكثر شراسة، والأكثر من حيث الخسائر التي تكبدها داعش.

اقرأ أيضاً: نهاية "داعش"..الحقيقة والأسطورة

ظنّ داعش أنّ تراجع بعض الفرق من الجيش العراقي أمامه في مشاهد سابقة دليل على ضعف عام في القوات العراقية، ومن ثم مارس سوء تقدير واضح لقوة مكافحة جهاز مكافحة الإرهاب، التي استعادت تدريبها وفعاليتها سريعاً، وعالجت الثغرات التي مكنت التنظيم من الظهور عليها، كذلك قوات الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية التي خاضت معركة وجود مع التنظيم، فضلاً عن قوات البشمركة التي أظهرت هي الأخرى مهارات قتالية لافتة.

تواكب كلّ ذلك مع تراجع القدرات التمويلية للتنظيم على نحو واضح، مع انحسار الأراضي التي يسيطر عليها، بالتالي؛ تراجع الموارد المالية المتوقعة من هذه الأراضي، وساهم ذلك في تراجع التجنيد، وتدفق المقاتلين الذين بدؤوا في تداول أخبار عن خفض مرتبات الجنود وصعوبات الحياة، بالتالي؛ لم يعد التنظيم قادراً على تعويض نزيف مقاتليه، أو إغراء المزيد من الأجانب بالوصول إلى مناطق القتال.

مذاهب متعددة

لكن ربما كان العامل الأخطر الذي فتّ في عضد التنظيم، ونهش وحدته الداخلية المهترئة أصلاً، هو بروز مذهبين عقائديين داخل التنظيم، بين أتباع تركي البنعلي، ممن عرفوا بالبنعليين، وأتباع ابن عمر الحازمي، الذين عرفوا بالحازميين، التي تطورت إلى حروب تصفية بين الطرفين، اجتمعت مع توسع اللجان الأمنية في الشكّ في عناصر التنظيم، ونجاح الاختراق الأمني في تعزيز الشكوك بين أفراد التنظيم، خصوصاً مع نجاح التحالف الدولي في تصفية 43 من أعضاء الهيكل القيادي حول البغدادي، وفشل التنظيم في تعويض هؤلاء في هيكله القيادي، ومن ثم ظلت القيادة مع التفويض، لما يسمى باللجنة المفوضة تصل من ضعيف إلى أضعف، إلى حدّ تواتر أنباء عن أنّ البغدادي لم يعد يعلم شيئاً عن التنظيم، معزولاً في مكان ما يعتقد البعض أنّه في غرب إفريقيا أو إيران.

كان إعلانه الحرب مع كردستان العراق، دون أيّ منطق سياسي أو إستراتيجي يبرره من أكبر حماقات التنظيم

تعكس كلّ تلك الخطايا التي تورط فيها التنظيم الخلل في بنيته التنظيمية والفكرية، وافتقاره إلى مخططين إستراتيجيين، مقارنة بالقاعدة، التي حافظت على الكمون سبيلاً للحفاظ على العدد الأكبر من مقاتليها، مخلصة لخطة أبي مصعب السوري، في تقسيمهم إلى سرايا صغيرة، وعدم الوقوع تحت غواية الإمساك بالأرض، أو إعلان إمارة أو دولة لن يسمح بها أحد.

تبدو فكرة الحاضنة الشعبية أهم وسائل القاعدة في استيطان أيّة منطقة، مقارنة بنزق ووحشية داعش التي بددت أيّ احتمال بناء حواضن شعبية، عبر التنكيل بالسكان في كلّ منطقة برزت فيها تحت عناوين الحسبة وتطبيق الشريعة.

اقرأ أيضاً: داعش يستهدف الحشد الشعبي في العراق

تعرفت القاعدة على واقع كلّ مجتمع ظهرت فيه، ولم تهمل دور الحاضنة الشعبية، واختارت أن ترفع شوكة النكاية مرحلة دون أسقف زمنية، بينما اعتسف تنظيم داعش الطريق وتصور أنّ بإمكانه أن يؤطر لمراحل إدارة التوحش خطة أبو بكر، الناجي زمنياً، وكانت تلك هي القاصمة التي قصمت ظهر داعش، وستقصم ظهر أيّ تنظيم، يتجاهل حقائق العالم، ويحلق فقط مع التفكير بالتمني والخضوع للأوهام.

اقرأ المزيد...

الوسوم: