لماذا لم تؤيد إدارة بايدن قرار ترامب حول الاعتراف بالضم الإسرائيلي للجولان؟

لماذا لم تؤيد إدارة بايدن قرار ترامب حول الاعتراف بالضم الإسرائيلي للجولان؟

مشاهدة

16/03/2021

احتلّت إسرائيل هضبة الجولان السورية في حرب حزيران (يونيو) عام 1967، وضمتها عام 1981 في خطوة غير معترف بها دولياً. وفي 25 آذار (مارس) 2019 وقّع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مرسوماً رئاسياً تعترف الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه بأنّ هضبة الجولان السورية المحتلة جزءٌ من دولة إسرائيل، وذلك في تحوّل كبير عن الموقف الأمريكي تجاه الوضعية القانونية لتلك المنطقة.

مجرّد تفهّم لاعتبارات أمنية

قرار ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان جاء بموجب مرسوم رئاسي، ومن الناحية القانونية المرسوم هو أمر رئاسي يصدر دون موافقة الكونغرس، ولا تكون هذه المراسيم ملزمة للإدارة التالية التي تشغل البيت الأبيض؛ إذ يكون للأخيرة القرار في تبنّيها مواصلة العمل بها أو عدم فعل ذلك.

عبّر بلينكن عن تفهّم الإدارة الجديدة للسيطرة الإسرائيلية على الجولان انطلاقاً من اعتبارات أمنية فقط

بناء على ذلك، اتجهت الأنظار إلى وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، ووُجِّهَ إليه السؤال في 8 شباط (فبراير) 2021م، في مقابلة متلفزة مع شبكة "سي إن إن"، حول إذا ما كانت إدارة بايدن ستلتزم بقرار دونالد ترامب بالاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، وكان ردّ بلينكن هو الامتناع عن الإجابة صراحة، وتحدث بدلاً من ذلك عن أهمية المنطقة في هذه المرحلة لأمن إسرائيل، وقال: "من الناحية العملية، أعتقد أنّ السيطرة على الجولان في هذا الوضع تظلّ لها أهمية حقيقية لأمن إسرائيل، الأسئلة القانونية شيء آخر".

جاء تصريح بلينكن (يمين) في مقابلة متلفزة مع شبكة "سي إن إن"

وأضاف موضحاً ماهيّة الاعتبارات الأمنية: "ما دام أنّ الأسد في السلطة في سوريا، وما دام أنّ إيران موجودة في سوريا، فإنّ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران ونظام الأسد نفسه تشكّل كلها تهديداً أمنياً كبيراً لإسرائيل؛ لذلك من الناحية العملية أعتقد أنّ السيطرة على الجولان في هذه الحالة تظل ذات أهمية حقيقية لأمن إسرائيل". وتابع بلينكن: "من الناحية القانونية هذا شيء آخر، لكن بمرور الوقت وإذا تغيّر الوضع في سوريا، فهذا شيء سننظر فيه، لكننا لسنا قريبين من ذلك".

عبّر موقف الإدارة الجديدة عن عودة عمل دولة المؤسسات الأمريكية بتقاليدها الراسخة، والتي تضع في مقدّمة اعتباراتها المصالح الأمريكية

وجاء هذا الردّ الحذر مقابل الحديث صراحة عن قرار الإدارة بالإبقاء على السفارة الأمريكية في القدس، ليؤكد على الامتناع الضمني لإدارة بايدن عن الالتزام بمرسوم ترامب، وهو ما جاء ضمن صيغة تتحدث عن تفهّم السيطرة الإسرائيلية على الجولان انطلاقاً من اعتبارات أمنية فقط، لا من منطلق الاعتراف القانوني بشرعية تلك السيطرة.

اقرأ أيضاً: الجولان بين شرعية دولية و"شرعية" أمريكية

وقد فهم نتنياهو فوراً مغزى تصريح بلينكن، وجاء ردّه مباشرة عليه، عبر بيان صدر عن مكتبه جاء فيه: إنّ "رئيس الحكومة قال هضبة الجولان ستبقى إلى الأبد جزءاً من إسرائيل". وأضاف نتنياهو: "موقف إسرائيل واضح، لن ننسحب من الجولان، وفي أيّ تسوية محتملة فإنها ستبقى إسرائيلية، دون مزيد من التفاصيل".

موقع هضبة الجولان... تطلّ على شمالي فلسطين ومناطق في الأردن ولبنان وسوريا

المصالح الأمريكية أوّلاً

هذا الموقف من قبل الإدارة الجديدة يحمل مضامين عديدة، ويأتي في مقدمتها التعبير عن عودة عمل دولة المؤسسات الأمريكية بتقاليدها الراسخة، والتي تضع في مقدمة اعتباراتها وأولوياتها المصالح الأمريكية قبل أي اعتبار آخر، أمّا سياسة منح العطايا لإسرائيل على الطريقة التي كانت تمارسها إدارة ترامب، فلن تكون متّبعة، حيث إنّ دولة المؤسسات تنظر للمنطقة وصراعاتها بعيون أمريكية لا بعيون إسرائيلية، وإن كان ذلك لا يعني أنّ الولايات المتحدة سوف تتخلى عن دعم حليفتها إسرائيل، والأخذ في الاعتبار هواجسها الأمنية، إلّا أنها سوف تتعامل بتوازن مع بقية الأطراف الإقليمية، وبما يخدم مساعي تحقيق المصالح الأمريكية بعيدة المدى بالمقام الأوّل، بما في ذلك من تفعيل لما درجت عليه من طرح لمشاريع التسوية والسلام في المنطقة.

اختراق في المشهد الانتخابي الإسرائيلي

العلاقة بين بايدن ونتنياهو سيئة، وذلك عائد إلى أسباب عدّة، من بينها علاقة نتنياهو الوثيقة بترامب، إضافة إلى الخلافات حول ملفات عدة من "حلّ الدولتين"، إلى الاتفاق النووي مع إيران. إضافة إلى التباين ما بين نهج الرئيسين؛ إذ يركّز بايدن على ممارسة سياسة تقوم على دعائم المُثل والقيم والأسانيد الشرعية والقانونية، في حين يعمد نتنياهو إلى تبنّي نهج يقوم على الاستناد للقوّة والواقعية الفجّة.

يحمل موقف الإدارة الجديدة رسالة إلى نتنياهو مفادها أنّ سياسة ترامب بمنح العطايا قد انتهت

وإذا كان الرئيس ترامب قد دعم نتنياهو وزاد من رصيده وفرصه الانتخابية عبر ما منحه إياه من عطايا وهدايا؛ منها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وكذلك الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، فإنّ مثل هذا الموقف من قبل إدارة بايدن يهدف إلى تفريغ  إنجاز الاعتراف الأمريكي بإسرائيلية الجولان من مضمونه، وبالتالي تبديد أيّ رصيد حققه نتنياهو من خلاله، وهو ما يأتي ضمن مسعى للدفع باتجاه تحقيق اختراق في المشهد الانتخابي الإسرائيلي، عبر التقليل من أسهم نتنياهو وفرص حزبه في الفوز، وذلك في ظل تصاعد المنافسة والأصوات المعارضة لنتنياهو في إسرائيل.

تعزيز الثقة بالقانون الدولي

ينطوي عدم الالتزام بقرار ترامب بخصوص الجولان أيضاً على رغبة إدارة بايدن بإعادة الاعتبار لمكانة القانون الدولي في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، وذلك تعويضاً عمّا حصل من ازدراء له في عهد ترامب، الأمر الذي ينذر، في حال استمرّ، بعواقب خطيرة، تتمثل في الدفع تجاه وضعية يتحرّر فيها المزيد من الدول والجماعات من القيود والاعتبارات القانونية، وتزداد فيها حالات خرق قرارات الشرعية الدولية، بحيث لا يعود لها قيمة، وبحيث يصبح التعويل فقط على حسابات ومنطق القوّة، ما يعني تفكيك ركن من أركان التنظيم الدولي المعاصر، كما تشكّل وتبلور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو ما يتنافى مع الرؤية الاستراتيجية لدولة المؤسسات الأمريكية.

الاحتفاظ بورقة للمساومة

ودافع آخر وراء عدم الإقرار من قبل إدارة بايدن بمرسوم ترامب، هو الرغبة في إبقاء الجولان ورقة للمساومة من أجل الحصول على تنازلات من قبل الدولة السورية، في حال الخوض في أيّ مفاوضات أو تسويات مستقبلية محتملة، بما في ذلك تسويات يتمّ فيها تحقيق تقارب سياسي مع سوريا، وكذلك تسوية النزاع ومحادثات السلام بين سوريا وإسرائيل، إذ إنّ الاعتراف النهائي الآن بإسرائيليّتها يعني إخراجها من ضمن أوراق أيّ مفاوضات مستقبلية.

يهدف الموقف إلى تبديد أيّ رصيد حققه نتنياهو من خلال إنجاز نيل الاعتراف بإسرائيلية الجولان

ويُضاف هذا الخلاف بين إدارة بايدن وحكومة نتنياهو إلى خلافات أخرى، أبرزها التراجع عن خطة إدارة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وكذلك التوجه نحو العودة للاتفاق النووي الإيراني وفق شروط قد لا تكون تل أبيب راضية عنها.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية