لماذا لم يتسع العالم للجميع؟

لماذا لم يتسع العالم للجميع؟

مشاهدة

01/08/2021

قد يكون من غير الممكن إثبات ما الذي حصل وما الخطأ الذي وقع في بنية الإنسان، فالإنسان يمتلك بنية في غاية التعقيد، ولكن من المؤكد أنّ خطأ ما قد وقع في مكانٍ ما، ومن المؤكد أنّ هذا الخطأ ليس خطأً تكوينياً أو وراثياً، لكنه يحدث لكل طفل يولد في المجتمع الذي يتفق الجميع على أنه غير سليم، هناك خلل يُعاد إنتاجه في كلّ مرةٍ يأتي بها طفلٌ إلى هذا العالم، ومع كل طفل يأتي يزداد العالمُ شقاءً وبؤساً، فكل السبل التي انتهجتها البشرية عبر تطورها، لم تفلح سوى في جعل الخوف والغباء يحددان مصيرنا ويدفعان العالم إلى الجهة المظلمة، على ما يبدو أن السلوك البشري لم يرتقِ بعد إلى المستوى الذي يطمئن فيه الجميع إلى أنّ هذا العالم يتّسع فعلاً، وأنّ الجميع بإمكانهم أن يكونوا سعداء.

 

العنف أصبح مبرراً، حين أصبحت الغايات تبرر الوسائل، إنّ وجود الملكيات ارتبط جملة وتفصيلاً بالطرق المُثلى لاستثمار الخوف

 

في الحقيقة هناك جانب لم يُختبر من الوجود حتى اللحظة، على العكس نحن مازلنا مصرّين على المضي فيما نحن عليه حتى النهاية، وهذه النهاية يبدو أنها أقرب ممّا نتصور؛ إذ إنّ الجانب الذي لم يفكر أحدٌ باختباره هو حرفياً ما قاله "لاوتسو" منذ أكثر عام: "من يربح يخسر ومن يخسر يربح"، لقد حدد هذا الحكيم منذ البداية ما يحدد الوجود وأين يتّجه، فليس الوجود في النهاية ومهما كان شكله سوى المسار الذي شقّته البشرية في رحلتها عبر تاريخ تعيّنها، فالحضارة التي تشكلت عبر عشرة آلاف عامٍ قبل الميلاد وإلى تاريخ اليوم، صيغت بمفردات الملكية وصكوكها، بينما كانت إنسانيتنا الخاسرَ الوحيد في هذه الصفقات، فهي لم تحظَ حتى الآن بفرصة نموّها ونضجها؛ إذ إنّ الحضارات المتعاقبة مازالت تعيد الأسباب التي تأخذ بيدنا نحو الهاوية.

اقرأ أيضاً: هل من أفقٍ للتربية الإعلامية في مجتمعاتنا؟

لقد أعاد "أريك فروم" بعد مرور كل هذا الزمن التفكير بما قاله "لاوتسو"، حين قال: "يمكن لخارطة الطريق أن تنسجم مع الواقع فقط، إلى الحدّ الذي تتحرر فيه ممارسة الحياة من تناقضاتها ولا عقلانيتها"، حيث شكّلت هذه النتيجة زبدة كتابه "التملّك أو الكينونة" فقد انطلق "فروم" من ملاحظة أنّ النزوع البشري اتجاه التملّك هو ظاهرة جمعيّة تأسست ضمن الحقائق والتصورات الاجتماعيّة والاقتصادية للمجتمع، مما دفع ويدفع الأفراد عموماً إلى إغراء تعريف أنفسهم بصفة الامتلاك، وهذا التعريف الذي شكّل النسق التاريخي لوجود الأفراد، هو ما حرم التاريخ نفسه من السلام والارتقاء، حين حرّم على الفرد تجربة قواه النفسيّة الذاتيّة بأصالة، بما في ذلك قوى المنطق والحب والنشاط الفعّال.

اقرأ أيضاً: "إذا لم أسرقه أنا سيسرقه شخصٌ آخر"!

إنّ القوى المضادة التي شكلت التاريخ أصبحت المادة التربوية الدسمة للثقافة، فكلّ أنماط الثقافات القديمة والحديثة شرّعت التنافس والإقصاء، باعتبار الهيمنة هي الدليل الوحيد على قوتها وتماسكها، فهي تمثل الأداة الأهم لحماية الملكيّة ومراكمتها، بمعنى أنّ العنف أصبح مبرراً، حين أصبحت الغايات تبرر الوسائل، إنّ وجود الملكيات ارتبط جملةً وتفصيلاً بالطرق المُثلى لاستثمار الخوف، والذي يمكن أن يُختصر في الخوف السيكولوجي العميق من الخسارة، أيّ خسارة، فالجميع يريد أن يكسب وأن يكسب المزيد، إذ ليس هناك حدّ للتملك، ولكنّ هذا التملّك سيفضي كما أشار فروم إلى أن يتملك الإنسان نفسه.

 

حين قَبل الإنسان أن يكون مُلكاً لما يمتلكه، فقد حريته الوحيدة والفريدة، (حرية أن يكون)، وشرّع من حيث لا يدري أبواب الجحيم على مصاريعها

 

 حين قَبل الإنسان أن يكون مُلكاً لما يمتلكه، فقد حريته الوحيدة والفريدة، (حرية أن يكون)، وشرّع من حيث لا يدري أبواب الجحيم على مصاريعها، لقد أخذ يبحث عن الملاذ في الوصفات العقائدية التي كانت هي المشكلة أساساً، فكل المنظومات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية تنهج نهجاً هرميّاً في تحديد العلاقات وتقييمها، وهذا ما جعل أنظمة التربية تعتمد التراتبيات وتغذيها، كونها الضامن الأقوى للتملك وحمايته، لتصبح النوازع التملكيّة هي ما يحدد قيمة الأفراد، والأفراد لا يستطعيون تعريف أنفسهم خارجها، هذا ما ساهم في انحدار قيم المنطق والعقلانيّة في السلوك البشري، لصالح قيمٍ عقائدية كانت تغطي أخطائها بالهروب إلى الأمام، هذا الهرب المحموم إلى الأمام قلّص فضاء الكينونة الإنسانيّة، والذي لا يمكن للمعنى أن يتأسس من دونه، وحسره إلى الحدود الضيقة للنزعة التملّكية، التي اختصرت الوجود إلى العبث واللامعنى.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح الشأن الخاص مشاعاً في مجتمعاتنا؟

يوماً بعد يوم نحن نرى جيداً ماذا يحلّ بالعالم وأين يتّجه، لقد حددت النزعة التملكيّة بصورةٍ قطعيةٍ منطلقات الوجود وقواعده، كما وظفت الإمكانات الهائلة التي أنتجها العقل، وخلقت ما يسمى بصنّاع الرأي العلمي، لتغذية الجوانب اللاعقلانية في المجتمع، ولكن لم يعد هناك غطاء يمكن أن يخفي ما يحدث، فإذا لم نتعلم أن نخسر أوهامنا عن الوجود، سينتهي بنا الأمر قريباً أن نخسر الوجود، ولابد من الإشارة إلى أنّ استئصال النزوع التملكي لا يعني دعوى إلى الزهد، على العكس، هي دعوى إلى إعادة الأشياء إلى مكانها الوظيفي والمنطقي والانفتاح على العالم، فالإنسان الذي يحدد نفسه بما يملك يخسر نفسه، حين يعتقد أنّ ما يملكه هو ما يمنحه المعنى، علينا التفكير قبل فوات الأوان، بأنّ العالم الذي لم نرضَ عنه يوماً، وربما لم يرض عنه أحدٌ سابقاً، هو  ناتج السلوك البشري المادي والمعنوي، أي ناتج سلوكنا، فالفرصة ما زالت متاحة لإعادة المعنى للوجود، شرط أن يعود الإنسان إلى ذاته.

الصفحة الرئيسية