لماذا وافقت إسرائيل على زيادة عدد القوات المصرية في سيناء؟

لماذا وافقت إسرائيل على زيادة عدد القوات المصرية في سيناء؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
29/11/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

سمحت إسرائيل لمصر بتعزيز أعداد قواتها العسكرية داخل سيناء، وذلك بعد الرفض الإسرائيلي الذي استمرّ لسنوات طويلة، نتيجة القيود التي نصّت عليها معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، والتي ترفض زيادة عناصر الجيش داخل سيناء، لكنّ الموافقة جاءت مؤخراً انطلاقاً من مستوى الثقة بالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وجهوده المتواصلة لنشر الاستقرار في المنطقة.

هناك مؤشرات على تحوّل إستراتيجي آخذ في التطور مع مصر، إضافة إلى وجود رغبة من قبل مصر في الحفاظ على مكانتها كجهة قوية ومهمة في ساحة الشرق الأوسط

 كما أنّ العلاقات الأمنية والعسكرية التي لم تشهد إسرائيل مثيلاً لها من قبل، قد نشأت بسبب تماثل المصالح بين الدولتين وتغييرات تاريخية تقع في الشرق الأوسط، وفوق كلّ هذا ثمة استعداد مصري لعدم إخفاء العلاقات مع إسرائيل، على خلاف ما كان سابقاً، هذا التغيير ينبغي الترحيب به بل واستغلاله لتوجيه العلاقات نحو المسارات السليمة؛ فعلى مدى سنوات طويلة كانت هناك فجوة في العلاقات الأمنية مع مصر، كما أنّ العلاقات السياسية والاقتصادية وغيرها من المجالات الأخرى قد شهدت تراجعاً، ولعلّ أبرز ما يعيق تطور العلاقات بشكل أوسع مع مصر، عداء الاتحادات المهنية والجمهور المصري لإسرائيل، وهذه عوائق يصعب على الرئيس السيسي التغلب عليها في الوقت الحالي؛ فمصر تعاني منذ سنوات من عدم استقرار أمني.

تحوّل إستراتيجي آخذ في التطور مع مصر

 وفي ظلّ حالة التمزق الأمني المحيطة بمصر الدولة ذات العراقة الثقافية والتاريخية، يسعى الإسرائيليون إلى مساعدة مصر من خطر الإرهاب الذي يحيط بها، فهناك العديد من المبادرات الطيبة من قبل مصر ساعدت على تلطيف الأجواء مع الإسرائيليين، وسمحت في تقديم تنازلات في ذلك، فالرئيس المصري لا يعزز التعاون الأمني مع إسرائيل فقط، بل ويساعد إسرائيل على تنفيذ اتفاقيات سلام مع العديد من الدول المجاورة، إلى جانب ذلك هناك خطوات إيجابية من مصر نحو إسرائيل، ومنها اللقاء العلني بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء نفتالي بينيت، وهبوط شركة الطيران المصرية في مطار بون غوريون في إسرائيل، ومن ثم نشر صور جماعية لضباط مصريين وإسرائيليين؛ كلّ هذا مؤشر على تحوّل إستراتيجي آخذ في التطور مع مصر، إضافة إلى وجود رغبة من قبل مصر في الحفاظ على مكانتها كجهة قوية ومهمة في ساحة الشرق الأوسط، والاستعداد لمواجهة تهديدات مستقبلية في البحر المتوسط من جانب قوى عظمى كتركيا، التي تحاول أن تعزو لنفسها مخزونات الغاز التي لم ينقب عنها بعد.

موافقة إسرائيل لمكافحة الإرهاب

موافقة إسرائيل مؤخراً على زياد أعداد الجنود المصريين داخل سيناء، جاءت بناءً على طلب وإلحاح مصري، فالعديد من اللقاءات النصف سنوية التي عقدت بين عسكريين مصريين وإسرائيليين، قُدّمت من خلالها طلبات للقيادة في إسرائيل من أجل الموافقة على مضاعفة أعداد الجنود المصريين، لكن في إطار اللقاء الذي عقد في القاهرة بين السيسي وبينيت، وافقت القيادة السياسية في إسرائيل على الطلب المصري لزيادة القوة العسكرية المصرية في سيناء لمكافحة الإرهاب، والآن، حين تكون لحظة خير غير مسبوقة في العلاقات بين الدّولتين، فعلى إسرائيل أن تشعر بالراحة وتطلب من الرئيس المصري نزع القيود عن علاقات سفيرة إسرائيل في القاهرة، من خلال السماح لها ولفريقها الدبلوماسي بإجراء اتصال مباشر مع محافل مصرية رفيعة المستوى، ووزراء ورؤساء أحزاب ورؤساء جامعات وغيرهم، وهذه من صلاحية الرئيس السيسي وهي ذات طابع إداري أكثر من أن يكون طابعاً سياسياً، في المقابل هناك من يرى أنّ الموافقة الإسرائيلية أتاحت تعزيز العلاقات الجيدة بين الدولتين، لكن هناك من يخشون هذا التحسن في العلاقات بين الجانبين، ويعتقدون أنّ ما قدم للمصريين مقامرة بأمن إسرائيل وقرار مؤقت سيتم التراجع عنه لاحقاً؛ لأنّ على إسرائيل ألّا تتجاهل وتيرة تسلّح الجيش المصري القوية، الذي اشترى في السنوات الأخيرة أفضل الأسلحة الهجومية، من غواصات وطائرات، إلى جانب بناء قواعد عسكرية جديدة، وكلّ هذا سيوجه ذات يوم ضدّنا.

إسرائيل ترى أنّ هناك ضرورة لتبريد الأجواء مع مصر؛ فقد صعد إلى الحُكم في مصر قبل بضع سنوات رئيس من الإخوان المسلمين، فكر بجدّية في إلغاء اتفاق السلام

 لكنّ ما يدفع بإسرائيل إلى تقديم تسهيلات للمصريين المخاطر الواضحة والفورية على إسرائيل من الشمال، لكنّ إسرائيل ترى أنّ هناك ضرورة لتبريد الأجواء مع مصر؛ فقد صعد إلى الحُكم في مصر قبل بضع سنوات رئيس من الإخوان المسلمين، فكر بجدّية في إلغاء اتفاق السلام وهذا يضرّ بإسرائيل، في المقابل مصر ما تزال بعيدة عن القضاء على الإرهاب داخل أراضيها، فقد أعلن الرئيس السيسي قبل عام، وبشكل علني، وجود ما يقرب من 20 ألف جندي مصري في سيناء.

مصر قدمت نوايا طيبة

إنّ الزيادة التي تطلبها مصر ستوسع من خلالها عدد الجنود قرب الحدود مع إسرائيل، ويقيد اتفاق السلام بين الطرفين اقتراب أيّ من الجنود المصريين للحدود، كما أنّ الاتفاق يقيّد نوعية السلاح الموجود داخل سيناء، لكنّ موافقة إسرائيل على تجاوز بعض البنود المتفق عليها في معاهدة السلام تأتي لاستباق المفاجآت في المستقبل، فهناك العديد من الخطوات الإيجابية التي يحركها السيسي، تقوم على أساس مصالح مشتركة للدولتين؛ مثل مكافحة الإرهاب الإسلامي الذي تنفّذه أذرع داعش في سيناء، والنتائج تبرز أنّ مصر قمعت جزءاً كبيراً من قدرات داعش، وحجبت قدرات هذا التنظيم على تنفيذ هجمات واسعة ضدّ أهداف مصرية، كما أنّ الرئيس السيسي يحاول الاقتراب من إدارة بايدن، فقرار إلغاء قوانين الطوارئ الموجودة في مصر هي بادرة طيبة من قبل مصر للإدارة الأمريكية، وإسرائيل لها دور مؤيد لذلك من خلف الكواليس. لا شكّ في أنّ إدارة بايدن علقت مبلغاً كبيراً من المساعدات المخصصة لمصر، لكنّ هذا الأمر ربما يتم الرجوع عن تنفيذه بسبب مساعي مصر ترميم العلاقات مع إدارة بايدن، ومن الخطوات الإيجابية السماح للولايات المتحدة بإجراء مناورة تحت اسم "النجم اللامع" على الأراضي المصرية، يضاف إلى ذلك إجراء وزير الخارجية المصري، سامح شكري، حواراً في قضايا مهمة مع وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في واشنطن، ومساعي مصر لتحقيق تسوية بين إسرائيل وغزة، كما أنّ مصر وإسرائيل تتشاركان معاً لإقامة إطار للبحر المتوسط يكون ذا جانب اقتصادي متعلّق بالطاقة، وهذا متعلق بلقاءات القمة بين إسرائيل واليونان وقبرص حول منتدى غاز شرق البحر المتوسط، الذي تعدّ مصر وإسرائيل عضوتين فيه ويستهدف لجم تطلعات أردوغان الإقليمية.

الحدود بين الجانبين آمنة

يرجّح خبراء عسكريون إسرائيليون أن يزول القلق المتراكم بعد حرب الغفران يوماً بعد الآخر، فالحدود مع مصر أصبحت مثل الحدود مع الأردن هادئة وصامتة من ناحية أمنية، ما يسمح للجيش الإسرائيلي بسهولة فحص وصيانة الخط الفاصل دون أيّ خطر، كما أنّه وفي أعقاب حرب الغفران، أقسم حسني مبارك، قائد سلاح الجو في الحرب والرئيس المصري السابق، بأنّه لن تكون هناك حرب أخرى مع إسرائيل، فالثمن الباهظ الذي قدمته مصر خلال الحرب كان مرتفعاً، وقد أوفى مبارك بقسمه وحافظ خلال الثلاثين سنة من رئاسته لمصر على السلام البارد مع إسرائيل، رغم الأزمات التي نشبت خلال هذه الفترة بين الجانبين، لم يدخل الجيش المصري إلى سيناء واحترم اتفاق التجريد من السلاح.

 إسرائيل ترى أنّ هناك ضرورة لتبريد الأجواء مع مص

 لكنّ الخوف خلال عهد حُكم مبارك ظهر عندما بدأت خلايا إرهابية في شمال سيناء تولد؛ فالحديث كان يدور عن عناصر من تنظيم القاعدة وصلوا للمنطقة وجنّدوا شباباً من بدو سيناء، صحيح أنّ معظم العمليات تمت ضدّ الجيش المصري في سيناء وداخل مصر أيضاً، لكنّ إسرائيل شهدت هي الأخرى أحداثاً على الحدود وإطلاق صواريخ على إيلات، إلى جانب تفجيرات متواترة لأنبوب الغاز، وثمّة أنفاق بين غزة وسيناء تدفقت من خلالها مواد قتالية وسلاح وعبوات ناسفة، يضاف إلى هذا التهديد الذي فتح في عهد مبارك، صعود جماعة الإخوان المسلمين للحكم وانتخاب محمد مرسي رئيساً، علاقات الصداقة بين مرسي ورجاله وقيادة حماس في غزة والزيارات المتبادلة أثارت قلقاً شديداً في إسرائيل، وتعاظم هذا أكثر فأكثر حين ألمح مرسي بنيته إعادة النظر في الملحق العسكري لاتفاق السلام وإدخال الجيش المصري إلى سيناء.

إطاحة السيسي حكمض الإخوان

يتركّز خطر حركة الإخوان المسلمين في دمج فكرها الظلامي مع قدرتها على إظهار وجه معتدل، وإقناع الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين بمساعدتها على التموضع في الحُكم، فسياسة مصر المسؤولة تعاني تجاهل بعض الأمريكيين والأوروبيين، هؤلاء الذين لا يريدون حُكم السيسي بدعوى أنّه نظام عسكري يعاني من نقص احترام حقوق الإنسان، وهم يتنكرون لنزعتهم التطهيرية ولحقيقة أنّ البديل الحقيقي الوحيد في القاهرة هو الإخوان، الذين سيغرقون مصر بالقمع وسيدفعون دولاً أخرى في المنطقة إلى مناهضة أمريكا، فعندما ضغطت كونداليزا رايس على إسرائيل للسماح للفرع الفلسطيني من الإخوان المسلمين للمشاركة في انتخابات (2006) سيطرت حماس على غزة، أما اليوم فإنّ وجود الجيش الإسرائيلي وحده هو الذي يمنع سيطرتها على الضفة الغربية أيضاً، لقد تجاهل أوباما مبارك وأتاح سيطرة ديمقراطية للإخوان المسلمين في القاهرة، أما السيسي فلم ينقذ مصر وحدها عام 2013؛ بل أنقذ الأردن وإسرائيل والولايات المتحدة أيضاً، لكنّ عبد الفتاح السيسي نجح في إزالة هذه التهديدات، بعد أن تمكّن من الوصول إلى الحُكم في مصر، بعد تنحي مبارك وإطاحة حُكم الإخوان المسلمين، ومنذ ذلك الوقت يواصل السيسي تصفية نشطاء الإرهاب في شمال سيناء المسؤولين عن موت مئات الجنود المصريين، ومنذ بداية هذه الحملة تقدم إسرائيل مساعدتها لمصر بالمعلومات، بل وسمحت لمصر بإدخال عناصر من الجيش لمكافحة الإرهاب في سيناء، وكجزء من التعاون بين الجيشين كلّف الرئيس المصري كتيبتين، منذ المراحل الأولية من المعركة، بإحباط نار الصواريخ والمقذوفات الصاروخية نحو إيلات، وبالتوازي عمل على سدّ معظم الأنفاق التي ربطت بين غزة وسيناء، وذلك للقضاء على الإرهاب، حتى إن لم تتمّ تصفيته بشكل كامل، إلى جانب تعمّق التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.israelhayom.co.il/opinions/article/5705169/



الصفحة الرئيسية