لماذا يتهاوى تقدير الأكاديمي العربي لذاته؟! 

لماذا يتهاوى تقدير الأكاديمي العربي لذاته؟! 

مشاهدة

02/03/2021

لعقود عديدة مضت، برع الأكاديمي العربي في إحاطة نفسه بهالة من الوقار والأناقة والسلطة، إلى درجة أنّ غير قليل من الأصوات قد تعالت، لمطالبته بضرورة النزول من برجه العاجي إلى الشارع والانخراط في القضايا اليومية للناس. ورغم أنّ بعض الأكاديميين العرب، مثل طه حسين، قد بادروا للانخراط في الهمّ العام من خلال الصحافة وأبلوا على هذا الصعيد بلاء حسناً، إلا أنّ الغالبية الغالبة منهم ظلت متمترسة في مكاتبها وقاعاتها ومؤتمراتها المتخصصة وندواتها النخبوية. بل إنّ هذه الغالبية الغالبة ظلت تنظر بعين الريبة لكل أكاديمي يتجرّأ على نشر مكتوبه خارج إطار الكتب الرصينة والمجلاّت العلميّة المحكّمة. 

بزغ عصر وسائل التواصل الاجتماعي فالتحق به الأكاديميون العرب على حذر شديد ثم سرعان ما انخرطت أغلبيتهم الغالبة في شؤون وشجون هذه الوسائل

لكن مستهل الألفية الثالثة، شهد خروجاً ملحوظاً على هذا التزمّت الأكاديمي غير المبرّر، وراحت الفضائيات والمجلات العامة والصحف اليومية، تستقطب مزيداً  من الأكاديميين، جرّاء اتجاه بعض الأقطار العربية إلى توسيع هوامش حرية التفكير والتعبير، وجرّاء استشعار بعض الأكاديميين لواقع تدني مستويات العيش والحقوق العامة. ولم يكد العقد الأول من الألفية الثالثة ينقضي، حتى بزغ عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فالتحق به الأكاديميون العرب على حذر شديد، ثم سرعان ما انخرطت أغلبيتهم الغالبة في شؤون وشجون هذه الوسائل، وتخلصوا من ربطات أعناقهم، وخاضوا في جُلّ ما خاض به مجتمع فيسبوك وتويتر وواتسآب. 

ومع أنّ هذا الانفتاح غير المسبوق على البوح والمشاركة والتفاعل، قد أسهم إلى حد بعيد في هدم الجدار النفسي السميك الذي كان يفصل الأكاديمي العربي عن محيطه الاجتماعي، ومع أنّ غير قليل من صفحات الأكاديميين العرب في مواقع التواصل الاجتماعي تمثل منابر ثقافية رفيعة، إلا أنّ رغبة كثير من الأكاديميين العرب في منافسة نشطاء هذه المواقع على صعيد حصد الإعجابات والتعليقات، أدت بهم إلى حرق رصيدهم من الرزانة والمصداقية، جرّاء إقدامهم على إدراج كل ما يمكن إدراجه من بديهيات العمل الأكاديمي بوصفها ضروباً من الإنجازات الباهرة التي تستحق التهليل. ومما زاد ويزيد الطين بلّة، أنّ صفحات هؤلاء الأكاديميين تضم كثرة من الأصدقاء والتلاميذ البسطاء الذين لا يدخرون وسعاً للثناء على ما يعتقدون أنّه خارق للعادة. 

اقرأ ايضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات

وحتى لا يعتب علينا عاتب؛ فإنّ إقدام الأكاديمي على إدراج كتبه أو مقالاته أو مشاركاته في الملتقيات العلمية المرموقة أو أخبار فوزه بهذه الجائزة أو تلك من الجوائز الرفيعة، يُعدّ سلوكاً حميداً ومطلوباً دون ريب؛ لأن مثل هذه الإدراجات تسهم في تعريف القارئ العام بإنجازات الأكاديميين اللامعين. لكن الإدراجات التي نتحفّظ عليها، وقد تكاثرت كثرة مفرطة، حتى صارت تنذر بوجود اختلال في تقدير الذات لدى الأكاديمي العربي؛ تتمثّل أولاً في الأخبار الخاصة بنشر البحوث في مجلات علمية هزيلة، ثم تتمثل ثانياً في نشر الأخبار الخاصة بعضوية هيئات تحرير المجلات العلمية الهزيلة أيضاً، ثم تتمثل ثالثاً في نشر صور المشاركة في مؤتمرات وندوات هزيلة! والطريف في الأمر أنّ من يدرجون هذه الإنجازات الدونكيشوتية، هم أعلم الناس بأنها لا تساوي شيئاً في عالم الأكاديميا الحقيقي، ومع ذلك فهم لا يتوقفون عن تكرار الشعور بالسعادة الطاغية جرّاء ما تأتي به أخبار هذه الإنجازات في صفحاتهم، من مباركات ومؤازرات التلاميذ والمتابعين البسطاء.

شتّان ما بين أكاديمي يكتم إنجازاته ولا يكاد يبوح بها إلا لمن يقدّرها حق قدرها، وبين أكاديمي يقيم الدنيا ولا يقعدها لأنه تلقّى كتاب شكر من ناد ثقافي مغمور !

لكن رابعة الأثافي التي دفعتنا دفعاً لسكب ما في أفواهنا من ماء محبوس، تمثّل مؤخراً بقبول الأكاديميين المعنيين، بأن يكونوا وسائل دعائية مجانية للعديد من الهيئات والمؤسسات الثقافية والعلمية والإعلامية الصوريّة، التي اكتشف القائمون عليها مدى ولع الأكاديميين بالحصول على شهادات التقدير، حتى لو كانت مقدّمة من جهات لم يسمع بها أحد. وهكذا ؛ فقد راحت أخبار الحصول على مثل هذه الشهادات البائسة تملأ فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، وأنكاها على الإطلاق، تلك التي تنص بلغة ركيكة، على اختيار هذا الأكاديمي أو ذاك، بوصفه شخصية فاعلة ومؤثرة اجتماعياً وثقافياً على امتداد الوطن العربي! وهي شهادات تجارية مكشوفة القصد والغاية، ولا تكاد تختلف شكلاً أو مضموناً، عن تلك المنشورات مدفوعة الأجر مسبقاً، والتي تضم سِيَر حفنة من رجال الأعمال والسياسة والأكاديميين المشاهير !

اقرأ أيضاً: الحاجة إلى الأكاديمي المثقف، لا إلى الأكاديمي الصنم!

ولولا أنّ الحرج يمنعنا من الاسترسال في استعراض ما آل إليه حال كثير من الأكاديميين العرب، على صعيد استمراء تلقي الثناء مقابل إنجازات لا تسمن ولا تغني من جوع، لاستطردنا في التعداد. لكن ثقتنا بارتفاع منسوب تقدير الذات لدى عدد غير قليل من الأكاديميين العرب، يمنحنا الحق في الاعتقاد بأنّ الأكاديمي العربي الذي فقد كثيراً من مصداقيته، جرّاء انغماسه في ألعاب العلاقات العامة، لا بد أن يستيقظ ويستعيد توازنه واحترامه لذاته؛ فشتّان ما بين أكاديمي يكتم إنجازاته ولا يكاد يبوح بها إلا لمن يقدّرها حق قدرها، وبين أكاديمي يقيم الدنيا ولا يقعدها لأنه تلقّى كتاب شكر من ناد ثقافي مغمور !

الصفحة الرئيسية