لماذا يحمل مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟

لماذا يحمل مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟
14170
عدد القراءات

2019-06-17

من الواضح أنّ حركة الملاحة في الخليج العربي باتت غير مطمئنة، نظراً لعمليات استهداف ناقلات النفط التي وصلت إلى عمليتين في شهر واحد أصابت ست ناقلات بترول، وهو أمر يثير القلق العالمي، واذا أضفنا لعمليات التخريب التهديدات الإيرانية المستمرة بإغلاق مضيق هرمز ومنع الملاحة الدولية فيه، فنحن، ولا شك، أمام أزمة عالمية وشيكة، كل أصابع الاتهام تشير إلى أنّ إيران تقف وراء هذه الأزمة، من أجل ابتزاز العالم لرفع العقوبات عنها.

حركة الملاحة في الخليج العربي باتت غير مطمئنة بعد عمليات استهداف ناقلات النفط الأخيرة

إنّ تهديد رئیس هیئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، لا يمكن غض الطرف عنه، بل هو أحد مظاهر الأزمة الحالية في الخليج العربي، فقد هدّد قائلاً بتصريح صحفي: "إذا لم یمرّ نفطنا عبر مضیق هرمز فلن یمرّ نفط الدول الأُخری أيضاً عبر المضیق".
تهديدٌ متكرر بإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران، فكلما توترت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، ولاحت نذر المواجهة بينهما تعلن طهران أنّ مضيق هرمز لن يكون آمناً إذا تعرّضت لهجوم، وأنّها قادرة على إغلاقه متى شاءت، وعلى الرغم من عدد الدول التي تطل على الخليج إلا أنّ إيران وحدها التي دائماً تهدد بإغلاقه.

إيران وحدها التي دائماً تهدد بإغلاقه
هل يحمل مضيق هرمز كل هذه الأهمية؟
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن، وهو من أهم عشرة مضائق وأكثرها اهتماماً من قِبل دول العالم الذي يحتوي على 120 مضيقاً تتوزع عبر مياهه ومحيطاته، وهذه المضائق العشرة هي: فلوريدا، دوفر، ساجدات، موزمبيق، باب المندب، جبل طارق وملقة، ولومبورك، ولوزون، والبوسفور والدردنيل، إضافة لمضيق هرمز، وعرفت هذه المضائق بأهميتها الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية.

تهديد رئیس هیئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية لا يمكن غض الطرف عن علاقته بالاعتداءات على الناقلات

وهرمز له أهمية إستراتيجية واقتصادية وتجارية كبرى، وبصفة خاصة لدول الخليج العربى ودول الشرق الأوسط عموماً، وهو بمثابة الرئة التي تتنفس من خلالها دول الخليج؛ لأنه المنفذ البحري الوحيد لعدة دول وهي: العراق، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة.
ويقع "هرمز" في منطقة الخليج العربي فاصلاً ما بين مياه الخليج العربي من جهة ومياه خليج عُمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، وتطل عليه من الشمال إيران (محافظة بندر عباس) ومن الجنوب سلطنة عمان (محافظة مسندم) التي تشرف على حركة الملاحة البحرية فيه باعتبار أنّ ممر السفن يأتي ضمن مياهها الإقليمية.

اقرأ أيضاً: مضيق هرمز وإيران: تهديد بالحرب أم محاولة انتحار؟
ويضمّ المضيق عدداً من الجزر الصغيرة غير المأهولة أكبرها جزر قشم الإيرانية ولاراك وهرمز، إضافةً إلى الجزر الثلاث المتنازع عليها بين إيران والإمارات (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، ويبلغ عرضه 50 كم (34 كم عند أضيق نقطة) وعمقه 60م فقط، ويبلغ عرض ممرّي الدخول والخروج فيه ميلين بحريّين (أي 10,5كم).
حوالي أربعين في المئة من الإنتاج العالمي من النفط يمر عبر مضيق هرمز

الأهمية الاقتصادية والتجارية
1 - مع اكتشاف النفط ازدادت أهمية المضيق الاقتصادية، فحوالي أربعين في المئة من الإنتاج العالمي من النفط يمر عبر مضيق هرمز نظراً للاحتياطي النفطي الكبير بالمنطقة العربية؛ فالمضيق يربط بين أكبر مستودع في العالم وأكبر سوق.
2-  تعبره من 20-30 ناقلة نفط يومياً بمعدّل ناقلة كل ست دقائق في ساعات الذروة، محمّلة بنحو 40% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم.
3-  تعتبر اليابان من أكبر دول العالم استيراداً للنفط عبر هذا المضيق، وفي حالة غلقه فإنّ العالم سيحرم من منتجات هذه الدولة التكنولوجية المتطورة.

اقرأ أيضاً: التهديد بإغلاق مضيق هرمز والمغالطة المقصودة.. هذا ما تريده إيران
4-  22% من السلع الأساسية في العالم (الحبوب وخام الحديد والإسمنت) تمر عبر هذا المضيق.
5-  المملكة العربية السعودية تصدر 88% من إنتاجها النفطي عبر المضيق، بينما تصدر العراق 98% من إنتاجها النفطي عبره، والإمارات بنسبة 99%.
مضيق هرمز وتاريخ من المواجهات الدامية
ظهر اسم مضيق هرمز بقوة في الثمانينيات، خلال حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، فيما عُرفت تاريخياً بـ"حرب الناقلات"، عندما تبادلت الدولتان أولاً مهاجمة الموانئ النفطية لكل منهما في الخليج وأغرقتا 250 ناقلة نفط عملاقة.
في التسعينيات، أدت الخلافات بين إيران والإمارات بشأن السيطرة على عدة جزر صغيرة داخل مضيق هرمز إلى مزيد من التهديدات لإغلاق المضيق، وبحلول العام 1992، احتلت إيران هذه الجزر، لكن التوترات ظلت قائمة في المنطقة خلال التسعينيات.
وفي كانون الأول (ديسمبر) العام 2007 قالت الولايات المتحدة إنّ الزوارق الإيرانية هددت سفنها الحربية بعدما اقتربت من ثلاث سفن تابعة للبحرية الأمريكية في المضيق.

كلما توترت العلاقة الأمريكية الإيرانية تعلن طهران أنّ مضيق هرمز لن يكون آمناً إذا تعرّضت لهجوم

وفي حزيران (يونيو) 2008، قال قائد الحرس الثوري الإيراني، وقتها محمد علي جعفري، إنّ إيران ستغلق المضيق إذا تعرضت للهجوم، في محاولة لإلحاق الضرر بأسواق النفط العالمية، وردّت الولايات المتحدة بأنّ أي إغلاق للمضيق سيُعامل كعمل حربي.
في تموز (يوليو) 2010، تعرضت ناقلة النفط اليابانية "إم ستار" لهجوم في المضيق، وأعلنت جماعة متشددة تعرف باسم "كتائب عبدالله عزام"، والتي لها صلة بالقاعدة، مسؤوليتها عن الهجوم، مع تأكيد عدة تقارير أنّ فلول تنظيم القاعدة ظلت في حماية طهران داخل الأراضي الايرانية منذ 2002 حتى الآن!
عادت إيران لتهديداتها المتكررة في كانون الثاني (يناير) 2012، إذ هدّدت بإغلاق مضيق هرمز رداً على عقوبات أمريكية وأوروبية استهدفت إيراداتها النفطية في محاولة لوقف برنامجها النووي، وفي أيار (مايو) 2015، أطلقت سفن إيرانية طلقات صوب ناقلة ترفع علم سنغافورة، قالت طهران إنّها دمرت منصة نفطية إيرانية، مما دفع الناقلة للفرار.

اقرأ أيضاً: كم مرة هددت إيران بإغلاق "هرمز"؟!
وفي تموز (يوليو) 2018، ألمح الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى أنّ بلاده قد تعطّل مرور النفط عبر مضيق هرمز رداً على دعوات أمريكية لخفض صادرات إيران من الخام إلى الصفر، وهو ما كرره قائد بالحرس الثوري.
إيران؛ هي أكبر الخاسرين من غلق مضيق هرمز

المتضررون من إغلاق المضيق
أولاً: إيران؛ هي أكبر الخاسرين من غلق مضيق هرمز، كونها تعتمد عليه في تصدير النفط الخام إلى دول آسيا، خاصة الصين واليابان أكبر المستوردين منها.
ثانياً: الصين التي تعتبر الشريك التجاري الأول والأكبر مع إيران على مستوى العالم؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بينهما 45 مليار دولار العام 2011، بزيادة بلغت 55% عن العام 2010، وتستورد الصين نحو 21% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية بمعدّل 2.2 مليون برميل نفط، وتحاول اليوم إحلال السلام في المنطقة حرصاً على مصالحها الاقتصادية.

ظهر اسم مضيق هرمز بقوة في الثمانينيات خلال حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران

ثالثاً: دول الخليج العربية؛ فالمملكة العربية السعودية تتضرّر صادراتها من النفط الخام المحمول بحراً بنسبة 88% إلا أنّ لها منافذ أخرى تستطيع التعويض عبرها وهي على بحر العرب والبحر الأحمر، أمّا الأكثر تضرّراً فهي دولة الكويت وقطر والبحرين، أما الإمارات العربية المتحدة فبادرت-بعد انتهاء خط الأنابيب الذي افتتحته مؤخراً- إلى ضخّ نفطها عبره، إلا أنّها مازالت تحتاج لمياه المضيق.
رابعاً: بعض دول أوروبا مثل؛ (إيطاليا، وإسبانيا، واليونان)؛ لأنّها تستورد النفط الإيراني بالائتمان، بعد أن توقّفت روسيا عن تصديره إليها بسبب تجميد اتفاق تعاون عسكرى بين البلدين (اليونان وروسيا)، ويبلغ إجمالي ما تستورده الدول الأوروبية من النفط الإيراني 450 ألف برميل يومياً؛ أي بنسبة 18% من إجمالي الصادرات الإيرانية البالغة 2.7 مليون برميل يومياً.
فهل سيتجه العالم لإيجاد بديل لهذا الممر المائي المهم، أم سيعمل العقلاء على تهدئة أجواء الحرب وضمان سلامة الملاحة فيه؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة القادمة بالتأكيد.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



استنساخ نموذج الحرس الثوري: كيف عملت إيران على تصدير ثورتها؟

2020-02-22

قدمت الثورة في إيران نفسها، بعد استكمالها عام 1979، باعتبارها منهية لعهد من الحكم العلماني المرتبط بالغرب، ولم ترَ اقتصارها على حدود إيران، وإنما متعدّية بالضرورة لعموم العالم الإسلامي، وفق هذه الرؤية؛ تشكّل مبدأ "تصدير الثورة"، تحول المبدأ إلى مشروع مع الانتقال إلى مرحلة الترجمة والتطبيق، مع عدم اتخاذ شكل ونموذج محدد في البداية، حتى بدت حادثة مثل اغتيال السادات، عام 1981، لوهلةٍ باعتبارها أحد تمثّلاته، لكن سرعان ما اتجهت الأمور نحو اتخاذ شكل ونموذج محدد، وصار معتمداً، وما يزال.

توجه المعارضون لنظام الشاه إلى لبنان منذ أعوام ما قبل الثورة وبدؤوا في نسج العلاقات هناك

مع نهاية الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، لم يكن بإمكان قيادات الثورة الاعتماد بعدُ على الجيش الإيراني، باعتبار أنّ نسبة من قادته كانوا ما يزالون على ولاء وارتباط بالشاه المنفي خارج البلاد، عدا عن عدم التأكد من ولائهم وتشرّبهم لعقيدة الثورة، فجاء تأسيس تنظيم "الحرس الثوري" كقوّات نخبوية مهمتها حماية الثورة، اليوم تصل تقديرات عدد أعضائه إلى مئة وخمسة وعشرين ألف مقاتل، وهو لا يقتصر على كونه تنظيماً عسكريّاً؛ إنما هو منظمة استخباراتية، وتكتل صناعي واقتصادي أيضاً.

جاء تأسيس تنظيم "الحرس الثوري" كقوّات مهمتها حماية الثورة

منذ وصول الثورة إلى الحكم وتأسيس الجمهورية الإسلامية، كان تفكير القيادة يتجه نحو تصدير الثورة عبر الحدود، وتشكّل الاعتقاد لدى قادة الثورة بأنّ ثورتهم مهددة في الداخل ما لم تجد لها امتدادات في الجوار، واتجه التفكير نحو مواجهة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ودعم الحركات المناوئة للأمريكيين، باعتبار أنّ الثورة قامت ضدّ حكم الشاه، الحليف الأكبر للولايات المتحدة، وارتبطت مهمة تصدير الثورة بالحرس الثوري، الذي سرعان ما نشط في عدد من بلدان الجوار، وبادر لتأسيس ودعم عدد من التنظيمات المشابهة لتكوينه والمتقاربة مع عقيدته وتوجهاته، والمؤمنة بالثورة الإسلامية وقيادتها.
في العراق
قاد الحرس الثوري الإيراني المواجهات المسلحة، بعد اشتعال جبهات القتال مع الجارة العراق، عام 1980، لكنّ المواجهة في هذه الحرب لم تكن فقط بين مقاتل عراقي ومقاتل إيراني، وإنما استطاع الحرس الثوري أن يضع العراقي في مواجهة العراقي أيضاً، وذلك مع مبادرة الحرس الثوري لتجنيد وتدريب وتسليح مقاتلين عراقيين لمواجهة الجيش العراقي، وليبدأ بذلك تأسيس تشكيلات مسلحة عراقية مرتبطة بالثورة الإسلاميّة وقيادتها، تقدم الولاء المطلق لمرشدها الأعلى، وهو النموذج الذي سيتكرر ويمثل الشكل الأمثل لتصدير الثورة إلى خارج إيران، عبر الأعوام والعقود اللاحقة.

شكّلت الثورة الإسلاميّة، وما تزال، مصدر إلهام لمؤسسي وقادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين التي تأسست 1981

عام 1981؛ تأسست في الأحواز معسكرات "الشهيد الصدر" لتضمّ مقاتلين من حزب "الدعوة الإسلامية" العراقي، وتأسس معها ما عرف بـ "قوات الشهيد الصدر". وتحقيقاً لغاية تصدير الثورة إلى العراق تأسس في إيران "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي"، في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1982، لتكون مهمته إدخال الثورة الإسلامية إلى العراق وخلافة نظام صدام حسين بعد الإطاحة به.
وعام 1983؛ أشرف الحرس الثوري الإيراني على تأسيس تنظيم آخر، حمل اسم "فيلق بدر"، ليقوم بعمليات عسكرية داخل العراق ضدّ الحكومة العراقية، بإشراف وتخطيط من الحرس الثوري الإيراني.

محمد باقر الحكيم مشاركاً في أحد المحافل بإيران

كانت أعوام الحرب العراقية - الإيرانية الثمانية بداية التأسيس للتنظيمات المسلحة الشيعية العراقية المرتبطة بالحرس الثوري، وبعد الحرب استمر احتضان ودعم هذه التنظيمات، وبدأت مرحلة جديدة مع الإطاحة بالنظام العراقي السابق والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

اقرأ أيضاً: هل باتت ميليشيا الحوثي الأداة المفضلة لـ"الحرس الثوري"؟!
أشرف الحرس الثوري على تأسيس ميليشيات جديدة مستفيداً من حالة تفكك وانهيار الدولة العراقية مع زوال المؤسسات العسكرية والأمنية للنظام السابق، ومن أبرز التنظيمات العراقية المسلحة المرتبطة بإيران التي تأسست في مرحلة ما بعد 2003، تنظيم "كتائب حزب الله العراق"، الذي قدم الحرس الثوري له كافة أشكال الدعم؛ من التمويل والتسليح والتدريب، وترأّس التنظيم منذ تأسيسه وحتى اغتيال العضو في الحرس الثوري "أبو مهدي المهندس"، مطلع العام الحالي.
وعام 2006؛ تأسست منظمة "عصائب أهل الحق"، بقيادة قيس الخزعلي، بعد انشقاقه من جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر، إثر معركة جيش المهدي ضد القوات الأمريكية، عام 2004، وتتلقى العصائب التدريب والسلاح من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

اقرأ أيضاً: تحليل: الملالي والحرس الثوري وكفاح إيران من أجل العملة الصعبة
وإثر تمدّد تنظيم داعش، واحتلاله ثلث مساحة العراق، عام 2014، بدأت تكتسب هذه التنظيمات صفة رسميّة مع تشكيل قوات "الحشد الشعبي" لمواجهة التنظيم الإرهابي، وتألفت هذه القوّات من سبعة وستين فصيلاً، وجاء تشكيلها بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيستاني، المرجع الأعلى في النجف، وفي عام 2016؛ اكتسبت هذه القوات الصفة الرسمية مع إقرار البرلمان العراقي قانون هيئة الحشد الشعبي، في خطوة رأى البعض حينها أنّها جاءت بدفع وضغط من إيران وحلفائها في العراق، وهكذا، كما في إيران، بات هناك في العراق قوّات عسكريّة شبه نظاميّة، تكتسب نفوذاً وقوّة تزاحم القوّة الرسمية للدولة الممثلة بمؤسسة الجيش.

بدأت التنظيمات العراقية المرتبطة بالحرس الثوري تكتسب صفة رسميّة

في لبنان
سعت الثورة الإسلامية للتمدّد باتجاه الخارج، ولكن ذلك كان متعذراً، إلى حدّ ما، في البلدان المستقرة، فاتجه تركيز الجهود نحو البلدان التي تداعى فيها الاستقرار وتراخت فيها سيطرة الدولة المركزية، وهو ما توافر في لبنان بشكل مثاليّ، مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، عام 1975؛ حيث نشطت فيها التنظيمات المسلحة من مختلف الخلفيات والتوجهات، وكان المعارضون لنظام الشاه الإيراني قد اختاروا التوجه إلى لبنان منذ أعوام ما قبل الثورة، وانخرط كثيرون منهم في معسكرات تدريبية، وبالتحديد مع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وبدؤوا في نسج العلاقات هناك منذ ذلك الحين.

اقرأ أيضاً: الأطفال في إيران وسوريا وقود لأيديولوجيا الحرس الثوري
بعد انتصار الثورة في إيران تعززت الجهود، وبدأ الحرس الثوري يكثّف جهوده بشكل فعلي من أجل تصدير الثورة عبر تأسيس ودعم تنظيمات مماثلة، وهنا برز دور أسماء قيادية، مثل محمد منتظري، أحد أبرز قادة ومهندسي الحرس الثوري، والذي أقام لأعوام في لبنان، وتمتّع بصلات واسعة مع قادة الشيعة في لبنان، وعموماً مع تنظيمات ما عرف بـ "الحركة الوطنية اللبنانية"، وكذلك، اللواء مصطفى تشمران، أول وزير دفاع للجمهورية الإسلامية (1979-1980)، وقائد الحرس الثوري الإيراني في مرحلة التأسيس، والذي أقام في جنوب لبنان فترة قبل الثورة الإسلامية، وكان له دور أساسي في تأسيس "حركة المحرومين" بالتعاون مع موسى الصدر، عام 1975، وكذلك تأسيس الفرع العسكري لها، حركة "أمل"، قبل أن يعود إلى إيران بعد الثورة وينخرط في قيادة وتدريب عناصر الحرس الثوري.

اللواء مصطفى تشمران: دور مركزي في تأسيس "حركة المحرومين"

مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، عام 1982، تسارعت وتيرة الجهود الإيرانية، في ظلّ تصاعد التنظيم العسكري بهدف مقاومة الاحتلال، وتعزز النشاط العسكري بشكل خاص بين المجموعات الشيعية، وهنا برز دور أسماء مثل جلال الدين الفارسي، الذي كان قد غادر رفقة مجموعة من المعارضين الايرانيين إلى لبنان منذ السبعينيات، وتلقوا التدريبات في معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية، كما كان مقرباً من حركة أمل قبل أن يقع الخلاف بينه وبينها؛ بسبب ما كان يطلبه من زيادة توجه الحركة نحو الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي وهو ما كانت لا تبدِ اندفاعاً تجاهه، وهنا اتجه العمل باتجاه المساهمة في تأسيس النواة للتنظيم الذي سيشهر ويعرف لاحقاً باسم "حزب الله".

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
وهنا، برز اسم "علي أكبر محتشمي"؛ الذي أقام شبكة من العلاقات مع ناشطين سياسيين من شيعة بيروت ومنطقة البقاع، وكان له الدور الأهم في مهمة تأسيس حركة حزب الله، وهو وزير الدفاع لجمهورية الإسلامية في الفترة (1985-1989)، وأشرف على أولى العمليات التي شنّها حزب الله قبل الإعلان عن تأسيسه، عام 1985، بما في ذلك الهجوم على السفارة الأمريكية في بيروت، عام 1983.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري العراقي"
وجاء اتفاق الطائف، عام 1989، ليطالب بنزع السلاح من جميع التنظيمات اللبنانية، إلا أنّ حزب الله رفض ذلك وقدّم سلاحه باعتباره مقاومة تهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبلاد، وبعد انسحاب "إسرائيل" من جنوب لبنان، عام 2000، قاوم الحزب الضغوط المطالبة بنزع سلاحه، وكانت الحجة استمرار الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا، والمناطق الحدودية المتنازع عليها، وطيلة أعوام نشاطه، التزمت إيران بتزويد الحزب بالمساعدات المالية والتدريب والسلاح، ليتحول الحزب، كذلك، إلى قوة عسكرية شبه نظامية، تزاحم مؤسسة الجيش الرسميّة.

علي أكبر محتشمي: الدور الأهم في تأسيس حزب الله

في فلسطين
كانت الساحة الفلسطينية مرشحة لتكون هي أيضاً مجالاً مناسباً لتصدير الثورة الإسلامية إليها، باعتبار ما تعرفه من احتلال وغياب للحكم المركزي ونشاط للتنظيمات المسلحة بتوجهاتها المختلفة، وقد حاولت الثورة في البداية استقطاب منظمة التحرير وقيادتها وتقريبها من الثورة، لكنّ الاختلاف الأيديولوجي وبعد فصائل المنظمة عن الأيديولوجيا الإسلامية بالعموم، ظلّ عامل إضعاف للرابطة، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية واختيار قيادة المنظمة الانحياز إلى الجانب العراق تبدّدت أيّة فرص لتأسيس مثل هذا العلاقة، وهنا اتجهت الثورة للبحث عن تعزيز علاقاتها بأطراف ذات ميل وتوجه يتبنى المقاومة المبنية على رؤية اسلامية للصراع مع "إسرائيل"، وهو ما كان قد بدأ بالتوفر على الساحة الفلسطينية. وكانت الحركة الأقرب للعب هذا الدور هي حركة الجهاد الإسلامي التي تأسست عام 1981، وافتتحت لها مكاتب في دمشق، حليفة طهران، منذ انطلاقها.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
جاءت نشأة الحركة بعد عامين من نجاح الثورة في إيران، وكان قادتها متأثرين بالثورة التي شكلت مصدر إلهام لهم، وفي مقدمتهم المؤسس فتحي الشقاقي، الذي ألف كتاباً بعنوان "الخميني: الحلّ الإسلامي البديل".
انخرطت الحركة في المقاومة بشكل متصاعد مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، أواخر الثمانينيات، وكانت إيران الداعم الرئيس لأغلب عمليات الحركة.
وبعد انطلاق محادثات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بداية من محادثات مدريد عام 1991، سعت إيران لمواجهة المسار التفاوضي فبادرت لعقد مؤتمر مضاد رافض للتسوية في طهران، وفي العام ذاته، وكانت حركة الجهاد في مقدمة المشاركين، وبقيت الحركة طوال الأعوام اللاحقة، وما تزال، في طليعة الحركات الرافضة للمسار التفاوضي.

اقرأ أيضاً: هل تتنازل طهران دون إطلاق رصاصة واحدة بعد تصنيف "الحرس الثوري" إرهابياً؟
وهكذا؛ فإنّ إيران لم تعتمد في علاقتها مع الفلسطينيين على تأسيس علاقات مباشرة مع السلطة الفلسطينية، الجهة الممثلة رسمياً للفلسطينيين، بل فضّلت إقامة علاقات وصلات مع تنظيمات أقرب لها، مثل الجهاد وحماس، وقدمت لهم أشكالاً مختلفة من الدعم، من المالي إلى اللوجستي والعسكري، وساهمت بذلك في تكريس الانقسام الفلسطيني وإطالة أمده.
واليوم، يعدّ أكرم العجوري، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في الخارج، المشرف الأول على العلاقات مع إيران، وكان يتمتع بصلة وثيقة مع القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني؛ حيث يقوم بدور المنسق الرئيس بين الحرس الثوري الإيراني والجهاد الإسلامي.

تداوم حركة الجهاد الإسلامي على إحياء "يوم القدس العالمي" الذي أطلقه الخميني عام 1979

في اليمن
توافرت في اليمن عدة عناصر جعلت منه مكاناً مرشحاً لتصدير الثورة الإسلاميّة، حيث تضعف سلطة الدولة المركزية هناك، في ظل حضور وسيطرة العامل القبلي، كما يوجد في اليمن انقسام طائفي، وهناك تحديداً أقلية شيعية، ولو أنّها من غير الإثني عشرية، من الطائفة الزيدية.

اقرأ أيضاً: "الحرس الثوري" منظمة إرهابية: معضلة الميلشيا والدولة.. تداعيات القرار الأمريكي
بداية من الثمانينيات؛ بدأت السفارة الإيرانية بتقديم دعوات للشباب اليمني لزيارة إيران والتعرّف على تجربة الثورة الإيرانية، واجتذبت خصوصاً الشباب الزيديّ، ومن بين هؤلاء الشباب، برز اسم حسين بدر الدين الحوثي، الذي قام رفقة مجموعة من العائدين من طهران، مثل محمد عزان، وعبد الكريم جدبان، بتأسيس تنظيم "الشباب المؤمن"، عام 1992، في محافظة "صعدة"، شمال اليمن، والذي تطوّر وعرف لاحقاً باسم جماعة "الحوثيين"، نسبة لمؤسسها.
ومنذ مرحلة التأسيس، برز مدى تأثر حسين الحوثي، في خطبه وكتاباته بنموذج الثورة الإيرانية ومبادئها، وقائدها الإمام الخميني، ومع تصاعد الصراع الداخلي في اليمن، وتزايد بوادر المواجهة مع الحكومة اليمينة، رفعت الحركة علنياً شعار "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل"، وتحديداً بعد عام 2001، في مرحلة كان نظام الحكم اليمني قد تموضع ضمن التحالف الأمريكي للحرب على الإرهاب، ولم يبدِ أيّة معارضة للمواقف الأمريكية، وتحديداً حرب العراق، عام 2003، فجاء رفع الشعار من قبل الحوثيين في أطر المواجهة المتصاعدة مع صنعاء، والتي تستند في جذورها إلى حالة من التهميش والإقصاء لمحافظة صعدة.

اقرأ أيضاً: تصنيف الحرس الثوري الإيراني تنظيماً إرهابياً يقيد تحرّكات قاسم سليماني في العراق
ومع حلول عام 2004؛ اندلعت المواجهات المسلحة المباشرة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، فيما عرف بـ "الحروب الست"، والتي استمرت حتى عام 2010، ومنذ الحرب الرابعة، عام 2007، بدأت تظهر تأثيرات "حزب الله" على أساليب قتال الحوثيين، وكذلك على الهرم التنظيمي للجماعة.
ومع دخول منعطف ثورة الشباب اليمنية، عام 2011، أخذت الأحداث منحى جديداً، مع اختيار الجماعة الانقلاب على مسار الحوار الوطني، وتمددها عسكرياً في المحافظات اليمنيّة، وصولاً حتى دخول العاصمة صنعاء في أيلول (سبتمبر) عام 2014.

اقرأ أيضاً: حزب الله يستعد للأسوأ بعد تصنيف الحرس الثوري إرهابياً
وتتواتر الدلائل عن توافر الدعم الإيراني للجماعة؛ فعلى مستوى التدريب وتقديم الاستشارات، كان رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، قد صرح بذلك مؤخراً في أكثر من مناسبة، منها ما جاء في كلمته في أحد المراكز التعليمية التابعة لقوات "الحرس الثوري"، قال: "اليمنيون اليوم تمكنوا من إسقاط العديد من الطائرات الحديثة، وهذا بالطبع لأنّ علوم الثورة الإسلامية ودعمنا المعنوي كان وراءهم"، وكذلك تصريحاته في مقابلة لمحطة "فونيكس" الصينية، التي أقرّ فيها بوجود دور لـ "حزب الله" في عمليات التنظيم والتدريب للحوثيين.
وعلى مستوى السلاح، تكرّر حديث السلطات عن إيقاف زوارق وسفن متجهة إلى اليمن تحمل أسلحة قادمة من إيران، واشتهر منها سفينة "جيهان"، التي تمّت السيطرة عليها، في كانون الثاني (يناير) عام 2013، عندما كانت في طريقها إلى ميناء "ميدي"، الواقع حينها تحت السيطرة الحوثية.

مقاتلون حوثيون يرفعون صورة "حسين الحوثي" مؤسس الجماعة الذي قتل عام 2004

يتمحور خطاب الحرس الثوري والمجموعات المرتبطة به حول مقولة المواجهة الحاسمة مع "إسرائيل" والإعداد المستمر لها، وكثيراً ما تكون مقولة مركزية في مراحل التأسيس وعمليات التحشيد والشرعنة لهذه المجموعات وأنشطتها، وحول هذه النقطة يعلق د. خالد الحروب، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة "نورث ويسترن" في قطر، في حديثه لـ "حفريات": "مرّ على ثورة الخميني أكثر من أربعين عاماً؛ أي إنّها أكبر عمراً من نصف عمر "إسرائيل"، ومنذ اليوم الأول وأحد شعاراتها المدويّة هو محاربة "إسرائيل"، وتطوّر لاحقاً إلى إبادتها، كما في عهد الرئيس الأسبق، أحمدي نجاد، وخلال الأربعين عاماً لم يحدث هناك أيّ صدام مباشر بين إيران و"إسرائيل"، بل إنّ كلّ الصدامات التي انخرطت فيها إيران كانت مع العرب وعلى أراضٍ عربية".

اقرأ أيضاً: ليلة القبض على الحرس الثوري
ويشير ذلك بحسب الحروب إلى أنّ "رفع شعار فلسطين والممانعة، وسوى ذلك، هو نسخ الممارسة سيئة الصيت نفسها التي اشتهرت بها بعض الأنظمة العربية؛ لأنّ قضية فلسطين ومسألة الممانعة توفر رافعة الشرعيّة الوحيدة أو الأهم للنظام الذي يستخدمها، إما داخلياً كما فعلت بعض الأنظمة العربية، وإما إقليمياً مثل حالة إيران. وتوافر هذه الشرعية اللفظية والشعاراتية المسوّغ الذي تستخدمه الأنظمة، وأحياناً الأحزاب والحركات لتبرير سياسات وممارسات وقمع ما كان له أن يحدث أو يمرّ بالسهولة نفسها في حال لم تتوافر تلك الشرعية".

 

للمشاركة:

النسوية الإسلامية والسينما: هل ارتقى الفن السابع بقضايا المرأة؟

2020-02-20

تعد السينما من أبرز الفنون متابعة واهتماماً من قبل الجمهور، وتحمل ملامح الفن مجتمعة، متمثلة في الفكر والكلمة والصورة والصوت واللون؛ فمنذ اللقطة الأولى لـ"الفن السابع" كان الإنسان هو محور ما يتم تصويره، وشغل حيز الصورة والفكرة التي تُقدم.

ينتهي فيلم الأفوكاتو مديحة (1950) بصفعة من البطل على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!

وفي خضم هذه الثورة البصرية التي أحدثتها الصورة السينمائية شهد العالم تطوراً على صعيد آخر، وهو الصعيد الفكري والاجتماعي؛ أو بمعنى أدق تغير وإحلال نقاط التركيز التي طالما شغلت الفكر العام، ومصر لم تكن بمعزل عن هذا التغيير الفكري والحركات الفكرية التي نشأت، سيما في اشتباكها مع القضايا المتعلقة بالمرأة.
ومع مطلع القرن العشرين شكل التوجه النسوي، الذي انتشر سابقاً في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عنصر جذب للعديد من النساء المتعلمات اللاتي وجدن فجوة كبيرة بين وضعهن ووضع النساء الأخريات في الغرب، لهذا وجب عليهن التفكير وطرح تساؤل مهم، وهو: لِمَ لا نتمتع بالحقوق المماثلة للرجل؟ فكيف عالجت السينما المصرية هذه القضية، وهل اشتبكت بشكل مقنع وجادّ مع هذه التساؤلات الجديدة التي فرضها إيقاع الحداثة والتغيير؟
نقاش مجتمعي
سينمائياً، التساؤل المجتمعي عن حقوق المرأة العربية طرح بدوره العديد من الأسئلة، هل تعاني المرأة حقاً من تهميش؟ ومن المتسبب في هذا؟ وكيف يتم التعامل مع هذا الوضع؟
لم تكن الإجابة عن هذه الأسئلة سهلة في مطلع القرن العشرين، ويعود هذا إلى غياب الوعي الكامل لدى أغلب النساء بوضعهنّ، وهو ما يصعّب مهمة المطالبات بتحسين هذا الوضع، أو فتح باب النقاش له، كما أنّ قنوات الاتصال لتوصيل هذه الفكرة وتداولها وطرحها للنقاش المجتمعي لم تكن متوفرة إلا عن طريق الجرائد الأهلية وبعض المجالس النقاشية التي لم تكن متاحة للجميع، فضلاً عن هيمنة العنصر الأبوي الذي لن يسمح بتداول مثل هذه الأفكار، فهي تمسّ مكانته في المجتمع والدور الريادي الذي يقوم به.

لعبت كل من ملك حفني ناصف وهدى شعراوي دوراً رائداً، في تاريخ الحركة النسائية المصرية، وفي أفكار هذه الحركة الفكرية الجديدة، لم يكن مفهوم النسوية الإسلامية قد حضر بقوة في طرحهن بعد، كما تم بعد ذلك، لكنهن فتحن المجال لتداول أفكار جديدة كحق الفتيات في التعليم وزواج القاصرات والحجاب والدور السيادي للرجل، الذي يكفل له إخضاع المرأة دون وجه حق.

اقرأ أيضاً: النسويّة الإسلامية.. تطلّع نحو المساواة أم ضرورة سياسية؟
تنفست الحركة النسوية الصعداء مع ثورة 1919 ومساندة الحركة النسوية لتلك الثورة المجيدة كفلت لها شهرة أوسع كما مكّنت النساء من إثبات دورهن وحقهن مجتمعياً، لهذا اعتبرت ثورة 1919 ثورة فكرية ومجتمعية تقدمية إلى جانب كونها ثورة سياسية.
صفعة ذكورية تعيد التوازن!
اعتمد فكر النسوية الإسلامية على تحرير النص المقدس من التفسيرات التي حُمِّل بها من قبل المفسرين الرجال، وسعت النسويات إلى إعادة تأويل النصوص في ضوء نظرة الإسلام الأصلية للمرأة، كونها شريكاً في الحياة لا عنصراً خاضعاً ومضطهداً، فيما بعد بفعل التفسيرات التي جعلتها شيئاً؛ لا إنساناً له حق في القرار وتحديد المصير.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
وسط هذا الجدل، لم تكن النسوية الإسلامية "المُسايِرة للسيطرة الذكورية" وأفكارها بعيدة عن الفنون، خاصة السينما التي هيمن عليها الفكر الذي تنبع منه، وهو الفكر الذكوري، أفرز أفلاماً تتلاءم معه، وتقدم رؤيته في القضايا التي شغلت الرأي العام، وتأتي رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية، كما في فيلم الأفوكاتو مديحة (إنتاج 1950) لمؤلفه ومخرجه يوسف وهبي، الذي قدّم رؤيته للمجتمع والمرأة في أفلام عدة.

قدّم وهبي في هذا الفيلم نمط المرأة في صورة فتاة استطاعت أن تواصل تعليمها؛ حتى حصلت على شهادة الحقوق وأصبحت "أفوكاتو"، تُصوَّر مديحة على أنّها فتاة تهتم بالمظاهر، ولا تعنى بالجوهر، وهو ما دفعها لرفض الزواج بابن عمها، الذي تعتبره كأخيها، كما ترفض نمط الحياة الريفية التي نشأت فيها من البداية، خطابية وهبي لم تقف عند ما حملته شخصيته التي جسدها في الفيلم، شخصية "محمد أفندي أخو الأفوكاتو مديحة"، بل وصلت إلى ألسنة الشخوص الأخرى، مثل جابر بيه، الذي قدم دور صاحب العزبة التي يعمل بها محمد أفندي ناظراً، فمثّل خطابُه لزوجته قرب نهاية الفيلم تصوراً عاماً لنظرة الرجل لوضع المرأة، ويخبرنا هذا الخطاب بأنّه إذا ما تولّت المرأة زمام الأمور فقد يفسد كل شيء، وينتهي هذا الخطاب بصفعة على وجه زوجته إعلاناً منه استردادَه لدوره!
سياسة الاحتواء
بصورة أقل حدة، قدم فيلم الأستاذة فاطمة (إنتاج 1952)، فاطمة خريجة الحقوق التي تسعى لشق طريقها المهني بجوار جارها عادل الذي تربطها به علاقة حب؛ على وشك الانهيار نتيجة لخلاف فكري ومادي متمثل في تمسكها بخوض تجربة العمل، يقدم الفيلم نماذج متباينة من الرجال، الأول والد فاطمة، الذي يعاني من الأمية ويتعلم القراءة والكتابة، وقُدمت الشخصية بصورة كوميدية لكنها تحمل فكراً تقدمياً لدعم ابنته لاستكمال مسيرتها التعليمية والمهنية، ليس إيماناً منه بقدراتها وإنما حتى يتغلب على جاره، والد عادل.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

أما عادل فهو شاب نابغ يمتلك مقومات النجاح، ويرى في فاطمة داعماً مهماً له، وعليها أن تكتفي بدورها بمساندته في المنزل كزوجة ترعاه، ويشتد الخلاف بينهما بعد إصرارها على مزاولة مهنة المحاماة، ويقدم الفيلم خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة في المشاركة بالمجتمع وتحقيق حضور موازِ للرجل، عن طريق تولّيها لقضية اتُّهم بها عادل واستطاعت فاطمة تبرئته، لكنها اختارت في النهاية أن تكون كما أراد هو.

النسوية والاستقطاب
إنّ دعم قضايا المرأة ونقاش وضعها في المجتمع لم يكن تماشياً مع الثورة الفكرية الحاصلة وسط جموع النساء فحسب، بل تم توظيفه لخدمة أفكار وأوضاع سياسية واستقطابات قائمة فنجاح مشاركة النساء في ثورة 1919 تواءم مع الأفكار التقدمية التي حملتها تلك الثورة، كما استشعرت حركات أخرى قوة العنصر النسائي وقرّرت تقديمه في كنفها حتى تضمن احتواءها له، وهو ما حصل في حركة الأخوات المسلمات "الجناح النسائي لتيار تنظيم الإخوان المسلمين"، حيث رأى حسن البنا في تيار النسوية التقدمية الذي ترأسته هدى شعراوي تهديداً، وأسّس تياراً يقابله، تم تحديد دور الأخوات به للتصدي للحركة التحررية المدنية، التي شن عليها هجوماً كبيراً فور تأسيس جماعة الإخوان المسلمين العام 1928، إذ يرى البنا أنّ دور المرأة يقتصر على الإدارة المنزلية وتربية الأطفال.

سينما البدايات ذات الفكر الذكوري مثّلت رداً على مساعي بعض النساء لنيل حقوقهن عن طريق المنابر الفكرية

اعتمد خطاب لبيبة أحمد، أول رئيسة لقسم الأخوات المسلمات، على توضيح دور المرأة كراعية لأسرتها وسبيل التربية السليمة لأطفالها، وأكملت زينب الغزالي، إحدى رائدات هذا التيار داخل الجماعة، هذا النهج الذي واجه الكثير من الانتقادات، لا يمكن اعتباره نسوية إسلامية، فالتيار الذي تبنته الغزالي اعتمد على خضوع المرأة كمجند لخدمة الفكر الذي تقدمه الجماعة، فهو تيار ينمو ويتبلور في كنف الرجل/المرشد، دون التفكير في إعادة قراءة النصوص وتفسيرها، وكسبيل لاحتواء المرأة قدمت ثورة 1952 إجازة قانونية لمطالبات الحركة النسوية، من الحق في التعليم والإنتخاب والمشاركة في الحياة العملية والمجال العام، في المقابل تم منع الجمعيات التي نشطت في مجال حقوق المرأة من مزاولة أي نشاط سياسي واقتصر الأمر على الأعمال الخيرية، وبهذا تم تأطير وضع المرأة ليتناسب مع التوجه الناصري في المجتمع.

تمكين صوري
يعد فيلم مراتي مدير عام (إنتاج 1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية، تحت رعاية الرئيس جمال عبد الناصر، فالفيلم يقدم نموذجاً تقدمياً للمرأة العاملة بل والرئيسة في مجال عملها، حتى إنها ترأس زوجها في عمله، ويكشف الفيلم عن طريق الحوار تفوُّقَ هذه السيدة في دراستها الذي أهّلها لتصبح مديراً عاماً رغم صغر سنّها.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
لا يمكن اعتبار دور الرجل في هذا الفيلم معرقلاً لمسيرتها، لكن يظهر ما في صميم نفسه من أفكار يحملها، ومعه الكثير من الرجال والنساء أيضاً، فهذا فكر مترسخ منذ أعوام عديدة بل وعقود وقرون متزامنة، هذه الأفكار تكشف رؤيته للمرأة كونها تعمل على خدمة زوجها لا أكثر، رغم ندم الزوج على ما تفوه به، إلاّ أنّ هذا الحديث الذي لا يتعدى الدقائق يوضح نظرة الأغلبية للمرأة، فرغم خروجها لمجال العمل إلا أنّها ما تزال أقل بدرجة أو درجتين، وتم تغليف الأفكار الذكورية بغلاف تقدمي زائف.

يقدم "الاستاذة فاطمة" (1952) خطاباً احتوائياً لرغبة المرأة بالمشاركة مجتمعياً وتحقيق حضور موازِ للرجل

هذه الرؤية المتناقضة التي تتعامل مع ما وصلت له المرأة كونه منحة من الرجل/ اليد العليا في المجتمع، تراها النسوية الإسلامية تراكمات فكرية وعقائدية نتيجة لتفسيرات لخدمة الرجل، فالسواد الأعظم مما يتم تداوله من أفكار يعود إلى فكر ذكوري يعتمد على طرح يلائم الرجل ويجعله السيد في الموقف، ولا يحمل بالضرورة بنية سيئة أو مضرّة بالفطرة، وإنما لأنه توارث هذا؛ وبالتالي فسيكون تطبيقه تلقائياً في الحياة ومن ثم القوانين، فالقوانين تعتمد على ما سبق والموروث، وبالتالي فهي دائرة ذكورية استمرت على مر العصور والحقب، فالقراءة الأبوية الذكورية هي التي سمحت بالعنف والتمييز ضد النساء، وليس الإسلام أو النص القرآني.

تراكمات فكرية
يتعرض فيلم أريد حلاً (إنتاج 1975) إلى أزمة مجتمعية آنذاك، وهي قضايا الطلاق ورؤية القانون الوضعي الإنساني وتفسير القانون الديني (القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام والتفاسير الأولى للطلاق والزواج والمعاشرة بين الزوجين)، وفي تصريح واضح ومواجهة للمُشاهِد/ المجتمع عن المُسلَّمات التي جاءت في النصوص الإسلامية، مثل الذمة المالية المنفصلة للمرأة وحق المرأة في الطلاق، يصرح الفيلم في حواره بأنّ الشريعة الإسلامية شيء وتطبيق القانون شئ آخر.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
وتماشياً مع هذا النهج أيضاً يطرح فيلم كرامة زوجتي (إنتاج 1967) نسقاً يتعلق بمساواة المرأة والرجل في سياق الاستقامة الزوجية؛ يقدم الفيلم في سياق كوميدي خفيف، لكن يلتفت إلى حق المرأة في استقامة زوجها، طالما طالبها هو والشرع والمجتمع والقانون بهذه الاستقامة من جانبها.

يعد فيلم مراتي مدير عام (1966) نموذجاً جيداً لقراءة مفهوم الاحتواء الذي أقامته الدولة الناصرية

في هذا السياق قدمت "ملك حفني ناصف" منذ ما يقارب قرناً من زمننا الحالي هذه الفكرة في كتابها "نسائيات"،"كيف تُحرّم التهتك على النساء دون الرجال"، كما أشارت إلى الميراث الذي نحمله في عقولنا ونطبقه دون تفكير أو وعي.
هذا الطرح وما شابهه قدمته السينما المصرية في الكثير من الأفلام، وعلى سبيل المثال ثلاثية نجيب محفوظ التي وجدت طريقها للسينما عن طريق المخرج حسن الإمام، مثل ثنائية في قصر الشوق (إنتاج 1957) في الشخصيات النسائية وهي "زنوبة" الراقصة اللعوب وأمينة الزوجة المخلصة لزوجها، أمينة لم تكن تملك من أمرها سوى الانصياع وتربية الأبناء وغض البصر عن كل التجاوزات التي يفعلها أحمد عبد الجواد، ولا يعود هذا وحسب لجهلها بما يفعل، وإنما بتكرار وتوارث هذا النموذج أمامها، فكيف تشتكي وقد نشأت على طبيعية هذه الأفعال من الرجل، فاللاتي سبقنها في الزواج حدث لهن هذا أيضاً واستمررن في العيش دون رفض، زنوبة التي يريدها أحمد عبد الجواد تتزوج ابنه ياسين بعد ذلك، هذا الابن الذي يحمل خصال والده، ويعتبر نتاجاً طبيعياً أفرزه سلوك الأب، فياسين رغم عمره وإشرافه على العقد الثالث إلا أنه مراهق يخشى من والده ويحاول الفكاك منه فيتشبه به ويفعل ما يفعله، رغبة منه في إعلان نفسه كرجل، واتخذ زواجه من زنوبة عنوان هذا الإعلان، وبهذا فالضحية ليست المرأة وحسب وإنما الرجل أيضاً في صور متباينة.

ولا عزاء للسيدات
فيلم "ولا عزاء للسيدات" (إنتاج 1979) قدم بخطاب توجيهي بعض الشيء قصة سيدة مطلقة، تعاني من الأحاديث المثارة حولها لمجرد أنها مطلقة، في الوقت الذي لم ترتكب فيه خطأً، وجُل ما تتمناه في هذه الحياة هو العيش بهدوء هانئة، فمن دون سبب أصبحت موصومة وعليها التعامل مع هذا الوضع حتى وإن لم تكن هي الراغبة في الطلاق أو الساعية له.

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
أمّا المخرج رأفت الميهي قدم العلاقة بين الرجل والمرأة ووضعهما الاجتماعي عن طريق الفانتازيا، ففي فيلم السادة الرجال (إنتاج 1987) قدم العبور الجنسي كسبيل تستطيع من خلاله فوزية العيش بكرامة وحق بعد أن تعرضت للمضايقات في الشارع والعمل وحتى في المنزل من قبل زوجها، يطرح الفيلم تساؤلاً مهماً، ماذا إذا أصبح نصف المجتمع ساعياً لأن يكون رجلاً حتى ينال الحقوق؟ سنفقد التوازن الطبيعي في الحياة والمجتمع، السؤال الأهم، هل نعتمد بأن نكون كلنا رجالاً حتى نحصل على الحقوق أم أن هناك سبيلاً آخر يكفل العيش بكرامة وبعدل للطرفين وبدوره التوازن المجتمعي؟

"ولا عزاء للسيدات" (1979) عالج بخطاب توجيهي قصة سيدة تعاني من مضايقات كونها مطلقة

تستمر فانتازيا الميهي في قلب الأوضاع كسبيل للنقد والجدل بعد ذلك، ظهر هذا بوضوح في فيلم سيداتي آنساتي (إنتاج 1989) أي بعد عامين من تقديم فيلم السادة الرجال، وفيه لا يلقي باللوم على الرجال أو على النساء وإنّما الأوضاع الاجتماعية والظروف التي أوصلت العلاقة بين الطرفين إلى طريق أشبه بالصراع وأنهكهما الشد والجذب، متطرقاً إلى نقطة الاستقلال المادي إذا ما توفرت لدى أحد الطرفين فإنه سيتغول.
تظهر النساء في هذا الفيلم مستقلات وقادرات على إدارة حياتهن، مع هذا فالسعادة الحقيقية غير مكفولة لا للنساء أو الرجال بالفيلم، يقف هذا العمل على أعتاب علاقة التعدد بطرح مغاير عن المعتاد، فتعدد الزوجات أمر مفهوم مجتمعياً، لكن السبيل له في هذا الفيلم مختلف تماماً عن المألوف، فالنساء الأربعة يقررن الزواج من محمود، هذا الرجل الحاصل على شهادة الدكتوراه، التي لا تعود عليه بالنفع ولا تكفل له حياة كريمة وما يدفعه لقبول عرض الأربع نساء بزواجه منهن في سبيل أن يعيش في الشقة معهن.
تقوم العلاقة على المنفعة المتبادلة بين الأطراف، كما أنّ النساء في هذا الفيلم هنّ الحلقة الأقوى، فهن يملكن الشقة/ السكن، وكذلك العصمة/ الاستقرار، قلب الأوضاع قلب معه التوازنات المعتادة، فالرجل هو من بات يستجدي زوجته ويحاول إرضاءها، كما يقوم بالمهام المنزلية.
حتى اللحظة لا يمكن الجزم بإدراك السينما المصرية لحركة النسوية الإسلامية أو مواكبتها لها رغم التقاطعات معها في بعض الأفلام، وهو أمر طبيعي فالسينما صورة لخيال وواقع وحقيقة ونفس تسعى للإجابة عن تساؤلات مختلفة، تختلف باختلاف أفكارنا ورؤيتنا للحياة.

للمشاركة:

كيف استغل أردوغان تزييف التاريخ العثماني في ليبيا؟‎

صورة حامد فتحي
باحث مصري في حقل الدراسات الإسلامية
2020-02-20

تختلف قراءة الفترة العثمانية في المنطقة العربية بين دولةٍ وأخرى تبعاً لعدّة عوامل، منها قوّة وجود جماعة الإخوان المسلمين في المشهد الثقافي والتربوي والأكاديمي، وعوامل موضوعية تتعلق بالاستعمار الغربي، وهذا العامل تحديداً يؤثر بشكل كبير على نسيان جرائم العثمانيين، بسبب تقادمها، وحلول جرائم الاستعمار بدلاً منها، مثل حالة الجزائر.

اقرأ أيضاً: ما الذي بقي من الثقافة العثمانية في العالم العربي؟
إلّا أنّ استغلال أردوغان للتاريخ العثماني كما في الحالة الليبية وشمال أفريقيا، بعد تحريفه، وتقديمه في صورة الجنّة المفقودة، الّتي يعد بها العرب ثانيةً، يجعل لزاماً علينا التصدي له بالقراءة الموضوعية، فالماضي العثماني مليء بالجرائم بحقّ العرب، في جميع الأقطار. وما كاد هذا الجرح يندمل حتّى ظهر أردوغان وأتباعه خاصة من الإخوان لتزيينه! فهل حقّاً عاشت ليبيا، ودول شمال أفريقيا ليالي مجدها تحت الحكم العثماني؟

الغزو الإسباني
دأب العثمانيون الجدد (أردوغان وأتباعه من الإخوان) على ترديد مقولة مفادها أنّ العثمانيين أنقذوا شمال أفريقيا من الغزو الصليبي، فهل هي مقولة صادقة؟
يوحي السرد الأوّلي لدخول العثمانيين شمال أفريقيا بصدق المقولة، لكنّها لا تصمد أمام القراءة الواعية للأحداث، والتي تكشف عن أطماعٍ عثمانيةٍ في التوسّع على حساب الأراضي العربية.

اقرأ أيضاً: عندما أضعف العثمانيون العقل ليستسلم للخرافة!
لا تنفصل أحداث الاستعمار الإسباني لطرابلس ووهران وعدّة مدن ساحلية عن الصراع بين العرب والإسبان في الأندلس؛ فعندما انتقل الأندلسيون إلى شمال أفريقيا، بعد طردهم العام 1503، قام هؤلاء بالاشتراك في أعمال القرصنة البحرية ضدّ الثغور الإسبانية، وكانت هذه النوعية من الأعمال في ذلك الوقت متبادلةٌ.

تختلف قراءة الفترة العثمانية بين دولة وأخرى تبعاً لعدّة عوامل أبرزها قوّة وجود جماعة الإخوان

في تلك الأثناء كان العثمانيون قد أحكموا سيطرتهم على شرق المتوسّط، بعد استيلائهم على القسطنطينية العام 1453، ثم على الشام ومصر العام 1517، ثمّ رودس العام 1523. وتزامنت مآسي طرد المسلمين من الأندلس في عهد أوج القوّة العثمانية، إلّا أنّ هؤلاء لم يتدخّلوا لحماية المسلمين بأيّ شكلٍ، وما يتردّد عن مساعدات القراصنة الأخوين عروج (بربروس) فلا يُنسب للعثمانيين، فلم يكن هؤلاء بعد يدينون بالولاء لهم، ولم يفعلوا سوى نقل المسلمين على مراكبهم، مثل غيرهم من مُلّاك السفن؛ إذ كانت عملية النقل تتمّ بإشراف الإسبان، وفق ما ذكره صالح عبّاد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي".

اقرأ أيضاً: بلاد الشام والمطامع العثمانية القديمة
لم يلتفت العثمانيون إلى مناطق الشمال الإفريقي عندما تعرّضت للغزو الإسباني، ففي العام 1505 احتلّ الإسبان ميناء المرسى الكبير في الجزائر، ثمّ مدينة وهران العام 1509، ثمّ مدينة بجاية العام 1510، ومدينة طرابلس، ومدينة الجزائر في نفس العام، وهاجم الإسبان تونس.

تزامنت مآسي مسلمي الأندلس في أوج قوّة العثمانيين إلّا أنّهم لم يتدخّلوا لحمايتهم بأيّ شكلٍ

قاومت الدويلات الحاكمة من حفصيين وبني زيان ومملكة كوكو وأهل ليبيا الإسبان، ودخلت بعض المدن المستقلّة في علاقاتٍ سياسيةٍ واقتصادية معهم، وظلّ الوضع كذلك حتّى مجيء الأخوين بربروس. وعلى الرغم من التفكّك السياسي في المنطقة إلّا أنّها تمتّعت بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ متميّزةٍ مع مدن إيطاليا، حتّى الغزو الإسباني، ودخول الأتراك المنطقة، الّذي جرها إلى حلبة الصراع العثماني-الإسباني.
في كتابه يقول صالح عبّاد: "كان للوجود الإسباني والتركي على السواحل الجزائرية انعكاس سلبي على المبادلات التجارية الّتي كانت تتمّ بين الجزائر وأوروبا المطلة على البحر المتوسّط".

"الأخوين بربروس"
عمل عروج قبل انتقاله إلى الجزائر قرصاناً، وتعود جذوره إلى جزيرة يونانية، وهو من أم مسيحية وأب تركي مسلم، ومطلع القرن 16 انتقل نشاط القرصنة من الحوض الشرقي للبحر المتوسّط إلى الحوض الغربي، ربّما للسيطرة التركية الواسعة على تلك المنطقة، وعدم وجود قواعد خلفية للقراصنة، مثل تلك الّتي توفرها بيئة الشمال الأفريقي المُفكّكة.

اقرأ أيضاً: الدولة العثمانية... خلافة أم إمبراطورية؟
حصل عروج بربروس على حقّ الإرساء والتموُّن في الموانئ التونسية، من حكّامها الحفصيين، مقابل دفع نسبةٍ من غنائمه، ونجح عروج بربروس، وفي معيّته أخواه خير الدين وإلياس في نيل شهرةٍ واسعةٍ، وتكوين أسطول قوي بعد انضمام عددٍ من القراصنة إليه، ممّا شجع أهالي بجاية على طلب المعونة منهم لاستعادة المدينة من الإسبان العام 1512، إلّا أنّ المحاولة فشلّت.

خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551

وفي العام 1514 استردّ عروج بمساعدة القبائل العربية مدينة جيجل من الإسبان، وتمّت مبايعته سلطاناً عليها، ولمّا كانت المدينة تابعة للحفصيين من قبل فقد خاف من مطالبتهم بها، فنقل مقرّه من تونس إلى هذه المدينة، وبدأ في الاتّصال بالعثمانيين للحصول على الدعم، وكانت هذه المرّة الأولى لعروج للاتّصال بالعثمانيين، وبغرض حماية مكتسباته، وليس بهدف الجهاد الإسلامي كما يزعم العثمانيون الجدد.
حاول عروج استعادة بجاية ثانيةً إلّا أنّه لم يُوفّق، وعاد إلى مقرّه في جيجل، وهناك جاءه مبعوثٌ من السلطان العثماني، على رأس 24 سفينةً حربيةً، وبذلك دخل العثمانيون شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: العثمانيون والإفلاس الحضاري
تكشف قدرة الأسطول العثماني على الوصول بسلامٍ إلى مناطقٍ جديدةٍ عن مقدرةٍ بحريةٍ وصل إليها العثمانيون، مكّنتهم فيما بعد من احتلال رودس، إلّا أنّ ذلك يكشف في الوقت نفسه عن أنّ العثمانيين لم ينظروا لشمال أفريقيا كقضية جهاد إسلامي ضدّ الإسبان، ولم يتحرّكوا لنجدة سكّانها منذ أوّل غزو إسباني العام 1505، ولم يتحرّكوا إلّا حين لاحت لهم فرصة لتحقيق مكاسب كبيرة بدون مجهود كبير، وذلك حين اتّصل بهم عروج.
يؤكّد على ذلك طبيعة الحكم العثماني في شمال أفريقيا لاحقاً، فقد ظلّت ليبيا، وتونس، والجزائر محكومةً من قبل رياس البحر الأتراك (القراصنة)، ثمّ الانكشارية، ولم تخضع للحكم المباشر سوى طرابلس الغرب في العام 1832، وظلّت المنطقة لقرون تخضع اسمياً للعثمانيين، ولا تدفع الضرائب لهم، فلماذا قبل العثمانيون بهذا الوضع؟

اقرأ أيضاً: عندما تحالَف العثمانيون مع المرض والجهل
الإجابة تعود إلى عدّة أسباب منها: الخوف من التكلفة الكبيرة للسيطرة المباشرة، واتّساع هذه البلاد، وعدم وجود قوى محلّية قادرة على إدارة البلاد لصالحهم مثل المماليك في مصر. وعلى الرغم من اتّصال العثمانيين برّاً بشمال أفريقيا بعد احتلالهم مصر العام 1517 إلّا أنّهم لم يتقدّموا لإنقاذ شمال أفريقيا من الإسبان، وخصوصاً طرابلس الّتي ظلّت خاضعةً لفرسان مالطة حتّى العام 1551.

أطماع عثمانية
لا يُنكر أحد محاربة العثمانيين للإسبان في شمال أفريقيا، إلّا أنّ تلك الحرب جاءت خدمةً لمصالحهم في المقام الأوّل، ونتاجاً لعقيدة الغزو والهيمنة، ويدل على ذلك الأوضاع المزرية الّتي عاشها سكّان شمال أفريقيا تحت الحكم العثماني حتّى تسليمه البلاد للاحتلال الأجنبي.
منذ العام 1516 بدأ عروج التوسّع في شمال أفريقيا لحسابه الخاص، مدعوماً بالعثمانيين، ففي العام 1516 دعاه أهّل مدينة الجزائر لمساعدتهم على طرد الإسبان من حصن البنيون الّذي تحصّنوا فيه. دخل عروج المدينة بمساعدتهم، ثمّ قام باغتيال أميرها العربي سالم التومي الّذي استقبله في قصره، لينفرد بالمدينة ويتّخذها قاعدّةً لنشاط القرصنة، ورغم ذلك فشل في اقتحام البنيون.

العثمانيون لم ينظروا لشمال أفريقيا جهادياً فلم يتحرّكوا لنجدة سكّانها إلّا حين استشعروا تحقيق مكاسب كبيرة بسهولة

يقول صالح عبّاد: "لقد لبّى عروج الدعوة لأنّه وجدها فرصةً لا تُعوّض للسيطرة على مدينة الجزائر الأهم بكثير من جيجل الصغيرة، سواء من حيث عدد سكّانها أو من حيث إنّها كانت مدينة قرصنة، أو من حيث موقعها الّذي يتوسّط سواحل المغرب"، وبعد ذلك تدخّل عروج في صراع أبي زيان مع عمّه أبو حمو على عرش تلمسان، ودعم أبي زيّان، فلجأ أبو حمو للإسبان، وتمكن بمساعدتهم من استعادة العرش، وقُتل عروج العام 1518.
بمقتل عروج في مغامراته التوسّعيّة، انتقلت القيادة إلى أخيه خير الدين في مدينة الجزائر. خوف خير الدين من الإسبان دفعه إلى الاتّصال بالسلطان العثماني سليم الأوّل العام 1519، فبعث إليه رسولاً يطلب الدعم، ويقدّم آيات الولاء، فلبّى العثمانيون طلبه، وبعثوا بفرمان وقفطان التولية له، وعيّنوه حاكماً من قبلهم على الجزائر، وأرسلوا إليه 2000 انكشاري، وفتحوا باب التطوّع للرّاغبين لتشكيل جيش انكشاري في الجزائر، وشمل الفرمان السماح بسكّ العملة باسم السلطان، والخطبة له، وهكذا دخلت الجزائر رسمياً في الحكم العثماني.

اقرأ أيضاً: ثلاثة أطماع عثمانية
متمتّعاً بدعم العثمانيين بدأ خير الدين في إخضاع الإمارات العربية في الجزائر، وتصدّى للإسبان، واصطدم بالحفصيين في تونس، وبعد صراعات عدّة مع مملكة كوكو الجزائرية، انتهت بهزيمتهم العام 1525، خضعت الجزائر كافةً للعثمانيين، ثمّ تبعتها تونس العام 1534، ليفقدها العام 1535 على يد الإسبان، الذين قدموا لإعادة السلطان المخلوع مولاي الحسن الحفصي، وطردوا خير الدين.
إزاء هزائمه ترك خير الدين الجزائر، والتحق بالأسطول العثماني باعتباره قائداً، فقد عينه السلطان سليمان القانوني في المنصب العام 1334، عقب انتصاره المؤقت في تونس. ولاحقاً نجح علج عليّ والي الجزائر في السيطرة على تونس العام 1569، ثمّ استعادها الإسبان العام 1573، ليستعيدها الأتراك العام التالي.

أكاذيب الصلابي
أما عن ليبيا فقد خضعت طرابلس الغرب لحكم فرسان مالطة حتّى هزيمتهم على يد العثمانيين العام 1551. يُردّد المؤّرخ الإخواني اللّيبي علي الصلابي رواية مكذوبة، عن قيام وفدٍ من أهالي مدينة تاجوراء الليبية بزيارة إسطنبول العام 1519 لطلب النجدة من العثمانيين، وبناءً على هذا الطلب تدخّل العثمانيون، واستولوا على طرابلس العام 1551، لكنّ الحقيقة غير ذلك.

الصلابي كأنه يشبّه دعوة طرابلس لتركيا ومرتزقتها ضد الجيش الوطني اللّيبي بتلبية العثمانيين لإنقاذ أجدادهم من الإسبان

هذه الرواية نقلها الصلابي عن ابن غلبون، الّذي عاش في بداية حكم القرمانليين في ليبيا، وكان مقرّباً منهم، فعمل على شرعنة حكمهم، فكان ذلك سبب اختلاقه لهذه القصّة في كتابه "التذكار فيمن ملك طرابلس، وما كان بها من الأخبار".
وتعليقاً على ذلك كتب المؤرّخ الليبي الشيخ الطاهر الزاوي، ومُحقّق كتاب ابن غلبون ما يلي: "ممّا يشكك في صحّة رواية هذا الوفد أنّ الأسطول العثماني كان موجوداً في البحر الأبيض، وأن القوّاد العثمانيين كانوا يحاربون في الشمال الأفريقي، وفي تاجورة وهذا ما يجعل النجدة قريبةً، توفر على الطرابلسيين مشقّة السفر إلى الآستانة".
يتّفق محمد بازامه مؤلّف كتاب "ليبيا في عشرين سنة من حكم الإسبان" مع الزاوي، ويقول: "نقطة واحدة في هذا الأمر تجعلنا نتحفّظ في قبول فكرة دعوة أهل تاجوراء هذه؛ تلك هي طول الفترة الزمنية بين سفر الوفد، ومجيء الأتراك إلى طرابلس واشتراكهم في الصراع، والتي امتدّت لأكثر من 10 سنوات".
يعلّل بازامه اختلاق هذه الرواية بقوله: "يرتكز شكُّنا إذا كان لهذه النقطة قيمةً على أساس ما للدولة العثمانية من مصالح سياسية في اختلاقها ودسّها على التاريخ" وهذه المصالح هي "أنّ الأتراك لم يأتوا فاتحين مستعمرين، وإنّما جاؤوها مُلبّين دعوة أهل البلد، فهم بالتالي أصحاب الفضل في هذا المجيء".

روّج المؤرخ الإخواني علي الصلابي رواية مكذوبة لزيارة وفدٍ من تاجوراء العام 1519 لطلب نجدة العثمانيين

عادت هذه الرواية المكذوبة إلى تصدّر الواجهة الإعلامية عقب توقيع الاتفاقية الأمنية، واتفاقية ترسيم الحدود، بين حكومة الوفاق في طرابلس، والتي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين، ودولة تركيا. فكأنّ لسان حال الصلابي في لقائه مع وكالة الأناضول بتاريخ 9 كانون الثاني (يناير) 2020، يقول إنّ وصول مرتزقة أردوغان، هو بمثابة تلبيةٍ لدعوة أهل طرابلس، كما لبّى أجدادهم دعوتهم لإنقاذهم من الإسبان الصليبيين، وكأنّه يُشبه الجيش الوطني اللّيبي بالغزاة الإسبان.
بعد تصريحات الصلابي انطلقت الماكينة الإعلامية للإخوان، وتركيا لتنشر التصريحات على نطاقٍ واسع، لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا، ولترويج فكرة أنّ التدخل العسكري التركي سيُعيد إلى ليبيا الجنّة العثمانية المفقودة.

خيانة العثمانيين
لا تنفي القراءة الموضوعية للتاريخ أحداث الحروب العثمانية الإسبانية، إلّا أنّها تضعها في سياقها الحقيقي، وهو الرغبة العثمانية في التوسّع والهيمنة، والّتي تلاقت مع طموح الأخوين بربروس (عروج وخير الدين) في إنشاء دولةٍ لهما في منطقة شمال أفريقيا المُفكّكة.

روّجت الماكينة الإعلامية للإخوان وتركيا تصريحات الصلابي على نطاقٍ واسع لتبييض صورة الماضي العثماني في ليبيا

والسؤال الأهم من محاولة الإخوان شرعنة احتلال قوى أجنبية لبلادهم، وهو أمر دأبوا عليه، حين شرعنوا الغزو التركي لسوريا والعراق، ثمّ الآن ليبيا، هو كيف سقطت شمال أفريقيا (ليبيا، تونس، الجزائر) بيد الاستعمار الإيطالي والفرنسي؟ وأين كان العثمانيون من ذلك؟
الإجابة على هذا تطول، وفي كتب التاريخ ما فيه الكفاية، ويمكن تلخيص مسؤولية العثمانيين عن ذلك بما يلي: أنّ الحكم العثماني لم يُفد شمال أفريقيا شيئاً، بل سخر هذه البلاد لخدمة رفاهية طبقة محدودة العدد من الحكّام والجنود الأتراك. وحوّلوها إلى قواعد للقرصنة، وأرهقوا الأهالي بالضرائب والغرامات، دون تقديم أية خدماتٍ لهم، وتسبّبت القرصنة في جلب العدّاء الأوروبي لشمال أفريقيا، وتعرّضت بسببه مدن الساحل للقصف مرّات عدّة. أدّى فساد الحكم التركي، وتدمير الحياة الاقتصادية، وإثارة النعرات القبائلية لضرب القبائل ببعضها، إلى وقوع البلاد فريسة سهلة في يد الاحتلال.
لم يكتف العثمانيون بتخريب شمال أفريقيا، بل سلّموا الجزائر للمحتل الفرنسي العام 1831، حين قايض الداي حسين الجزائر مقابل خروجه بثروته الطائلة وأسرته إلى مصر، وسلّموا تونس العام 1881 حين قبل صادق باي بالحماية الفرنسية، ورفض قيادة المقاومة. وتركوا ليبيا للطليان بتوقيع معاهدة أوشي العام 1912، الّتي تنازلوا فيها عن ليبيا لإيطاليا، وتخلوا عن المقاومة الوطنية بقيادة السنوسيين، فهل هذه الجنّة التي يُبشر بها أردوغان وحلفاؤه؟

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:

من أين يستمد إخوان أوروبا قوتهم؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-22

ترجمة: مدني قصري


تُظهِر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، والمحظورة في العديد من البلدان، جيلاً جديداً، يُطوّر في استراتيجيتها التبشيرية والمعادية للعلمانية في جميع أنحاء أوروبا.

الإخوان أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم ويُحظر تنظيمهم في العديد من البلدان خاصة في العالم العربي

وعُقِد بالفعل عام 2002، مؤتمر لجماعة الإخوان المسلمين، في مدينة بون، حول موضوع "التعليم الإسلامي في أوروبا"، بتنظيم من المركز الثقافي الإسلامي في إيرلندا، و"جمعيات علماء الاجتماع المسلمين" في المملكة المتحدة وألمانيا، حيث استضاف المؤتمر الشخصيات الأوروبية القريبة من جماعة الإخوان المسلمين؛ مثل؛ طارق رمضان، ومحمد كرموس، وأحمد جاب الله، وإبراهيم الزيات، بهدف  تلقين جيل الشباب كيفية التعبير عن رسالة وروح الإسلام في العالم الغربي اليوم، ومواجهة تحدي مناهج المدارس العلمانية التي تتعارض مع دين النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وتتمثّل رسالة وروح التبشير في الإسلام السياسي الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، بوضع حد لتنوع المسلمين، وتصنيفهم تحت عنوان "المسلم" من خلال منحهم تعريف انتمائهم، بغرض امتلاك السلطة عليهم والتحدث نيابة عنهم، كما ورد في كتاب برنارد روجير، "الأراضي التي فتحها الإسلامويون"، الصادر عن دار (PUF).

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟

 

لقاء سريّ
تُعدّ جماعة الإخوان المسلمين أكثر الجماعات الإسلامية السنّية نفوذاً في العالم، ويُحظر تنظيمهم في عديد من البلدان، خاصة في العالم العربي؛ لأن هذه الجماعة، في عدد من الدول، مصنفة كـ "منظمة إرهابية"، كما تتخذ أوروبا والولايات المتحدة تدابير منتظمة في هذا الاتجاه، وقد تحدث موقع Interception مؤخراً، عن لقاء سريّ للإخوان، أشاروا فيه إلى بنيتهم التحتية في 79 دولة، وهو انتشار هائل  بالنسبة لمنظمة تُعتبر سرية.
يوسف القرضاوي موجّه الإخوان الخفي
لو كان فرنسياً، لتقاعد قبل حوالي 3 أو 4 عقود، لكنّ الشيخ يوسف القرضاوي، الموجِّه الخفي للإخوان المسلمين، ظل في المؤسسة حتى عمر 92 عاماً، لقد تواجد في السابق بكل مكان من أوروبا، وهو الآن مقيم في قطر، وكان الزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين على مدى العقود القليلة الماضية، حيث انطلق من إيرلندا لبناء وتطوير جميع الهياكل الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين التي يسيطر عليها الآن.

يسيطر القرضاوي على جميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي

وكان القرضاوي مؤسساً مشاركاً للمجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، وهي مؤسسة تُصدر فتاوى إسلامية مبسطة للمسلمين في أوروبا، وترأس القرضاوي الاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (IUMS) لمدة 10 أعوام، وهذا ليس كل شيء! فقد كان القرضاوي مُلهماً لجميع الهياكل الجمعوية لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الأوروبي، سواء اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) أو الجمعيات الوطنية؛ مثل اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسي (UOIF) في ذلك الوقت، الذي يُعرف اليوم باسم "مسلمو فرنسا" (MDF).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في سويسرا.. قصة سعيد رمضان وابنه!

 

جيل جديد قادم
انسحب القرضاوي الذي دافع مراراً وتكراراً عن الهجمات الانتحارية والعنف ضد المرأة أو برّرها، من المكاتب المذكورة أعلاه، لتنتقل الشعلة الآن إلى مجموعة من الباحثين مع قيادة مؤسستي الإخوان المسلمين الأوروبيتين الرئيسيتين؛ وهما؛ المجلس الأوروبي للفتاوى والأبحاث (ECFR)، والاتحاد الدولي لعلماء المسلمين (UISM)، اللتين تعتبران أكثر شباباً وأكثر عالمية، حيث تخدم الإدارة الجديدة أهمّ "الأسواق الأساسية"، وكل ذلك في شبكة أوروبية جيدة التنظيم.
وقد تجلّت الآثار الأولى لهذا الاتجاه الجديد بسرعة كبيرة، ففي تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، أي بعد أسبوع واحد فقط من المظاهرة ضد "رهاب الإسلام"، التي نظمتها "الجماعة ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا" (CCIF)، المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والتي تغذي خطاب الضحية، وُلِد "مجلس الأئمة الأوروبيين" الجديد، فكان بمثابة منصة إضافية للأئمة المعنيين والتابعين، وهكذا تم تحديث الظهور الرقمي بشكل كبير، وأصبحت "مجالس الفتوى" تتمتع الآن بنسختين؛ نسخة ألمانية ونسخة فرنسية، وبالتالي فإنّ العرضَ متاح من الآن فصاعداً بعدة لغات، وبالإضافة إلى ذلك، تم إطلاق تطبيق "فتوى اليورو"، الذي يتم الاستشهاد به بانتظام في الصحافة الدولية؛، حيث صارت التوصيات في بعض الأحيان غريبة ومخالفة للعقل بالنسبة للمجتمع الإسلامي.

 

التعليم: هوس الإخوان
تتمثل إحدى الوصفات لنجاح جماعة الإخوان المسلمين في اهتمامها الكبير بالتعليم، فقد ساعد القرضاوي بإنشاء المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) خلال التسعينيات من القرن الماضي في شاتو شينون، في مبنى تابع للاتحاد الفرنسي للمنظمات الإسلامية (UOIF)، حيث يضم مجموعة من كوادر وأئمة المستقبل من العلماء المسلمين وغيرهم من المعلمين الذين يعيشون وفقاً لإسلام الإخوان المسلمين السياسي، والحال أنّ المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)، لا يتعاون مع أي مؤسسة تعليمية غربية، ولا يزعج المسؤولين، فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي، ويصبح الخريجون منه أئمة يتم تكليفهم خصيصاً في مجتمع مسلم نام، على استعداد للانضمام إلى الإخوان، والوصفة فعالة؛ حيث يوجد الآن في فرنسا حرمٌ للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في حي سانت دينيس، وبعض الفروع في الألزاس وأورليانز، ومدارس خاصة مثل ثانوية ابن رشد في مدينة لِيلْ.

لا يتعاون المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية مع أي مؤسسة تعليمية غربية فهو على اتصال بالجامعات الإسلامية في ماليزيا والعالم العربي

وأُنشأ المعهد الأوروبي الألماني للعلوم الإنسانية (EIHW)، المستوحى إلى حد كبير من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، والذي يرأسه المصري خالد حنفي، نائب الأمين العام الجديد للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR)، والعضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IMSS)، قبل بضعة أعوام في فرانكفورت؛ والذي يرأسه الآن خليفة القرضاوي؛ عبد الله الجديعي، المتواجد على رأس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) منذ عام، وهو عراقي إنجليزي، إضافة إلى أنه عضو في الرابطة الدولية لعلماء المسلمين (IUMS)، كما كان جزءاً من المجلس الإداري والمجلس العلمي للمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) في شاتو شينون، وكان نائبه؛ أحمد جاب الله، نفسه قد ترأس لفترة طويلة نفس المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH) الذي يعلن عن نفسه كمنظمة أوروبية.

 

حلفاء أقوياء لمنظمة راسخة بشكل متزايد
بُذلت محاولات مختلفة لوضع إخوان أوروبا في مكانهم، ولكن تبيّن، لسوء الحظ، أنّ تمويلهم قوي جداً، حيث تساعد مؤسسات كثيرة في قطر والكويت على زيادة فرصهم في التسلل، كما أنّ تعاونهم الوثيق والمتزايد مع تركيا يثير القلق، فضلاً عن انتشار مساجد الحركة الإسلامية التركية ميلي غوروس (أفق وطني) في كل مكان تقريباً داخل أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا، فهذه النسخة التركية من الإخوان المسلمين تقوم حالياً ببناء مسجد كبير في ستراسبورغ على مساحة 7000 متر مربع تقريباً.

تتلقى جماعة الإخوان مساعدات من مؤسسات كثيرة في قطر فضلاً عن تعاونها الوثيق والمتزايد مع تركيا

هل من قبيل الصدفة أن يقع مقر فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد، (IESH-Alsace)، والذي تم تأسيسه في خريف عام 2018 من قبل جمعية عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية (UOIF)، أي "الرابطة الإسلامية لشرق فرنسا"، في مدينة ستراسبورغ أيضاً، ومقرها حالياً في مسجدٍ للإخوان المسلمين في شارع ثيرغارتن؟
ورغم أنّه لا يزال حديثاً، إلّا أنّ هذا الفرع التابع، يشارك بالفعل في النقاش الدائر باللغة العربية، بتمويل من قطر (QatarDebate)، وقد استضاف بالفعل أحد الزعماء المثيرين للجدل في الجامعة الإسلامية العالمية؛ وهو العالم الإسلامي عبد الله المصلح، ولأنّ الجامعة الإسلامية العالمية هذه كانت دائماً منظمة سعودية مرتبطة بشكل وثيق بجماعة الإخوان المسلمين، فلا يرى عبد الله المصلح أي مشكلة في إضفاء الشرعية على الهجمات الانتحارية ضد "أعداء الإسلام"، وأرسل فرع المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الجديد ألزاس، فور تأسيسه 7 طلاب ومدرسين إلى فيينا في أوائل كانون الثاني (يناير) من العام 2019، للمشاركة في هذه المسابقة التي تموّلها مؤسسة قطر التعليمية.

تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من مسلمي أوروبا يشعرون أنّ جماعة الإخوان المسلمين تُمثلّهم

عند التفكير في تسلل الإخوان المسلمين، فعلى سياسيينا الإدراك بأنّ المؤسسات والجمعيات التربوية التابعة للإخوان المسلمين تعمل دائماً على أساسٍ أوروبي، وأنّ التغيير بين الأجيال الذي يحدث في هذه المنظمات يعني تطابق أيديولوجيا الإخوان المسلمين الخطيرة أكثر وأكثر مع جيل التابعين الشباب، ولا بدّ من بذل جهد أوروبي لمواجهة هذا الشكل من الإسلاموية، ويجب على فرنسا أن تتساءل عمّا إذا كانت ترغب بالاستمرار في استضافة أهم مجموعة من الأئمة والمدرسين الإسلاميين من المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية وفروعه على أراضيها، أو ما إذا كانت ستنجح في إيجاد الوسائل لوضع الإسلام على طريق أكثر ليبرالية وأكثر إنسانية، لتُقدّم خدمة رائعة لمسلمي البلاد؛ حيث تشير العديد من الدراسات إلى أنّ أقل من 10٪ من المسلمين في أوروبا يشعرون أنّهم ممثَّلون من قبل جماعة الإخوان المسلمين، هذه الأقلية التي تعمل على فرض الإسلام السياسي على الأغلبية الصامتة العظمى.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
https://www.causeur.fr/freres-musulmans-islam-tariq-ramadan-171941

للمشاركة:

اليمين المتطرف: البعد الجديد لتصاعد الإرهاب في ألمانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مارسيل فورستناو، بيتر هيله

أحد عشر قتيلا بينهم الجاني الذي استخدم السلاح بسبب الكراهية والعنصرية. هذا الاعتداء يبين أن خطر الإرهاب اليميني يتصاعد في ألمانيا ويشكل خطرا على السلم الاجتماعي فيها.

الجاني أطلق النار داخل اثنين من مقاهي تدخين النارجيلة (الشيشة) في بلدة هاناو بالقرب من فرانكفورت وقتل تسعة أشخاص وجرح على الأقل أربعة. ويبدو أنه قتل أمه ونفسه. وفي شريط فيديو روج الرجل قبلها لكراهية عرقية ونظريات مؤامرة. والسلطات لم تتعرف إلى حد الآن على توبياس ر.، كما قال وزير داخلية ولاية هسن بيتر بويت. وهل كان له اتصال مع يمينيين متطرفين آخرين وهل خطط للهجوم منذ وقت طويل، كل هذه الجوانب تحاول النيابة العامة التحقيق فيها.

الواضح هو أن خطر الإرهاب اليميني ازداد مؤخرا في ألمانيا. فالشرطة الجنائية الألمانية تصنف حاليا نحو 60 شخصا كخطيرين قد يرتكبوا إلى جانب حملهم الأفكار اليمينية المتطرفة أعمال عنف واعتداءات. ومنذ 2012 ارتفع عدد الأشخاص الخطيرين من الوسط اليميني المتطرف بشكل ملحوظ.

من الخيال إلى الفعل

وحجم قوة التهديد بصفة عامة يكشف عنها رقم من تقرير المخابرات الذي يؤكد أن 12.700 يميني متطرف "يميلون إلى العنف". وتواصلهم يحصل أكثر من ذي قبل عبر الانترنيت. فالمجال الافتراضي له مفعول تحفيزي، إذ أن خلية إرهابية تم الكشف عنها مؤخرا  تطرفت عبر الشبكة العنكبوتية. وهذا ينطبق أيضا على شتيفان ب. الذي كان يعتزم في أكتوبر 2019 تنفيذ مذبحة داخل كنيس يهودي في بلدة هاله.

في كفاحها ضد المتطرفين السياسيين والدينيين تقف سلطات الأمن أمام مشكلتين كبيرتين: من يترجم  خياله العنيف إلى أفعال ومن يقف وراء ذلك؟ وهذه القضايا ينشغل بها النائب العام كريستوف هيبكير من مكتب الجريمة في الانترنت في ولاية شمال الراين وستفاليا. فمنذ فبراير 2018 سُجلت حوالي 1000 دعوى جنائية متصلة في أغلبها بالوسط اليميني، كما قال في حديث مع دويتشه فيله. وكل دعوى جنائية تقريبا تحولت إلى إجراءات تحقيق. والمشكلة تتمثل في صعوبة "إخراج الناس من السرية".

مداهمات ضد مجموعة إرهابية مفترضة

والجمعة من الأسبوع الماضي فقط تمكنت الشرطة خلال مداهمة من الكشف عن مجموعة إرهابية. ففي عدة أماكن في ولايات متعددة فتشت الشرطة شقق 13 شخصا. وتم وضع أربعة إرهابيين مفترضين وثمانية مساعدين في الحبس الاحترازي. وتتهمهم النيابة العامة في كارلسروه بأنهم أرادوا التسبب في " ظروف مشابهة لحرب أهلية"، وذلك من خلال "اعتداءات غير ملموسة بعد" ضد سياسيين وطالبي لجوء ومسلمين. وللوهلة الأولى يبدو أن الشرطة والمخابرات والنيابة العامة تمكنت في الوقت المناسب من محاصرة مجموعة إرهابية. لكن الجزء الأهم في العمل ينتظر المحققين وهو تأكيد الاشتباه الحاصل بشكل مقنع حتى يتم توجيه التهمة للمشتبه بهم.

المحاكمة ضد فرانكو أ. لم تبدأ بعد

وصعوبة ذلك تكشف عنها حالة الجندي الألماني الموقوف عن العمل فرانكو أ.. فالملازم الأول قبع في 2017 طوال سبعة شهور في الحبس الاحترازي بسبب الإعداد "لهجوم خطير مهدد للدولة". ووُجهت له تهمة التخطيط لاعتداءات ضد سياسيين مشهورين، بينهم وزير الخارجية الحالي هايكو ماس ونائبة رئيس البرلمان كلاوديا روث.

وبالرغم من أن المتهم قام بجمع أسلحة ومتفجرات وتدوين أسماء ضحايا محتملين، رفضت المحكمة العليا في فرانكفورت أولا فتح تحقيق جنائي ضد فرانكو أ. والتعليل: "ليس هناك اشتباه جرمي كافي". وأكدت المحكمة العليا في فرانكفورت بالفعل أن اليميني المتطرف المفترض له "موقف قومي ومعادي للسامية"، واعتبرت في آن واحد أنه "من المرجح جدا" لم يكن "مصمما بعد" على تنفيذ الاعتداءات المخطط لها. لكن بعد اعتراض من النائب العام يجب على فرانكو أ. المثول أمام المحكمة بسبب الاشتباه بالإرهاب. ولا يُعرف متى تبدأ المحاكمة. والتصنيف الجنائي لهذه الحالة يؤكد تعقيد العقبات القانونية في ألمانيا رغم العديد من التعديلات القانونية، وبالتالي ليس مؤكدا أن المشتبه بهم بالارهاب الاثنى عشر المعتقلين منذ أيام ستُوجه لهم في النهاية التهمة.

تشديد عقوبة جرائم الكراهية

على الأقل قد يتم قريبا معاقبة جريمة الكراهية في الانترنت بشكل أقوى. وعرضت الحكومة الألمانية مشروع قانون يوم الاربعاء 19 فبراير/ شباط 2020. وفي حال وافق البرلمان بغالبية، يمكن ملاحقة تهديدات القتل والاغتصاب في الانترنت بعقوبة السجن حتى ثلاث سنوات. وإلى حد الآن تصل هذه العقوبة إلى سنة واحدة. وبشكل مشدد أكثر يُراد معاقبة الاعتداء على سياسيين محليين بعقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات. وتشديد القوانين المبرمج هو رد فعل على التهديدات المتزايدة بحق سياسيين عبر الانترنيت. وهذا ما حصل مع المسيحي الديمقراطي فالتر لوبكه من ولاية هسن قبل أن يتم إطلاق النار عليه في يونيو 2019 من قبل يميني متطرف مشتبه به.

ومن المتوقع أن يكلف قانون جديد لمكافحة جرائم الكراهية في ألمانيا الجهاز القضائي نحو 24 مليون يورو سنويا، وذلك في شكل تكاليف إضافية ناتجة عن تعيين مزيد من وكلاء المدعي العام والقضاة، وفقا لتقديرات الحكومة الألمانية.

وقال المدير التنفيذي لاتحاد القضاة الألمان، سفن ريبين إن هذا المبلغ ليس كبيرا إذا قورن بمئات الآلاف من الجرائم التي قد تحصل بفعل قواعد التسجيل الجديدة للشبكات الإلكترونية. وأضاف ريبين في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية أنه من المهم أن يكون القضاء الألماني قادرا على تنفيذ القانون الجنائي بشكل واسع النطاق، في ظل تشديد هذه القواعد، وذلك لردع الجناة.

وبموجب القانون الذي أقره مجلس الوزراء الأربعاء، تلتزم المواقع الإلكترونية مثل فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام بإبلاغ المكتب الاتحادي للتحقيقات الجنائية عن منشورات بعينها فور نشرها، وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، على الدعاية النازية والتحضير لجريمة إرهابية، ومنشورات العنف، إضافة إلى تهديدات القتل والاغتصاب ونشر صور الاعتداءات الجنسية الجسيمة بحق الأطفال. ورحب المدير التنفيذي لاتحاد القضاة بهذه الخطوة وقال إن الحكومة "صبرت كثيرا على فيسبوك وشركاه، وذلك من خلال سياستها المترددة ضد جرائم الكراهية".

واتخذت سلطات الأمن الألمانية في السنوات الأخيرة عدة إجراءات، بينها حظر بعض المجموعات اليمينية المتطرفة، إلا أن هذه الإجراءات على ما يبدو لم تأت بعد بمفعولها الرادع.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية