لماذا يستهدف الإرهاب المساجد؟

2440
عدد القراءات

2019-05-16

لم يكن استهداف مسجدي نيوزيلندا في شهر آذار (مارس) الماضي هو الحادث الأول من نوعه، وربما لن يكون الأخير، في سلسلة من الحوادث التي ضربت بيوت الله، تولى كِبرها إما متطرف عنصري ينتمي لدين أو مذهب ما، أو مَن يدّعي أنه ينفذ تعاليم الإسلام ونصوصه، وفق فهمه.
وبعيداً عن دوافع المتعصب اليميني الذي استهدف مسجدي نيوزيلندا، نناقش دوافع وأسباب استهداف المساجد في مجتمعاتنا المسلمة، وعلى يد بعض أبناء جلدتنا من أبناء تنظيم "داعش" أو الثقافة التي أنبتته.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله إمام مسجد "النور" في نيوزيلندا عن الإمارات
تقليدياً يبدو المسجد مكاناً للعبادة يتمتع فيه المسلمون بالأمن، والنصوص، قرآناً وسنّة، تجمع على صونه هو وكل دور العبادة، حتى في حال الحرب مع الأعداء، بل تحرص تقاليد وقوانين الحرب الدولية الوضعية على تجنيب دور العبادة والمدارس والمستشفيات ويلات الحرب، فما الذي يدفع البعض لاستهداف المساجد وتحت أي ذريعة؟

مواجهة استهداف المساجد يجب أن تبدأ من إعادة تعريف بعض المفاهيم التي استقرت في بطون كتب التراث

بداية في حال الحرب، كما أسلفنا، يفترض أن تكون دور العبادة بمنأى عن القصف أو الحرب، ولكن تاريخياً لم يحترم ذلك على نطاق مستمر؛ فقد عرف التاريخ مبكراً عدوان بعض الخلفاء على المسجد الحرام ذاته، كما فعل جيش عبدالملك بن مروان بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي حاصر عبدالله بن الزبير في الكعبة وضربها بالمنجنيق فهدم أجزاء منها في العام 73 هـ /693 مـ، كما تعرّض المسجد الحرام لهجوم هو الأكثر دموية عبر التاريخ في العام 317هـ حين استحله القرامطة وقتلوا الكثيرين حتى قدّر ضحايا هذا الهجوم بـ 30 ألف نفس، فضلاً عن نزع الحجر الأسود من مكانه حيث بقي 22 عاماً بحوزة القرامطة.
استهداف المسجد الحرام في الحالات السابقة لم يحترم حرمة المسجد ولا حرمة هذا البيت تحديداً في الشريعة والوعي الإسلامي؛ فالحرب هي الحرب في النهاية سواء خاضها أبرهة الحبشي أو عبدالملك بن مروان أو قائد جيشه الحجاج الذي لم يحتج لاستهداف المسجد إلى فتوى كما فعل جهيمان في اقتحام الحرم والسيطرة عليه في العام 1979.

اقرأ أيضاً: إمام مسجد النور يربط أحداث 11 سبتمبر بمذبحة نيوزيلندا.. بهذه الطريقة
عندما هاجم جهيمان الحرم واحتله لم يكن يعتبره مسجد ضرار، بل مصدراً للشرعية التي تصور أنّه سيحوزها بالحصول على مبايعة عمّار البيت للمهدي المزعوم بين أركانه.
لكن تبقى قضية مسجد الضرار وأحكامه هي الباب الذي دلفت منه جماعات كثيرة لاستباحة المسجد، وهو المنطق الذي برر لدى "داعش" ضرب مسجد الروضة بشمال سيناء حين استباحت قتل المصلين بعد أن كفّرتهم.
قضية أحكام مسجد الضرار شأنها شأن الكثير من المسائل المنحولة والمتعسفة، التي تحاول إسقاط واقعة نبوية لها سياق محدد على واقعنا وكل واقع ينشأ، فما هي قصة مسجد الضرار وأحكامه؟
جاء ذِكر قصّة بناء مسجد الضرار الذي بُنِي في عهد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في سورة التوبة، حيث جاء فيها قول الله سبحانه وتعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الحسنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ*لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ".

اقرأ أيضاً: كندي يعترف بقتل المصلين في مسجد كيبيك.. تفاصيل مروعة
أمّا تفاصيل بنائه فقد ورد ذكرها في العديد من كُتُب التفسير؛ حيث جاء فيها أنَّ المدينة قبل أن يدخلها النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، كان فيها رجل من قبيلة الخزرج اسمه أبو عامر الراهب، وكان في الجاهلية نصرانيّاً، وتعلَّم من أهل الكتاب وقرأ كتبهم، وكان في تلك الفترة يتعبَّد بعبادتهم. وقد كان لأبي عامر الراهب مكانة عظيمة، وشرفاً رفيعاً في قومه، فلمّا انتقل النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، إلى المدينة، واجتمع حوله المسلمون من المهاجرين والأنصار، وصار للإسلام قوّة ومنعة، وخاصّةً بعد غزوة بدر، لم يُعجب ذلك أبا عامر، وأظهر الحقد والعداء للمسلمين، ثمّ اتجه إلى مكة؛ ليحرِّض كفُارها وسادَتها على محاربة النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، وأصحابه، رضي الله عنهم، ثمّ وقعت غزوة أحد، حيث امتحن الله تعالى المؤمنين، وفي بداية المعركة توجّه أبو عامر إلى قومه من الأنصار ممّن كانوا مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فخاطبهم وحرّضهم على رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، واستمالهم للوقوف في صفّه، وموافقته على ما عزم عليه من عِداء للنبيّ، صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه، رضي الله عنهم، فلما رأوا منه ذلك العداء للنبيّ شتموه وسبّوه.

اقرأ أيضاً: أمريكا: القبض على 3 رجال هاجموا مسجداً
ولما انتهت غزوة أحد، وازداد شأن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، ومكانته، توجّه أبو عامر إلى هرقل ملك الروم، وطلب منه أن ينصره ويُعينه على عداء النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، فوعده هرقل بأنّه سينصره ومَنَّاه بذلك، وأقام عنده فترةً، وأخبر المنافقين في المدينة أنّه سيأتيهم بجيش؛ لقتال النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم؛ ليكسر شوكته ويغلبه، وأمرهم أن يجعلوا لهم مكاناً يجتمعون فيه ويكون لهم معقلاً ومرصداً، فرأوا أن يبنوا مسجداً بجوار مسجد قباء، فبنَوْه، وطلبوا من النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، أن يأتيهم للصلاة فيه؛ ليجعلوا له أساساً بين المسلمين".
القصة، كما وردت بكتب التفاسير، تتحدث عن عمل حربي صرف، المسجد هنا مجرد مكان يحمل اسم المسجد لكنه في حقيقة الأمر قاعدة للتآمر على دعوة النبي الناشئة، تأمل السياق جيداً لتدرك أنّنا أمام عمل حربي لم يقابله النبي حتى باستحلال الهجوم على المسجد، بل جاء الأمر القرآني بالنهى عن القيام في هذا المسجد؛ أي تجنبه؛ لأنّه قاعدة للإضرار والغدر والكفر بالله ورسوله وتفريق جماعة المسلمين.

قضية أحكام مسجد الضرار من المسائل المنحولة والمتعسفة التي تحاول إسقاط واقعة نبوية لها سياق محدد على واقعنا

لكن هذا الأمر اليقيني لم يتركه الفقه على حاله؛ بل جعل مسجد الضرار مفهوماً مستقراً لا يتعلق بواقعة نبوية لها سياق كما أسلفنا، لكن يمكن تأمل هذه المعنى فيما ذكرته بعض المواقع السلفية التي تؤمن الذخيرة الفكرية للمتطرفين
فمسجد الضرار عندهم ليس حادثة في المجتمع الإسلامي الأول انتهت وانقضت، بل هي فكرة ومؤامرة مستمرة، يُخَطط لها، وتختار الوسائل الدقيقة لتنفيذها، في صور كثيرة ومختلفة، "فلا يزال أعداء الإسلام ـ من المنافقين والمبشرين وغيرهم ـ يقيمون أماكن ظاهرها البناء والخير والإصلاح، وباطنها حرب على الله ورسوله، وهدفها الطعن في الإسلام، وتشكيك المسلمين في معتقداتهم، وإبعادهم عن قيمهم وآدابهم، فيقيمون مدارس باسم التعليم ليتوصلوا بها إلى بث سمومهم بين أبناء المسلمين، وصرفهم عن دينهم، ويعقدون الندوات والمنتديات باسم الثقافة والتطوير، والغرض منها خلخلة العقيدة في القلوب، والقضاء على القيم في النفوس، ويبنون مستشفيات باسم المحافظة على الصحة والخدمات الإنسانية، والغرض منها التأثير على المرضى والفقراء وصرفهم عن دينهم، ومن ثم فعلى المسلمين أن يأخذوا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الدروس والعبر التي تساعد الأمة على معرفة الطريق إلى عز الإسلام والمسلمين، من خلال معرفة عوامل النهوض والنصر، وأسباب السقوط والهزيمة، ويتعرفون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في تعامله مع الأعداء، وتربيته للأفراد، وبنائه للدولة".
بمثل تلك المفاهيم يبرر استهداف المساجد، فمن السهل وفقاً لهذا المنطق وسم أي مسجد بأنه مسجد الضرار، ومن ثم تكفير مرتاديه وقتلهم كما جرى ويجرى في كل واقعة مماثلة.
إن مواجهة استهداف المساجد يجب أن تبدأ من إعادة تعريف بعض المفاهيم التي استقرت في بطون كتب التراث ومنها ما يسمى بأحكام مسجد الضرار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: