لماذا يعتبر المثقفون أغنية التكنو شعبي سرطاناً فنياً؟

انشغل الشارع العام المصري، بصراع نشأ بين اثنين من مؤدي أغانٍ تُعرف بـ "المهرجان"، صراع هاجمه المثقفون، باعتبار أنّ طرفيه أشبه بتجار المخدرات، كما زعموا، غير أنّ سؤالاً طرح نفسه، حول ملايين المتابعين لتلك النوعية من الغناء!

إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة عندما قدّم المطرب الشعبي جمال السبكي أغنية "هنروح المولد"

انتشرت أغنية المهرجان، أو أغاني التكنو شعبي، في مصر، عقب أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وأصبح صخبها هو المسيطر، على مدار الأعوام العشرة الأخيرة، وظلّ أيّ مثقف محبّ للغناء الكلاسيكي عدوّاً لأغنية المهرجان، بيد أنّ صنّاع تلك النوعية من الغناء تمددت سيطرتهم لتخرج ألحانهم بعيداً عن أسوار القرى الفقيرة التي احتضنت حفلاتهم في البداية، لتقتحم مناطق الأثرياء.
التطور السريع الحاصل لأغنية التكنو شعبي سببه الرئيس محاولة سكان القرى والأحياء الشعبية خلق بديلٍ لأفراحهم، أكثر بهجة، وأقلّ تكلفة.
إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة؛ عندما قدم المطرب الشعبي، جمال السبكي، أغنية "هنروح المولد"، على أنغام موسيقى السمر، بمصاحبة الأورج الكهربائي، وهي موسيقى شعبية انتشرت في أفراح المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة.

أصبح صخبها هو المسيطر على مدار الأعوام العشرة الأخيرة
صاحب انتشار تلك الأغاني الشعبية آلة الـ "دي جي"، في أفراح الريف والأماكن الفقيرة.
و"دي جي"، اختصار لكلمة "دِيْسْكْ جُوكِيْ"(Disc Jockey)، ويقصد بها مقدّم الأغاني المسجلة؛ أي الشخص الذي يتولى اختيار وتقديم الأغاني والألحان المسجلة مسبقاً للجمهور.

اقرأ أيضاً: هذا ما تفعله الموسيقى الحزينة بمرضى الاكتئاب
تحوّل صاحب الـ "دي جي" إلى دور الـ "نبطشي" الذي يشجع الجمهور، لكن هذه المرة لمشاركة الشباب الرقص وإضفاء حالة من البهجة أثناء الغناء، يصدر بعض الجمل التشجيعية بمصاحبة موسيقى السمر التي تلاعب فيها باستخدام برامج الريمكسات، لتصبح أقرب إلى الموسيقى الصاخبة التي اشتهرت بها موسيقى الهيب هوب، والروك، والراب، والميتال.
الحديث عن تطور أغاني الأماكن الشعبية في مصر يجب أن يسبقه الحديث عن أغانٍ قريبة الشبه، ظهرت في أمريكا قبل ثمانية عقود.
الموسيقى الشعبية الأمريكية
انتشرت موسيقى "الهيل بيلي"، أو الموسيقى الريفية، في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وكان أغلب الموسيقين عمالاً في مصانع النسيج أو مناجم الفحم، ومزارعين وعمالاً في السكة الحديدية، ورعاة بقر، ونجارين، وسائقي عربات شحن، وعمالاً عاديين، وحلاقين.

اقرأ أيضاً: مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق
أيضاً كان للزنوج في أمريكا أغانيهم الشعبية، والتي تسمى "البلوز"، وهي أغانٍ خاصة بالريف والأماكن الفقيرة يغنيها أصحابها ليرقصوا عليها، ويحترفها عمال وفلاحون.
في الأربعينيات بدأت ملامح موسيقى شعبية أخرى تظهر في أمريكا، عبارة عن مزيج بين موسيقى "الهيل بيلي" التي يغنيها فقراء البيض، وموسيقى "البلوز" التي يغنيها فقراء السود في أمريكا، أطلق عليها موسيقى "الروك"، موسيقى تعتمد على ثلاث آلات رئيسة: الجيتار الكهربائي، والبيس جيتار، والدرامز.

الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"
عام 1970؛ ظهرت موسيقى الـ "هيب هوب"، التي اعتُبرت حركة ثقافية للأمريكيين الأفارقة، والتي نشأت ردّ فعل لما تعرضوا له من العنصرية، ولإظهار ثقافة وفنّ مستقلّ خاصّ بهم، وكنوع من التعبير عن أنفسهم، وعن المشاكل؛ من الفقر، والبطالة، والعنصرية، والظلم.

صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة

وكان ضمن فوائد تطوير ثقافة الـ "هيب هوب" إشغال الشباب السود في أمريكا في الرقص والغناء، بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات.
الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"، والتي كانت في بدايتها عبارة عن شخص يصعد إلى المسرح ليصدر عبارات تشجيعية للجمهور أثناء العزف، ثم تطورت إلى أغنية الراب بشكلها الحالي، صاحب الهيب هوب أيضاً رسم "الجرافيتي" على الجدران، العلاقة بين الكتابة على الجدران وثقافة الهيب هوب نشأت حين كان أوائل فناني الكتابة على الجدران عناصر في فرق الهيب هوب، والتي كانت في مناطق فيها عناصر أخرى من الهيب هوب، فأصبحت كلّ مجموعه تطور أشكالها الفنية، وكانت الكتابة على الجدران تستخدم كنوع من التعبير من قبل النشطاء السياسيين، وصاحب الهيب هوب رقص البريك دانس، كلّ ذلك إلى جانب  الـ "دي جي"، ومعظم هذه الأغنيات الشعبية كانت تهاجَم في أمريكا؛ باعتبارها تدعو إلى العنف والفاحشة لكن ما حدث بعد أعوام؛ أنّها أصبحت الأشهر في العالم.
التكنو شعبي
صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة، ورغم إعجاب المجتمع المصري بأغاني الراب في الغرب، أو أغاني الراي في شمال إفريقيا، إلا أنّ هجوماً شرساً يقوده المثقفون، يقع في الغالب على أغنية التكنو شعبي المصرية.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
ورغم أنّ ظهور أغنية التكنو شعبي في القاهرة بدأت ملامحه عام 2009، غير أنّ انتشارها الكبير حدث بعد أحداث الربيع العربي، وتبنَّت بعض فرق المهرجانات إصدار أغنيات سياسية لرصد المشهد العام، كان أشهرها مهرجان قدمه السادات وفيفتي، بعنوان "أنا نفسي بس في رئيس"، لدعم مرشّح اليسار المصري في الانتخابات الرئاسية عام 2012.
وأصبح الخطّ السياسي، إلى جانب انتقاد الأوضاع الاجتماعية، محطّ اهتمام فرقة السادات وفيفتي، إلى جانب رصد الوضع الاجتماعي العام، وهو محلّ اهتمام أغنية التكنو شعبي في العام، ربما كان ذلك من أسباب زيادة جمهورهم في ظلّ أوضاع سياسية متأججة منذ أعوام.

 

انحطاط الذوق العام
أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، زين نصار، يرى أنّ "أغاني المهرجان نوع من السرطان الغنائي"، ويوضح في تصريح لـ "حفريات": "أغاني المهرجانات شديدة الضرر بالناس والمجتمع، وتضرّ بالذوق العام، إلى جانب استخدامها ألفاظ منحطة".
من جانب آخر، يرفض مؤسس باند "ملكوت"، العازف شادي رباب فكرة الذوق الفاسد، ويقول لـ "حفريات": المجال عبارة عن ساحة، ومن يستطيع الحصول على محبة الجمهور فأهلاً به"، ويستكمل رباب: "أوكا وأورتيجا، مثلاً، حصل مشروعهما الغنائي على جائزة عالمية في الموسيقى، باعتبار أنّهما مؤسسا ذلك النوع من الموسيقى الجديدة التي لم تكن معروفة".

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
في سياق مختلف، يتساءل أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، الشاعر شوكت المصري، عن ظاهرة أغنية المهرجان: "هل صعود أغنية المهرجان بدأ كردّ فعل على سيطرة رؤوس الأموال على الإنتاج الفني في أعوام ما بعد التسعينيات وحتى قيام أحداث يناير؟".
ويضيف المصري: "نجاح أغنية المهرجان في اجتذاب أعداد كبيرة من الجمهور يرجع إلى عدة أسباب، منها عدم وجود دعم فنّي حقيقي، والتقصير في الدعاية والتسويق للمنتج المتميز، وسيطرة شركات الإنتاج".

الأقسام: