"لن يسكتوا أصواتنا": صرخة مثقفي غزة ضد طائرات ترعبها القصائد

فلسطين

"لن يسكتوا أصواتنا": صرخة مثقفي غزة ضد طائرات ترعبها القصائد

مشاهدة

15/08/2018

في تمام الساعة السادسة والنصف مساء يوم الخميس، التاسع من الشهر الجاري، أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية، بتسعة صواريخ على "مؤسسة سعيد المسحال للثقافة والعلوم" غرب مدينة غزة لتدمرها بالكامل، وتجعل أحلام مثقفي غزة كركامها الذي تناثر في كل مكان، ويصبح المسرح الذي كانت تعرض على خشباته الأعمال المسرحية والفنية، ذكرى جديدة تضاف إلى أجندة ذاكرة الغزيين.

الاحتلال الصهيوني يحاول إسكات صوت الشباب الفلسطيني لذلك يتعمد استهداف المراكز والمؤسسات الثقافية وهدم المسارح

"سعيد المسحال للثقافة والعلوم" مؤسسة ثقافية فلسطينية تأسست عام (1996)، بتمويل خاص من رجل الأعمال الفلسطيني الذي تحمل اسمه، وتعمل على نشر الوعي الثقافي، وتقديم نشاطات، وخدمات متنوعة للجميع، بحيث أضحت ملتقى الفنانين والمثقفين والمبدعين في قطاع غزة، ومتنفسهم الوحيد. أقيم على مسرحها المتواضع مئات الأعمال المسرحية والندوات الثقافية، والاحتفالات الفنية والعروض التراثية، فكانت قبلة الفنانين كافة، خاصة في ظل عدم جود دور سينمائية في غزة، وندرة المؤسسات الفنية.

اقرأ أيضاً: بعد تقليص خدمات الأونروا: صحة الفلسطينيين وتعليمهم في خطر

وشكل استهداف المؤسسة الثقافية، والمسرح الوحيد في قطاع غزة ضربة قوية للثقافة بالقطاع، فالاحتلال الإسرائيلي حرم المثقفين والمبدعين من بيتهم الثاني، حيث كان يرتاد الشباب على هذا المكان لشراء ساعات من الفرح والترويح عن النفس، من خلال مشاهدة العروض المسرحية والحفلات الغنائية والأنشطة الثقافية، التي كانت تقام بشكل دائم بداخله.

أغارت طائرات الاحتلال بـ 9 صواريخ على "مؤسسة سعيد المسحال للثقافة والعلوم"

ذكريات جميلة

المخرج المسرحي علي أبو ياسين، الذي أخرج عدداً من المسرحيات التي عرضت على مسرح المسحال، الذي أصبح شيئاً من الماضي تحدث لـ "حفريات" بنبرة متقطعة: "كانت ضربة قوية لنا، وبكينا بكاءً شديداً على تدمير هذا الصرح الثقافي العريق، فكان بيتنا الثاني، وقضينا فيه أجمل لحظات حياتنا".

ويضيف، والحسرة ترتسم على محياه: "الصواريخ الإسرائيلية لم تدمر المؤسسة الثقافية فحسب، بل دمرت أحلامنا التي كبرت بداخله، وعلى مسرحه، فهم دمروا المكان الذي كان ينسينا همومنا، ونعوّل عليه لنشر الوعي الثقافي بين الشباب المحاصرين، ويلجأ إليه أصحاب المواهب والفنانين لتنمية مواهبهم التي كاد الحصار أن يقتلها".

عالم صغير

هذه المؤسسة العريقة، في نظر أبو ياسين، كانت تجعلنا نتمسك بهذه المدينة المحاصرة، "فكانت المكان الذي نلتقي به بالأحباب والأصدقاء، وكانت تقرب علينا المسافات البعيدة، فلم تكن عبارة عن مؤسسة ثقافية ومسرح لعرض المسرحيات والعروض الفنية، بل كانت العالم الصغير لشعراء وأدباء ومثقفي غزة".

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة

ويشير إلى أنّ الاحتلال الإسرائيلي نجح كعادته بقطف زهرة من زهرات غزة، فهو قطف الذكريات الجميلة، فالثقافة والفن والمسرح يشكلون هاجساً قوياً للاحتلال، والذي يخاف من نشر الوعي لدى الفلسطينيين، لذلك استهدفوا المكان الجميل الذي يخبّئ مثقفو غزة ومبدعوها فيه أوجاعهم نتيجة الحصار والدمار، الذي حل بمدينة غزة.

استهدفوا المكان الجميل الذي يخبّئ مثقفو غزة ومبدعوها فيه أوجاعهم نتيجة الحصار والدمار

أحلام مبعثرة

أحمد عبد الرحمن مخرج مسرحية كان من المفترض عرضها على "مسرح سعيد المسحال"، بعد الانتهاء من تدريب الممثلين، قال لـ "حفريات": "عوّدنا الاحتلال الإسرائيلي على بعثرة أحلامنا، فقبل شهرين بدأت بإخراج مسرحية تحاكي واقع الشباب الفلسطينيين، واقتربنا من انتهاء التدريبات للبدء بالعرض المسرحي".

يضيف: "يهدف الاحتلال الإسرائيلي من خلال استهداف المؤسسة إلى إسكات الصوت الفني الفلسطيني، الذي كان يصدح في هذا الصرح الفني، فهو استطاع تدمير حلم الممثلين الذين يعملون على قدم وساق، لإنجاح هذا العمل المسرحي"، متسائلاً "لا أدري أين سيتم عرض المسرحية بعد تدمير المبنى؟".

توتر شديد

ويردف عبد الرحمن: "عند سماعي خبر استهداف المؤسسة أصابني توتر شديد. فبعده لن أستطيع الحديث مع أحد، وذكريات هذا المكان بدأت تقفز إلى عقلي، وتفاصيله الجميلة تمركزت في مخيلتي، فهذا المعلم الثقافي عزيز على قلبي، لي معه ذكريات جميلة، لم أتوقع في يوم من الأيام أن يصبح ركاماً، ويبقى ذكرى".

اقرأ أيضاً: البالونات الحارقة سلاح الفلسطينيين الجديد لمواجهة إسرائيل

ورغم تدمير مقر مبنى مؤسسة المسحال، وتسويتها بالأرض؛ إلا أنّ رواد هذا الصرح الثقافي أرادوا تحدي الاحتلال الإسرائيلي، وأقاموا حفلات فنية على ركامه وسط حشد كبير من الأطفال والمتضامنين، الذين تظاهروا تنديداً بتدمير أحد أهم المراكز الثقافية في غزة.

مساحة للتعبير

محمد عطا الله، أحد الفنانين الذين يشاركون يومياً في إقامة حفلات موسيقية على ما تبقى من المؤسسة، يقول في حديثه لـ "حفريات": " نحن شعب يحب الفن والموسيقى والمسرح، لأننا نجد بهذه الأشياء مساحة للتعبير عما يجول بخاطرنا؛ ولكن الاحتلال الإسرائيلي يحاول أن يعيدنا للخلف من خلال تدمير المؤسسات الثقافية".

ويتابع: "تواجدنا في هذا المكان لنعيد الحياة لمؤسسة المسحال، ونستمر في مسيرة الفن، فعلى الرغم من دمار المكان سنواصل عرض الأعمال الفنية والمسرحية"، مشيراً إلى أن تدمير المبنى منحهم عزيمة قوية لإعادة ترميمه، "ليعود كما كان بالسابق حاضنا للمثقفين والمبدعين".

مدير "مؤسسة المسحال": سنواصل المسيرة ونعيد بناء المؤسسة من جديد

محاربة الثقافة

ويشدد عطا الله على أنّ الاحتلال الإسرائيلي يحارب الثقافة في غزة، لأنه يدرك أهميتها في تكوين الشعوب، وخصوصاً الأجيال القادمة، لافتاً إلى أن هذا المكان يحمل ذكريات مهمة للفنانين والمثقفين الفلسطينيين.

اقرأ أيضاً: 17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

الشاب محمد حشيشو كان يستظل بالجهة المجاورة للمبنى المدمر هرباً من أشعة الشمس الحارقة، يقول لـ "حفريات" بصوت يغلب عليه الأسى: " قضيت طفولتي داخل هذه المؤسسة، تعلمت الدبكة الشعبية، وكانت ملاذنا الوحيد للترويح عن أنفسنا أنا وزملائي بالمدرسة، فلم نغب عن هذا المكان سوى أيام الامتحانات المدرسية، ولي ذكريات جميلة داخل بهذه المؤسسة، التي أعتز أنني كنت من روادها يوماً من الأيام".

رفض واستنكار

مدير "مؤسسة سعيد المسحال للثقافة والفنون" نضال عيسى استنكر عملية استهداف مبنى المركز، واعتبرها "جريمة جديدة تضاف إلى سجلات جرائم الاحتلال الإسرائيلي"، مؤكداً أن المؤسسة ثقافية تقدم الخدمات الثقافية للمثقفين والفنانين، "وليس لها أي علاقة بالجانب العسكري كما يدعي الاحتلال عبر وسائل الإعلام العبرية".

نضال عيسى: سنواصل مسيرتنا الفنية وسنعيد بناء مؤسسة المسحال من جديد، لتصدح أصوات  الفن والأغاني الوطنية

عيسى قال لـ "حفريات": "الاحتلال يحاول إسكات صوت الشباب الفلسطيني، لذلك يتعمد استهداف المراكز والمؤسسات الثقافية. وتدمير مبنى المسحال حلقة جديدة من مسلسل طويل من الاعتداءات، التي استهدفت تاريخياً، كوكبةً من المؤسسات الثقافية والمؤسسات الإعلامية، وهذا يدل على أن الاحتلال يعاني من فوبيا وجود الثقافة بغزة".

يضيف: "كان يرتاد هذه المؤسسة الأطفال والفنانون والمثقفون، لقضاء أجمل الأوقات بداخله؛ ولكن الطائرات الإسرائيلية هدمت ذكريات الأطفال وضحكاتهم، ودمرت أحلام الشباب المثقفين، فنحن نواجه عدواً لا يعرف معنى للسلام والحرية، فهو لا يعرف سوى لغة واحدة، وهي لغة القتل والتدمير".

"سنعيد البناء"

ويستطرد عيسى نبرة تحدٍ: "لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وسنواصل مسيرتنا الفنية، وسنعيد بناء مؤسسة المسحال من جديد، لتصدح داخلها أصوات الأغاني الوطنية، وتقام على خشبات مسرحها عروض الدبكة الشعبية والعروض المسرحية، ليعلم الاحتلال أنه لن ينال من عزيمتنا، وأنّ الضربة التي لم تقتلنا تزيدنا قوة".

الصفحة الرئيسية