لوم الضحية: موروث اجتماعي أم اضطراب سلوكي؟

لوم الضحية: موروث اجتماعي أم اضطراب سلوكي؟

مشاهدة

21/07/2020

لوم الضحية عبارة شائعة ارتبطت ذهنياً بإلقاء اللوم على النساء حال تعرضهنّ لانتهاكات جسدية أو لفظية، إلّا أنّ ثقافة لوم الضحية ليست منوطة بالنساء وحدهن، حتى وإن كنّ هُنّ الأكثر تعرّضاً للّوم في حال التعرض لاعتداء ما.

لم تغب ظاهرة لوم الضحية عن البلاد الغربية حتى وإن كانت أقلّ شيوعاً بشكل نسبي

ثقافة لوم الضحية قد تستهدف الجنسين على حد سواء، على الرغم من  شيوع تلك الممارسات ضد النساء بشكل ملحوظ، خاصّة إن تراءى للجماهير أنّ الضحية مذنبة أخلاقياً، حسب تصوّرات المجتمع عن الأخلاق.

تستند هذه الظاهرة إلى تحميل الضحية مسؤولية الاعتداء كليّاً أو جزئيّاً، وقد تنبع هذه الثقافة من الجماهير ذاتها، حتى وإن كانت تلك الجماهير تتعرّض للتسلط تحت سياق آخر أو في السياق ذاته.

ثقافة مجتمع أم اضطراب سلوكي؟

انشغلت الدراسات السيسولوجية الحديثة بتفنيد ظاهرة لوم الضحية، فأشار إليها عالم الاجتماع الألماني    (تيودور أدورنو)، وهو متخصّص في الفلسفة والنظرية الاجتماعية النقدية، من خلال مقاله البحثي  الصادر في العام 1947 والمعنون بـ(واجنر ونيتشه وهتلر)، فيذهب أدورنو إلى أنّ لوم الضحية ما هو إلا متلازمة من متلازمات الشخصية الاستبدادية.

لوم الضحية عبارة شائعة ارتبطت ذهنياً بإلقاء اللوم على النساء حال تعرضهنّ لانتهاكات جسدية أو لفظية

وهنا فإنّ (أدورنو) لم يكن يتحدث في سياق نسوي أو جندري، بل جاءت نظريته في إطار نقده للسلطة  النازية وقدرتها على استمالة أشخاص ليسوا من الجهلاء بل من المثقفين، والعمل على تطويعهم في ترسيخ ثقافة لوم الضحية بشكل عام، سبيلاً لدعم منظومة السلطة.     

ربّما سعى أدورنو من خلال هذه النظرية إلى دحض الاعتقاد الشائع بأنّ لوم الضحية سلوك يصدر من غير المثقفين أو غير المتعلمين، فهو يرى أنّ مناصرة الجاني على حساب الضحية نمط من أنماط الاضطراب السلوكي، والاضطرابات ليست مرتبطة بمستوى طبقي أو تعليمي بعينه.

اقرأ أيضاً: هل كشفت حادثة الاغتصاب الأخيرة في مصر قائمة طويلة من المتحرشين؟

وهذا لا ينفي دور الموروثات المجتمعية والعقائدية في الترسيخ لهذا الاضطراب السلوكي، فالاضطراب السلوكي ليس بالضرورة عملاً فردياً، بل قد يكون حالة اجتماعية تسببت بها التنشئة؛ أي إنّ الاضطراب السلوكي قد يدعمه خلل مجتمعي يستند إلى أعراف وتقاليد، أو وازع عقائدي إيماني في بعض الحالات.

لوم الضحية: هل هو إيمان بالقصاص؟  

وعلى صعيد آخر، ومن خلال كتابه "الإيمان بعدالة الكون" الصادر في العام 1980، يذهب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ميلفن ليرنر إلى أنّ متلازمة لوم الضحية ما هي إلا قناعة مغلوطة  لدى الجماهير بأنّ هذا العالم مثالي ولا يقع  فيه الظلم بهتاناً، وبالتالي تصدّق تلك الجماهير أنّ ما يناله المرء من ظلم، ما هو إلا عقاب مستحق لخطيئة ما، وقد عدّ ليرنر هذا الإيمان المُطلق بالعدالة مجرّد وهم في عقول العامة والنخب على حد سواء.

 

ثقافة لوم الضحية قد تستهدف الجنسين رغم شيوع تلك الممارسات ضد النساء بشكل ملحوظ

ويخلص ليرنر في نهاية بحثه إلى تحديد ثلاثة أنماط للأشخاص الذين يميلون إلى لوم الضحية: نمط الشخصية المتحفظة لما تراه قيماً وأخلاقاً مجتمعية، والشخصية المتعصبة دينياً، والشخصية الاستبدادية بشكل عام.

ومن يتابع أعمال ليرنر البحثية، فسوف يلاحظ أنّ نظرياته تُعدّ استكمالاً لما طرحه عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ستانلي ميلغرام في ستينيات القرن الماضي عن الطاعة العمياء، وأنّ تلك الطاعة قد تقتضي الانتصار للجاني ضدّ ضحيته.

  وربّما حين نستخدم كلمة الطاعة تذهب الأذهان إلى طاعة سلطة استبدادية ما، وقد تُعدّ هذه النظرية منقوصة؛ لأنّ الطاعة قد تكون لفكرة أو عُرف أو عقيدة، يتعامل معها الفرد وكأنّها صنم غير قابل للهدم.

اقرأ أيضاً: التحرش في مصر يتعدى أجساد النساء إلى قتل المدافعين عنهن

وتلك الطاعة العمياء لسلطة أو لموروث ديني ما، قد تُحرّك الجموع لنصرة الجاني ضدّ الضحية، وقد تتجلى  هذه الظاهرة بشكل أكثر وضوحاً في الجرائم الطائفية، التي ينتصر فيها أبناء الطائفة للجاني ضدّ ضحيته من طائفة أخرى.   

لهذا، فإنّ الانتصار للجاني ولوم الضحية قد يقع تحت إطار القصاص العادل، والذي يصبح الجاني من خلاله منزّهاً عن الخطأ، فيتمّ التماس العذر الأخلاقي للأفعال الشنعاء.

بعض المتعصّبين دينيّاً اليوم قد يستندون إلى بعض النصوص الدينية في عقيدتهم لشرعنة فلسفة لوم الضحية

وما يثير الانتباه في هذا السياق هو أنّ بعض المتعصّبين دينيّاً في عالمنا المعاصر قد يستندون إلى فهمهم لبعض النصوص الدينية في عقيدتهم لشرعنة فلسفة لوم الضحية حسب تصوّراتهم، فنجد الاستناد شائعاً إلى النص الإنجيلي "فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا" رسالة بولس الرسول في أهل غلاطية - إصحاح  7: 6) )

وعلى الوتيرة نفسها قد نجد التعامل إلى الآية القرآنية "ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ " (سورة النساء 79).

بل وفي الديانة الهندوسية والبوذية، يتمّ الاستناد إلى فلسفة الكارما (النية والفعل)، ومفادها أنّ الفعل الخيّر يسهم في إيجاد السعادة، بينما الفعل السيّئ يعود على الفرد بالمعاناة المستحقة.     

وفي الحالات السابقة، وهي على سبيل المثال لا الحصر، يتبين أنّ من يسعى لإلقاء اللوم على ضحية الاعتداء، عادة ما يبحث في نصوصه المقدّسة عمّا يُمكن الاستناد إليه، ليضفي حالة من العدالة الإلهية   والقصاص على الاعتداء أو الظلم البيّن، حتى وإن لم يكن طرفاً فيه.    

النساء مُذنبات أخلاقياً حتى وإن كنّ يحملن السلاح

ضحية الاعتداء قد يُلام على تعرضه للسطو المسلّح إن كان لا يخفي مظاهر الثراء، وقد يُلام على استفزاز المشاعر الدينية للأغلبية إن كان يعتنق ديانة غير معترف بها في المجتمع الذي يعيش فيه، إلا أنّ أكثر الأنماط شيوعاً في مسألة لوم الضحية هو لوم النساء على تعرّضهنّ  للتحرّش الجنسي أو الاغتصاب.

يذهب عالم الاجتماع الألماني أدورنو إلى أنّ لوم الضحية ما هو إلا من متلازمات الشخصية الاستبدادية

لقد وصل لوم ضحايا الاغتصاب في نيجيريا على يد جماعة (بوكو حرام) إلى رفض عودة النساء المغتصبات إلى ديارهن؛ لأنهنّ سيحملن دماء فاسدة إلى قبائلهن؛ أي إنّ النساء عانين من الاغتصاب ومن النبذ الأسري، وتمّ تحميلهن عدم المقاومة الكافية، حسب ما جاء في تقرير لمنظمة اليونسكو في العام 2016.    

ولم تغب ظاهرة لوم الضحية عن البلاد الغربية، حتى وإن كانت ظاهرة أقلّ شيوعاً بشكل نسبي بسبب صرامة القوانين والرفض المجتمعي في إطاره العام (دون تعميم)، ولعلّ أشهر القصص في هذا السياق كانت واقعة تعدّي رجل بالغ على فتاة تبلغ من العمر 18 عاماً في العام 1998، وقامت المحكمة بتبرئته كون الفتاة كانت ترتدي بنطال جينز ضيقاً، وقد أدّى هذا الحكم إلى حالة حراك حقوقية هائلة انتهت بإصدار المحكمة العليا في إيطاليا حكماً مفاده أنّ ارتداء الجينز لن يكون ذريعة للتبرئة في محاكمات الاغتصاب في العام 2008.

هكذا تظلّ النظرة لضحية الاعتداء، وما كانت ترتديه، وكيف كانت تتصرّف وأيّ ساعة من الليل تعرّضت للاعتداء، تظلّ أسباباً لتقييم مدى تحمّلها مسؤولية الاعتداء، وإلى أيّ مدى يُمكن تبرئة الجاني.

الاضطراب السلوكي ليس بالضرورة عملاً فردياً بل قد يكون حالة اجتماعية تسببت بها التنشئة

الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي رصدت هذه الإشكالية في كتابها (ما وراء الحجاب: الجنس كهندسة اجتماعية) الصادر في العام 1975، حين تطرّقت لما حدث لمناضلة فلسطينية تحرس إحدى القواعد في لبنان، فمرّ بها رجل ساعياً لملاطفتها فنهرته، فقال لها "كيف تريدين إيهامي بأنّه عليَّ احترام فتاة تقضي الليل في الشارع وحدها؟" فالمرأة موضع شبهة في عقل ذلك الرجل حتى وإن كانت مناضلة تحمل السلاح.

ولعلّ هذا التصرّف ليس ببعيد عمّا يتمّ تدريسه في مجالات قانونية تحت مُسمّى "المجني عليه المثير للاعتداء"؛ أي الذي يتحمّل جانباً من المسؤولية في إثارته للجاني للاعتداء.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل المجتمع لاختلاق الأعذار للمتحرش؟

كما أنّ تصاعد وتيرة الخطاب الأصولي المعاصر الذي استهدف النساء وخروجهنّ للعمل ساهم في تعزيز هذا الفكر، من خلال تطويع بعض الأحاديث النبوية، ومنها حديث نهي المرأة عن السير وسط الطريق، وكان هذا الحديث شائعاً في المساجد يُعاد علينا مراراً وتكراراً في خطب صلاة الجمعة التي كنّا نحضرها مع فصائل الأخوات المسلمات، وفيه ورد عن أبي أسيد الأنصاري، رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ: "اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عليكن بحافات الطريق، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِه.ِ رواه أبو داود (رقم/5272) باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق".  

وتُستخدم هذه الأساليب كوسيلة سيكولوجية من دعاة الخطاب الأصولي لترهيب النساء المسبق، لهذا فإنّ ثقافة لوم النساء قد تجمع عدة معطيات، من بينها التنشئة الأصولية، وعدم وجود رادع قانوني، على الرغم من صياغة القوانين في بلاد عربية عدة حول مسألة الاعتداءات الجنسية، إلّا أنّ الأزمة ليست في الصياغة  وحدها، وإنّما في إنفاذ القانون، الذي قد تُعدّ إجراءاته معرقلة ومطوّلة، ممّا قد يسهم في شعور الجاني بالقدرة على الإفلات من فعلته، ومن ثمّ لوم الضحية التي راودت الرجال عن أنفسهم، حسب التصوّرات الذهنية السائدة.    

 علم الضحايا: هل يسهم في التغيير؟

الأسباب المتعدّدة لظاهرة لوم الضحية تسهم في فهم الأسباب (لا تبريرها)، لأنه لا تبرير لاعتداء أيّاً كان شكله أو أعذاره، وقد ساهمت الدراسات السيسيولوجية لظاهرة لوم الضحية في حماية ضحايا الاعتداءات بشكل قانوني وتحقيق مبدأ العدالة الناجزة، وكذلك التركيز على الموروثات المجتمعية الداعمة لتلك الظاهرة  وكيف يُمكن السيطرة على تأثيراتها السلبية.

لكن ما تجدر الإشارة إليه في الآونة الأخيرة، هو تعاظم دور علم الضحايا أوVictomolgy ، وهو علم حديث نسبيّاً، وتسعى بعض دراساته إلى البحث في أطر علاج الاضطراب السلوكي الذي قد يؤدّي إلى تذّرع الجماهير بإلقاء اللوم على ضحايا الاعتداء. 

الصفحة الرئيسية