مآلهما للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تفادي فخ ثوسيديدس؟

مآلهما للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تفادي فخ ثوسيديدس؟

مشاهدة

27/10/2021

يُنظر إلى نهاية أزمة الصواريخ الكوبية عام 1960 باعتبارها بداية طي لصفحة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، آنذاك، الذي كان يقوده نيكيتا خروتشوف والذي اتفق مع الرئيس الأمريكي جون كينيدي على نزع فتيل حرب نووية مدمّرة.

كانت تلك أشدَ المواجهات خلال الحرب الباردة. ولكن هل يعني ذلك أنّ الحرب الباردة انتهت. ثم هل هذه الحرب، التي ظلت لعقود قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ما انفكت قائمة الآن، وأنّ المشاركين في الحرب قد تغيروا، فظهرت قوى وانطفأت أخرى؟

مهما يكن من استنتاجات، فإنّ الثابت الوحيد في معادلة المتغيرات أنّ الولايات المتحدة ظلت القطب المشارك في أية حرب باردة، وبقيت صامدة في وجه ما تعتقده منعطفات مصيرية تهدد كينونتها الوجودية؟

ولكن ماذا عن مفهوم الحرب الباردة ذاته. هل تغيّر أم أنه الآن يتخذ وجوهاً مختلفة، وتساهم في تأجيجه قوى متعددة وحّدتها مصالحها ضد ما تعتبره "الوحش الأمريكي"؟

يعتقد العديد من مفكري السياسة والإستراتيجيا أنّ الصين هي القوة الصاعدة بحزم وثقة لتكون الخصم الرئيسي للولايات المتحدة التي تواجه الآن أكبر التحديات في تاريخها.

هل الصراع بين الصين والولايات المتحدة حتمي؟

ويبقى السؤال، الذي أعاد طرحه الكاتب د. البدر الشاطري في صحيفة "البيان": هل الصراع بين الصين والولايات المتحدة حتمي؟ ماثلاً للأذهان، إذ يرى كثير من خبراء العلاقات الدولية من المدرسة الواقعية أنّ الصراع أمر محتوم بين القوة الصاعدة والقوة المسيطرة.

ويلفت إلى دراسة قامت بها جامعة هارفرد، وجدت أنّ التنافس بين القوة الصاعدة والقوة القائمة قاد إلى الحرب في ستة عشر حالة منذ القرن الخامس عشر، إلا أربع حالات، حيث كان التحول من سيطرة القوة السائدة إلى القوة الصاعدة تحولاً سلمياً.

ويقول غراهام أليسون في كتابه "مآلهما للحرب: هل تستطيع أمريكا والصين تفادي فخ ثوسيديدس؟"، إنّ الصين تجاوزت الولايات المتحدة في حوالي عشرين مؤشراً من الاقتصاد، إلى استهلاك الطاقة، إلى إنتاج الحديد والصلب، إلى استخدام الإنترنت والتجارة الإلكترونية. وفخ ثوسيديدس يشير للمؤرخ الإغريقي ثوسيديديس الذي كتب عن الحرب البيلوبونيسية والتي وقعت بين أثينا وأسبرطة في الأعوام (431 ق.م.-403 ق.م.). وقد كان تنامي قوة أثينا أقلق أسبرطة مما جعل الحرب أمراً محتوماً بينهما.

قبل الحرب العالمية الأولى، كان المزاج العسكري هو السائد في تحالفات البلدان المختلفة. أما الآن، فالولايات المتحدة وحدها تريد القتال، بل محاربة الصين باستخدام طرق هجينة

ويضيف أليسون أنّ المواجهة العسكرية بين القطبين مسألة وقت، ليس إلا. وعلى القوتين الأمريكية والصينية تفادي هذا الفخ وإلا فإنّ النتائج ستكون كارثية على الاثنين. وقد حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ من أنّ على واشنطن وبكين تفادي الوقوع في فخ ثوسيديدس، وأنّ الطرفين ملتزمان أخلاقياً بالابتعاد عن شبح الحرب الذي يخيم بينهما، وذلك حين كان يستعد لمقابلة دونالد ترامب في 2017.

ويبقى السؤال، بحسب الشاطري: إذا كانت التحركات الأمريكية وإنشاء تحالف أستراليا ـ المملكة المتحدة - الولايات المتحدة، والذي يعرف اختصاراً بـ"أوكوس"، موجهاً أساساً إلى الصين، فلماذا معاداة الاتحاد الأوروبي وزرع الشكوك في خواطر الأوروبيين، ونزع الثقة تجاه الولايات المتحدة؟

اقرأ أيضاً: إيران على دروب الحرير الصينية

الجواب قد يكون أنّ واشنطن ترى أنّ حدة التنافس يتطلب توحيد الصف، ولا تريد أن تتعامل مع تلكؤ الاتحاد الأوروبي. وإذا ما أرادت أوروبا أن تنضم لهذا التحالف عليها أن تنصاع إلى متطلبات المواجهة.

هل انتهت أزمة الصوريخ الكوبية حقاً؟

أزمات الولايات المتحدة، التي سعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى الانفراد في قيادة العالم، لم تنته، ولن تنتهي ما دامت ثمة أخطار وجودية تحيط بها، ولعل أشدها الخطر الصيني.

ويؤكد حتمية المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، استطلاعُ رأي أجرته صحيفة "ناشيونال إنترست"، وشارك فيه عدد من الخبراء، كشف أنّ الحرب الباردة آتية بين الطرفين.

وتتفق آراء الخبراء على أنّ المواجهة بين القوتين مرتبطة بالصراع من أجل السيطرة على العالم.

وبحسب الخبراء الذي استمعت الصحيفة إلى آرائهم فإنه لا أحد من الطرفين يسعى للحرب، لذلك ستبقى الحرب باردة، وستشمل بالأساس المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة تتواصل مع الصين من أجل نووي إيران... ما القصة؟

وقال السفير الأمريكي السابق لدى موسكو، مايكل ماكفول، إنّ مقارنة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقاً، بالوضع الجيوسياسي الحالي أمر خاطئ.

وأوضح الخبراء أنّ الصين لا تسعى للهيمنة على العالم أو تدمير الرأسمالية وتقويض أسلوب الحياة الأمريكي.

وبحسب الخبراء، فإنّ لدى الصين هدفاً مختلفاً، وهو تراكم ثروتها وقوتها وتأثيرها، لا سيما بالمقارنة مع الولايات المتحدة.

ويرى هؤلاء أنّ المشاكل الداخلية تترك بصماتها على المواجهة، في كل من الولايات المتحدة والصين، مشيرين إلى أنه الآن أصبح من السهل على كل من واشنطن وبكين لفت انتباه المواطنين إلى "التهديد" الخارجي المزعوم بدلاً من حل الصعوبات سواء المتعلقة بالاقتصاد أو الحياة العامة.

في مثل هذا اليوم، السابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1960، انتهت المواجهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، والتي تعرف في كوبا بـ"أزمة أكتوبر" بالاتفاق على إزالة الصواريخ السوفييتية من كوبا، شريطة عدم غزو الولايات المتحدة لها، والتخلص في المقابل من الصواريخ البالستية الأمريكية الموجودة في تركيا.

فمن ينزع الآن فتيل المواجهة المحتدمة والضارية بين واشنطن وبكين؟

الحرب غير مستبعدة

تحت عنوان "الحرب بين الولايات المتحدة والصين لم تعد مستبعدة"، كتب المحلل الروسي فلاديمير سكوسيريف، في "نيزافيسيمايا غازيتا"، عن تفكير الولايات المتحدة بالإقدام على خطوة سوف تؤدي حتماً إلى حرب مع الصين.

وجاء في المقال، المنشور في موقع "روسيا اليوم": بعد انتهاء الوباء، سوف تشن الولايات المتحدة حرباً هجينة ضد الصين. سيقوم الأمريكيون بقطع العلاقات مع شركات الاتصالات الصينية، وحظر شراء رقائق في الغرب عن الصين، وفصلها عن كابلات الإنترنت البحرية ونظام تخزين المعلومات الأمريكي.

اقرأ أيضاً: الصين ومستقبل العلاقة مع حركة طالبان... مواجهة أم تعاون وتقارب؟

وهذا بالضبط ما ينص عليه برنامج "الشبكة النظيفة" الذي أعلنه وزير الخارجية الأمريكي السابق مايكل بومبيو.

ووفقاً للكاتب الأمريكي أليستير كروك، فإنّ هذا لن يعني العودة إلى الحرب الباردة، إنما أول قصف مدفعي ثقيل في حرب حقيقية طويلة. فالوضع، مشابه للوضع، في صيف العام 1914، عندما اغتيل الأرشيدوق فرانز فرديناند.

كما كتب محلل الشؤون الدولية، ستان غرانت، أنّ يوم الحساب في العلاقات الأمريكية الصينية يقترب. لكنه يعزو ذلك إلى حقيقة أنّ الصين تتجه بثبات نحو أن تصبح أكبر اقتصاد في العالم، وتتفوق بثقة على الولايات المتحدة: "لم يعد الصراع مستبعداً. فالتحول الدراماتيكي في ميزان القوى يخلق إمكانية ظهور نقطة ساخنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

اقرأ أيضاً: هل تتسبب السياسات الأمريكية في إفساح المجال للنفوذين الصيني والروسي بالشرق الأوسط؟

وفي سياق متصل، قال مدير معهد الشرق الأقصى التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أليكسي ماسلوف، لـ""نيزافيسيمايا غازيتا": "قبل الحرب العالمية الأولى، كان المزاج العسكري هو السائد في تحالفات البلدان المختلفة. أما الآن، فالولايات المتحدة وحدها تريد القتال، بل محاربة الصين باستخدام طرق هجينة. في التكنولوجيا العسكرية، تتفوق الولايات المتحدة. ولكن من حيث عدد السفن، السطحية والغواصات، تجاوزت الصين الولايات المتحدة. هذا يعني أنه في حالة نشوب حرب تقليدية، سوف يسقط عدد كبير جداً من الضحايا من الجانبين. لذلك، تريد الولايات المتحدة "قطع الاتصال" عن الصين. أي فصله عن كل إنجازات الحضارة العالمية التي يستخدمها. وهذا يشمل الإنترنت والتقنيات والأشكال المختلفة للتجارة العالمية. في الواقع، قد لا يعمل هذا. لكن الولايات المتحدة تسعى في المقام الأول إلى زعزعة استقرار الصين الداخلي وتحريض تمرد داخلها".

حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ من أنّ على واشنطن وبكين تفادي الوقوع في فخ ثوسيديدس، وأنّ الطرفين ملتزمان أخلاقياً بالابتعاد عن شبح الحرب الذي يخيم بينهما

وفي تقدير المحللين أنّ نتيجة المواجهة بين الطرفين هي ظاهرياً منافسة محصلتها صفر على الثروة والسلطة والتأثير بين أكبر قوتين في العالم، اللتين لديهما أنظمة سياسية واقتصادية متعارضة، وكلاهما يسعى للحصول على دعم دولي لهذه الأنظمة.

 وهذا له كل خصائص مقولة "سلام لا سلام" لجورج أورويل الذي ابتكر مصطلح الحرب الباردة عام 1945. ومن الواضح أنّ هذه الحرب الباردة الآن بين الولايات المتحدة والصين ليست مرغوبة، كما أنها ليست بالضرورة حتمية، وفق ما كتبه مطلع الشهر الجاري المحلل الإستراتيجي الأمريكي بول هير، في صحيفة "ناشيونال إنترست"، ولكن من الصعب للغاية رؤية كيف ستتخذ بكين وواشنطن، بشكل فردي أو مشترك، الخطوات اللازمة لتفادي ذلك. ولا يبدو أي من الجانبين جاهزاً أو قادراً على التغلب على سوء الفهم الأساسي، وعدم الثقة في الآخر، أو التغلب على المعضلات الداخلية التي تساعد على تأجيج سوء التفاهم وانعدام الثقة.

ويتساءل هير: هل يمتلك القادة من كلا الجانبين الحكمة والشجاعة والإرادة السياسية لإعادة توجيه التاريخ نحو مسار مختلف؟




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية