مؤتمر الإخوان: استعراض التماسك لا يبدد الانشقاقات

مؤتمر الإخوان: استعراض التماسك لا يبدد الانشقاقات
3496
عدد القراءات

2019-09-16

عبدالجليل الشرنوبي

ظهرت ملامح استعراض القوة والتماسك في مؤتمر عقده التنظيم الدولي للإخوان في تركيا، يومي السبت والأحد 14 و15 سبتمبر الجاري، بعنوان “جماعة الإخوان المسلمين.. أصالة الفكرة واستمرارية الرسالة”.

المثير في الأمر هو توقيت انعقاد المؤتمر الذي تزامن مع تنامي حالات الخروج على التنظيم، خاصة في دولة المنشأ مصر، وهو العصيان الذي يتنامى داخل السجون بين صفوف قواعد قيادات وسيطة.

خلال النصف الأول من الشهر الجاري وجهت قيادات التنظيم بالسجون للتحرك بين القواعد في محاولة لاستيعابهم أو توجيه غضبهم نحو النظام المصري باعتباره السبب في سجنهم وليس قيادة التنظيم التي ورطتهم مع الدولة بكل مكوناتها ثم تخلت عنهم.

هذه الأصوات القاعدية كما عبّر عنها (ع. م) أحد المسوقين لدعوات التبرؤ من التنظيم فكرة وانتماء بقوله “دافع حركتنا الرئيس هو محاولة البحث عن مخرج من سجن ساقتنا إليه قيادات كاذبة ثم اكتفت بمطالبتنا بالصبر على البلاء والثقة في القيادة واليقين في نصر الله”.

مغزى الانشقاقات

بينما انطلقت فعاليات المؤتمر التنظيمي كانت هناك أصوات تخرج من جبهة القيادة المتشكلة بعد 2013 التي ترأسها القيادي الراحل محمد كمال، وتطلق على نفسها المكتب الإداري. هذه الأصوات من رموزها: مجدي شلش وأمير بسام وأحمدي قاسم وعلي بطيخ. وجميعها أصوات قيادية رسمية التوصيف في مجلس شورى التنظيم المصري، وتشكك في الذمة المالية والأخلاقية والإدارية لقيادات مكتب الإرشاد، وعلى رأسها نائب المرشد إبراهيم منير وأمين عام التنظيم محمود حسين.

بمجرد انتهاء فعاليات اليوم الأول للمؤتمر خرج أحد فقهاء التنظيم الشرعيين من جيل الشباب، الشيخ عصام تليمة، مؤكدا “مؤتمر الإخوان الذي انعقد في إسطنبول لم يجب عن أي أسئلة جادة  تتعلق بقضايا وأزمات الإخوان”. إن تفاعل داعية تنظيمي مشهور بمشاغباته لقيادات التنظيم، غير منفك عن ملاحظة وجهها أحد القيادات الوظيفية للتنظيم، وهو المهندس محمد البشلاوي الذي قرر رغم تقدمه في العمر أن يلعب دور ممثل الشباب داخل المؤتمر فقام متداخلا بانتقاد لإدارته لأن متحدثيه خلو من الأصوات الشبابية ومشاركاتهم الفاعلة في المؤتمر أو في أنشطة التنظيم.

تهاوى هذا النقد مع تأكيدات أمين عام التنظيم محمود حسين، على عكس ذلك حيث قال “معظم الإخوة مهاجرون بعائلات، ومعظمهم بتركيا من كبار السن، ونحن لم نمنع أحدا من الشباب من الحضور، هناك الكثير من الشباب فاعلون داخل مؤسسات الجماعة المختلفة”.

لم تمتد ملاحظة القيادي البشلاوي الخاصة بغياب شباب التنظيم، لتتساءل عن غياب كل القيادات الممَثِلَّة لجبهة محمد كمال- المكتب الإداري للإخوان، رغم أنهم يؤكدون أنهم إخوان، أو عن السر في حضور القيادي الجهادي طارق الزمر، رغم أنه ينفي تبعيته للإخوان.

في مشهد ملتبس المكونات يتحرك التنظيم دوما، ويتعمد دعم صناعة هذه الصورة في أوقات الأزمات أو التحديات الجسام التي تحدق بمسيرة نموه، إذ يعتبر أن التنويع على أصل المشروع تشددا أو انفتاحا يمثل توسيعا للحواضن الشعبية للفكرة، أو فرزا للتنظيم الإخواني باعتباره الوسطي بين تنظيمات نمت عنه وجنحت إلى العمل المسلح، فبضده يتمايز التنظيم الإخواني، إنها القاعدة التي يمكن عبرها التمييز بين الخلاف والاختلاف عند الإخوان، وفي ضوئه نستطيع فهم ما يتم استهلاكه إعلاميا كل حين تحت مسمى انشقاقات الإخوان.

حاول مؤتمرالإخوان  في تركيا الترويج لفكرة الوسطية كركيزة أساسية في منهج وفكر الجماعة والقفز على الاتهامات التي تلاحقه بأنه لا فرق بين معتدلين ومتشددين في الجماعة.

بالتالي فكل مترجم لشعار التنظيم أو أركانه الخاصة بالجهاد والشهادة خارج التكليف التنظيمي يُعد خارجا عن التنظيم وإن كان يخدم نفس المشروع، هذا التناقض تكتيك تنظيمي قديم بدأه المؤسس حسن البنا معتبرا جنده في النظام الخاص خوارج (ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين)، كان ذلك فقط عندما سقطوا في يد العدالة، بعدما اغتالوا القاضي النقراشي باشا.

وهو نفس التكتيتك الذي تطور ليصبح كتابا رسميا (دعاة لا قضاة)، يصدر حاملا توقيع مرشد التنظيم حسن الهضيبي بعدما صاغته لجنة من كبار الإخوان في سجون متبرئة من أفكار التفكير التي صاغها سيد قطب في ترجمة لأدبيات حسن البنا، لكن صياغات قطب المباشرة فضحت ما تواريه نعومة نصوص البنا الجهادية، الأمر الذي استلزم مواراته بإصدار يعيد تجميل وجه تنظيمي أصيل العنف.

يمكن قياس كل خروج عن التنظيم الأم إلى تنظيم جهادي أيا ما كان اسمه، التكفير والهجرة، الناجون من النار، الجهاد، القاعدة، داعش، على أنه سفور في إعلان أصل الفكرة بما يحقق إرعاب الخصوم فيلوذون بالإخوان باعتبارهم العاصم من تطور العناصر إلى جهاديين، ولا مانع لدى التنظيم لحبك المشهد في فترة من الفترات أن يُصعد من مواجهاته مع بني جلدته من تنظيمات جهادية صريحة وليكن ضحية هذا التصعيد بعض قتلى هنا وهناك.

بالرجوع إلى التاريخ القريب يمكن رصد حوادث المواجهات بين إخوان مصر والجماعة الإسلامية في الصعيد مطلع التسعينات، ومثلهم مواجهات إخوان (حمس) بالجزائر مع إخوان الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

في النموذجين أسفر الانشقاق عن شقاق تمادى ليخلف ضحايا، ثم دارت الأيام حتى كان التمكين في مصر (2012) وكانت منصة “مليونية الشرعية والشريعة” يتكاتف فيها القيادي بالإخوان مع الجماعة الإسلامية والجهاد، في حين تولى الإخوان مراسم دفن وعزاء الشيخ عباس مدني زعيم جبهة الإنقاذ في الجزائر الذي وافته المنية وهو ضيف على إمارة قطر برعاية إخوانية.

تصنيف جديد للخارجين

في الفترة البينية بين فقرات مؤتمر التنظيم الدولي في تركيا، عمدت قناة “مكملين” المحسوبة على جناح محمد كمال، إلى عرض فيلم تسجيلي بعنوان “بديع المرشد الأسير”، استعرض سيرة حياة الرجل منذ انضم إلى التنظيم مع مجموعة 1965 تحت إمارة سيد قطب.

وكان المرشد الحالي واحدا ممن صدر ضدهم كتاب الهضيبي الأب “دعاة لا قضاة”، ورفض أي تجاوز أو اتهام لسيد قطب من أي رموز إخوانية، وعلى رأسها القيادي عبدالمنعم أبوالفتوح، الذي أعلن انشقاقه عن الجماعة وكون حزب “مصر القوية”، لكن تصرفاته السياسية أكدت أنه جزء من التنظيم.

ما يعنينا هنا أن الفيلم يؤرخ لما بعد ثورة 25 يناير 2011، حين قررت مجموعة من شباب التنظيم استغلال حالة الحرية بعد سقوط نظام الرئيس المصري حسني مبارك ودعت إلى تنظيم مؤتمر لشباب الإخوان دون استئذان.

كنت وقتها رئيسا لتحرير موقع “الإخوان أون لاين” وحاولت استيعاب قدرات مجموعة من شباب التنظيم تؤهلهم لاستئجار قاعة في فندق وإعداد مؤتمر ثم الإعلان عن إنشاء حزب، ويقول الفيلم “أرسل المرشد لهم باقة من الزهور وأقر قرار فصلهم من الجماعة، لكنهم بقوا شبابا من الإخوان أسسوا حزبا”.

هذا النموذج يقودنا إلى تصنيف جديد للخارجين عن التنظيم في الاتجاه الانفتاحي، ومعظمهم يختلفون مع إدارات التنظيم في أقطارهم، بينما يظل لهم في مظلة التنظيم موقع يؤهلهم للحركة والتواصل والتنسيق، وربما يتيح لهم الحضور في مشهد أقطارهم الرسمي متجاوزين منافسيهم من أهل التنظيم الأصلاء.

اتضح هذا النموذج في مصر بعد يناير 2011، لكنه ظل محافظا على مساحة الحضور في خانة معارضة الحضور الرسمي للتنظيم في مشهد الحكم، بداية من ائتلاف شباب الثورة ومرورا بأحزاب أهمها، الوسط ومصر القوية والتيار المصري والعدل، حتى أعادت ثورة 30 يونيو 2013 حالة الفرز من جديد ليصطف أصحاب المشروع الواحد تحت مظلة واحدة.

نمت هذه التجربة في غير الأراضي المصرية وأثبتت فاعلية وتأثيرا، وربما يمثل أردوغان أحد أهم النماذج في هذا الصدد، الذي تمرد على شيخه التنظيمي التاريخي نجم الدين أربكان، واستحالت خصومتهما المتصاعدة هي الستار الذي استطاع عبره أردوغان أن يطمئن المجتمع التركي ومؤسسات الدولة لإحداث تمكين متدرج. ومثله النموذج المغربي لحزب “العدالة والتنمية” الذي خرج عن التنظيم الأم ليحصل على مساحات حركة تؤهله تدريجيا ليصبح الحزب القوي في المغرب.

في دعايته التنظيمية أكد مكتب الإرشاد الدولي للتنظيم أن مؤتمر إسطنبول سيطرح ملامح مشروع الجماعة، والتحديات والأخطار التي تحيط بهذا المشروع، وهل هناك فرص لنجاحه على أرض الواقع؟ وما منهج الإخوان في الإصلاح والتغيير؟ ولماذا تتمسك الجماعة بالوسائل السلمية للتغيير وتؤكد بصورة مستمرة على نبذ العنف؟ الواقع أن أيا من الأوراق التي قدمها المؤتمر لا تجيب صراحة عن هذه التفاصيل، وتؤدي إلى استشهادات متكررة لحسن البنا، وهو ما يقودنا إلى موقف أصيل من المنهج وواضعه.

وهذه هي النقطة الفاصلة بين الخلاف والاختلاف مع الإخوان. ففي الخلاف تتباين آراء الأعضاء أو القيادات حول الوسائل بينما يتفقون على الأسس التي وضعها (البنا). ما يعني ثراء في التنوع التنظيمي وتعددا في مساحات الحضور، ويستوي في ذلك الخلاف التشدد الواصل إلى حد التسلح، أو الذي يبلغ حد الانفتاح القابل بالشذوذ الجنسي والإلحاد.

أما الاختلاف مع الإخوان فهو ذلك الموقف النابع من إعادة قراءة لأصل المشروع، إنه اختلاف منهجي عقدي تصحبه يقظة من روعة الغفلة التنظيمية، وهو الذي يمكن أن يفقد صاحبه كل يقين في دين، إذ إنه يستيقظ كافرا بتنظيم استخدم أسمى ما تستلهمه الروح ليبني ملكه. والنماذج في هذا الصدد كثيرة خاصة بين الأجيال الشابة وبصفة أكبر بين أبناء القيادات التنظيمية الكبرى، إذ تكون معاينتهم للمتاجرة بالدين أدق فيكون خروجهم على التنظيم مصحوبا بإعلان إلحاد أو على حد توصيف إحداهن “أحلق فوق الأديان”.

من السماحة إلى البطش

يظل التنظيم الإخواني متسامحا مع هذه النماذج إذ يستخدمها للاستدلال على سوء عاقبة الخارجين عن حظيرته، لكن هذه السماحة سرعان ما تستحيل بطشا لا يبقي للتنظيم عزيزا طالما اختار صاحب الموقف الاختلاف مع المنهج والإدارة ولم يؤثر الخروج الآمن بل قرر الحديث.

وعندها لا يعدم التنظيم وسيلة للإجهاز على صاحب الموقف، حتى وإن كان رفيق الإمام المؤسس في تأسيس التنظيم أحمد السكري الذي تحول بمجرد اختلافه مع البنا إلى مريض نرجسي محب للظهور.

في هذا الصدد يحضرني توثيق ما تم في يوليو 2008 حين قرر القيادي الدكتور السيد عبدالستار المليجي الاختلاف مع التنظيم فكرة وإدارة وطالب بالرقابة على أموال الجماعة ومحاسبة كبار مسؤوليها، وعلى رأسهم خيرت الشاطر.

يومها اجتمع مكتب الإرشاد وصدرت رسالة إلى قواعد الإخوان في داخل مصر وخارجها عنوانها “بيان إلى الصف الإخواني بخصوص ما صدر من الدكتور السيد عبدالستار”، ولم تختلف مقدمة هذه الرسالة عما صيغ في حق السكري قبل ستة عقود حيث قال الإخوان “يعلم الله أننا ما كنا نحب أن نخوض فى هذا الموضوع، ونتعرض لشخص كان بيننا فترة طويلة، ولولا شعورنا بمسؤوليتنا نحو الصف ما كتبنا حرفا”.

بعدها أكدوا اعتلال الصحة النفسية للرجل بسبب السجن، فبعض الإخوان يصعدون فى مراكز المسؤولية والقيادة نتيجة نشاط كبير وحركة دؤوبة وقدرة على التعبير والبيان، وعندما يتعرضون لتجربة السجن، يتغيرون فكريا وشعوريا وموالاة، وبعد انتهاء فترة سجنهم فإن الجماعة تحتويهم عاطفيا وإنسانيا واجتماعيا.

لهذه الأسباب حققت معه لجنة تحقيق في ما فعل فاعتذر، وادعى أنه قد استدرج بل وبكى معلنا الندم، وكتب اعتذارا بخطه ووقع عليه بأن كل ما صدر عنه غير صحيح.

وفي النهاية حملت الرسالة توصيات للصف “نرتبط بالمبادئ لا بالأشخاص مهما كانوا – الفتنة لا تؤمن على حي- نزهد في المناصب وأن نخلص لله- ألا نهتز ولا نتبلبل نتيجة الحملات الإعلامية ولو شارك فيها بعض الخارجين علينا”.

انتهى مؤتمر التنظيم الدولي للإخوان  الذي عقد الاحد في إسطنبول التركية ، وكما أنه لم يكن الأول فلن يكون الأخير.

إن الإرث التنظيمي الذي تركه مؤسس الجماعة في 1928 حسن البنا أنتج شبكات مستقرة عابرة للقارات، قادرة على التلون وتطوير الخطاب والتكتيكات والوجوه والاسماء ، جميعها تتحرك تحت راية ما أسمته المشروع الإسلامي. إنه المشروع الذي يسمح بأي خلاف مع أدواته بما يثريها، لكنه لا يتسامح مع أي اختلاف يعري حقيقته كمشروع يستهدف الإنسانية عبر بوابة الدين.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:



"حفريات" تهنئ في العيد وتستأنف مسيرة النّور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ.. فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ".

لو كان المتنبي بيننا، لما وجدَ خيراً من هذا الشّعر ليعبّر عن مأساة الإنسان الذي اعتقله "كورونا" وجعله رهين محابس كثيرة أولها الخوف.

لا يأتي عيد الفطر هذا العام بأمر فيه تجديد؛ فالوباء يضرب هنا وهناك، وليس على البشر إلا أن يتعايشوا مع عواصفه، ويتنظروا بشائر أمل قد تلوح بعد عام، وتحمل معها أنباء اللقاح المنتظر، فتنهض البشرية من ذعرها وتستأنف الحياة.

الأحبة في العيد بينهم البيداء والحَجْر الصحي ومواعيد الإقفال التي تفرضها الحكومات التي حبست شعوبها في أقفاص، فتطلقهم في موعد وتحشرهم في آخر، وهم راضون مسلّمون.

"حفريات" في هذه القنطرة التي تفصل زمنين من الخوف والرجاء لا تملك إلا أن تستدرج الخير، وتأمل أن يكون القادم أجمل. وهي تعاهد قرّاءها على استئناف المسيرة في الحفر المعرفيّ من أجل طمر الكراهية والتطرف والفساد، وإحياء النّور "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

للمشاركة:
الوسوم:

خطوة تركية جديدة في ليبيا.. وواشنطن: لا للحل العسكري

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

نشرت مواقع متخصصة في رصد حركة الطائرات حول العالم تحركات غير اعتيادية لطائرات نقل عسكرية تركية إلى جانب عدد من الطائرات الحربية التركية، وقالت هذه المراصد، وفق وسائل إعلام، إنّ الطائرات تحركت في أجواء شرق البحر المتوسط وقرب السواحل الليبية، مؤكدة وصول طائرات نقل عسكرية كبيرة، أمس، إلى مطار مصراته قرب طرابلس.

وصول مقاتلات حربية تركية وطائرات نقل عسكرية كبيرة إلى ليبيا لمساندة ميليشيات الوفاق

وفي مقال له في صحيفة "خبر تورك" كتب الصحفي الكردي تشيتينار تشيتين، أمس: "في القريب يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية الجوية مقراً لها، هذا الأمر ممكن في إطار الاتفاقيات الموقع عليها بين تركيا وحكومة الوفاق".

وفي السياق شدد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على معارضة الولايات المتحدة للتصعيد العسكري الأخير واستمرار تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الأمريكية إنّ بومبيو أكد في اتصال مع رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فايز السراج، أنّه "لا حل عسكرياً للأزمة الليبية" وأنّ "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي والالتزام بنتائج مؤتمر برلين"، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية.

اقرأ أيضاً: الغرياني يتحدث عن دور تركيا وقطر في ليبيا.. ماذا قال؟

وعبر وزير الخارجية الأمريكي عن "استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة والذخائر إلى ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التدخلات التركية المتنامية في ليبيا.

تشيتين: يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية مقراً لها

وكان رئيس حكومة الوفاق، المدعومة من الميليشيات الإخوانية، سمحت لتركيا عبر اتفاقية أمنية وعسكرية وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بتركيز قواعد عسكرية والتدخل في البلاد لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 100 ضابط عسكري، كما أرسلت سفناً محملة بأسلحة ودفاعات جوية إضافة إلى نحو ألفي مرتزق.

كما أعطى البيان، الصادر عن البيت الأبيض قبل يومين بشأن الأوضاع المستجدة في ليبيا، إشارات واضحة برفض التدخل التركي المتنامي في البلد الغارق بالفوضى.

وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ناقشا بواعث القلق حول "التدخل الأجنبي المتزايد" في ليبيا و"اتفقا على الحاجة الماسة لوقف التصعيد".

بومبيو يعبر عن استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة التركية والذخائر إلى ليبيا

وعكس بيان البيت الأبيض دعوة صريحة إلى ضرورة وضع حد للتدخل التركي في الشأن الليبي، الذي أغرق البلاد بالمرتزقة الذين جلبهم للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

هذا وكان المؤتمر الدولي الذي عقد بألمانيا في كانون الثاني (يناير) الماضي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، لكن تزايد التدخلات التركية ومواصلة أنقرة إرسال المرتزقة إلى البلاد وشن هجمات على مراكز للجيش تسبب في فشل الجهود الدولية مما دفع نحو تصاعد للعمليات العسكرية.

للمشاركة:

تقرير: إيران متورطة بأنشطة إرهابية في 40 دولة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

تطرقت وزارة الخارجية الأمريکية، في بيان لها، إلى الأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني، وإلى الانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون السياسيون بالخارج.

وزارة الخارجية الأمريكية: النظام الإيراني تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة

وقالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر أمس: "إنّ النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة"، وفق ما نقل موقع "إيران انترناشيونال".

وتابع البيان: "وأعلن مسؤولون إيرانيون بارزون أنّ إيران تتابع عن كثب وتراقب باستمرار، المعارضين الإيرانيين في دول أخرى؛ من أجل قمعهم وتوجيه ضربات حاسمة ضدهم".

وأردف: "شملت حملة الإرهاب العالمية التي شنّتها إيران ما يقرب من 360 اغتيالاً في دول مختلفة، وهجمات بالقنابل أدت إلى مقتل وتشويه المئات".

ولفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أنّ "إيران نفذت هذه الاغتيالات وغيرها من الهجمات بشكل أساسي من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، ولكن أيضاً عبر أطراف أخرى ووكلاء مثل حزب الله".

ويضيف البيان: "كما يتضح من مذكرات التوقيف وتحقيقات القضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وتقارير الشهود، تورط دبلوماسيين إيرانيين مراراً في اغتيالات بالخارج".

اقرأ أيضاً: الحوثيون وفلسطين.. متاجرة تكشف نشاز المشروع الإيراني- الإخواني

ويستطرد: "وبسبب التدقيق المتزايد الذي سبّبه الإرهابيون الإيرانيون الذين يستخدمون الغطاء الدبلوماسي، أظهرت إيران استعداداً لاستخدام العصابات الإجرامية وعصابات المخدرات وأطراف ثالثة أخرى لتنفيذ خططها للاغتيال في الخارج"، مشيراً إلى أنه "حتى عندما يُضبط موظفوها الدبلوماسيون وهم يراقبون الأهداف المراد اغتيالهم، ويوفرون المتفجرات أو يهربون من مسرح الجريمة تكذب إيران باستمرار حول تورّطها في عمليات قتل بالخارج".

حملة الإرهاب التي شنّتها إيران شملت اغتيال ما يقرب من 360 معارضاً في دول مختلفة

وفي إشارة إلى فرض الولایات المتحدة عقوبات على وزير الاستخبارات الإيراني السابق، علي فلاحيان، ذکرت الخارجية الأمريكية أنّ "المعلومات الموثوقة تُظهر أنه كان متورطًا في انتهاكات لحقوق الإنسان عندما كان وزيراً للاستخبارات والأمن".

وأضافت: "تورّط فلاحيان خلال فترة عمله في اغتيال عديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين بأوروبا، وضمن ذلك الحالات التي أصدرت فيها المحاكم السويسرية والألمانية أوامر باعتقاله.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإلى جانب استهداف المعارضين السياسيين وقادة ونشطاء الأقليات العرقية والدينية ومسؤولين حكوميين أجانب عبر اغتيالهم، هدّدت إيران بشكل متزايدٍ نشطاء المجتمع المدني والصحافيين الإيرانيين في الخارج.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تطالب بالتحقيق بمجزرة احتجاجات إيران.. أدلة وأعداد

وختم بيان الخارجية بالقول: "في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأنّ المخابرات الإيرانية هددت باختطاف صحافيين من قناة "إيران إنترناشيونال" ومقرها لندن، ونقلهم قسراً إلى إيران".

للمشاركة:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية