ماذا تعرف عن "الخضر".. وكيف اكتسب شهرة واسعة في الأديان والثقافات؟

أديان ومعتقدات

ماذا تعرف عن "الخضر".. وكيف اكتسب شهرة واسعة في الأديان والثقافات؟

مشاهدة

02/01/2019

لا يقتصر صراع الخير والشرّ على عالم المبادئ والقيَم؛ بل هو يمتد، في معظم الثقافات والأديان، إلى عالمنا الماديّ، وهذا الامتداد يكون بالأساس عبر تجسّد القِيَم في شخصيات محددة، وهنا يأتي "الخَضِر"، وحضوره في الوعي العام، كأحد أشهر الأمثلة على الشخصية التي تجسّد الخير والصلاح التامّين، فما هي ملامح الصورة التي رُسمَت لهذه الشخصية في الثقافات المختلفة؟
"وعلّمناه من لدّنا علماً"
يعود سبب اكتساب هذه الشخصية شهرة واسعة بين المسلمين بالأساس إلى ذكرها في القرآن الكريم، وذلك في القصة الواردة في سورة "الكهف" عن لقاء النبي موسى، عليه السلام، بالعبد الصالح، بعد أن كان يعتقد بأنّه أعلم أهل الأرض، فأراد الله أن يُريَه من هو أعلم منه، جاء في الآيات: ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)﴾ [سورة الكهف: (65-67)]، وتخبر الآيات الكريمة عن امتلاكه علماً من الله جعله قادراً على استكشاف الغيب، وقد جاءت الأحاديث النبوية بتفصيل وشرح للقصة، وأكدت أنّ المقصود بالعبد الصالح هو "الخضر".

اقرأ أيضاً: كيف تحكي قصة الملابس تاريخ البشريّة بتكثيف وإيجاز؟
ورغم حديث القصة عن موسى، عليه السلام، إلّا أنها لم ترد في التوراة "العهد القديم"، أو الإنجيل "العهد الجديد"، وإنما كان الورود الوحيد السابق على الإسلام لها هو في التلمود "شروح التوراة"؛ حيث وردت في نصوص تلمودية تعود للقرن الثالث الميلادي، تتحدث عن اثنين من علماء التلمود "أحبار"، طلب أحدهما من الله، وهو "يوشع بن لاوي"، أن يلتقي أعلم أهل الأرض، فاستجيبت دعوته وحظيَ بلقاء "إلياس"، وجاء في القصة أنهما سافرا معاً، واشترط إلياس على يوشع ألّا يسأله عن شيء يفعله، كذلك.

الخضر ماشياً على المياه.. كما صَوّرته منمنمة هنديّة من القرن الثامن عشر

جمهور العلماء على أنّه حيّ!
تحدث القرآن الكريم إذاً عن قدرات متميّزة لهذا العبد الصالح، فهو يستطيع معرفة الغيب، وهو يمتلك علماً ومعرفة يخصّه بهما الله تعالى مباشرة، وجاء في السنة النبوية أنّه "إنّما سُميّ الخضر؛ لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتزّ من خلفِهِ خضراء" (صحيح البُخاري: 3402)؛ أيّ إنه جلس على أرض يابسة فإذا هي تُنبت وتخرج الزرع الأخضر بمجرد جلوسه عليها. وقد تطوّرت هذه المعتقدات عند المتصوفة عبر التاريخ الإسلامي، فتمحورت ونسجت حوله معتقدات وحكايات عديدة، وساد الاعتقاد عندهم بأنه وليّ من أولياء الله تعالى، وعدّوه دليلاً على أنّ الأولياء يتلقون العلم المباشر من عند الله تعالى.

اقرأ أيضاً: أشهر 7 رموز دينية.. تعرّف إلى معانيها ودلالاتها
ومن أشهر المعتقدات المرتبطة بالخضر: القولُ إنّه "خالدٌ لا يموت"، "وما يزال حيّاً"، وفي ذلك يقول الإمام النووي: في شرحه لصحيح مسلم: "جمهور العلماء على أنّه حيّ، وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تُحصَر"، وحتى قيل إنه من أحفاد آدم الذين عاشوا في زمنه، وبأن آدم قد دعا له بطول العمر فاستجاب الله لدعائه. وقيل إنّه من الطبقة الرابعة من أبناء نوح، وجاء في تفسير آخر لسبب خلوده وبقائه على قيد الحياة؛ أنّ سبب ذلك هو بلوغه "نهر الحياة" وشربه منه، وقيل إنّ سبب بقائه أنه سيواجه الأعور الدجّال عند ظهوره في نهاية الزمان.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أشهر 7 مخلوقات خرافية والحكايات والأساطير المرتبطة بها
وكما ذكر النووي؛ فإنّ الأخبار متكررة عنه برؤية الصالحين له واجتماعهم به، كما يُروى أنّ عليّ بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنهما، قد التقيا به، ومما نسب إليه من الخوارق؛ أنّه كان لا يجلس على خشبة يابسة إلّا اخضّرت، وقيل إنّه كان إذا صلّى اخضّرَ ما حوله، كما قيل إنّ الله تعالى أعطاه من القوة أنْ يتشكّل في الصورة التي يشاء. وبالعموم، فإنّ قصصه تعدّ من أهم القصص عند الصوفية؛ باعتبارها تثبت بنصّ قرآني منزلة "الولاية"، وما يقترن بها من خوارق ومعجزات وعلوم ومعارف.
القديس جرجس: الخَضِر.. أم نظيره؟
وتعدّ شخصية الخضر وحكايته من الأمثلة الشهيرة على الحكايات العابرة للديانات والثقافات، ونجد ذلك في الإجماع بين المسلمين، وفي بلاد الشام تحديداً، على اعتبار أن الخضر هو القديس "جرجس" (أو جُريُس)، حتى أصبح الاسمان عندهما مترادفين، و"القديس جرجس" هو قديس مسيحي ولد عام 280 للميلاد في مدينة اللد، دخل الجيش الروماني، وترقى فيه إلى أن أصبح قائداً لألف مقاتل، وكان ذلك في زمن الإمبراطور "دقلديانوس" الذي كان شديد العداء للمسيحية، إلّا أنّ ذلك لم يمنعه من إعلان اعتناقه للمسيحية، فألقي القبض عليه وتم تعذيبه حتى استشهد، وكان ذلك عام 303، وبعد إعلان الإمبراطور قسطنطين اعتناقه المسيحية، قرّر تكريم هذا الشهيد، فبنى له كنيسة في مكان ولادته باللدّ، ونقل رفاته إليها، فأصبحت مزاراً، وما تزال كذلك حتى يومنا هذا.

تنتشر في فلسطين وعموم بلاد الشام مئات المقامات المنسوبة إلى الخضر والتي يؤمّها المرضى والمحتاجون طلباً للشفاء وقضاء الحوائج

وبحسب المعتقدات المسيحية؛ فإن القديس جرجس (الخضر) يعدّ أحد "المساعدين المقدسين الأربعة عشرة"، وتنتشر صورته في الكنائس وهو يمسك رمحاً يطعن فيه تنيناً، وهذه الصورة هي رمز للتغلب على الشيطان وقهره من قبل الخير، وكانت الدولة البيزنطية أوّل من اتخذته شفيعاً لها في الحروب، ونسبت إلى شفاعته انتصارات كثيرة. وفي دول مثل إنجلترا، يعدّ شفيعاً للبلاد، وتوجد صورته في الشعارات الرسمية، كما نقشت على جنيه الذهب، وقد تسمى العديد من الملوك الإنجليز باسمه (جورج)، ويعدّ يوم 23 نيسان (أبريل) من كلّ عام هو يوم "القديس جرجس" (أو: سانت جورج) وهو عيد قومي، وكذلك؛ فإنّ القديس جرجس هو رمز وطني لدول: البرتغال، وجورجيا، واليونان، وروسيا، وتوجد صورته على الشعارات الرسمية فيها.
ومن أشهر الأساطير المتعلقة بالقديس جرجس: أسطورته في بيروت؛ وجاء فيها أنّه تمكّن من قتل تنين كان يُرعب أهل المدينة، واستطاع بذلك تخليص ابنة الحاكم من الفِداء، بعدما كانت القرعة قد وقعت عليها في أحد الأعوام؛ حيث كان الخلاص من شرّ التنين لا يكون إلا بتقديم فتاة جميلة له، فكان أن كرّمه الحاكم، وأعلن أهل بيروت دخولهم المسيحية، ومنذ ذلك الحين أصبح شفيعاً وحامياً لمدينة بيروت، وتوجد كنيسة شهيرة باسمه في بيروت، وما يزال إلى اليوم هناك خليج مشهور يحمل اسمه هناك.

رسم متخيّل للقديس جرجس (الخضر) وهو يقتل التنين

كيف أصبح اسماً مركزياً في تقويم الفلاحين؟
وقد تطورت منظومة كاملة من المعتقدات المتمحورة حول الخَضِر (القديس جرجس) في التراث الشفوي والمعتقدات الشعبية، عبر قرون، عند عامة الناس والفلاحين، وبشكل خاصّ في بلاد الشام؛ حيث يحتفل الفلاحون بالخضر في يومين يسميان بـ "عيد الخضر"، وهما يوم 16 تشرين الثاني (نوفمبر)، و6 أيار (مايو) من كل عام، وهما يوما ولادته واستشهاده، ويكتسبان أهمية كبيرة عند الفلاحين بسبب مركزيتهما في التقويم الفلاحي؛ حيث يؤقتون بهما موسمهم الزراعي؛ فعيد الخضر الأول هو بمثابة بداية موسم نزول المطر وزراعة الحبوب، وهو يمثل كذلك نهاية موسم قطاف الزيتون، أما الثاني فيسود الاعتقاد بأن المطر ينزل فيه مرة أخيرة في الموسم، وأحياناً يكون غزيراً، وأن الربيع يعود للاخضرار بعده من جديد.

اقرأ أيضاً: 7 حيوانات حظيت بمكانة خاصّة في الأديان والثقافات.. تعرّف عليها
وتنتشر في فلسطين وعموم بلاد الشام مئات المقامات التي تنسب للخضر، والتي يؤمها المرضى والمحتاجون طلباً للشفاء وقضاء الحوائج؛ ففي الأردن، توجد كنائس عدّة تحمل اسم القديس جورج، أو جرجس، أو الخضر، وأشهرها كنيسة الخضر في السلط، وكنيسة القديس جاورجيوس في مأدبا (كنيسة الخارطة)، إضافة إلى مقام مشهور باسم مقام الخضر في بلدة ماحص، وعدّة مقامات في الكرك، وينقل الأرشمندريت "بولس نعمان" في رحلته إلى شرق الأردن بداية القرن الماضي، أنّ الخضر كان له تقديس كبير في شرق الأردن، وحتى أنّ الأعراب كانوا يزورون كنيسته في مأدبا، طلباً لقضاء الحوائج. وهكذا، لم ينحصر تقديسه على المستوى الشعبي في أتباع ديانة بعينها.

طفل في بيت لحم يرتدي اللباس الأخضر استعداداً للمشاركة في احتفالات عيد الخضر

محقق أمنيات الزواج!
وفي العراق؛ يحظى الخضر اهتمام لافت أيضاً، وهو يُعرف هناك باسم "خضر إلياس"، في تعبير عن ارتباط محتمل بالقصة الواردة في اليهودية (التلمود)، وهناك مقام شهير للخضر يقع على ضفاف نهر دجلة في جانب الكرخ، ويخصص العراقيون يوماً للاحتفال به؛ هو أول يوم خميس من شهر شباط (فبراير) من كلّ عام، ويُعرف بـ "عيد خضر إلياس"، توقد فيه الشموع وترمى مع غروب الشمس في مياه نهر دجلة طلباً لتحقيق الأماني.

اقرأ أيضاً: 8 ألوان ارتبطت بمعانٍ ورموز دينية.. تعرّف عليها
ويشتهر الأيزيدية خصوصاً بتقديسه، ويسموّن عيده بـ "يوم خدر إلياس"، ويسبقون يومه بصيام ثلاثة أيام، وهو عندهم يوم "عيد الحب"، ذلك أنهم يعتقدون بأنّ أماني الشباب بالزواج تتحقق فيه؛ حيث يشربون الماء في ليلة العيد، ويكون نصيب كُلّ منهم بالزواج قرب مكان شرب الماء في تلك الليلة.
وهكذا، وفي مقابل ارتباطه في بلاد الشام بظواهر المطر والربيع والخضرة، فإنّه ارتبط في العراق، وفير المياه، بقيمة متصلة ومناظرة وهي قيمة الحبّ والخصوبة.

إيقاد الشموع ووضعها في ماء دجلة.. من طقوس عيد خضر إلياس

وفي نظر الباحثين المعاصرين؛ فإنّ هناك أصولاً عديدة محتملة لشخصية الخضر، وما ارتبط بها من أساطير، ووجه الاشتراك بينها؛ هو ما يُنسب إلى الخضر من ارتباط بالخُضرة والمطر، وهي ظواهر طبيعية تمثل قيمة الخير في ثقافات منطقة الشرق الأدنى، ونجد من هذه الأصول في الديانة الزرادشتية والثقافة الفارسية، "أناهيتا"، إلهة المياه الجارية والجمال والخير والبركة. والإله ميثرا، إله الحصاد والمياه، ونجد في الأساطير السامية الغربية، في أوغاريت وفينيقيا وبلاد كنعان، الإله بعل، وهو إله الطقس والمطر والخصوبة، بالتالي؛ فقد يكون "الخَضِر"، لدى بعض الثقافات، هو تطوير واستئناف لهذه الأساطير، ونزول بها من عالم الآلهة المقدس العلوي إلى عالم البشر الدنيوي.


الصفحة الرئيسية