ماذا تعني كراهية اليهود المتزايدة في أمريكا؟

742
عدد القراءات

2018-11-25

"هي ظاهرةٌ هامشية لكن لديها القدرة على التسبب في ضررٍ قاتل وتتحدى أساسَ مجتمعنا التعددي"، يكتب آدم كيرش، في الملحق الأسبوعي لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية المحافظة، لافتاً إلى أنّ التدفق الوطني للحزن والرعب الذي أعقب المجزرة في كنيس "تري أوف لايف" بمدينة بيتسبرغ، مؤخراً، يكشف "التناقض الكبير في معاداة السامية الأمريكية. إنها في نفس الوقت ضعيفة ومميتة - وهي ظاهرة هامشية مع ذلك لها القدرة على تحديد مزاج وحياة الحياة اليهودية".

اقرأ أيضاً: من هو منفّذ هجوم كنيس يهودي في بنسلفانيا الأمريكية؟ وما هي دوافعه؟
ويعد قبول أمريكا لليهود واليهودية مؤشراً عميقاً، ففي الولايات المتحدة يعيش يهودٌ أكثر من أي بلد آخر يعيش فيه اليهود في الشتات. في العام الماضي، نشر "مركز بيو للأبحاث" استطلاعاً للرأي طلب فيه من الأمريكيين تقييمَ المجموعات الدينية المختلفة المؤثرة إيجابياً، فكانت المجموعة التي تلقت استجابة ودية - حسب "مقياس حرارة المشاعر" المؤلف من 1 إلى 100 - هي اليهود، الذين جاؤوا  قبل الكاثوليك والبروتستانت (المجموعتان المسيحيتان الرئيسيتان في البلاد)، فيما جاء المسلمون والملحدون في آخر القائمة.

من أمام كنيس "تري أوف لايف" بعد المجزرة الأخيرة

كنيس "شجرة الحياة"

ومع ذلك، عندما سار روبرت باورز إلى كنيس "شجرة الحياة" وقتل 11 شخصاً، صرخ "يجب أن يموت كل اليهود". وهنا كان رد الفعل بين اليهود الأمريكيين أكثر صدمة من المفاجأة. ويرجع هذا جزئياً إلى أنّ المجازر في الأماكن التي يجب أن تكون آمنة لم تعد مفاجئة في الولايات المتحدة. إذا أمكن للرجال الغاضبين المدججين بالسلاح ارتكاب جرائم قتل جماعي في رياض الأطفال والمدارس الثانوية ودور السينما والملاهي الليلية - بالإضافة إلى كنيسةٍ للأمريكيين الأفارقة في كارولينا الجنوبية. ومعبدٍ للسيخ في ولاية ويسكونسن - وهنا لا يوجد أيُّ سببٍ للاعتقاد بأنّ الكنيسَ (اليهودي) سيكون في مأمن.

عندما يُنظر إلى الاختلاف على أنه أمرٌ خطير، فإنّ الحياةَ ستصبح خطرةً على اليهود، ثم على الجميع

لكن مجزرة بيتسبرغ، في تحليلات مراقبين، لم تكن إطلاقاً عشوائية، ويبدو أنها تؤكد قلقاً متزايداً بين اليهود الأمريكيين مبعثه أنّ معاداة السامية في ازدياد. ووفقاً لإحصاء تم الاستشهاد به على نطاق واسع من مؤسسة "مراجعة الأحداث المعادية للسامية"، فقد ارتفع عدد هذه الأعمال بنسبة 57٪ في عام 2017 مقارنة بعام 2016.
النظرُ إلى التقرير بالتفصيل يظهر أنّ الصورةَ أكثرَ غموضاً. في عام 2017 ، قفزَ عددُ التهديدات الموجهة إلى المؤسسات اليهودية بشكل كبير، وبأكثر من 100٪ من العام السابق، وكشف عن اتصالات بالهاتف بتهديدات بالقنابل تلقتها عشرات المدارس والمراكز الاجتماعية اليهودية الأمريكية.

أسوأ هجومٍ على اليهود في التاريخ الأمريكي
وعلى الرغم من أنّ الاعتداء على كنيس بيتسبيرغ كان أسوأ هجومٍ على اليهود في التاريخ الأمريكي، إلا أنه ليس الأول، ففي عام 2006، أطلق مسلّحٌ النارَ على ستة أشخاص في الاتحاد اليهودي في سياتل، وفي عام 1999، هاجم رجلٌ مسيحيٌ متشدد مركزاً للجالية اليهودية في لوس أنجلوس، وأصاب خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال.

اقرأ أيضاً: قنبلة من العيار الثقيل.. مسيحي يتزعم جالية يهودية
يؤكد كيرش أنّ "مسألة ما إذا كانت معاداة السامية في ازدياد يجب أن تعني أكثر من اليهود فقط، لأنّ الكراهية لليهود هي مقياس حساس للصحة السياسية للمجتمعات الحديثة" لأنه، منذ العصور القديمة وحتى تأسيس دولة إسرائيل، كان اليهود أقلية صغيرة في كل بلد تقريباً عاشوا فيه. و"بسبب تراث المسيحية المعادية لليهود، كانوا ولعدة قرون من الأقلية المكروهة والمضطهَدة".

 

بالنسبة لشعب من هذا القبيل، من المستحيل الازدهار في مجتمع لا يعتنق التعددية. لم تكن الدول الأوروبية قادرة على تبنّي هذا النوع من التعددية. حتى عندما عرضوا على اليهود المساواة القانونية في القرن التاسع عشر، استمروا في التفكير باليهود كأجانب، وبالتالي، كعناصر تهديد ومنافسين. ولدت معاداة السامية كحركة سياسية حديثة في عام 1879، عندما أسس فيلهلم مار، رابطة معاداة السامية بهدف طرد اليهود من ألمانيا.

 

مجزرة بيتسبرغ لم تكن إطلاقًا عشوائية، بل تؤكد قلقاً متزايداً بين اليهود الأمريكيين مبعثه أنّ معاداة السامية في ازدياد

هناك بلدٌ واحدٌ فقط في العالم الحديث حيث كانت التعددية جزءاً من الحمض النووي لنظامه السياسي منذ البداية، وكان ذلك لدى الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن الذي عرفَ هذه القيمة ببلاغة في رسالته 1790 إلى يهود نيوبورت، بولاية رود آيلاند: "لحسن الحظ تعطي حكومة الولايات المتحدة، مساعدة لأي مجموعة تعاني من الاضطهاد تعيش تحت حمايتها، ويجب أن يكون أفرادها أنفسهم كمواطنين صالحين".
يمكن النظرُ إلى التاريخ الأمريكي على أنه كفاحٌ مستمرٌ للحفاظ على هذا الوعد لتوسيع نطاق الاحترام لجميع أنواع الاختلاف وتكريم قداسة كل فرد. وبالنسبة لليهود، فإن العيش في مجتمع كهذا جعل من الممكن الازدهار بطرق لا يمكن تصورها في أوروبا. يمكن أن يكونوا أمريكيين دون أن يتوقفوا عن كونهم يهوداً، ويمكنهم أن ينجحوا في أفضل ما لديهم من قدرات "دون أن ينكروا الكراهية والحسد على يهود آخرين".

اقرأ أيضاً: يهود ومسلمون مغاربة يتبركون من نفس الأولياء

كان هناك دائماً أمريكيون يرفضون مبدأ التعددية

معاداة السامية، إذاً، وفق تحليل المراقبين، إعلان حرب على التعددية الأمريكية. لقد كان هناك دائماً أمريكيون يرفضون مبدأ التعددية، ويعتبرون الاختلاف سبباً للخوف والكراهية. وعندما أشار منفذ الهجوم الأخير روبرت باورز إلى اليهود على وسائل الإعلام الاجتماعية (سوشيال ميديا) على أنهم "أعداء لشعبنا"، فهو كان يقصد العرق الأبيض، وهو ذاته المنطق الذي حفّز مخترعي معاداة السامية المعاصرين في أوروبا.

اقرأ أيضاً: قصة اليهود العرب.. كيف سقطوا في قبضة الصهيونية؟
لا تزال مثل هذه الأفكار تعتبر غيرَ شرعية في السياسة الأمريكية، ولكن لا شك في أنها تعتبر اليوم أكثرَ جرأة عما كانت عليه في الماضي. ويرجع ذلك جزئياً إلى "تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية، التي سمحت للمعادين للسامية، الذين كانوا سابقاً في الظلال، بأن يجدوا بعضهم بعضاً، وهو ما حصل في العام الماضي، حين تجمّع مئات من العنصريين والنازيين الجدد في مدينة شارلوتسفيل، وكان هذا "كافياً للفت انتباه الأمة كلها".
اليهود في عصر ترامب
والأمر الأكثر إثارة للقلق بين اليهود في عصر ترامب، الهجمات التي تنال شخصيات بارزة مثل جورج سوروس "بالنسبة لبعض الأمريكيين اليوم، يلعب الملياردير الديمقراطي المجري الأصل سوروس الذي تلقى واحدة من سلسلة القنابل الموجهة الى رؤوساء ديمقراطيين سابقين ووسائل اعلام ناقدة لترامب، نفس الدور الذي لعبته روتشيلد أو حكماء صهيون في الأجيال السابقة.

اقرأ أيضاً: قانون القومية اليهودية: ماذا ظلّ من ديمقراطية إسرائيل المزعومة؟

جورج سوروس
يُظهر التاريخ أنه عندما يُنظر إلى الاختلاف على أنه أمرٌ خطير، فإنّ الحياةَ ستصبح خطرةً على اليهود، ثم على الجميع. "بعد بيتسبرغ، سيتعلم اليهود الأمريكيون العيش مع إجراءات أمنية أكثر صرامة؛ حراس مسلحين، آلات أشعة سينية للكشف وحواجز خرسانية. ولكن على المدى الطويل، فإنّ أفضل حماية لليهود هو العيشُ في مجتمع يتمتع بالحرية والتنوع، وهو ما حاولت أمريكا دائماً أن تكون عليه في أفضل حالاتها".

اقرأ المزيد...

الوسوم: