ماذا لو كانت عتبات الأمان وهمية في مجتمعاتنا؟

يعرّف الطبيب والمحلل النفسي، جون بولبي، التعلّق عند الطفل أنه: نظامٌ حيويّ سلوكي، هدفه التنسيق بين البحث عن الأمان من جهة، والرغبة في استكشاف العالم بما فيه من مخاطر من جهةٍ أخرى، ودائماً ما يسعى الطفل إلى تحقيق الهدفين معاً. ولهذا المفهوم تأثيرٌ حاسمٌ على المراحل النمائية للطفل، وعلى مستقبله لاحقاً.

بناءً على ما ذكره بولبي، يمكننا أن نستشف أنّ أهم مركّبين يتناوبان الحياة النفسية للطفل، هما مركّب الأمان ومركّب الخوف، اللذين تجمع بينهما علاقة عكسية، فيزداد أحدهما بنقص الآخر. بالتالي إنّ مهمة التربية السليمة، ترتكز على تقليص الخوف، من خلال تأسيس عتبة أمانٍ ينطلق منها الطفل إلى اكتشاف العالم، وهذه الانطلاقة ستمنحه الانتقال التدريجي عبر مراحل نموّه، أقصد من التعلّق إلى بناء علاقة سليمة مع ذاته، وعلاقات سليمة مع العالم، ولكن ماذا لو كانت عتبات الأمان غائبة، أو متذبذبة، أو حتى وهمية كما في مجتمعاتنا؟

اقرأ أيضاً: لسان حال التربية الدينية في مجتمعاتنا: الطفل كالعجينة ..ما الخبز الذي ننتظره؟

الإحساس المزمن بالتهديد، الذي يعاني منه الفرد في مجتمعاتنا، يعود إلى أنّ الفرد منذ ولادته وحتى مماته يعيش في مرمى الخوف. هذا الخوف المتراكم عبر أشواط التربية، يعطّل إمكانات المعرفة والاكتشاف، ويفرض رؤية ثابتة ونهائية للعالم، إنه ينجح دائماً في عزل الفرد داخل انتماءاتٍ ضيقة توفر له الحماية، ولكنها لا توفر له الأمان، وسيضطر الفرد إلى تنازلات كثيرة مقابل الاعتراف به، وقد يكون أخطرها التنازل عن إنسانيته.

إنّ علاقات الاضطرار تقوّض مبدأ الإرادة الحرّة وتحرم الفرد من فعل الاختيار الحرّ الذي يؤكد الوجود ويمنحه المعنى

إنّ علاقات الاضطرار تقوّض مبدأ الإرادة الحرّة، وتحرم الفرد من فعل الاختيار الحرّ، الذي يؤكد الوجود ويمنحه المعنى، فالعلاقات الافتراضية التي تعم العالم لم تقلل من عزلتنا، بل زادتنا فراغاً وتعلقاً بما يستهلك وجودونا. التعلّق ليس منتجاً عرضياً للخوف، فعلاقة الخوف بالتعلّق علاقة جذرية، يختصرها المثل "الغريق يتعلّق بقشة"، والقشة في معرض الخوف تتضاعف إلى أن تصبح طوفاً يتسع جميع أوهامنا، ولكن لا يملك القدرة على حملنا.

يبدأ الخلل في الأسرة التي تتحدد بالأب والأم، وبما أنّهما بالضرورة نتاج المنظومات التربوية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية في مجتمعهم، فإنّ هذا النتاج سيعاد تدويره في الأطفال الذين سينجبونهم. وكصورة مخيفة من صور العود الأبدي سيتكرر نفس السلوك، الذي لم يؤدِّ في وقتٍ ما إلى طمأنينة الفرد أو إلى سلامه، وستبقى المخاوف تترصد في كل فعلٍ من أفعاله.

اقرأ أيضاً: هل التفسيرات الدينية مصدر عنف ضد الطفل؟

فإذا نظرنا إلى دوافع الزواج في مجتمعاتنا نجدها ترتكز على خوفٍ ما، كنقصان الرجولة عند الذكور، والخوف من العنوسة عند الإناث، وبعد إتمام هذه الصفقة على الرغم من فشلها في أغلب الأحيان، يستمر الزواج اضطراراً وليس اختياراً، فرغم الحيف الواقع على المرأة في كثير من الزيجات، فإنها تتعلق به خوفاً من مجتمعٍ ينتقص المطلّقة، وقد لا ينفصل الإنجاب عمّا سبق، ويضاف إليه أنّ الطفل المُعال، يُنظر إليه كمعيلٍ مستقبلي يضمن شيخوخة والديه.

لن نتمكن في مجتمعاتنا من العثور على الشخص المناسب في المكان المناسب مادام الخوف والتخويف يحددان مسار الحياة

هذا ما يؤدي لقلب نظرية "بولبي"، فبدل أن يحقق الوالدان عتبة أمانٍ لطفلهما، يصبح الطفل عتبة أمانٍ لهما؛ فالطفل في مجتمعاتنا هو أيضاً وسيلة لتثبيت العلاقة بين الزوج والزوجة، وإبعاد شبح الطلاق. داخل الأسرة التي يُنجَب فيها الطفل لإثبات الوجود الاجتماعي والنفسي، سيتحول هذا الطفل من غايةٍ إلى وسيلة، وهذه الوسيلة حتى تكون ناجعة، يجب أن تُحمّل كل المخاوف المحتملة لعلاقاتٍ غير ناضجة. مع كل هذه الظلمة كيف لنا أن نرى فرداً مستقلاً يثق بنفسه وبالآخرين؟

إنّ هذا التعلّق المبنيّ على الخوف، سيتّخذ من التخويف الأداة الأهم في تربية وبناء سلوك الأفراد، بمقدار ما يزداد الخوف يزداد التعلّق، ويضمن ولاء ورضوخ الأفراد لمنظومة القيم العامة والتبعية العمياء لها، اعتماداً على اعتقادٍ خاطئ، أنّ التخويف هو رادعٌ ودافعٌ بنفس الوقت، فأسهل طريق للوالدين لردع الطفل في ظل غياب الحوار هو تهديده وتخويفه، يتدرّج التخويف بحسب المرحلة العمرية، ابتداءً بتخويف الطفل لتجنّب ارتكاب الخطأ بعقوبات مادية أو افتراضية يوكل أمرها لله، عز وجل، ثم بتخويفه من المعلم ومن العقوبة التي تنتظره في البيت إذا لم يحصل على درجةٍ جيّدة، انتهاءً بتخويفه من الفشل الاجتماعي والاقتصادي.

أهم مركّبين يتناوبان الحياة النفسية للطفل هما مركّب الأمان ومركّب الخوف، إذ يزداد أحدهما بنقص الآخر

لن نتمكن في مجتمعاتنا من العثور على الشخص المناسب في المكان المناسب مادام الخوف والتخويف يحددان مسار الحياة، وسنتعثر بالاضطرار أينما اتّجهنا، فمن أكمل دراسته ومن لم يكملها كلاهما في خانةٍ واحدة، يجمعهما الخوف من الحاجة، الأول سينتظره عملٌ لم يختره هو، بل الدرجة التي نالها وحددت نوع دراسته، والثاني سينخرط في أي فرصة عملٍ يمكن أن تنقذه في واقعٍ شحيح كواقعنا، وأيّ منهما لن ينشئ علاقة صحيحة مع عمله على الرغم من توهمه ذلك، إنه في الحقيقة سيتعلق بما يملأ جيبه.

المؤسف في كل مرّةٍ، أنّ نتائج  التخويف تضيّق حدود العقل، وتلغي استقلالية الفرد، حتى يصل الفرد إلى ما يسمى بالتعلّق الرضوخي بحسب تعبير "مصطفى حجازي" عندما يتحول الرضوخ والإذعان للمستبد إلى تعلّقٍ به، فيُختصر العالم والوجود إلى صورة الزعيم، أو إلى عقائد تبدأ الحياة وتنتهي بها، عقائد لا تعترف بأيّ شيءٍ خارجها أو بمن يخالف مسلماتها.

اقرأ أيضاً: مفهوم الله في وعي الطفل من واقع الموروث الشعبي

يبدو أنّ التعلّق تغذّيه جذورٌ مشبوهة مهما كان الأمر الذي نتعلق به، فهو بالمحصلة ناتجٌ عن عدم نضج كافٍ في علاقتنا مع أنفسنا ومع العالم، ودائماً ما يحدث هذا التعلّق نتيجة نقصٍ أو حاجةٍ ما، ربما أمراض السمنة التي يعاني منها الصغار والكبار ليست بريئة من ذلك، في مناخ علاقاتٍ تغيب عنها الفاعلية.

فالعلاقة إن لم تكن سيرورة كشف ذاتي، وحركة مستمرة يتعرّف فيها الفرد على دوافعه الخاصة وعلى أفكاره الخاصة واهتماماته، بتعبير "كريشنا مورتي"، ستكون بلا مردودٍ إنساني، وطالما نحن متعلقون بماضٍ ولّى ومستقبلٍ لم يأتِ، مفرغين الحاضر من وجودنا، نتأرجح ما بين الحنين والأمل، سنتعلق دائماً بقشةٍ لن تنقذنا من الغرق.

الأقسام: