ماذا نفعل حيال المنافع الشريرة؟

ماذا نفعل حيال المنافع الشريرة؟

مشاهدة

25/01/2021

استعرنا هذا السؤال من الفيلسوف البريطاني "جون ستيوارت مل"، وكان قد طرحه في كتابه "النفعية"، ونستعير تعريف النفعية من مترجمة الكتاب "سعاد شاهرلي حرار" حيث تقول: "النفعية هي الفلسفة الأخلاقية التي يمكنها أن تنازع "الكنتية"، وهي إحدى مصادر الأخلاق المعاصرة المطبقة التي أسسها "بيتر سنجر"، وهي نظرية إنسانوية ترفض مثلها مثل "الكنتية" المقاييس الأخلاقية الشائعة المنبثقة من المواثيق الاجتماعية والاعتقادات الدينية الخاطئة".

اقرأ أيضاً: هل كشفت السوشيال ميديا عن مكبوتات الشباب العربي؟

النفعية مفهوم بورجوازي حديث، أساسه تبادل السلع والخدمات والمنافع المادية واللامادية بين الأفراد والمؤسسات؛ المنافع المتبادلة تؤدي إلى منفعة اجتماعية عامة، حين تقوم المبادلات والمعاملات على حرية الإرادة وتكافؤ أطراف التبادل. ومن المؤكد أنّ تبادل المنافع المادية مقترن بتبادل الأفكار والتصورات والقيم، لذلك يعد التبادل أساس الأخلاق المدنية، الخيرة منها والشريرة، لأنه التبادل المتكافئ محكوم بقيم المساواة والحرية والأمانة والاستقامة والعدل، فما يجري في مجال تبادل المنافع؛ يشكل أساس النظام الاجتماعي والسياسي.

النفعية مفهوم بورجوازي حديث أساسه تبادل السلع والخدمات والمنافع المادية واللامادية بين الأفراد والمؤسسات

يتوق الإنسان بطبيعته إلى تحقيق منفعته الخاصة، رغبته الشخصية، فيحقق بذلك نشوةً؛ قد تكون نشوة جسدية أو نشوة روحية (نفسية)، تطغى على المنفعة العامة، سواء بقصد أو بغير قصد، المنفعة الخاصة تحقق سعادة الفرد على حساب سعادة الجماعة، حسب تعبير بعض الفلاسفة الذين انتقدوا النفعية أو البراغماتية، متناسين الصفات الطبيعية للكائن البشري، وما تحتله المشاعر والأحاسيس في تلك الطبيعة، واعتبروا الإنسان فقط يشعر باللذة والألم ويوجه سلوكه نحو مصلحته الخاصة.

استلهم ستيوارت مل فلسفته النفعية من الفيلسوف البريطاني بنثام، الذي اقترح مقياساً كمياً للسعادة، مفاده سعادة قصوى لأكبر عدد ممكن من الناس، واعتبر المنفعة أساس الأخلاق المدنية، وهذه تقابل فكرة المعاملات في ثقافتنا، (المعاملة رأس الدين).

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل الإعلام الديني من الوعظ لخطاب أيديولوجي سياسي؟

المنفعة التي يعتبرها مل أساس الأخلاق هي المنفعة العامة، لذلك يسمى المنفعة الشخصية، التي يحققها أي شخص على حساب منفعة غيره وعلى حساب المنفعة العامة "المنفعة الشريرة"، هذه المنفعة الشريرة تقودنا إلى التمعن في ما يحصل داخل المجتمعات المتخلفة من صراعات ونزاعات سياسية ودينية ترتكز على منفعة جماعة ما (عائلة أو عشيرة) على حساب غيرها من الجماعات، ومنفعة فئة اجتماعية، أو طبقة معينة، على حساب منفعة غيرها من الفئات، ومنفعة أفراد أنانيين وجشعين على حساب منفعة المجتمع.

وفق مل "المنفعة الشريرة" هي المنفعة الشخصية التي يحققها أي شخص على حساب المنفعة العامة وغيره

لكن المنفعة الشريرة، أي منفعة جماعة أو فئة أو منفعة أشخاص بأعيانهم تصير شراً مطلقاً وخطراً على سلامة المجتمع والدولة حين تكون الجماعة أو الفئة المعنية ممسكة بدفة السلطة ومسيطرة على الدولة، وحين يكون الأشخاص موظفين كباراً وصغاراً في مؤسسات الدولة، لهذه المنفعة الشريرة اسم معاصر هو الفساد، الذي تقدر كلفته في بعض الدول كسوريا أكثر من ثلت الناتج المحلي.

ليس بوسع الفئة الممسكة بدفة السلطة أن تحقق مصلحتها الخاصة على حساب المصلحة العامة، إن لم تعمم الفساد في جميع مؤسسات الدولة، ثم في أوساط المجتمع القابلة للإفساد، لذلك تعد القيم الأخلاقية المنبثقة من المنفعة العامة والمحايثة للمبادلات والعقود والمعاملات معياراً أساسياً من معايير التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي والحياة الإنسانية الجيدة.

اقرأ أيضاً: اجترار الذات.. هل الهروب إلى الماضي هو الحل؟

المنفعة الشريرة، والأخلاق الشريرة التي تنبثق منها، لا دين لها ولا مذهب ولا طائفة ولا قومية. أينما توجد سلطة فاسدة ينتشر الفساد والأخلاق الفاسدة في جميع المؤسسات والتنظيمات المدنية وفي جميع الفئات الاجتماعية، فتنعدم الثقة بين الناس، وهذا وحده كفيل بتفكيك الروابط الاجتماعية وتمزيق اللحمة الوطنية.

ترتكز المنفعة العامة على القدرات الإدراكية التي يتمتع بها الفرد، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأخلاق العامة والآداب العامة، لا بالأخلاق المحددة بنظام معين، كالنظم الاجتماعية والسياسية والدينية الصارمة، إنما بالأخلاق التي يفترض أن تحاكم عقلياً جميع الظواهر، الاجتماعية والطبيعية  حتى يتسنى للفرد تحديد أهدافه ورغباته حسبما تقتضيه عضويته في المجتمع والدولة.

المنفعة الشريرة والأخلاق التي تنبثق منها لا دين لها ولا مذهب ولا طائفة ولا قومية

فلا يمكن أن يكون المجتمع سعيداً إن لم يكن أفراده سعداء، وهذا ما تطرق إليه "جون ستيوارت مل" وقدم النفعية بأوضح معالمها، التي تجعل سعادة الفرد في تحقيق كرامته الإنسانية، وأوضح مل أنّ "الفرد الذي تكون قدرات التمتع عنده منخفضة، لديه فرصة أكبر في إشباع قدراته. لكن الفرد الذي له قدرات عليا سيكون دائماً شاعراً بأنّ أية سعادة يبحث عنها في عالم مثل عالمنا لا تخلو من العيوب".

الفرد صاحب القدرات العليا، لا ينظر إلى العالم من زاوية واحدة، أو نظرة أحادية الجانب، باستطاعته أن يدرك تلك العيوب بوعيه ويجتازها بوعيه أيضاً، كما يدرك تماماً أنّ المنفعة الشخصية التي يبتغيها ستعود على المجتمع بمنفعةٍ عامة، كالفنان الذي يُسعد ذاته برسم لوحة فنية، فيسعد الآخرين بالتمتع البصري بتلك اللوحة، ويصبح الفن ثقافة اجتماعية واعية، فتلك السعادة هي سعادة فكرية، تتماشى مع الزمان والمكان اللذين أنتجاها، وباستطاعة النفعية الأخلاقية المرتبطة بالفكر؛ أن تجعل الفرد قادراً على الاختيار الحر، الذي ينعكس على المجتمع بالنفعية العامة أو "السعادة" كما أسماها الفلاسفة.

اقرأ أيضاً: هل تنوب الأيديولوجيا القومية عن الدولة الوطنية؟

بما أنّ النفعية تقوم على التبادل، فكلما اتسع مجال التبادل، وتجاوز حدود الجماعات المغلقة، يزداد نمو الوطنية، ويتقلص الخاص لصالح العام ورفعته ونموه، فالدول الحديثة نشأت بفضل توسع الأسواق، وتشكيل سوق وطنية تخدم مصلحة الأفراد ومصلحة المجتمع على حد سواء، فتوفير اليد العاملة تحفظ كرامة الفرد من البطالة، وتوفر له جميع مستلزمات الحياة، على عكس ما يحصل في البلدان المتخلفة التي لا ترى في المنفعة إلاّ المصالح الشخصية، واحتكار الثروات الوطنية لصالحها فقط، بالإضافة إلى تجّار الأزمات ولصوص الحرب في البلدان المتنازعة، التي ركبت موجة الحرب وأجهضت ولادة السوق الوطنية بالتعاون مع القوى المستبدة بقوت الشعوب وامتهان تفقيرها وتهميشها والسيطرة على حقوقها الطبيعية ومنعها من العيش بكرامة.

باستطاعة النفعية الأخلاقية المرتبطة بالفكر جعل الفرد قادراً على الاختيار الحر الذي ينعكس على المجتمع بالنفعية العامة

القوى السياسية المستبدة في البلدان المتخلفة، دجّنت شعوبها على الرضا، فلم تعد تلك الشعوب قادرة على الرفض، أو على المطالبة بحقوقها الإنسانية، فصارت المنفعة أحادية الجانب وغير أخلاقية، وصار التبادل مقتصراً على فئة معينة من فئات الشعب، وغير مقترن بالحرية أو العدالة، فقط مقترن بالنفعية السلبية التي لا تتجه نحو الخير العام أو السعادة العامة. فما الذي بوسعنا أن نفعله حيال المنافع الشريرة وقد صارت منافع مسلحة؟

الصفحة الرئيسية