ماذا يعني أن تكون منشقاً عن جماعة الإخوان المسلمين؟

ماذا يعني أن تكون منشقاً عن جماعة الإخوان المسلمين؟

مشاهدة

10/11/2020

تمضي حياة كلّ إنسان بين مراحل يتشابه فيها كلّ الخلق، وإن تباينت مصائرهم وحظوظهم، يولد الإنسان جنيناً في حاجة إلى حنان الأسرة ورعايتها، ثم ينمو قليلاً، فيكتشف عالم اللعب والمرح، في ظلّ أسرته ورعايتها، ثمّ يمضي إلى الصبا، فالشباب؛ حيث تتملكه الرغبة في تغيير العالم على مقاس أفكاره، ويسيطر عليه هذا الوهم اللذيذ، الذي يتعامل مع تعقيدات العالم كما لو كانت بحدود رقعة حجرته، التي توزّعت فيها ألعابه، يحركها كيف يشاء، ربما تدركه لحظة وعي تقوده إلى إدراك الحقائق وتقدير قدراته على نحو صحيح، أو يمضي في التماهي مع ذاك الوهم اللذيذ، يقمع كلّ رغبة في التفكير أو التدبر في أحواله وأحوال العالم من حوله، ماضياً مع القطيع، مستسلماً لأحلام شخص آخر، أو شخوص آخرين، احتلوا قمرة القيادة في حزب أو جماعة، انتظم هو في صفوفها جندياً مطيعاً، يعتقد أنّه يخدم دينه ووطنه عبر العمل مع هؤلاء.

اقرأ أيضاً: 10 منشقين عن الإخوان يكشفون أسرار المعبد

لماذا حين يقرّر شخص أن يتمرد على عقلية القطيع لا يحظى في النهاية سوى بالاستنكار والقطيعة والنقد والهجوم، يصبح في وصف رفاق الأمس منشقاً أو خارجاً عن الجماعة، توجه له سهام النقد والاغتيال المعنوي، بحجة شقّ الصف الذي يمضي إلى الهلاك بشهوة غامضة.

لماذا حين يقرّر شخص أن يتمرد على عقلية القطيع لا يحظى سوى بالاستنكار والقطيعة والنقد والهجوم؟

شاع في الإعلام العربي وصف من يغادر حزباً أو جماعة بأنّه منشقّ، وهو وصف شاع في الأدبيات السياسية لمن يرفض أو لا يوافق على أفكار أو سياسات أو سلوكيات أو أهداف حزب أو جماعة، وفي معاجم اللغة العربية المختلفة، يعرَّف المنشق بأنّه شخص يحتج على المظالم والانتهاكات الممارسة من قبل حكم بلده، ومن هؤلاء مَن انتصروا في معاركهم، فأصبحوا رؤساء لبلدانهم، كما حدث مع المنشق البولندي ليش فاليسا، والمنشق التشيكي والكاتب المسرحي فاتسلاف هافيل، ومنهم من لم يحصل على منصب سياسي  عندما عارض بلاده، كما عاينا في تجربة المنشق الروسي، أندريه زاخاروف، عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل، الذي انحاز للحقّ في الحياة والحرية والجمال.

اقرأ أيضاً: القياديّ الإخواني المنشقّ أبو السعد: هكذا يتعامل التنظيم مع من يخرج منه

كلمة منشق بهذا المعنى؛ كلمة لا تعني سوى التمايز عن القبح والقهر والظلم، الذي قد تجسّده دولة أو جماعة، حين تنحرف عن قيم الحق والخير والجمال، وهي بهذا المعنى تستحق الاحتفاء والتقدير لمن يحملها، سواء انشقّ عن جماعة أو حزب، أو حتى نظام سياسي، انحيازاً للقيم الإنسانية وإخلاصاً لها.

ولأنّ هذا المعنى يبدو معنى مشرّفاً لمن يحمله، تحايلت جماعة الإخوان، وهي من الجماعات التي تملك تراثاً عريقاً في تحييد أيّ هجوم عليها، يحمل نقداً لأفكارها أو سلوكياتها وأهدافها، فقد نجحت في تغيير هذا المعنى، معنى المنشق، الإيجابي إلى المعنى السلبي، فأصبح المنشق هو ذلك الشخص الذي لم يحظَ بمكاسب من الجماعة، تقنعه بأن يبقى ضمن القطيع، الذي يطيب للجماعة أن تصفه بالربانية والطاعة وكمال الإيمان، أو جماعة المؤمنين.

محنة المنشق أنهّ يظل بين مطرقة جماعته السابقة وسندان السلطة التي تظل تنظر إليه بعين الريبة

وحين قرّرت مجموعة، بدوافع متباينة، أن تكشف حقيقة الجماعة وسلوكياتها، انحيازاً للوطن وللدين وللقيم التي لا تستقيم حياتنا من دونها، انتصبت مدفعية الجماعة من عناصر الإخوان، ومشايعيها، لتشوش رسالة هؤلاء المنشقين، بصرف النظر عما يقولونه من حقّ، إلى قضايا أخرى فرعية، لا معنى لها، لكنّها تصرف العقول عما يطرحه هؤلاء من رؤى نقدية، ليتركز الحديث حول الأشخاص، فهذا بزعمهم كان يطمع في الزواج من ابنة القيادي الفلاني، فلما رفض شنّ حربه الخاصة على الجماعة، وهذا طلب تعيينه في إحدى مؤسسات الجماعة فرفِض طلبه فناصب الجماعة العداء، وآخر كان يريد أن ترشحه الجماعة عضواً في البرلمان على قوائمها، فلما لم تدرجه شنّ هجومه الضاري عليها، هذا فضلاً عن نمط آخر يتوسل بالمظلومية، يتحدث عن أنّ العِشرة والخبز والملح تقتضي أن يسكت من يغادر الجماعة عن نقدها أو التعريض بها، فالرجل حين يطلق زوجته لا ينبغي له أن يخوض فيما جرى بينهما!

اقرأ أيضاً: لماذا قدّم الإخوان 3 تفسيرات مختلفة لرسالة التعاليم لحسن البنا؟

لا تكتفي الجماعة أبداً من الاستفادة من واقع شعبي يجنح إليها، فلم تكن علاقة شخص غادر الجماعة بالجماعة هي علاقة زوج بزوجة؛ بل جماعة وحركة قدمت نفسها للكافة باعتبارها حركة تنتصر للقيم، وتسعى لتحسين حياة الناس، فهل نجحت في شيء من ذلك، جماعة تحدثت عن الدفاع عن الديمقراطية وحرية الرأي وتداول السلطة، فهل ألزمت نفسها، سواء في المعارضة أو الحكم، بشيء من ذلك، أم عصفت بكل تلك القيم والحقوق، في المعارضة كانت أم في الحكم؟

المنشق شخص حرّ التفكير، منحاز للقيم، أخلص لوطن ودين تجرّد من كل العوائق وقفز على المغريات والتهديدات، ولم يأبه بها، وحين شعر بالخطر يداهم دينه ووطنه انحاز لهما، طارحاً على الأرض أيّ انتماء، وبشجاعة منقطعة النظير تستدعي الاحتفاء والتقدير، فهل حظي المنشق بما يستحق من المجتمع أو السلطة السياسية؟

يتأثر المجتمع فيبقى متحيراً في هذا المنشق خاضعاً لتأثيرات ميديا الجماعة والسلطة معاً

بقي المنشق بين المطرقة والسندان، يحاكمون نواياه ويتجاهلون أفعاله، تتهمه السلطة بأنّه ما يزال على أفكاره القديمة، وبأنّه لم يتخلص من التقية التي تعلمها في الجماعة، وأنّه ربما يمارس دوراً غامضاً لحسابها انتظاراً لمرحلة قادمة، والسلطة في هذا التقدير تبدو مدفوعة إما بوعي بأنّ هذا المنشق صادق، لكنّها لا تستطيع مقاومة رغبتها في أن يجلس تحت أقدامها يتلقى تعليماتها، أو مدفوعة بهذا الهاجس، بصدق وتشكيك في ولائه، وتفضل أن تبقيه في دائرة الشكّ بعيداً عن دائرة الثقة، إخلاصاً لمعطيات أمنية بالأساس.

اقرأ أيضاً: عندما طلب مراقب الإخوان المسلمين.. اجتياح العِراق!

ومن الجهة الأخرى؛ يتأثر المجتمع، فيبقى متحيراً في هذا المنشق، خاضعاً لتأثيرات ميديا الجماعة والسلطة معاً، وفي هذه المساحة تتحرك الجماعة لتكسب أرضاً جديدة، تتغذى على هذا الأداء العابث من السلطة، فتحاول استمالة البعض من هؤلاء، بالابتزاز العاطفي تارة، وبغيره من الوسائل تارة أخرى، وقد نجحت بالفعل بذلك مع البعض منهم، بينما يبقى المنشق يعاني عداء طرف وتنكّر آخر، راضياً بانحيازاته، ومصرّاً على استقلاله عن السلطة والجماعة معاً، مخلصاً فقط لضميره الديني والوطني، وإن تزلزلت من حوله الجبال، يبقى مؤمناً بأفكاره، مخلصاً لها، فخوراً بكونه منشقاً بإراداته الحرة عن الإملاءات، منحازاً للحقّ وللخير والجمال، وإن بقي وحيداً.

 

 

الصفحة الرئيسية