مارتن لوثر: أن تحب الله دون إكراه السياسة وتدخل الناس

5518
عدد القراءات

2018-11-11

بعد خمسة أعوامٍ على بدء محاكم التفتيش في إسبانيا؛ حيث كانت روائح الجثث تتصاعد عندما يتم حرقها بتهمة التجديف والاختلاف الديني، وبعد تاريخٍ طويل من المحاكمات والصلب المتكرر للمفكرين والعلماء، ولد مارتن لوثر، الذي استطاع أن يهز علاقة الكنيسة والسلطة في أوروبا.

اقرأ أيضاً: أولى خطوات التنوير تبدأ بهزيمة المؤسسات الناقلة للتطرف

اسم مارتن لوثر، يتردد كواحدٍ من أصحاب أكبر الطلقات التنويرية في التاريخ؛ لأنه تجرأ على خلق مساحة للتفكير والاختلاف، دون وصاية سلطوية وكنسية، وأسست أفكاره فيما بعد، لما تفتقده العديد من المساحات الجغرافية في العالم العربي والعالم كله اليوم، وهو حرية الاعتقاد والرأي، دون الخوف من سلطة الناس؛ بل اللجوء إلى علاقةٍ غير محكومة بالإكراه السياسي والشعبوي في علاقة الفرد مع خالقه، وهذا ما يستدعي قراءة مارتن لوثر من جديد، وفي كل وقت.

الراهب العقلاني

ليس شرطاً العثور على الإيمان داخل بيت العبادة، هذا ربما ما يكون دفع مارتن لوثر، المولود عام 1483 في بلدة آيسلبين بمقاطعة سكسونيا في ألمانيا، للتمرد على بعض أفكار الكنيسة التي دخلها في سنٍ مبكرة، وكان بالكاد يبلغ التاسعة عشرة من العمر؛ حيث لم يطل به الوقت، حتى أخذ يدرك الفساد الأخلاقي والسياسي الموجود في مؤسسة الكنيسة، والذي فكر في أن المسؤول عنه ليس سوى الرجال الذين أتيح لهم أن يكونوا وسطاء بين الله وإيمان الناس به.

سيطرة رجال الدين على الإيمان سببت فهماً محدداً له مما قاد من يعارضه إلى الهرطقة والدخول في معركة غير عادلة مع الناس

ومع وجوده في قلب مكان صنع القرار الديني، إن صح التعبير، بدأت شكوك لوثر تتزايد بشأن "علو كلمة رجال الدين على كلمة الإنجيل". وبشأن استخدامهم صكوك الغفران، التي تجبر الناس على الاعتراف بخطاياهم أمام سلطة الكنيسة، ومن ثم دفع المال مقابل الحصول على صكٍ كنسيٍ بالغفران، وفقاً لما ينقله موقع "هكذا تفكر ألمانيا" للتوثيق التاريخي.

وفي كتاب "مارتن لوثر" للباحث سكوت هندريكس، يرد بوضوح أن لوثر "فتح باب الإصلاح الديني، وباب نقد السلوك الديني الكنسي" مما أدى إلى عزله من دوره كراهبٍ في الكنيسة. ومن ثم أعلن الإمبراطور شارل الخامس آنذاك، أنّ لوثر وأي ممن يؤيدونه، هم مهرطقون وخارجون عن القانون، ويجب اعتقالهم.

محاكم التفتيش في إسبانيا

ويشير هندريكس، إلى أنّ لحظة الحكم على لوثر من قبل السلطتين؛ الدينية والسياسية، هي لحظة "حاسمة في التاريخ"؛ لأنها مهدت إلى فتح باب النقاش حول الحريات، والحريات الفردية، والنهضة، وحق الاعتقاد لأعوامٍ كثيرةٍ لاحقة، تمتد حتى القرن الحادي والعشرين.

استغل لوثر انتشار الطباعة فترجم الإنجيل ومنح الناس فرصةً من أجل أن يقرأوا كتاب الله في حينه ويتقربوا إليه دون واسطة رجال الدين

بعد ذلك، تم إخفاء لوثر عن الأنظار من بعض مناصري أفكاره، خصوصاً من قبل الأمير الألماني فريدريك، الذي رأى آنذاك أن سكسونيا الألمانية ستكون في خطر، إذا خرجت أفكار لوثر إلى العلن. وهو ما كانت الكنيسة سوف تعالجه في حال قبضت على لوثر، من خلال تجريمه وتجييش الناس ضده، لإظهاره كعدوٍ لإيمانهم المشترك، وهو ما سوف يجعله ضحيةً لهذه الفكرة بالتأكيد.

بقاء مارتن لوثر حياً، أمكنه من إنجاز كتاباته حول تحديث الكنيسة، والتمهيد لظهور البروتستانتية في وجه الكاثوليكية التقليدية، كدعوةٍ لأن لا تحتكر الكنيسة ومن خلفها رجال الدين، فهم الإنسان للإيمان، وعلاقته بخالقه، وهي اللحظة التنويرية، التي التقت مع انبثاق الطباعة في أوروبا.

كتاب الله لجميع الناس

لا يوجد إلّا نبي واحد، ورجال الدين ليسوا أنبياء، هذا ما فكر به لوثر، حين قرر استغلال انتشار الطباعة، من أجل ترجمة الإنجيل إلى لغة يفهمها الناس، فأخرجه من طلاسم اللغة وألاعيبها التي ظلت ملكاً لرجال الدين، وترجمه إلى الألمانية. حتى يستطيع الناس قراءة كتابهم الديني، وفهمه دون واسطة. وهو ما كان يرعب الكنيسة بكل تأكيد، التي تبحث عن فهمٍ واحد، يخدم مصالحها، ويجعل صورة الخالق، هي تلك التي تتميز بالعذاب والثبور والعقاب، إذا لم يطع الناس رجال الكنيسة.

اقرأ أيضاً: زي رجال الدين.. المسافة بين الله والناس

ووفقاً لهندريكس، وللعديد من المفكرين، فإن اللحظة التنويرية التي استغلها لوثر من أجل الإصلاح، كانت تتعلق بالإيمان بالله، وعبادته كذلك، وليس عبادة العذاب والخوف الذين يصدرهما رجال الدين عن الخالق، من أجل أن يطيع الناس هؤلاء الرجال، ورغباتهم ومصالحهم، دون أن يتوصلوا إلى طاعة الله.

كانت صكوك الغفران تمثيلاً للكنيسة ولمن يتحكمون بالسلطة دون الله

ويعد أبرز ما فعله لوثر، كمصلحٍ وحيد نجح في إيصال أفكاره على أعتاب انتهاء العصور الوسطى، وكان كثيرون حاولوا قبله فشلوا، هو دعوته إلى "إلغاء استغلال إحباط الناس وخوفهم من العذاب المشترك الذي يخافونه، بسبب أفعالٍ وأفهامٍ فردية للإيمان والعبادة، وأن الخلاص لا يكون إلا بالإيمان الذي تقدمه الكنيسة وحدها، من خلال إخضاع الفرد، وليس العمل على تنمية إيمانه الذاتي وقدراته الفردية".

اقرأ أيضاً: الإسلام.. والسلطة الدينية

وفي تاريخ الفلسفة عموماً، مثلما يطرح في مجموعة "كوبلستون"، أو برتراند رسل، وغيرهما، فإنّ ما ذكر سابقاً، أسس إلى صعود قيمة الفرد في عالم الإيمان بالله، ليحاول أن يكون حتى في رؤى دينية أخرى كالإسلام، خليفة الله على الأرض، والساعي ليكون على صورته، دون تدخلٍ سياسي ومؤسساتي مباشر، يكره الناس على إيمانٍ محدد، يبقي على المؤسسة، ويسيء إلى صورة الخالق عند الناس، بدلاً عن تعزيزها فيهم.

وفي هذا السياق، تتضح سياسة لوثر الإصلاحية من خلال "نشر أطروحاته الـ 95 في العام 1517، حيث تركز هجوم لوثر في تلك الأطروحات بالدرجة الأولى على صفقة الكنيسة في منح صكوك الغفران. فبدلاً من شراء العفو عن الخطايا بالمال، ينبغي على المرء أن يظهر لربه الندم الحقيقي في قرارة نفسه وذاته كفرد، وفقاً لما نادى به في حينه"، بحسب المصدر ذاته.

فساد رجال الدين وأخذهم المال مقابل الغفران وعلاقتهم بالسلطة ودورهم كأوصياء على إيمان الناس قادت لوثر للتفكير بالإصلاح

وبصورةٍ عامة، ليست شخصية لوثر وحدها، من تعني التغيير والإصلاح. بل توجهاته في إعطاء الناس فرصةً للفهم، ليقوموا بأنفسهم لاحقاً، بالبحث عما يصلح مجتمعاتهم وإيمانهم وأخلاقهم، دون وصايةٍ عليها جميعاً.

وفي فترة لاحقة، بعد العام 1556. ظهر أثر الكنيسة السلبي في تسييس الدين، والسيطرة على السلطة من خلاله، بعد قيام مذابح وحروب عديدة، بين أنصار الإصلاح الديني، والجماهير التقليدية من أتباع الكاثوليك، الذين كانوا مدعومين سياسياً وعسكرياً وكنسياً، من أجل القضاء على أي محاولةٍ للإصلاح.

اقرأ أيضاً: حدود السلطة، حدود الديمقراطية وأبعاد التنوير

وهو ما حاول لوثر محاربته في الأساس، ويكمن في استغلال البشر وتحويلهم إلى أناسٍ متشابهين في غوغائيتهم، يكفي الكنيسة كلمة واحدة يقولها رجال الدين، من أجل أن يصبح فردٌ ما مثالاً مقدساً، أو مهرطقاً وكافراً.

وبالعودة إلى هندريكس، فإنّ هذه المسألة لا تزال تتكرر عبر التاريخ، ولا تزال "جماعاتٌ دينية أو رجال دينٍ من حول العالم، يجرمون أو يثوبون" وفقاً لنفس التقليد المتشدد الطارد للتفكير وحرية الرأي والإيمان وفقاً للعقل. مما يجعل اللحظة التنويرية التي جمع فيها لوثر الطباعة والقراءة واللغة والعقل معاً، من أجل منح الإنسان أملاً جديدة بمحبة الله تعالى، ورحمته ومعرفته، لحظةً تجب العودة إليها دوماً، حين يصبح الواقع متصلباً، ومختطفاً من قبل ممثلين عن الله تعالى، لا يمثلون سوى سلطاتهم ومصالحهم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: