"مالك الحزين".. أصلان يضع المجتمع المصري أمام مرآته

2298
عدد القراءات

2019-01-27

من باطن الحارة تبرز التفاصيل الدقيقة المعبرة، ويبدو قلم الروائي المبدع الموهوب كإزميل يحفر في لوحة حجرية، لا يتركها إلا بعدما تتوهج فناً ومعاني ودلالات، وحتى وإن كانت قبيحة وصادمة.

تبدو التفاصيل أكثر إدهاشاً وإمتاعاً عندما تخرج من حارة مصرية ضاربة في القدم والشعبية كــ"الكيت كات"، ويكون راصدها هو روائي غارق في المحلية المصرية حتى النخاع كإبراهيم أصلان، فلا شك أننا سنجد أنفسنا أمام لوحة عبقرية مرسومة وناطقة تدب فيه الروح والحياة، حتى لو كان أبطالها مسوخاً شوههم الفقر والضياع.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة

يخطف أصلان قراءه في روايته "مالك الحزين" إلى حيث أزقة القاهرة الأصلية والأصيلة، لنرى كيف وصل حال الإنسان، ونظرته إلى الدنيا والكون، ويفكك علاقته المتشابكة مع الآخرين، ويلفت النظر إلى كافة التفاصيل.

غلاف الرواية

عبقرية الوصف

كأنّ "أصلان" وهو يكتب هذه الرواية كان واقفاً وجهاً لوجه أمام الأماكن والبشر، ليصفهم وصفاً دقيقاً وكاشفاً، وتتجلى البداية في محل لا يتجاوز بضعة أمتار يميناً وشمالاً، لكنه يحتل في ثقافة المصريين حيزاً أكبر من ذلك بكثير.. إنه المقهى:

تبدو التفاصيل أكثر إدهاشاً وإمتاعاً عندما تخرج من حارة مصرية ضاربة في القدم والشعبية كــ"الكيت كات"

"كانت البواري بأعناقها المجلوة مصفوفة مع الشيش الزجاجية على الرف الجانبي، بخراطيمها المكسوة بالقطيفة، ومباسمها العاجية اللون، وكان عبدالنبي الأعرج يقف داخل النصبة أمام الموقد الكبير، يشعل الفحم ويهوي عليه بمروحة من الريش، أما في الناحية اليمنى، أمام قاسم أفندي، فقد كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على الأربعة الذين يلعبون الدومينو بالنقود، وكان جمال ماسح الأحذية قد ترك صندوقه المقعد، واقترب منهم أكثر وراح يتابعهم في صمت، وفي الركن كانت صناديق الكازوزة الفارغة مرصوصة ومقربة، تعلوها مرآة طويلة نالها ما يشبه الصدأ، وتحت هذه المرآة، إلى جوار الثلاجة الجافة، كان العم عمران وحيداً في بيجامة من الكستور المقلم وطاقية من نفس القماش، كان يتطلع أمامه وقد أغلق فهمه الخالي من الأسنان".

إبراهيم أصلان

أدب الحارة المتكلس

عندما يعيش الأديب وينمو بين أزقة الحواري، تتضافر التفاصيل في مخيلته، لتتكون لوحة واقعية، ينضح من فوق سطحها الجمال والمأساة في آن واحد.

كأن أصلان وهو يكتب هذه الرواية كان واقفاً وجهاً لوجه أمام الأماكن والبشر ليصفهم وصفاً دقيقاً وكاشفاً

لم تتغير الحارة المصرية كثيراً عن تلك التي رصدها أصلان في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لكن يبدو أنّ حالة التكلس هي التي أصابت الروائيين أبناء الحارة، التي أكثرت من إنتاج فن المهرجانات والموالد، وبات المغني الشعبي الصارخ، هو المعبر الطاغي عنها، بعد أن أغرقت الرواية المصرية في الأدب غير الواقعي، أو ذلك المستورد المعرب، أو الناتج عن الطبقات الغنية من أبناء المدن الحديثة المغلقة على أصحابها "الكومبوند".

ما زالت شخصية الشيخ حسني، موجودة في الأحياء المصرية، وما زال المقهى محطته الرئيسية، وملاذها المريح، الذي يسكن إليه.. تلك الشخصية التي جسدها ببراعة محمود عبدالعزيز في فيلم الكيت كات المستوحى من هذه الرواية.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة

لم يكن الشيخ حسني، الرجل الكفيف، الذي يسكن الكيت كات نموذجاً منفرداً، بل إنّ هناك آلافاً يشبهون هذا الرجل حد التطابق، فلا يكاد يخلو حي أو حارة، أو قرية في مصر من مثل الشيخ حسني، الأعمى المنكر لعماه، المتحدي للإعاقة للدرجة التي حلم فيها ليس بأن يستقل الدراجة البخارية فقط، بل أن يركب جناحين ويطير في السماء.

جسّد شخصية الشيخ حسني الفنان محمود عبدالعزيز

ضرير الحارة يقود ضريراً

اللافت في حياة الشيخ حسني هو إصراره العجيب على أن يصطاد العميان، حتى أنّه يلقي بنفسه في طريقهم، ليتعرف عليهم، ويقضي لهم حوائجهم، ولكن ليس كونه أعمى بل مقدماً نفسه لهم على أنهم بصحبة رجل يرى.

لم تتغير الحارة المصرية كثيراً عن تلك التي رصدها أصلان في مطلع سبعينيات القرن الماضي

لم تكن تمر إلا بضع لحظات وتكون العلاقة، بين حسني وصديقه الضرير قد أخذت في الاشتداد، ويكون حسني قد سحب صديقه أو ضحيته إلى المقهى، ومهما كانت الظروف المادية لهذا الصديق فإن القرش كان يجري في يد الشيخ حسني، ويعاود التعامل مع "الهرم" بائع الحشيش.

يأخذنا أصلان مرة للتعاطف مع الشيخ حسني، الشخصية المهيأة للتعاطف أصلاً، إلا أنّه في أحيان أخرى، يجعلنا نسخط على المجتمع الذي شبّ فيه هذا الأعمى، وجرّه إلى إدمان المخدرات، ودفعه إلى محاولة الحصول على الأموال بأي طرقة كانت حتى لو على حساب عميان أشد بؤساً منه.

اقرأ أيضاً: "ليلة المعاطف الرئاسية".. رواية عراقية جديدة ترسّخ اتجاهاً متنامياً للأدب الوحشي

لم يكن للشيخ حسني دخل، وهو مدرس الموسيقى، لأن طليقته كانت تأخذ راتبه أول كل شهر من يد عارف أفندي سكرتير مدرسة إمبابة الإسماعيلية الابتدائية، حيث يعمل الشيخ مدرساً للموسيقى، ولا تترك له إلا ما يفي بحق الدخان.

وما أكثر العميان الذين ساعدهم الشيخ وألحقهم بما يناسبهم من أعمال، وما أكثر الذين جمع باسمهم التبرعات من هنا وهناك، وما أكثر هؤلاء جميعاً بالنسبة لهذه القلة التي كشفت العملية من البداية ولاذت بالفرار!

جسّد شخصية "الهرم" الفنان نجاح الموجي

الواقعية الصادمة

يغرق الروائي في العلاقات الاجتماعية بين سكان الكيت كات، وانشغالاتهم الدنيوية، ورؤيتهم للحياة والكون، ويسرد بتجرد واقعي مبهر، ويصول ويجول في الشوارع والإنسان، ليترك التأمل الفلسفي والانثروبولوجي للقارئ.

ينزل أصلان لاستخدام اللغة الشعبوية في الحارة، ويكثر من المفردات البسيطة دون تعقيد لغوي، فيدفع القارئ إلى النزول معه في قاع الحارة، ولا يشعر بأنه فوقها.

اقرأ أيضاً: "سارة" عبّاس محمود العقاد: رواية الفتنة والغموض والأسرار

لا يخلو موضع في الرواية من الفكاهة والسخرية المغلفة بالمرارة والبؤس، فهي تقوم بنقل واقع قطعة على الأرض المصرية كما هي دون رتوش أو مساحيق:

"هز الأسطى رأسه، وسحب بلوحة الزجاجي الطويل، واستدار وهو يلعن في سره دين المعلم رمضان ثم استغفر الله وظل يمشي حتى اقترب من مدخل المقهى، ورأى الشيخ حسني وهو يغادره مع الضرير الآخر الذي يأتي لزيارته هذه الأيام.. وكان الأسطى يعتبر أن هذا الشيخ القذر هو الذي أضاعه أكثر من أي واحد غيره، لذلك توقف في مكانه ونظر إليه وهو يسحب زميله الأعمى ويتجه به ناحية الشاطئ، وبصق ولعن دين الشيخ حسني هو الآخر.. وعندما أراد أن يستغفر قال لنفسه: هو الواحد ها يستغفر على إيه ولا إيه؟".

حوارات تلقائية

شكل الحوار علامة أخرى فارقة في هذه الرواية، فلا يحتاج إلى قلم سيناريست ليعدله، فهو حوار غير مستعلٍ على القارئ، ويبدو طبيعياً إلى حد الصدمة.

لم يكن الشيخ حسني الرجل الكفيف الذي يسكن الكيت كات نموذجاً منفرداً بل ضمن آلاف يشبهونه

"يتحدث الشيخ حسني، الذي يخفي على الشيخ جنيد الضرير، عماه، ويحاول أن يزيل عنه الشك فيه، إذ يناديه كل الناس بالشيخ حسني، وهي عادة المصريين في مخاطبة أي إنسان ضرير فيتحدث عن: كيف أن أباه عندما رآه اختلط عليه الأمر، وألحقه بكتاب الشيخ محمد قطب في شارع مراد الذي هو شارع السوق حيث حفظ القرآن، ومع أن الأعمى لا يستوي مع الأعور ولا الغني يستوي مع الفقير ولا الطويل مع القصير وهكذا، فقد ظل الناس ينادونه باسم الشيخ حسني ولا يعاملونه إلا هكذا.. وعندما سأل عن السر في هذه المعاملة عرف أنهم ينادونه باسم جده الأول الذي جاء إلى إمبابة وزرع شجرة الكافور الكبير العالية: عارف الشجرة اللي اتقابلنا تحتها أول مرة؟ هيه دي".

الحارة الآمنة في كل زمان

في المحطات الكبرى التي مرت بها الدولة المصرية، وخاصة تلك التي جاءت بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير (كانون ثاني) العام 2011، مرت البلاد بموجات من الاهتزاز الأمني، على إثر أحداث تمرد واحتجاجات كبرى، جعلت الشوارع الرئيسية في القاهرة خالية من المارة، إلا الحارة المصرية ظلت على مدار هذه الأحداث آمنة تماماً، بل لم يتأثر نمط الحياة فيها كأن ما يجري خارجها لا علاقة لها به.

اللافت في حياة الشيخ حسني هو إصراره العجيب على اصطياد العميان بأن يلقي بنفسه في طريقهم

يضع أصلان وصفاً لهذا المشهد الآمن الدائم في الحارة المصرية، بجوار مشهد العنف وعدم الاستقرار خارجها، من أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى منتصف السبعينيات:

"واتجه إلى الرصيف حتى ناصية المكتبة القومية ورأى اللوح الزجاجي محطماً والكتب مبعثرة في كل مكان، ومن عند قفص الطيور الحديدي العالي استطاع أن يرى الطريق وهو مبذور بشظايا الزجاج وكسور الأحجار، لم تكن هناك واجهة ولا نافذة ولا مدخل أو إعلان إلا وقد تحطم وبدا 26 يوليو وكأنه مهجور من الناس...".

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟

لم يكن الحال في إمبابة كذلك، بل بدت خارج سياق اللحظة المرتبكة، فعندما وصل ذلك الرجل إلى هناك وجدها على حالها: "المداخل المضاءة وعربات الفاكهة والكبدة والسمين ومطحن البن وأولاد صديق واللمة أمام التلفزيون المفتوح ومطعم الفول والأسطى بدوي الحلاق وبيع المصنوعات وكشك الخواجة والمكتبة والجاويش عبدالحميد ومدخل المقهى المزدحم.. ذهب إلى حمص وملأ ولاعته بالبوتاجاز ثم ذهب إلى عزمي البقال، واشترى زجاجة أخرى في الروم ووضعها ملفوفة في جيب سترته الخارجي".

اقرأ المزيد...

الوسوم:



"مالك الحزين".. أصلان يضع المجتمع المصري أمام مرآته

عدد القراءات

2019-01-27

من باطن الحارة تبرز التفاصيل الدقيقة المعبرة، ويبدو قلم الروائي المبدع الموهوب كإزميل يحفر في لوحة حجرية، لا يتركها إلا بعدما تتوهج فناً ومعاني ودلالات، وحتى وإن كانت قبيحة وصادمة.

تبدو التفاصيل أكثر إدهاشاً وإمتاعاً عندما تخرج من حارة مصرية ضاربة في القدم والشعبية كــ"الكيت كات"، ويكون راصدها هو روائي غارق في المحلية المصرية حتى النخاع كإبراهيم أصلان، فلا شك أننا سنجد أنفسنا أمام لوحة عبقرية مرسومة وناطقة تدب فيه الروح والحياة، حتى لو كان أبطالها مسوخاً شوههم الفقر والضياع.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة

يخطف أصلان قراءه في روايته "مالك الحزين" إلى حيث أزقة القاهرة الأصلية والأصيلة، لنرى كيف وصل حال الإنسان، ونظرته إلى الدنيا والكون، ويفكك علاقته المتشابكة مع الآخرين، ويلفت النظر إلى كافة التفاصيل.

غلاف الرواية

عبقرية الوصف

كأنّ "أصلان" وهو يكتب هذه الرواية كان واقفاً وجهاً لوجه أمام الأماكن والبشر، ليصفهم وصفاً دقيقاً وكاشفاً، وتتجلى البداية في محل لا يتجاوز بضعة أمتار يميناً وشمالاً، لكنه يحتل في ثقافة المصريين حيزاً أكبر من ذلك بكثير.. إنه المقهى:

تبدو التفاصيل أكثر إدهاشاً وإمتاعاً عندما تخرج من حارة مصرية ضاربة في القدم والشعبية كــ"الكيت كات"

"كانت البواري بأعناقها المجلوة مصفوفة مع الشيش الزجاجية على الرف الجانبي، بخراطيمها المكسوة بالقطيفة، ومباسمها العاجية اللون، وكان عبدالنبي الأعرج يقف داخل النصبة أمام الموقد الكبير، يشعل الفحم ويهوي عليه بمروحة من الريش، أما في الناحية اليمنى، أمام قاسم أفندي، فقد كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على الأربعة الذين يلعبون الدومينو بالنقود، وكان جمال ماسح الأحذية قد ترك صندوقه المقعد، واقترب منهم أكثر وراح يتابعهم في صمت، وفي الركن كانت صناديق الكازوزة الفارغة مرصوصة ومقربة، تعلوها مرآة طويلة نالها ما يشبه الصدأ، وتحت هذه المرآة، إلى جوار الثلاجة الجافة، كان العم عمران وحيداً في بيجامة من الكستور المقلم وطاقية من نفس القماش، كان يتطلع أمامه وقد أغلق فهمه الخالي من الأسنان".

إبراهيم أصلان

أدب الحارة المتكلس

عندما يعيش الأديب وينمو بين أزقة الحواري، تتضافر التفاصيل في مخيلته، لتتكون لوحة واقعية، ينضح من فوق سطحها الجمال والمأساة في آن واحد.

كأن أصلان وهو يكتب هذه الرواية كان واقفاً وجهاً لوجه أمام الأماكن والبشر ليصفهم وصفاً دقيقاً وكاشفاً

لم تتغير الحارة المصرية كثيراً عن تلك التي رصدها أصلان في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لكن يبدو أنّ حالة التكلس هي التي أصابت الروائيين أبناء الحارة، التي أكثرت من إنتاج فن المهرجانات والموالد، وبات المغني الشعبي الصارخ، هو المعبر الطاغي عنها، بعد أن أغرقت الرواية المصرية في الأدب غير الواقعي، أو ذلك المستورد المعرب، أو الناتج عن الطبقات الغنية من أبناء المدن الحديثة المغلقة على أصحابها "الكومبوند".

ما زالت شخصية الشيخ حسني، موجودة في الأحياء المصرية، وما زال المقهى محطته الرئيسية، وملاذها المريح، الذي يسكن إليه.. تلك الشخصية التي جسدها ببراعة محمود عبدالعزيز في فيلم الكيت كات المستوحى من هذه الرواية.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة

لم يكن الشيخ حسني، الرجل الكفيف، الذي يسكن الكيت كات نموذجاً منفرداً، بل إنّ هناك آلافاً يشبهون هذا الرجل حد التطابق، فلا يكاد يخلو حي أو حارة، أو قرية في مصر من مثل الشيخ حسني، الأعمى المنكر لعماه، المتحدي للإعاقة للدرجة التي حلم فيها ليس بأن يستقل الدراجة البخارية فقط، بل أن يركب جناحين ويطير في السماء.

جسّد شخصية الشيخ حسني الفنان محمود عبدالعزيز

ضرير الحارة يقود ضريراً

اللافت في حياة الشيخ حسني هو إصراره العجيب على أن يصطاد العميان، حتى أنّه يلقي بنفسه في طريقهم، ليتعرف عليهم، ويقضي لهم حوائجهم، ولكن ليس كونه أعمى بل مقدماً نفسه لهم على أنهم بصحبة رجل يرى.

لم تتغير الحارة المصرية كثيراً عن تلك التي رصدها أصلان في مطلع سبعينيات القرن الماضي

لم تكن تمر إلا بضع لحظات وتكون العلاقة، بين حسني وصديقه الضرير قد أخذت في الاشتداد، ويكون حسني قد سحب صديقه أو ضحيته إلى المقهى، ومهما كانت الظروف المادية لهذا الصديق فإن القرش كان يجري في يد الشيخ حسني، ويعاود التعامل مع "الهرم" بائع الحشيش.

يأخذنا أصلان مرة للتعاطف مع الشيخ حسني، الشخصية المهيأة للتعاطف أصلاً، إلا أنّه في أحيان أخرى، يجعلنا نسخط على المجتمع الذي شبّ فيه هذا الأعمى، وجرّه إلى إدمان المخدرات، ودفعه إلى محاولة الحصول على الأموال بأي طرقة كانت حتى لو على حساب عميان أشد بؤساً منه.

اقرأ أيضاً: "ليلة المعاطف الرئاسية".. رواية عراقية جديدة ترسّخ اتجاهاً متنامياً للأدب الوحشي

لم يكن للشيخ حسني دخل، وهو مدرس الموسيقى، لأن طليقته كانت تأخذ راتبه أول كل شهر من يد عارف أفندي سكرتير مدرسة إمبابة الإسماعيلية الابتدائية، حيث يعمل الشيخ مدرساً للموسيقى، ولا تترك له إلا ما يفي بحق الدخان.

وما أكثر العميان الذين ساعدهم الشيخ وألحقهم بما يناسبهم من أعمال، وما أكثر الذين جمع باسمهم التبرعات من هنا وهناك، وما أكثر هؤلاء جميعاً بالنسبة لهذه القلة التي كشفت العملية من البداية ولاذت بالفرار!

جسّد شخصية "الهرم" الفنان نجاح الموجي

الواقعية الصادمة

يغرق الروائي في العلاقات الاجتماعية بين سكان الكيت كات، وانشغالاتهم الدنيوية، ورؤيتهم للحياة والكون، ويسرد بتجرد واقعي مبهر، ويصول ويجول في الشوارع والإنسان، ليترك التأمل الفلسفي والانثروبولوجي للقارئ.

ينزل أصلان لاستخدام اللغة الشعبوية في الحارة، ويكثر من المفردات البسيطة دون تعقيد لغوي، فيدفع القارئ إلى النزول معه في قاع الحارة، ولا يشعر بأنه فوقها.

اقرأ أيضاً: "سارة" عبّاس محمود العقاد: رواية الفتنة والغموض والأسرار

لا يخلو موضع في الرواية من الفكاهة والسخرية المغلفة بالمرارة والبؤس، فهي تقوم بنقل واقع قطعة على الأرض المصرية كما هي دون رتوش أو مساحيق:

"هز الأسطى رأسه، وسحب بلوحة الزجاجي الطويل، واستدار وهو يلعن في سره دين المعلم رمضان ثم استغفر الله وظل يمشي حتى اقترب من مدخل المقهى، ورأى الشيخ حسني وهو يغادره مع الضرير الآخر الذي يأتي لزيارته هذه الأيام.. وكان الأسطى يعتبر أن هذا الشيخ القذر هو الذي أضاعه أكثر من أي واحد غيره، لذلك توقف في مكانه ونظر إليه وهو يسحب زميله الأعمى ويتجه به ناحية الشاطئ، وبصق ولعن دين الشيخ حسني هو الآخر.. وعندما أراد أن يستغفر قال لنفسه: هو الواحد ها يستغفر على إيه ولا إيه؟".

حوارات تلقائية

شكل الحوار علامة أخرى فارقة في هذه الرواية، فلا يحتاج إلى قلم سيناريست ليعدله، فهو حوار غير مستعلٍ على القارئ، ويبدو طبيعياً إلى حد الصدمة.

لم يكن الشيخ حسني الرجل الكفيف الذي يسكن الكيت كات نموذجاً منفرداً بل ضمن آلاف يشبهونه

"يتحدث الشيخ حسني، الذي يخفي على الشيخ جنيد الضرير، عماه، ويحاول أن يزيل عنه الشك فيه، إذ يناديه كل الناس بالشيخ حسني، وهي عادة المصريين في مخاطبة أي إنسان ضرير فيتحدث عن: كيف أن أباه عندما رآه اختلط عليه الأمر، وألحقه بكتاب الشيخ محمد قطب في شارع مراد الذي هو شارع السوق حيث حفظ القرآن، ومع أن الأعمى لا يستوي مع الأعور ولا الغني يستوي مع الفقير ولا الطويل مع القصير وهكذا، فقد ظل الناس ينادونه باسم الشيخ حسني ولا يعاملونه إلا هكذا.. وعندما سأل عن السر في هذه المعاملة عرف أنهم ينادونه باسم جده الأول الذي جاء إلى إمبابة وزرع شجرة الكافور الكبير العالية: عارف الشجرة اللي اتقابلنا تحتها أول مرة؟ هيه دي".

الحارة الآمنة في كل زمان

في المحطات الكبرى التي مرت بها الدولة المصرية، وخاصة تلك التي جاءت بعد أحداث الخامس والعشرين من يناير (كانون ثاني) العام 2011، مرت البلاد بموجات من الاهتزاز الأمني، على إثر أحداث تمرد واحتجاجات كبرى، جعلت الشوارع الرئيسية في القاهرة خالية من المارة، إلا الحارة المصرية ظلت على مدار هذه الأحداث آمنة تماماً، بل لم يتأثر نمط الحياة فيها كأن ما يجري خارجها لا علاقة لها به.

اللافت في حياة الشيخ حسني هو إصراره العجيب على اصطياد العميان بأن يلقي بنفسه في طريقهم

يضع أصلان وصفاً لهذا المشهد الآمن الدائم في الحارة المصرية، بجوار مشهد العنف وعدم الاستقرار خارجها، من أواخر ستينيات القرن الماضي وحتى منتصف السبعينيات:

"واتجه إلى الرصيف حتى ناصية المكتبة القومية ورأى اللوح الزجاجي محطماً والكتب مبعثرة في كل مكان، ومن عند قفص الطيور الحديدي العالي استطاع أن يرى الطريق وهو مبذور بشظايا الزجاج وكسور الأحجار، لم تكن هناك واجهة ولا نافذة ولا مدخل أو إعلان إلا وقد تحطم وبدا 26 يوليو وكأنه مهجور من الناس...".

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟

لم يكن الحال في إمبابة كذلك، بل بدت خارج سياق اللحظة المرتبكة، فعندما وصل ذلك الرجل إلى هناك وجدها على حالها: "المداخل المضاءة وعربات الفاكهة والكبدة والسمين ومطحن البن وأولاد صديق واللمة أمام التلفزيون المفتوح ومطعم الفول والأسطى بدوي الحلاق وبيع المصنوعات وكشك الخواجة والمكتبة والجاويش عبدالحميد ومدخل المقهى المزدحم.. ذهب إلى حمص وملأ ولاعته بالبوتاجاز ثم ذهب إلى عزمي البقال، واشترى زجاجة أخرى في الروم ووضعها ملفوفة في جيب سترته الخارجي".