ما الذي أراد البغدادي قوله في شريطه الأخير؟

17950
عدد القراءات

2019-05-01

في الفيديو الذي يحمل عنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"، ظهر زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي، بصورة تذكّر بإطلالات زعيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، عدا زيادة وزنه، مفترشاً الأرض، بلحية طويلة بيضاء مخضبة بالحناء على الأطراف، واضعاً منديلاً أسود على رأسه، وخلفه سلاح آلي إلى جانب آخرين أخفيت وجوههم، لمدة 18 دقيقة، ليقول في البداية: "معركة الباغوز انتهت".

ظهر البغدادي في الفيديو الذي يحمل عنوان "في ضيافة أمير المؤمنين" بصورة تذكّر بإطلالات بن لادن

يعدّ الفيديو الذي ظهر به البغدادي، أول من أمس، الظهور الأول له، منذ تموز (يوليو) 2014؛ حيث تطرق فيه إلى الاعتداءات التي استهدفت سريلانكا في عيد الفصح وتبناها التنظيم الإرهابي، ليؤكد حداثة تصوير هذا الإصدار، الذي أنتجته وكالة "الفرقان" للإعلام التابعة للتنظيم.
أكّد ظهور البغدادي أنّه على قيد الحياة، وأنّ تلك الدعاية التي تحدثت عن مقتله أو إصابته كانت مضللة، وأن إستراتيجية التنظيم الذي يقوده ستعتمد على تحويله من مركزي منحسر، إلى عابر للقارات، فالانتشار الأيديولوجي لن يتحقق نسبياً عبر العمليات المسلحة، بقدر ما يتحقق عبر شبكة التنظيمات والجماعات المختلفة، التي تمثل الرصيد الفعلي لأيّ اختراق محتمل وواسع النطاق، وهذا ما أكّد عليه حين قبل البيعات الجديدة.

اقرأ أيضاً: تهديدات البغدادي.. هل سيكون لها أيّ تأثير على أرض الواقع؟
قال البغدادي، في بداية إصداره، وفق وكالة الأنباء الفرنسية: إنّ "معركة الباغوز انتهت" (في إشارة إلى طرد التنظيم من آخر جيوبه في شرق سوريا قبل ما يقارب الشهر)، وإنّ "الله أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر"، مؤكداً أنّ الاعتداءات الأخيرة التي استهدفت سريلانكا في عيد الفصح وتبناها تنظيم داعش جاءت "ثأراً" للباغوز.

يعدّ الفيديو الذي ظهر به البغدادي، أول من أمس، الظهور الأول له، منذ تموز (يوليو) 2014
أصرّ البغدادي على أنّ "معركة الإسلام وأهله مع الصليب وأهله معركة طويلة، وأنه سيكون بعد هذه المعركة ما بعدها"، مشيراً إلى أنّ مقاتلي التنظيم المتطرف الذي مني بهزائم عسكرية متتالية على مدى العامين الماضيين "سيأخذون بثأرهم".

أكّد ظهور البغدادي أنّه على قيد الحياة وأنّ تلك الدعاية التي تحدثت عن مقتله أو إصابته

تحدّث عن الباغوز وقوة الحملة على التنظيم، مؤكداً أنّ الحرب لم تنته بعد، وعن القادة السابقين ذاكراً كنياتهم في الإعلام، أو الناحية العسكرية، ثم ظهر وهو يقبل بيعات جديدة، ومنها بوركينا فاسو ومالي، مشجعاً الأمير أبو الوليد الصحراوي، وقبل بيعة جديدة بأفغانستان، مشيراً إلى أنّ الفترة المقبلة اسمها "الاستنزاف والمباغتة".
وصفت صفحات للتنظيم عند إعلان الفيلم؛ البغدادي بأنّه "أمير الدولة الإسلامية"، متجنّبين استخدام تعبير "الخليفة"، ليؤكدوا على انتهاء السيطرة المكانية، وظهر الرجل، وحوله ملثمون، وعلى يمينه رجل يقدم له ملفات، منها ملف خاص بسيناء المصرية، التي خصها بالحديث، وتحدث عن أمرائها، وذكر كنياتهم، وآخرهم أبو مصعب، الذي خصّه بالثناء، ثم تحدث عن ليبيا مشجعاً عناصره على إكمال العمليات بها، ومؤكداً أنّ التنظيم قام، خلال الشهر الماضي، بأكثر من ٩٢ عملية.
طقوس الموت الواحدة
كانت التعبيرات والصياغات اللغوية عينها، هي التي كرّسها سيد قطب، وذكرها أسامة بن لادن، وأعادها أبو بكر البغدادي؛ المفاصلة، المرتدون، الجهاد، دار الكفر، الحرب الجهادية التي لا تنتهي، هي الكلمات نفسها، وتعني أنّ داعش لم ولن يقبل بوجود المختلف، ورسالة التكفير موجهة للجميع، ومن هنا تتحول الرسالة إلى العنف، الذي يريده الرجل ممارسة جماعية تساهم في استمرار طقس الموت وتحويل القتل إلى مهنة، والإنسان من خائف إلى مخيف.

هذا التنظير ليس جديداً؛ بل هو تنظير استخدمه تنظيم القاعدة
وتساهم صورة المجلس، الذي يتوسطه البغدادي، والعنوان "في ضيافة أمير المؤمنين"، في ترسيخ حالة الاسترخاء والهدوء، وعدم المبالاة بالهزيمة، واستمرار التحشيد، والتحريض، وقبول البيعات ليوصل من خلالها الرسائل الآتية:
- لا تحولات عقدية داخل أيديولوجية التنظيم.

أصرّ البغدادي على أنّ "معركة الإسلام وأهله مع الصليب وأهله معركة طويلة"

- استمرار عمليات التجنيد والاستقطاب، وتحولات القاعدة تجاه داعش، كما في الحالة التي ذكرها، وهي أبو الوليد الصحراوي، في بوريكنا فاسو ومالي.
- انتقال العمليات من حروب النخبة إلى الخلايا.
- سياسة التنظيم الجديدة هي الاستنزاف، التي ستعتمد على عمليات مفاجئة مباغتة وفي مكان متغير غير متوقع ولا تحدّها حدود.
- استمرار التنظيم بالعراق وسوريا والمعركة التي ستطول في أماكن التمركز القديمة.
- الهيكلة الأمنية الجديدة للتنظيم الذي سيدار من قبل الأمنيين وليس العسكريين القدامى.
إستراتيجيات الاستنزاف
تحدث البغدادي عن سقوط عمر البشير في السودان، وما يجري بالجزائر، منتقداً ثورات الشعوب، ومؤكداً أنّ الجهاد وحده هو السبيل، والغريب أنه أشار إلى العملية الفاشلة في المملكة العربية السعودية، مؤكداً أنّ لها ما بعدها.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني ظهور البغدادي بعد خمسة أعوام من الاختفاء؟
إنّ مناكفة الأنظمة وتحول التنظيمات من الملاذات الآمنة فيما بعد للبحث عن أخرى مؤقتة، واضح في هذا الإصدار، وظهور البغدادي في هذا التوقيت وبعد خروجه من آخر جيب له في (الباغوز)، جاء ليؤكد على التحول إلى استخدام استراتيجيات الاستنزاف، التي أطلق عليها تنظيمه في أحد بياناته من قبل "المنازلة".

ظهر إلى جانب آخرين أخفيت وجوههم، لمدة 18 دقيقة
إنّ هذا التنظير ليس جديداً؛ بل هو تنظير استخدمه تنظيم القاعدة، وأطلق عليه "المناكفة الجهادية للأنظمة العربية"، وبرز هذا التنظير خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حتى بدأت الحرب الأفغانية السوفيتية، وبرز ما يسمى "الجهاد التضامني"، وأطلق قادة الحركة على المنابر شعار "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، وعقب فترة أفغانستان برز الجهاد "النكائي"، أو ما أطلق عليه بن لادن "قاعدة الجهاد"، وأطلقت عليه الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد "دفع الصائل"، ومع بروز العولمة، ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، ظهر ما يسمى الجهاد "التضامني"، وظهرت الشبكات الجهادية، التي بدأت بربط التنظيمات المحلية، بتنظيمات مماثلة إقليمية، دمجت كل الأبعاد من قتال العدو القريب إلى البعيد؛ ففي الوقت الذي أصرت فيه قيادة القاعدة على أولوية قتال العدو البعيد، والمضي قدماً في مناكفة "الصليبيين"، عبر حروب النكاية، كان داعش يقاتل عبر إستراتيجيات التمكين، وحين انتهت دولته، عاد مرة أخرى إلى ما قبل عام 2006، أي حروب الخلايا، واستنزاف الأنظمة، عن طريق ضرب اقتصادها وأمنها والأقليات.

في نهاية الإصدار يقلّب البغدادي ملفات "ولاياته" في إشارة إلى التحول الجديد من الدولة إلى التنظيم

لقد تغيرت إستراتيجية داعش الآن، نتيجة الانقلاب في الظروف التي جرت، وهنا تبدلت التكتيكات بحسب الوقائع الناشئة، لكن هذا لا يمكن أن يكون إلا في بيئة فاشلة، ومن هنا يتبين أن عمليات التنظيم المقبلة والمتوقعة سترتبط بشكل أو بآخر بالواقع الذي يمكن أن يتحكم فيه التنظيم، وبالوضع على الأرض، أو ما يسمّونه "فقه الواقع"؛ لأنّه لا يستطيع العيش والعمل والتخطيط إلا في بيئة مضطربة ومنقسمة على نفسها، أو مرشحة للانقسام، أو مناطق فوضى، أو معازل اجتماعية وسياسية، أو ضمن تجمعات مذهبية أو طائفية، أو ذات نزاعات مسلحة واضطرابات سياسية.
من المؤكد أنّه، بعد هذا الإصدار، وفقدان داعش أماكن الجبهات المفتوحة لم يعد لديه من سبيل إلا اعتماد إستراتيجية بناء السرايا الصغيرة، ذاتية النشأة والتكوين والدفع، والمنقطعة عن بعضها، والعمل بصورة منفردة بعيداً عن الأمير المؤسس لها، والالتجاء لسياسة توسيع ساحة المواجهة، وهذا أخطر ما يمكن تصوره، لأنها ستجعل بلدان العالم مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب على ذلك من كوارث، فصناعة مساحات شاسعة للتحرك حتى لا يتمكن أحد من محاصرة رجال البغدادي، يعني أنّ المواجهة القادمة ستطول.

اقرأ أيضاً: 25 مليون دولار جائزة من يدل على البغدادي.. من أعلن عنها؟
في نهاية الإصدار؛ يقلب البغدادي ملفات، كلّ منها مكتوب عليه اسم "ولاية" من ولايات التنظيم، وبالصورة البطيئة يقلب الأوراق ثم يعطيها لحارسه، في إشارة إلى التحول الجديد من الدولة إلى التنظيم، ومن السيطرة المكانية إلى فلسفة المواجهة الجديدة، وهي الضربات المباغتة، والاستدراج الإستراتيجي، والمواجهات الطويلة، ومن قوات النخبة بسوريا والعراق إلى الخلايا الشاردة.
يفصل ما بين ظهور البغدادي في جامع الموصل والظهور الأخير في مكانه المجهول، تلك الصورة التي أراد أن يوصلها، الأولى وهي الخليفة المتمكن من الأرض بزيه الأسود العباسي، الذي صعد على المنبر واعداً بالمكاسب التي ستتحقق، وبأنه سينتصر بالنهاية، وأنّ دولته هي الباقية، كما نبوءة دابق، التي ستتحقق على أيدي أتباعه، والثانية صورة الرجل الذي يعترف بهزيمته بكل هدوء، ناعياً رفقاء الدرب، ومتوعداً بالجحيم، وأن استمراره في المواجهة هو انتصاره الحقيقي الذي يبحث عنه.

اقرأ المزيد...

الوسوم: