ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟

ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟

مشاهدة

18/09/2018

تحمل الصور مجازاتها، بسيطة كانت أو معقدة، لوجه غاضب، أو مدينة تحترق، لامرأة جميلة، أو حديقة غنَّاء، وينظر الرائي العجول إلى مثل هذه الصورة؛ فلا يرى فيها إلا جانباً واحداً، قد يكون مباشراً وعابراً وسطحياً ومزيفاً، وهناك من يمعن النظر ليرى خلف الصور الملتقطة، أو حتى التي نراها مباشرة، قصصاً وحكايات ومعاني ورؤى، وتصورات وأفكار، وقيماً واتجاهات، بل ونبوءات أيضاً.

ولعلّ ما قام به عالم البلاغة الأمريكي، جورج لايكوف، من تحليل للاستعارات الكامنة في الصور التي خلقها حدث 11  أيلول (سبتمبر) الرهيب، الذي نعيش هذه الأيام ذكراه السابعة عشر، ما يؤكد الدور أو السلطة التي تمارسها الصورة، سيما في أذهان الذين تمكّنهم بصائرهم من النفاذ إلى ما خلفها، وتمكنهم عقولهم من تحليل دلالاتها التي قد تتعدد وتتقاطع وتتشابك، ثم تتجمع وتجرف في طريقها آلاف الكلمات.

أقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟

وقد انطلق لايكوف، في رؤيته تلك، من أنّ للبنايات عدة استعارات، تكون نائمة أحياناً داخل رؤوسنا، في انتظار من يوقظها، ففي رأيه: إنّ بنايتي مركز التجارة العالمي بنيويورك، اللتين تمّ ضربهما في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ظهرتا كرأسين، فيما تبدو نوافذهما كعيون، وصارت قمة البرج هيكلاً أو معبداً، أما الطائرة التي اخترقته فكانت رصاصة تخترق رأس أحدهم، والنيران المتصاعدة من الجانب الآخر كانت دماً ينبجس، وبدت البنايات العالية، من منظور الاستعارة، أناساً تنتصب في شموخ، وبذا تحوّل كلّ برج إلى جسد آدمي فارع الطول، يتهاوى حين تصطدم به طائرة انفجرت، فتحوّلت إلى كتلة من اللهب، وكلّ هذا أريد له أن يشكل جزءاً من القوة ومن الرعب، الذي لا نستطيع إلا أن نتفاعل معه حين نراه، ونتأثر به، ويدفعنا إلى إصدار أحكام، وإتيان أفعال.

وعبّر لايكوف عن هذه الصورة المستعارة قائلاً: "الدمار الذي ضرب هذين البرجين ذلك الصباح ضربني، البنايات أشخاص؛ إننا نرى قسمات الوجه؛ العينين والأنف والفم، في النوافذ. أدرك الآن أنّ صورة الطائرة وهي تخترق البرج الجنوبي كانت، بالنسبة إليّ، رصاصة تخترق رأس أحدهم، والنيران المنبعثة من الجانب الآخر دم ينبجس، كان ذلك قتلاً واغتيالاً. أما سقوط البرج، فيمثل جسداً يسقط، كنت أنا وأقاربي وأصدقائي الأجساد المتساقطة، أما الصورة التي تلت ذلك؛ فكانت تمثل الجحيم: الرماد، والدخان، والبخار المتصاعد، وهيكل البناية، والظلام، والمعاناة، والألم والموت".

ويفرط لايكوف في تحليل مجازات الصورة، فيرى أنّ البرجين يشكلان رمزاً للقوة، أو السيطرة من أعلى؛ لأنهما كانا شاهقين على النحو الذي نعرفه، وسقوطهما يعني  فقدان هذه السيطرة.

يرى لايكوف أنّ البرجين يشكلان رمزاً للسيطرة لأنهما كانا شاهقين على النحو الذي نعرفه وسقوطهما يعني  فقدان السيطرة

ويرى أنّ المجتمع يبدو بناء، وأنّ البرجين كانا يمثلانه، وسقوطهما دليل على هشاشة هذا المجتمع، وقابليته للاهتزاز والتهديد والترويع، ويذهب إلى ما هو أبعد من هذا؛ طارحاً تساؤلاً عن مدى إمكانية ديمومة القوة الأمريكية، في ظلّ سقوط معبد الرأسمالية، وهو مركز التجارة العالمي، الذي تم تشييده على هذا النحو، ليبقى 10 آلاف عام؛ فالأمريكيون اعتادوا أن يروا هذين البرجين في مانهاتن، فيشعرون بأنهم يعيشون في مجتمع راسخ متوازن، كتوازن البرجين العملاقين المتقابلين في شموخ، لكنّ سقوطهما بدا كأنه سقوط لهذا التوازن، وانقضاء لهذا الرسوخ، وغرق لمانهاتن بوصفها تجسد الوعد الأمريكي، بما أوحى بأنّ هذا الوعد نفسه يغرق، لا في قاع ماء عميق؛ إنما في جحيم صنعته الصور المتواصلة لألسنة النار المندلعة من المبنيين، وللبقايا المتفحمة التي ينبعث منها دخان كثيف، في مشهد كئيب.

وجاءت صور تساقط الناس من النوافذ، هرباً من الموت حرقاً أو خنقاً، إلى الموت تردياً، لتصيب الرأي العام بالرعب، ثم بالاشمئزاز الذي جعله يعترض بشدة على نشر الصحف لمثل هذه الصورة؛ لأنّها تنتهك حرمة الموت، في نظره، وتتعامل معه كأنه فيلم إباحي، سيما تلك الصورة التي التقطها مصور الأسوشيتد برس، وتتبع فيها عبر 12 لقطة متوالية، رحلة سقوط رجل من الطابق 107، من بين ألفي شخص لقوا حتفهم بهذه الطريقة البشعة.

اقرأ أيضاً: اعتقال إرهابي متهم بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر

لكن يبدو أنّ هذه الصور أثارت في نفوس الأمريكيين ما هو أكبر من الاشمئزاز، أو الغضب من المتاجرة بالموت، على النحو الذي رأيناه، ألا وهو الشعور بالإهانة، وجرح كبرياء، ينبع أساساً من فائض القوة الذي يجري في أوصال كلّ مواطن أمريكي، وهو موقن بأنه يحمل جنسية البلد الذي يتربع على عرش العالم، بعد أن تهاوى غريمه، وهو الاتحاد السوفيتي، مع مطلع العقد الأخير من القرن العشرين، تحت وطأة الاستبداد والفساد.

فصور سقوط الأجساد من نوافذ البرج العملاق تعدّت في العقل الباطن للأمريكيين مجرد حوادث انتحار إجبارية، والتي سجلتها السلطات الأمريكية، على أنّها قتل بيد الإرهابيين، وهذا طبيعي، لتصبح الصور وكأنها تساقط متتابع للأمريكيين جميعاً، من الثقوب والشقوق التي أصيب بها جسد الليبرالية، مثلما سبق أن تيساقط الروس من الشروخ التي مزقت جسد الشيوعية، سيما أنّ برجي التجارة العالمي يرمزان إلى الرأسمالية حقاً، وهي الشقّ الاقتصادي الأساسي في الليبرالية.

صور سقوط الأجساد من نوافذ البرج العملاق تعدّت في العقل الباطن للأمريكيين مجرد حوادث انتحار إجبارية

ويعبّر لايكوف عن هذه الرمزية قائلاً: "لقد نشأت في بيوني بنيوجرسي، على امتداد الخليج من ذلك الأفق، ولم يكن مركز التجارة العالمي هناك حينئذ، لكن عبر السنين أصبح، بوصفه الملمح الرئيس للأفق، يمثل لي، كما يمثل للآخرين، رمز نيويورك، ليس فقط المركز التجاري لأمريكا؛ بل أيضاً المركز الثقافي، ومركز الاتصالات، وبما هو كذلك، أصبح رمزاً لأمريكا ذاتها، رمزاً لما يعنيه أن تكون قادراً على أن تحيا حياة خالية من الاضطهاد، وأن تكون قادراً تماماً على أن تعيش وتؤدي عملك، سواء كسكرتير، أو فنان، أو مدير، أو جندي إطفاء، أو بائع، أو مدرس، أو نجم تلفزيوني. إنني لم أكن منتبهاً بشكل واعٍ لهذا، إلا أن تلك الصور كانت مرتبطة بهويتي ارتباطاً حميماً، سواء كفرد أو كأمريكي، وقد كان كل ذلك، وأكثر منه بكثير جداً، حاضراً حضوراً فيزيقياً، كجزء من مخّي صباح 11 سبتمبر".

اقرأ أيضاً: أمريكا تحيي أحداث 11 سبتمبر

وبعيداً عن موقف الشعب الأمريكي، ومخاوفه من أن تكون صورة المتساقطين من البرج الشاهق، تعبيراً عن تداعي الإمبراطورية المتحكمة؛ فإنّ الإدارة الأمريكية كان عليها أن تفكر في اتجاه آخر، مستغلة المخاوف تلك، في أخذ موافقة الشعب، بأي ثمن وأيّة طريقة، على إطلاق يد السلطات كي تفعل ما تشاء، وهي مسألة كانت متردّدة في أن تسلكها في الأعوام العشرة التي أعقبت انهيار القطب العالمي الثاني، وهو الاتحاد السوفييتي؛ لذا أطلقت آلة الإعلام الأمريكية الرهيبة الصور لتتدفق في مختلف وسائل الإعلام في العالم، كي يتهيأ الجميع لتحرك أمريكي مغاير في العالم، ويتفهمون، على قدر ما أوحت به الصور إليهم، دوافعه ومبرراته ومآلاته، وهو ما كان بالفعل؛ حين ضربت الولايات المتحدة أفغانستان، واحتلت العراق، وكان تعتزم الذهاب إلى ما هو أبعد، لكن توعكها في البلدين اللذين دخلتهما قواتها، أصابها بالتردد من جديد، ثم التراجع التام في فترتي حكم باراك أوباما.

 

 

الصفحة الرئيسية