ما الذي كشفته وثائق "سي آي إيه" عن أسرار الإخوان المسلمين في الثمانينيات؟

29510
عدد القراءات

2018-09-09

أفرجت وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" عن مجموعة وثائق خاصة بالإخوان المسلمين في مصر والدول العربية خلال الثمانينيات، وتلقي هذه التقارير الضوء على الظاهرة الأصولية الإسلامية التي صعدت وامتد تأثيرها في جميع أو معظم الدول العربية والإسلامية؛ حيث دخل بعضها في شراكة وتعاون مع الأنظمة السياسية، ومع أحزاب وتيارات سياسية مختلفة، وبعضها الآخر دخل في معارضةٍ سياسية، وأحياناً، عسكرية مع الأنظمة السياسية القائمة؛ مثل أفغانستان وسوريا.

يشير التقرير إلى أنّ الإخوان المسلمين في مصر أصبحوا قوّة رئيسية تتحدى الرئيس حسني مبارك

يشير التقرير، الذي أُعد في 21 نيسان (أبريل) 1986م، إلى أنّ الإخوان المسلمين في مصر أصبحوا قوّة رئيسية تتحدى الرئيس حسني مبارك، آنذاك، لكنّهم لن يُشكلوا تهديداً في العقد القادم، ومن المعلوم أنّها فترة أعقبت اغتيال السّادات على يد مجموعة عسكرية تنتمي إلى جماعة الجهاد، وقد وجد مبارك نفسه في حاجة للتحالف مع الإخوان المسلمين؛ لمواجهة تحدّي الجماعات المسلحة التي تواجه النظام السياسي، وأجهزته الأمنية، بقوّة السلاح، لكنه تحالف لم يوقف قلق النظام السياسي المصري من جماعة الإخوان المسلمين؛ التي دخلت في تحالفاتٍ سياسية مع حزبِ الوفد، ثم حزب العمل.

ويبدو أيضاً أنّ تأثيرها قد امتدّ في الدولة والمجتمع؛ مما جعل الرئيس المصري حسني مبارك يعرض على الإخوان المسلمين المال لعمل قانوني مرخّص وعلني، مقابل أن تتخلى الجماعة عن تحالفاتها ومشروعاتها السياسية، وأن توقف تأثيرها وعلاقاتها في الجيش والأجهزة الأمنية، لكنّ الجماعة، التي وافق نوابها الستة وثلاثون على التجديد للرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة ماطلت في الاستجابة لهذه الشروط، هكذا فقد تبادل الطرفان (الإخوان المسلمون والنظام السياسي) الحذر والتعاون في الوقت نفسه.

اقرأ أيضاً: 5 محن عصفت بجماعة الإخوان المسلمين

ويشير التقرير أيضاً إلى مصادر التمويل في الجماعة، وأهمها التعويضات التي حصل عليها الأعضاء من الحكومة المصرية بعد الإفراج عنهم، وقد ساعدت هذه الأموال، التي جاءت مصاحبةً للاتجاه نحو الخصخصة والانفتاح الاقتصادي، أعضاء الجماعة على إنشاء مشروعاتٍ تجارية واستثمارية، كما دخل كثيرٌ من أعضاء الجماعة ومتمولوها في شراكاتٍ مع الشركة العملاقة "المقاولون العرب"، وأنشأوا هم أيضاً سلسلة من الاستثمارات والأعمال التجارية؛ مثل مجموعة الهلال، وشركات توظيف الأموال، والبنوك الإسلامية، وفي مجالات النشر والتوزيع والإعلام، كما حصلت الجماعة أيضاً على تبرعاتٍ طائلة من أعضائها وأصدقائها في الخليج.

تناول التقرير مصادر التمويل في الجماعة وأهمها التعويضات التي حصل عليها الأعضاء من الحكومة المصرية بعد الإفراج عنهم

يقدّر التقرير عدد أعضاء الجماعة في مصر بنصف مليون عضو، وأنّ الجماعة التي أصبحت الأكثر أهمية وشعبية في الساحة السياسية، وفي الطبقات الوسطى، والنقابات المهنية؛ تسلك في تكتيكات معتدلة، وتميل إلى التعاون مع حسني مبارك ونظامه السياسي. لكنّ الجماعة على المدى البعيد تسعى إلى بناء نظامٍ سياسيّ واجتماعي واقتصادي قائم على أصولية دينية، يصطدم مع الأنظمة والاتجاهات السياسية الحديثة، وتميلُ إلى التهدئة والتعاون في هذه المرحلة لتعزيز نفوذها ووجودها بين الطبقات والمصالح والأعمال في مصر.

وفي هذه الفترة، صعد تأثير الشيخين محمد الغزالي ويوسف القرضاوي، وكانت مؤلفاتهما ومحاضراتهما تلقى إقبالاً كبيراً بين الشباب الجامعيين المقبلين على الجماعة وبرامجها، فقد كان الغزالي يعمل أستاذاً في جامعة الملك عبدالعزيز في مكة وعاد إلى مصر، أمّا القرضاوي فقد كان، ولا يزال، يعمل في قطر، وكان مرشحاً مهماً لقيادة الجماعة بعد وفاة التلمساني، وربما لو قبل لكان بالفعل هو المرشد، لكنه اعتذر وفضّل البقاء في قطر، وربما تكون قيادة الجماعة وجدت لبقاء القرضاوي في قطر أهميةً أكثر من عودته إلى مصر، فقد كان يساعد في التمويل، والتنسيق لصالح الجماعة في الخليج، وأوروبا، والولايات المتحدة.

ومن قادة الجماعة الذين صعدوا في السبعينيات والثمانينيات وأدرجهم التقرير في ملفٍ مختصر لكل واحد منهم: صالح عشماوي؛ الذي كان يمتلك امتياز إصدار ونشر مجلة الدعوة، وأحمد الملط، وعباس السيسي، ومصطفى مشهور، ومحمد عبدالقدوس، ومحمد فريد عبدالخالق، وصلاح شادي.

اقرأ أيضاً: أم بن لادن والإخوان المسلمون

يتحدّث التقرير عن تنظيمٍ عسكري للجماعة يتكوّن من 3 آلاف عضو مدرّب، لكن ليس ثمة معلومات في التقرير غير ذلك، وربما يشير إلى التنظيم الخاص للجماعة؛ والذي أُنشئ في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين.

كما ويتحدث تقريرٌ صادر في 8 أيلول (سبتمبر) 1982 عن الجماعة في الدول العربية؛ حيث بدأت الجماعة تصعّد وتلعب دوراً سياسياً، واجتماعياً متنامياً في سوريا والأردن والسودان، وفي معظم الدول العربية.

دخلت الجماعة في صراعٍ سياسي وعسكري مع النظام السياسي في سوريا، وفي المقابل فقد دخلت في تحالف وشراكة سياسية مع الرئيس السوداني جعفر النميري، لكن هذا التحالف الذي بدأ عام 1977م قد انهار في منتصف الثمانينيات.

تسعى الجماعة لبناء نظامٍ سياسيّ واجتماعي واقتصادي قائم على أصولية دينية يصطدم مع الأنظمة والاتجاهات السياسية الحديثة

يقدّر التقرير أعضاء الجماعة في السودان بين 60 إلى 300 ألف عضو، لكنّ أهمية الجماعة كانت مستمدة من التأثير السياسي لها، بقيادة حسن الترابي؛ والذي شغل منصب وزير العدل ثم نائب رئيس الجمهورية، ومن امتداد الجماعة وتأثيرها في الجامعات، والفئات المتعلمة، والمهنية.

أمّا الجماعة في الأردن، فقد كانت تضم حسب التقرير 50 ألف عضو، وتشارك بقيادة محمد عبدالرحمن خليفة في تعاون وشراكة مع النظام السياسي، ويشير التقرير أيضاً إلى جيلٍ من القادة الشباب في الجماعة يعارضون التعاون مع النظام السياسي، ويختلفون مع القادة الأكبر سِناً.

ضمّت الجماعة في سوريا حسب التقرير 100 ألف عضو، لكنّها منقسمة إلى فئاتٍ عدّة؛ الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين التي أسسها مروان حديد، وتتكون من ألف عضو، وقد شكّلت نواة المواجهة المسلحة مع النظام السياسي في سوريا بقيادة حافظ الأسد، بالإضافة لمجموعاتٍ رئيسيةٍ أخرى؛ كتنظيم دمشق بقيادة عصام العطار، وحماة بقيادة عدنان سعد الدين.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بغداد تقدح شرارة الربيع الإيراني.. طهران حين تخاف

2019-11-18

العالم اليوم يتقدم بسرعة كبيرة إلى الحرب، إلى أية حرب ممكنة، وكأنّ الحروب أصبحت الفكرة الأكثر جدوى وأهمية واحتمالية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي شهدت أزمات ونزاعات وحروباً أكثر من غيرها من مناطق العالم، فلم تعد احتمالات السلام مطروقة ومتاحة كثيراً؛ حيث فقدت شعوب هذه المنطقة قدرتها على الثقة بكل أحاديث السلام ومزاعمه واتفاقياته.

اقرأ أيضاً: هل تأثرتْ إيران بانتفاضة العراق؟
العرب، تحديداً، يستطيعون أن يقدموا أعظم سردية للحرب يمكن لشعب ما أن يقدمها عبر تاريخه الطويل، فقد عانوا ويلات الحروب طويلاً، وما يزالون، حتى قيل عن العرب قول محفوظ في التاريخ: "العرب أمة حرب"، كان لها من الحروب ما لها، وأصبح عليها منها ما عليها، من ويلات وعذابات وخيبات.

منذ انتصرت ثورة الخميني بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين: عدو أو فريسة

وبالعودة إلى موضوعة العنوان "إيران"؛ فهي ذات إرث حربي كبير، مع العرب تحديداً، منذ عصر الخلافة الراشدة، حين قال الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: "وددت لو بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا نغزوهم ولا يغزونا"، فبين العرب وإيران تاريخ طويل من الوقائع والغزوات والحروب ونقض العهود؛ فالتاريخ علّم العرب أنّ عهود إيران لا يمكن الوثوق بها، منذ أن نقض "الهرمزان" ثلاثة عهود للعرب، كان العهد الأول قد أعطاه للنبيﷺ، ثمّ نقضه، ودخل في حرب القادسية، ثم عاهد المسلمين ألا يقاتلهم، وأن يدفع الجزية، ثم نقض العهد مرة أخرى ودخل في معركة "سوق الأهواز"، وانتصر عليه جيش الصحابي حُرْقُوص بن زهير السعدي، ثم طلب العهد الثالث فقبل منه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على ألا يقاتل المسلمين، ويبقى في مكانه، لكنّه نقض العهد وغدر للمرة الثالثة.

اقرأ أيضاً:  حلف الإمامية والخمينية في اليمن: حاجة حوثية أم استراتيجية إيرانية؟
ليس مهماً أن نتوغل في التاريخ كثيراً، المهم هو ما يحدث في وقتنا المعاصر، وتحديداً منذ أن انتصرت ثورة الخميني التي أطلق عليها الثورة الإسلامية، عام 1979، حينها بدأت إيران تنظر إلى العرب على أنّهم لا يخرجون عن إحدى هاتين الصفتين "عدو أو فريسة"، وبما أنّ الطابع الذي اكتسبته الثورة الإيرانية هو الطابع الإسلامي، فمن الطبيعي أن يكون العداء مع العرب عداء طائفياً محضاً، مرتبطاً بالدين، ومؤسّساً له في تصانيف الفقه والتعاليم في كتب الشيعة وكتب السنّة، على حدّ سواء.

اقرأ أيضاً: ماذا بقي لإيران في العراق؟
ومع ذلك، ومع أنّ الطابع الديني هو الذي فرض شكل العداء بين الجانبين، إلا أنّ الطابع السياسي ظلّ محشوراً في الزوايا المعتمة، حتى ظهر جلياً وواضحاً وصريحاً منذ حادثة سقوط بغداد، في التاسع من نيسان (أبريل) من عام 2003، حينها وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية خاصة في الدول التي فيها ثنائية طائفية بين سنّة وشيعة.
أصبحت إيران تمارس نفوذاً سياسياً قوياً في تلك الدول "العراق وسوريا وإيران" تحديداً، تحول هذا النفوذ بعد اشتعالات المنطقة وأزماتها إلى نفوذ عسكري، ممثلاً في وجود حزب الله في لبنان، ووجود قوات الحشد الشعبي في العراق.
هكذا تنامى النفوذ الإيراني في دول الأزمات العربية، وهكذا أصبحت إيران رقماً صعباً في المعادلة الدولية والمنطقة تحديداً، رغم كلّ العقوبات المفروضة عليها، وعلى رموزها وقادتها، والتي يجري الحديث عنها بشكل متنامٍ، دون أن يتساوق هذا مع نمو الأثر السلبي من هذه العقوبات، فما يمكن قياسه هو أثر التوغّل الإيراني في المنطقة، سياسياً وعسكرياً، أكثر بكثير من القدرة على قياس أثر العقوبات التي من المفروض أن تلجم الغرور الإيراني أو توقف نموه وتصاعد وتيرته.

اقرأ أيضاً: القمع والاغتيالات منهج إيران الثابت تجاه الأقليات
على مستوى الأنظمة العربية القائمة في دول النفوذ الإيراني، فإنّ إيران ما تزال ذات إمكانيات تمدّد وحصد مزيد من النفوذ والسلطة والأثر السياسي، لكن على المستوى الشعبي، تغير الموقف كثيراً منذ أن ثارت جموع العراقيين ضدّ فساد النخب وفساد السلطة وفساد ممثلي الطوائف المتحكمة سياسياً بالعراق، وتغير كذلك، منذ أن ثار اللبنانيون في مسيرات ومظاهرات واحتجاجات عارمة ما تزال مستمرة، يمثل شعارها الكبير "كلن يعني كلن" شكلاً متقدماً من أشكال الرفض والاحتجاج على كلّ تفاصيل السلطة الحاكمة، بمن فيها "حزب الله"، الذي ظلّ دائماً بمنأى عن أيّ قلق أو احتجاج لبناني.
من هنا، تبدو إجابة سؤال: "لماذا على إيران أن تخشى العرب..؟" واضحة؛ باعتبار أنّ العرب اليوم هم شعوب الدول التي امتدت إليها سطوة إيران وسلطة ممثليها، أو من يتبعون لها، ومن يدينون لها بالولاء والطاعة، هم الشعوب الذين لم يعودوا قادرين على أن يروا رأس الفساد ويتجاوزونه.

بعد سقوط بغداد وظفت إيران كلّ طاقتها الطائفية في سياق سياسي، فحشرت نفسها في تفاصيل السياسة العربية

ما يحدث في العراق ولبنان تحديداً، لا يمثل موجة ثانية من موجات الربيع العربي، بل يمثل حالة متقدمة من الرفض أوسع نطاقاً من حالة الرفض للسلطات المحلية المكشوفة للعلن، إنّه رفض لتغوّل إيران واقتحامها العنيد لكلّ تفاصيل الحياة، السياسية والاقتصادية، ما نتج عنه كلّ هذا الفساد، سواء المرتبط بأعيان إيران وتوابعها ووكلائها أو بالأعيان المحليين الذين ينتمون للرأسمالية الجشعة، بغضّ النظر عن أيّ ولاء طائفي آخر.
على إيران فعلاً أن تخشى العرب، كشعوب حية أصبحت قادرة على كشف تفاصيل لعبتها السياسية وتوظيفها لشعارات الدين والممانعة، حتى إن لم تنجح هذه الاحتجاجات في العراق ولبنان، لكنّها مؤشر مهم على أنّ الشعوب ببراءتها السياسية من كلّ تبعات الأيديولوجيات والطائفيات، أصبحت تدرك ما يجب أن تخشاه إيران.
الخشية من الشعوب العربية الحية المنتفضة اليوم ضدّ المشروع الإيراني، تمتدّ من الخارج إلى الداخل الإيراني، المشتعل أيضاً، بالرفض للسياسات التي بقيت ردحاً طويلاً من الزمن سياسات مقدسة، لكنّها اليوم وصلت إلى منحنى خطير للغاية، ربما يشكّل ربيعاً إيرانياً بدأ في بغداد وامتدّ إلى طهران.

للمشاركة:

كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟

2019-11-17

لعلّ الفارق بين المجتمع البدائي والمجتمع الحديث، يدور حول جملة من المعطيات التي تميّز الثاني عن الأول، وهو ما انتبه إليه عالم الاجتماع، هنري ماين، في معرض تحليله لتطور المجتمعات الإنسانيّة، وأبرز هذه المعطيات؛ مفهوم التعاقدية، ومفهوم المكانة التي تؤسس لنوعية الدور الوظيفي للأفراد، وفق القدرات والمهارات الشخصية، بالتالي؛ تتحلل المجتمعات المركزية، التي تقوم على أواصر مثل: القرابة والعرق والدين، لصالح الجماعة الوطنيّة الحديثة، التي تقوم، وفق توصيف دور كايم، على التضامن العضوي الحرّ بين أفرادها.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
من هنا نشأت فكرة الوطن القومي، وتجلّت في التاريخ الحديث، كمحصلة لتطور الجماعة البشرية على كافة المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ حيث بدأت الجماعة القبلية/ الدينية في الانحسار تدريجيّاً، لصالح فكرة الدولة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي الذي نظّر له روسو. 

اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد

وسرعان ما تفجّرت الحالة القومية في التاريخ، مع تراجع دور المؤسسة الدينية التقليدية، ليصبح الانتماء لوطن واحد، تجمع بين أفراده مجموعة جديدة من المعايير، مثل: التاريخ المشترك، والتراث الثقافي/ الاجتماعي الواحد؛ فالقومية تنطلق من وجود مكون نفسي جمعي، في محيط جغرافي تحدده قدرة الجماعة المتسقة عضوياً على تحقيق السيادة فيه، وبظهور ألمانيا الموحدة وإيطاليا الموحدة، ظهرت تنظيرات متعددة لفكرة القومية، احتلت فيها العناصر الإثنية واللغوية صدارة المشهد السياسي، الذي وجهت النخبة البرجوازية عناصر التغيير القومي فيه، وهو ما وصل تأثيره إلى المنطقة العربية، مع تراجع نفوذ الإمبراطورية العثمانية، قبيل سقوطها التدريجي.
وسرعان ما تطورت الفكرة القومية، بصورة أكثر شمولية، لتكرس المزيد من العناصر المكونة لفكرة الوطنيّة، التي أدارت ظهرها لفارق اللغة والعرق، لصالح إدارة التنوع في الدولة الواحدة، طالما اجتمعت الجماعة في بقعة جغرافية، اتفقت على بسط سيادتها وتحقيق مصالحها فيها، بالتالي؛ تحللّت مركزيات أخرى متعددة، وظهرت أنماط اقتصادية أكثر تعاونية وميلاً نحو اليسار، عن تلك التي أسّست لها النخبة البرجوازية في مرحلة التأسيس، كما ظهرت الأدوار الفرديّة بصورة أكثر تأثيراً، وهو ما ساعد في انطلاق القدرات الكامنة في الأشخاص.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
في هذا السياق المفاهيمي المفعم بالوطنية القومية، ذات القدرة على الانتشار الشعبي، كان لدى جماعة الإخوان المسلمين تصورات مغايرة، أدارت من خلالها ظهرها لحركة التاريخ، فيما يتعلق بتطور الجماعات البشرية، لتستدعي مركزية الدين في غير موضعها، لابتلاع الدولة الوطنية، وتفكيكها مؤسسيّاً، لصالح جماعة ربانيّة، ادّعت امتلاك نوع رديء من الخلاصيّة المطلقة. 
الأمميّة الدينية ووهم أستاذية العالم
على عكس النزعة الذاتية/ الفردانيّة التي قادت عمليات التحول الاجتماعي في العصر الحديث، والتي سرعان ما بدأت تتشكّل في صورة موجات الوحدة القوميّة في أوروبا، وبلورتها في العالم الثالث حركات التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، استدعت جماعة الإخوان المسلمين مجموعة من المفاهيم القروسيطيّة، التي تدور في فلك الانتماء لكيان مفارق، هو الدولة الدينيّة المقدسة ذات الأدوار الوظيفية التي انتهت إكلينيكيّاً، وهو ما يعكس حالة من حالات اغتراب الوعي في تيه الصعود الأيديولوجي، بشكل مضاد تماماً لحركة التاريخ، في محاولة لقلب وتطويع الواقع؛ لصالح تصورات سياسية مغلقة، في قوالب مفعمة بالمقولات الدينيّة، ذات الأفق المحدود، والفقر الواضح في عناصرها المكونة.

أودت تصورات الأمميّة الدينيّة والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار

في ذروة صعود المدّ العروبي، الذي جاء كمحاولة لتأسيس شخصيّة قوميّة مستقلة في محيط تلك الوحدة الثقافية، المتسقة عضوياً من المحيط إلى الخليج، بعيداً عن مساعي الهيمنة الغربية التي دشّنها مشروع أيزنهاور، عام 1957، والاستقطاب السوفييتي الحاد، بدءاً من صفقة الأسلحة التشيكية، عام 1955، وفي سياق واحدة من أشرس معارك التحرر الوطني، اختار الإخوان المسلمون نوعاً آخر من أشكال الانتحار السياسي، بتقسيم العالم دينيّاً إلى أرض حياد وأرض جهاد، وتكفير تيارات نضالية بعينها، رغم وحدة المصير والمعركة، واختلاق نوع آخر من الأمميّة، هي الأمميّة الدينية، رغم صعوبة تخلّق معطياتها أو تشكلها من الناحية السياسيّة، واستحالة هذا الطرح جغرافياً، واللافت أنّ الإخوان الذين حشدوا لمعركة فلسطين، ووظفوها دعائيّاً في إطار الحرب الدينية على اليهود، أداروا ظهرهم لمعركة التحرر الوطني في الجزائر، والتي حمل التيار القومي تبعات دعمها حتى النهاية؛ بل ورأت الجماعة في رموز النضال الأممّي ضدّ الهيمنة الاستعمارية، والرأسمالية الغربية، رموزاً للكفر والإلحاد، رغم ما بذله هؤلاء من تضحيات فائقة.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
وفي الوقت الذي تطوع فيه عشرات الآلاف من دول الكتلة الشيوعية، للقتال في معركة السويس، إبان العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، لم يُسمع للجماعة صوت! وقد تبدو محنة الحظر والسجن التي مرّت بها الجماعة مبرراً لصمتها المريب آنذاك، إلا أنّ موقف شحاتة هارون، اليهودي المصري الذي بعث إبان حرب حزيران (يونيو) 1967، رسالة من سجنه، يطلب فيها التطوع للقتال ضدّ إسرائيل، يفضح الجماعة ويكشف مبرراتها الواهية، لتفسير تخاذلها في واحدة من أبرز المعارك الوطنية.
لقد أودت تصورات الأمميّة الدينيّة، والرغبة المحمومة في أستاذية العالم، بالمشروع الإخواني إلى هاوية تاريخيّة، سبحت به عكس التيار، في دوائر تيه أبدية داخل مدارات المستحيل.
الاقتصاد الريعي وطبقية التنظيم
منذ لحظة التأسيس؛ احتفى الإخوان المسلمون بنمط الاقتصاد الريعي القائم على التجارة، وفق قاعدة "تسعة أعشار الرزق في التجارة"، وكثيراً ما احتفى المرشد الأول حسن البنا بالأثرياء، وسعى إلى التقرّب إليهم، وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة، والمدقِّق في البنية الاقتصادية عند الجماعة، يلاحظ وجود هيكل رأسمالي بدأ بسيطاً، وانتهى كبنية شديدة التعقيد، تراعي في مساقاتها تراتبية طبقية صارمة، متقاربة هرمياً عند القاعدة، شديدة الاتساع صعوداً نحو القمة.

كثيراً ما احتفى المرشد الأول، حسن البنا، بالأثرياء وسعى إلى التقرّب إليهم وضمّ من يستطيع منهم إلى الجماعة

ذلك النهج الطبقي، بغطاء ديني لتبرير الفوارق الفجّة، جعل الجماعة في بُعد آخر، بينما الإصلاحات الاقتصادية تكتنف العالم من الشرق إلى الغرب، وقد ظهرت إبان ثورة الشباب عدة تنظيرات سياسيّة أخذت الرأسمالية الغربية، وبشكل متفاوت نحو اليسار، بصعود الأحزاب والتيارات الاشتراكية، وتدشين طروحات الطريق الثالث، والاشتراكية الاجتماعية، مع سنّ قوانين الرعاية الاجتماعية، وحقوق العمال، وغير ذلك من المتغيرات، التي حركت وطورت من كافة النظريات الاقتصادية حول العالم.
وحدها الجماعة ظلّت تدير ظهرها للسياسات الاشتراكية، وتكرس للمزيد من التوجهات اليمينة في بنيتها الداخلية، وهو ما جعل الفجوة تتسع، والقدرة على ممارسة الأدوار الاقتصادية بشكل سياسي تتضاءل، وهو ما تجلّى في مشروعها للنهضة، إبان ثورات الربيع العربي، القائم على المتاجرة في النقد السائل، والهيمنة الرأسمالية على الأنشطة الاقتصادية، وافتقد لأيّ بعد إنساني يدعم الطبقات الفقيرة.

للمشاركة:

دراسة جديدة تبحث أوضاع النساء في العالم.. من أسوأ الدول؟ ولماذا؟

2019-11-17

قام بعض الناشطين والناشطات بدراسة إحصائية لمؤشر "المرأة والسلام والأمن" لعام 2019/2020 (wps)، من حيث المتغيرات التي طرأت على العالم، وقد تناولت الدراسة وضع المرأة في مئة وسبع وستين دولة في العالم، وتضمّنت الإحصائية المذكورة مؤشرات: العمالة والأمن والتمثيل السياسي، وصولاً إلى الاستقلال المالي والحسابات المصرفية.

اقرأ أيضاً: المرأة اللبنانية تحطم الصورة النمطية وتصنع أيقونة الثورات العربية
احتلّ اليمن المرتبة الأخيرة، لما يشهده من تدهور في أوضاع النساء في جميع جوانب الحياة، تلته أفغانستان، ثم سوريا، ليس مفاجئاً أن تكون سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة، تليها الباكستان، ثم جنوب السودان.
فما هي القواسم المشتركة بين صنعاء وكابول ودمشق وإسلام آباد وجوبا؟
أحالت الدراسة تردّي أوضاع المرأة، أو تحسّنها، إلى جملة من العوامل أو الأسباب، كان النزاع المسلح الذي لم تنطفئ ناره في أفغانستان، ويتفاقم يوماً بعد يوم في كلّ من اليمن وسوريا، في مقدمة هذه العوامل، التي تؤدي إلى تدهور نوعية حياة المرأة، في ظلّ تدهور عام لشروط الحياة الإنسانية.

سوريا ثالث أسوأ دولة في العالم يمكن أن تعيش فيها المرأة تليها الباكستان ثم جنوب السودان

أما على الجانب الآخر؛ أي الدول الأفضل لوضع المرأة، تأتي النرويج في المرتبة الأولى؛ إذ حصلت على درجة مثالية في الإدماج المالي للمرأة، وحققت مكاسب كبيرة في التطبيق والإدراك لأهمية حماية المرأة وتعزيز أمنها، وسويسرا في المرتبة الثانية، ثم فلندا والدنمارك وآيسلندا.
يتضح من خلال تلك الإحصائية، أنّ العالم مهتم بشؤون المرأة، ويعمل على الحدّ من التمييز ضدّها، لكنّ الإحصائية نفسها تبيّن أنّه من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة لم تحصل أيّة دولة على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها، ما يعني أنّ أوضاع المرأة في العالم بوجه عام ليست على ما يرام، وغالبية نساء العالم لسنَ بخير، لكنّ درجة الاختلاف والتفاوت كبيرة جداً، بين وضع المرأة في الدول المتقدمة ووضعها في الدول المتخلفة، والأسوأ في الدول التي تخضع لنزاعات مسلحة؛ فهل تتأثر المرأة بالنزاعات أكثر مما يتأثر الرجل؟ وما هو السبب وراء ذلك؟

اقرأ أيضاً: "النسوية".. المرأة الغربية ماتزال تعاني التمييز
لو كانت الدراسات والإحصاءات دورية، تجري كلّ عام أو أكثر، لتبيّن أنّ أوضاع النساء في سوريا وغيرها من البلدان العربية تتدهور عاماً بعد عام، وأنّ الحياة الإنسانية تتدهور عاماً بعد عام، لا بسبب الحجر على النساء وتقييد حريتهن واضطهادهن واستغلالهن وحرمانهن من الحقوق فقط، بل بسبب فساد الأنظمة الاجتماعية والسياسية، الذي أدّى إلى تفكّك المجتمعات وتدهور القيم الأخلاقية، علاوة على تنامي الفقر والجهل والمرض والبطالة ونهب قوت الناس وقوة عمل المجتمع وثروات الوطن.

بالنسبة للدول الأفضل لوضع المرأة تأتي النرويج في المرتبة الأولى ثم سويسرا تبعتها فلندا والدنمارك وآيسلندا

الأسوأ في أوقات النزاع؛ هو زجّ النساء في الأعمال الحربية والاستخبارية، تحت عناوين مختلفة، منها مساواة النساء بالرجال، وقدرة النساء على القيام بالأعمال التي يقوم بها الرجال، فصارت النساء مقاتلات وبطلات وشهيدات،... إلخ.
لقد كانت سوريا من أوائل الدول التي أقرّت حقوقاً سياسية للنساء؛ إذ أُقرَّ حقّ المرأة في الاقتراع العام 1949؛ أي قبل أن يقرّ في فرنسا، أو في العام نفسه، وكانت النساء، في خمسينيات القرن الماضي، تشارك في الاحتجاجات الشعبية، وتخرج من الحارات الدمشقية التي صارت في الوقت الحاضر أكثر تعصباً، دينياً واجتماعياً، حيال النساء؛ ذلك لأنّ دور المرأة كان فعّالاً في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وكانت النهضة التعليمية للفتيات والنساء في أوج حماستها، وكان الاستبداد الديني أخفّ وطأة على النساء، مما هو اليوم، ولم تكن السلطة السياسية مستبدة، كما هي في الوقت الحالي، مع أنّ القوانين السورية الخاصة بالمرأة في تلك الفترة لم تختلف عن القوانين الحالية، خاصّة قانون الأحوال الشخصية.

اقرأ أيضاً: المرأة الإماراتية في قطاع الفضاء .. قصص نجاح ملهمة عنوانها التمكين
لا يقتصر تأثير النزاعات المسلحة، وغير المسلحة، على وضع المرأة في البلدان النامية فقط، ففي المجتمعات المتقدمة أيضاً تتأثر المرأة أكثر من الرجل في النزاع، والدليل على هذا التأثر؛ القرار رقم 1325، الذي أصدره مجلس الأمن لحماية النساء والأطفال من النزاعات، العام 2000، وقد أضاف إلى موضوع الحماية إشراك النساء في حلّ النزاعات وبناء السلام، نظراً إلى دورها الفاعل في بعض المجتمعات وعدم فاعليتها في مجتمعات أخرى، فهو تحفيز للدول والمجتمعات التي تُغفل دور المرأة في صنع السلام*.
في كتابها "بنيان الذكورة"؛ تبيّن الدكتورة رجاء بن سلامة، انبناء الثقافة التقليدية على ثنائية الذكورة والأنوثة، وترصد مظاهر عملية البناء الثقافي على هذه الثنائية المركزية بقولها: "... أصبحت الثقافة التقليدية المركزية وإعادة بنائها في العصر الحديث، وما يصحب البناء وإعادة البناء من أنظمة تبريرية وآليات تفكير، تحوّل الهيمنة التاريخية إلى بديهيات ومسلمات غير قابلة للنقاش".

من بين جميع الدول التي شملتها الدراسة الدولية لم تحصل أيّ منها على درجة الامتياز لوضع المرأة فيها

إذاً، ليست النزاعات وحدها ما تؤثر في فاعلية دور المرأة في المجتمع، أو تجعلها متأثرة في النزاعات أكثر من الرجل؛ فالنظرة الاجتماعية التقليدية للمرأة، التي جعلتها أقلّ منزلة من الرجل، تجعل تأثّرها بالنزاع مسألة حتمية؛ فالأطراف المتنازعة تستغل النساء للضغط على الرجال على أنهنّ الحلقة الأضعف في تلك المجتمعات المتنازعة، فعلاقات الهيمنة واللامساواة تجعل الوعي بالمسلّمات أكثر قصوراً وأكثر تخلفاً، فلم تعد المرأة نفسها تنظر إلى الاغتصاب، على سبيل المثال؛ إلّا بصفته انتهاكاً لشرف العائلة والقبيلة والعشيرة، وليس انتهاكاً لإنسانيتها وحريتها وكرامتها الإنسانية، وهذا الأمر (الاغتصاب) نراه بكثرة أثناء النزاعات.
أما السلطة السياسية التي تحجّم دور المرأة في الحياة العامة؛ فهي الأكثر تأثيراً عليها في حالات الحرب والسلم؛ فالمرأة ليست في حاجة إلا إلى الاعتراف بوجودها كإنسانة حرة، لديها القدرة على حماية نفسها أثناء النزاع، بواسطة قانون يساويها بالرجل في الحقوق والواجبات، فلو كانت المرأة في الدول التي حصلت على أسوأ درجة في الإحصائية السابقة؛ تتمتع بالحرية والمساواة كالمرأة الألمانية التي أعادت بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لما وصلت تلك الدول إلى ما هي عليه الآن، فوضع المرأة في كلّ مجتمع ينمّ عن تطوره ومدى حداثته وتقدمه.


هامش:

* لا مجال لذكر بنود القرار رقم 1325، موجود على موقع الأمم المتحدة.

للمشاركة:



الإمارات تمدّ يد العون لأهالي حضرموت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

سيّرت دولة الإمارات، عبر ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر"، قافلة مساعدات غذائية جديدة إلى أهالي مديرية بروم ميفع، بمحافظة حضرموت اليمنية، استفاد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة، وذلك في إطار جهودها الرامية لرفع المعاناة وتطبيع حياة الأسر التي تعاني أوضاعاً صعبة؛ بسبب الظروف الاقتصادية التي يمرّ بها اليمن.

الإمارات تسيّر قافلة مساعدات غذائية لأهالي حضرموت يستفيد منها 4500 فرد من ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة

وقامت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع 900 سلة غذائية، تزن 72 طناً و720 كيلو غراماً على مناطق: حصاحصة، وانتيشة، والمسيني، وحرو، وظلومة، بالمديرية، ضمن سلسلة من الحملات نفذتها في عموم مناطق حضرموت، ووصلت إلى عدة مناطق نائية، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأعرب المستفيدون عقب تسلمهم المواد الإغاثية، عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً، على وقفتها الأخوية معهم في محنتهم، وجهود الإغاثة المتواصلة لأبناء محافظة حضرموت.

يذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ بداية عام التسامح، بلغت 33 ألفاً و644 سلة غذائية، بمعدّل "2718 طناً و435.2 كيلو غراماً، استهدفت 168 ألفاً و220 فرداً من الأسر المحتاجة في محافظة حضرموت.

 

 

 

للمشاركة:

غارات روسية في سوريا تخلّف قتلى وجرحى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت طائرات روسية، أمس، ضربات على مناطق في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، أسفرت عن مقتل 9 مدنيين، على الأقل.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ بأنّ خمسة مدنيين، بينهم ثلاث مواطنات، قتلوا جراء غارات روسية استهدفت قرية الملاجة في ريف إدلب الجنوبي، بينما قتل 4 آخرون جراء غارات روسية على مخيم عشوائي للنازحين شمال مدينة سراقب.

ضربات شنّتها طائرات روسية في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا تقتل 9 مدنيين

ورجّح المرصد ارتفاع حصيلة القتلى نظراً لوجود جرحى "في حالات خطرة".

وتسيطر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على الجزء الأكبر من محافظة إدلب، حيث تنشط فصائل أخرى معارضة وإسلامية أقل نفوذاً، ويعيش في إدلب، مع أجزاء من محافظات مجاورة، نحو 3 ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى.

وفي نهاية نيسان (أبريل) الماضي؛ بدأت قوات النظام السوري، بدعم روسي، عملية عسكرية سيطرت بموجبها على مناطق عدة في ريف إدلب الجنوبي، وريف حماه الشمالي المجاور، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية روسية – تركية، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

ورغم وقف إطلاق النار، تتعرض المنطقة بين الحين والآخر لغارات سورية وأخرى روسية، تكثفت وتيرتها مؤخراً، وقد تسببت بمقتل 110 مدنيين، منذ الاتفاق الروسي – التركي.

 

 

للمشاركة:

بعد صدّ هجومهم.. الحوثيون يقصفون مناطق سكنية بالأسلحة الثقيلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

شنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية، أمس، هجوماً على منظقة التحيتا الواقعة جنوب الحديدة، بالأسلحة الثقيلة والقذائف المدفعية.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تشنّ هجوماً على التحيتا بالأسلحة الثقيلة والقذائف المدفعية

وقال المركز الإعلامي لألوية العمالقة، في بيان: "الحوثيون شنّوا هجوماً عنيفاً بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، على الأطراف الجنوبية لمركز مدينة التحيتا جنوب الحديدة، واستهدفوا أحياء سكنية مكتظة بالسكان".

ووفق البيان؛ "يحاول الحوثيون التوغل لسحب جثث عشرات القتلى من عناصرهم الذين سقطوا أمس، خلال تصدي القوات المشتركة لهجوم على مناطق جنوب التحيتا".

كما واصلت ميليشيات الحوثي ممارساتها الإجرامية باستهداف القرى النائية ومنازل المواطنين في مديرية الدريهمي، جنوب الحديدة.

الحوثيون يحاولون التوغّل لسحب جثث عشرات القتلى من عناصرهم الذين سقطوا خلال هجوم فاشل

من جهتها، أفادت مصادر محلية بأنّ الميليشيات استهدفت منازل المواطنين في المديرية بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة بشكل عشوائي وعنيف.

وأضافت: "القصف تسبّب بأضرار بالغة بمنازل المواطنين، وأدّى إلى خلق حالة من الخوف والهلع في صفوف السكان، لا سيما النساء والأطفال".

وفي وقت سابق، أمس، أعلنت القوات المشتركة صدّها هجوماً واسعاً للحوثيين من جهات عدة على مواقع للقوات المشتركة في مدينة التحيتا جنوب الحديدة، وتكبيدهم عدداً من القتلى والجرحى.

وتتواصل الخروقات الحوثية في مختلف المناطق والمديريات جنوب محافظة الحديدة الساحلية، بقصف مواقع المشتركة والأحياء السكنية منذ بدء سريان هدنة أممية لوقف إطلاق النار والعمليات العسكرية في المحافظة، نهاية العام الماضي.

وفي سياق مرتبط بجرائم الحوثيين وحراك اليمنيين ضدّهم توقّع وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني؛ أنّ العاصمة صنعاء وبقية مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، لن تكون بمنأى عن ارتدادات الانتفاضة الشعبية التي تشهدها إيران والعراق ولبنان، ومحورها مواجهة السياسات الإيرانية.

وزير الإعلام اليمني: ثورات العراق ولبنان، وستتبعها اليمن، مؤشر على سقوط مخططات الهيمنة الإيرانية

وأوضح وزير الإعلام اليمني في تغريدات على صفحته بموقع تويتر، أمس؛ أنّ الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المحافظات الإيرانية بعد انتفاضتَي العراق ولبنان، تؤكّد المأزق الذي يعانيه نظام إيران وسقوط مخططاته في الهيمنة على المنطقة.

وأكّد أنّ ذلك نتيجة حتمية للسياسات الفاشلة التي انتهجها النظام الإيراني، وتوجيهه ثروات البلد لصالح ميليشياته الطائفية، وسياساته التخريبية في المنطقة.

وأشار الإرياني إلى أنّ اليمن لن يكون بمنأى عن ارتدادات الانتفاضة الشعبية في المنطقة، ومحورها مواجهة السياسات الإيرانية التي أنتجت الفشل داخلياً، والفوضى والإرهاب خارجياً.

وأضاف: "الشعب اليمني، في العاصمة صنعاء وبقية مناطق سيطرة الميليشيا الحوثية، لن يظلّ مكتوف الأيدي وسيلتحق قريباً بهذه الانتفاضة".

 

 

للمشاركة:



وثائق إيرانية سرية تكشف هيمنة طهران على بغداد بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أحمد هاشم

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن مئات الوثائق الاستخباراتية الإيرانية المسربة كشفت عن سعي طهران الحثيث للاستحواذ على السلطة في بغداد عبر تجنيد مسؤولين عراقيين.

وذكرت الصحيفة أن تحقيقا استقصائيا أجرته الصحيفة بالتعاون مع موقع "إنترسبت" الأمريكي، أظهر أن طهران جندت مسؤولين عراقيين، وأن رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي يرتبط بالسلطات الإيرانية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي ومع تصاعد الاضطرابات في بغداد، تسلل "زائر مألوف" خلسة إلى العاصمة العراقية المحاصرة منذ أسابيع، حيث خرج المتظاهرون إلى الشوارع، مطالبين بوضع حد للفساد والدعوة إلى الإطاحة بعبدالمهدي، كما نددوا بالنفوذ الهائل لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وحرقوا الأعلام الإيرانية وهاجموا قنصليتها.

وأوضحت أن هذا الزائر هو اللواء قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" الإيراني الذي جاء لاستعادة النظام، لكن وجوده سلط الضوء على أكبر مظالم للمتظاهرين، وقد جاء لإقناع حلفاء إيران في البرلمان العراقي بمساعدة رئيس الوزراء على الاحتفاظ بمنصبه.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يُرسل فيها الجنرال سليماني إلى بغداد لمحاولة السيطرة على الوضع، وفقا للصحيفة، التي لفتت إلى أن جهود طهران لدعم عبدالمهدي تعد جزءا من حملتها الطويلة للحفاظ على العراق كدولة خاضعة طيعة.

وأوضحت أن الوثائق الإيرانية المسربة تقدم صورة مفصلة حول محاولات طهران المستميتة لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد الذي يضطلع به الجنرال سليماني.

ونوهت بأن الوثائق كانت ضمن أرشيف برقيات استخباراتية إيرانية سرية حصل عليها "ذا إنترسبت"، وشاركها مع صحيفة "نيويورك تايمز"، لإعداد هذا التقرير الذي نشرته كلتا المؤسستين الإخباريتين في وقت واحد.

وتكشف التسريبات غير المسبوقة عن نفوذ طهران الهائل في العراق، وتوضح بالتفصيل سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لتجنيد قادة البلاد، ودفع رواتب وكلاء عراقيين يعملون لصالح الأمريكيين لتغيير مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وأوضحت التسريبات أن مصادر المعلومات كانوا يختبئون في مطار بغداد يلتقطون صورا للجنود الأمريكيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف، وكان العملاء يمشون في طرق متعرجة لحضور الاجتماعات للتهرب من المراقبة، بينما تغدق عليهم هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران، وتقدم رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

كما يحتوي الأرشيف على تقارير نفقات من ضباط وزارة الاستخبارات في العراق، بما في ذلك تقرير بلغ إجماليه 87.5 يورو تم إنفاقه على هدايا لقائد كردي.

كما تظهر إحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية أن رئيس الوزراء عبدالمهدي، الذي عمل في المنفى عن كثب مع إيران في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، كانت له "علاقة خاصة مع إيران"، عندما كان وزير النفط بالعراق في عام 2014.

وتعطي البرقيات المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري؛ حيث توضح بالتفصيل إلى أي مدى سقط العراق تحت النفوذ الإيراني منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الذي حول العراق إلى مدخل للنفوذ الإيرانية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

جتين غورر

لم يعد من الأهمية بمكان الاجتهاد لشرح التطورات، التي تجري في تركيا في الوقت الراهن، أو فهمها أو التعليق عليها باستخدام قواعد الاستنباط العقلي المعتادة. والسبب في هذا أن تلك القواعد لم تعد صالحة منذ فترة طويلة للحكم على تلك الأحداث.
والواقع أن التحليلات، التي ظللنا، لفترة طويلة، نقوم بها حول التطورات التي تحدث داخل حزب العدالة والتنمية، هي أيضاً من هذا النوع الذي بات من الصعب تفسيره بتحليلاتنا المعتادة.
تحدثنا، فيما سبق، عن النواب الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية، والأعضاء الذين استقالوا أو فقدوا أماكنهم داخل الحزب، بعد أن تبوأوا مكانة عالية داخل الحزب؛ بسبب انتقادهم سياسة الحزب، وليس حال عبد الرحمن ديليباك، وخروجه غير المتوقع من الحزب عنا ببعيد.
تناولنا كذلك الصراع المحتدم داخل الحزب، بين وزير الداخلية التركي سليمان صويلو ووزير المالية وصهر أردوغان بيرات البيرق. وأخيراً كان موضوع الحزب الجديد، الذين يسعى كلّ من داود أوغلو وباباجان لتأسيسه. نظرنا، نحن جبهة المعارضة، إلى هذه التطورات بشكل مُجمل، باعتبارها مؤشرات على بداية تصدع فاشية حكم أردوغان، إيذاناً بانهياره.
ولكن ماذا إذا كانت كل هذه التطورات، التي نشهدها في الفترة الراهنة، تدور في إطار خطة محكمة، وضعها أردوغان وحزبه بشكل يذكرنا برواية "1984"، وهي رواية ديستوبية (أدب المدينة الفاسدة أو عالم الواقع المرير) للروائي الإنجليزي جورج أورويل، التي تحكي عن "الأخ الكبير"، الذي يحكم سيطرته ورقابته على كل شيء، وبالتالي يمكننا القول، استناداً إلى هذه الفرضية، إن مساعي باباجان وداود أوغلو لتشكيل حزب جديد لا تتم، هي الأخرى، بعيداً عن أردوغان، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها تجري بموافقته، وتحت إشرافه شخصيًا.  والواقع أنه، وإن كان أمر كهذا غير وارد من الناحية المنطقية، فإننا لا نستبعد وقوعه في إطار أحداث رواية ديستوبية كالتي تحدثتُ عنها قبل قليل.
يزخر التاريخ السياسي لتركيا، منذ قيام الجمهورية وإلى الآن، بالكثير من النماذج على "إنشاء حزب جديد"، سواء أكان ذلك استناداً لخطة جرى الإعداد لها سلفاً أم نتيجة لانفصال عن حزب آخر بسبب وجود صراعات وصدامات داخل هذا الحزب. وهناك العديد من الأمثلة الدالة على ذلك؛ أذكر منها تأسيس الحزب الجمهوري الحر، والصدام بين مسعود يلماز وأركان مومجو داخل حزب الوطن الأم، وتفكك حزب اليسار الديموقراطي عام 2000، والانقسام الذي أصاب حزب الحركة القومية بعد ألب أرسلان تُركَش، وظهور الحزب الصالح مؤخراً، ومولد حزب العدالة والتنمية نفسه بعد انفصال أردوغان عن  حركة الرأي الوطني...
وباستثناء الأحزاب، التي تمّ التخطيط لإنشائها، لم تكن الانقسامات والصدامات والصراعات، التي أدت إلى ظهور أحزاب جديدة، تجري في الخفاء أو بدون إثارة ضجة داخل الحزب أو في الساحة السياسية في تركيا؛ الأمر الذي جعل "الصراعات السياسية" داخل الأحزاب التركية سمة أساسية للثقافة السياسية في تركيا. ومن ناحية أخرى، يمكننا القول إن تركيا لم تشهد، في أي وقت من الأوقات، قيام حزب جديد بعد "انفصال مدني" عن حزب آخر، وإنما، دائماً، ما ارتبط تأسيس الأحزاب الجديدة بصراعات وصدامات داخل الحزب الأم.
لقد قرأ المواطنون ظهور داود أوغلو أثناء عبوره من فوق أحد الكباري في إسطنبول، ورؤيته بالمصادفة أحد المواطنين، وهو يحاول الانتحار من فوق هذا الكوبري، ونجاحه، بعد ذلك، في إقناع هذا المواطن بالعدول عن هذا الأمر، بأن هناك حزباً جديداً في سبيله للظهور على الساحة السياسية، وأن هذا الحزب هو الذي سينقذ تركيا بكاملها من الانتحار، وأن داود أوغلو سيصبح الزعيم لهذا الحزب الجديد. ولكن ما حدث أنه مرّ الآن وقت طويل على هذه الواقعة تخلله الكثير من الأحداث، ولم نرَ تركيا، وهي تتراجع بعيداً عن حافة الانتحار، ولم نشهد كذلك ظهور الحزب الذي كثر الحديث عنه.
كذلك مرّ وقت طويل على الزيارة المفاجئة، التي قام بها كل من رئيس الأركان التركي ورئيس جهاز الاستخبارات، بإحدى الطائرات العمودية، إلى عبد الله غول، وناقشا خلالها مع الأخير ما يتردد عن تحالفه مع علي باباجان، وسعيهما لتأسيس حزب سياسي جديد. ولكن ماذا حدث بعد هذا أيضاً ؟ لم يقم أي من عبدالله غول أو باباجان بتشكيل حزبهما الجديد حتى الآن.
سؤالي أيضاً: هل سيفضل أردوغان وأي شخص أو هيكل يحكم تركيا لسنوات طويلة من خلال حزب تعسفي "ديستوبي" مثل حزب العدالة والتنمية أن يلتزم الهدوء، وينظر بود إلى تحركات كوادر وشخصيات من حزبه ظلت تشغل لسنوات مناصب وزارية، أو حتى شغلت منصب رئيس الوزراء قبل ذلك، وهي تنفصل عن الحزب، بل وتحاول استمالة الكتلة التصويتية الخاصة به إلى جانبها؟ هل يستقيم في ذهن أحد أن أردوغان، الذي تدخل من أجل استصدار قرار من المحكمة في إحدى مدن ولاية سيواس لمنع حدوث انقسامات حزب الحركة القومية، ومنع عقد الاجتماع الطارئ لحزب الحركة القومية سيكتفي بدور المتفرج، وهو يتابع الكوادر، التي تنفصل عن حزبه الواحد تلو الآخر، وسعيها لإنشاء حزب سياسي جديد؟
في رأيي، إن أردوغان، الذي صعد إلى السلطة من قبل بعد الانفصال عن حزب سياسي آخر، وليس عن طريق الاتحاد بين ذلك الحزب وحزب آخر، لن يرضى بدور المتفرج، ولن يبقى مكتوف الأيدي، وهو يرى حالة الانقسام والصراعات التي تجتاح حزبه في الوقت الراهن.
أي انفصال هذا الذي يتحدثون عنه وداود أوغلو وعلي باباجان، اللذان استقالا من حزب العدالة والتنمية، ومن المفترض أنهما يستعدان لتأسيس حزبهما الجديد، لم يتوقفا عن لقاء أردوغان في السر والعلن ويطلبان منه المشورة.
قرأتُ بالأمس أيضاً خبراً يتحدث عن أن أردوغان طلب مقابلة باباجان والاجتماع معه. والواقع أن هذه المقابلة لم تتم، ليس لسبب آخر سوى أن أردوغان نفسه لم يرد الالتقاء بباباجان قبل رحلته إلى أميركا، والاستماع إلى آرائه ومقترحاته بشأن هذه الزيارة، وأن كل ما في الأمر أنه ربما أراد أن يبعث إليه برسالة تحذير مفادها "لا أريد أية مفاجآت في أثناء غيابي عن تركيا".
من ناحية أخرى، لم نسمع عن أي صراع أو صدام مباشر بين أردوغان من ناحية، وداود أوغلو وعلي باباجان من ناحية أخرى، على الرغم من أننا نشهد فترة لا يستطيع المجتمع أو الساحة السياسية التركية التقاط أنفاسهما من حدّة التوترات بها، بل وعلى العكس من ذلك تماماً جرت عملية الانفصال بشكل متحضر للغاية، ودون أي تحدٍ من جانب أي من الطرفين. والوقع أن هذا الاحترام المتبادل قد يكون أمراً محموداً يحسدون عليه في ظل الظروف العادية، وليس في فترة كالتي نعيشها الآن؛ حيث ازدادت أعمال العنف، وسقطت البلاد في مستنقع الحرب والموت والفقر والجوع؛ مما أدى لارتفاع نسبة الانتحار بين المواطنين بشكل غير مسبوق.
لقد بثت القناة التليفزيونية الألمانية-الفرنسية ARTE ، الأسبوع الماضي، فيلمًا وثائقيًا رائعًا نال اهتماماً كبيراً من جانب المُشاهِد الأجنبي. تناول الفيلم وجه الشبه بين أردوغان ومؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وكيف أن أردوغان يعتبر المؤسس الثاني لتركيا، وهو موضوع ألِف المشاهد التركي الحديث عنه.
ولكن عند النظر إلى حقيقة أن أتاتورك هو الذي أسس الحزب الجمهوري الحر بيده، عندئذ تصبح فرضية أن أردوغان، الذي يسعى اليوم كي يصبح أتاتورك الثاني في تركيا، يخطط الأن لإنشاء حزب بأيدي داود أوغلو وباباجان يصبح أكثر "ليبرالية" مما كان عليه حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه، فرضيةً أكثر منطقيةً وتوافقاً مع الدور الذي يؤديه الآن.
السؤال الآن: لماذا يحتاج أردوغان إلى حزب جديد يعمل من تحت عباءته، وكيف سيلبي ذلك الحزب تطلعات أردوغان خلال الفترة المقبلة؟
لا شك أن وجود هذا الحزب الجديد سيضعف، بشكل كبير، الجبهة المعارضة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية، وللنظام الرئاسي ككل. ومع هذا، تبقى فرضية أن هذا الحزب قد لا ينضم إلى جبهة المعارضة من الأساس، ويفضل الدخول في شراكة مع السلطة إذا اقتضى الأمر. وبالتالي من الممكن أن يؤدي دوراً مهماً في اتجاه تعزيز سلطة أردوغان والنظام الرئاسي بصفة عامة وترسيخها؛ مما يعني أن أعضاء هذا الحزب قد يرتدون نفس القميص الذي يرتديه المنتمون لحزب العدالة والتنمية. وبالتالي ينجح أردوغان في تحقيق ما لم يقدر عليه بالصراع مع الأحزاب الأخرى أو عن طريق الانتخابات.
في رأيي، إن أردوغان يفضل، في سعيه لترسيخ سلطته في تركيا، تكليف أي حزب أو قوة أخرى بمهمة تفكيك الأحزاب الائتلافية مثل حزب الشعب الجمهوري عن طريق اجتذاب "الديمقراطيين"، الذين لم يجدوا أمامهم خيارات مناسبة في الماضي سوى التصويت لحزب الشعب الجمهوري أو لغيره من الأحزاب الديمقراطية اليسارية الصغيرة الأخرى، وتوجيهها، إلى التصويت لداود أوغلو وباباجان، بدلاً من محاولته، عن طريق حزب العدالة والتنمية، استرداد أصوات الليبراليين والمحافظين والأكراد، الذين كانوا يدعمونه ويدعمون حزبه في السابق، أو السعي لاستمالة بعض الأصوات من حزب  الشعب الجمهوري أو حزب السعادة.
ويرى أردوغان كذلك أن ظهور الحزب الجديد، الذي سيعمل بتوجيهاته بطبيعة الحال، سيعمل على تهميش مطلب أحزاب مثل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح وحزب السعادة، بإعادة العمل بـِ "النظام البرلماني" من جديد، وإضعاف أصواتهم، والقضاء على أية محاولة لانتقاد النظام الرئاسي، ووصف أردوغان بأنه "ديكتاتور" أو "مجرم حرب"؛ مما يسهم في تقوية نفوذه بالداخل.
وكان من الطبيعي أن يلتزم أردوغان الصمت، وألا يعلق على إنشاء الحزب الجديد، الذي سيؤدي هذا الدور الحيوي بتوجيه منه، بل سيمنحه بعض النواب داخل البرلمان. وفي رأيي، إن أمراً كهذا لا يدعو إلى الطمأنينة، ولا يبعث على الأمل بأي حالٍ من الأحوال، وآمل أن أكون مخطئًا، وأن تكون الأغلبية محقة في تصورها للوضع، بعيداً عن هذه الفرضية ...

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

ماذا بقي لإيران في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

حسين الشيخ

لم يكن هذا السؤال مشروعاً ومسموحاً به قبل نحو عقدين من الزمن في ذهنية العراقيين شعباً وحكومة وتحديداً قبيل دخول القوات الأمريكية العراق عام 2003 واحتلالها كامل أراضيه، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل البلاد.

الوضع اليوم مختلف كثيراً لأن واشنطن وطهران تحالفتا على صدام حسين ونجحتا في إسقاط حكمه، ليقتسم البلدان النفوذ على الأراضي العراقية وإن لم يكن الأمر علانية ولكنه أمر ذاقت البلاد مرارته على مر السنوات الماضية، من خلال استغلال كل طرف رجالاته ونفوذه لدفع ثمن فاتورة الحرب التي لا شك كلفت الكثير خاصة الجانب الأمريكي.

منذ دخول القوات الأمريكية العراق برزت إيران على المشهد من خلال رجالات ينتمون للعراق هوية ويتبعون لإيران ولاءً، واستطاعت من خلال هؤلاء تشكيل أحزاب الغطاء فيها سياسي والبنية الداخلية قائمة على المليشياوية والتطرف وحب الانتقام، وهذا ما قامت تجاه أبناء المحافظات الغربية وبدعم من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، الذي صنف العراقيين عام 2012 بين من يقف مع "الحسين" قاصداً تياره ومن يساند "يزيد" في إشارة إلى خصومه السياسيين.

في واقع الأمر تمثل حقبتا نوري المالكي في رئاسة الحكومة، التي بدأتا عام 2006 إلى 2014، الأرض الأكثر خصوبة لتنامي النفوذ الإيراني وإرساء دعائم هذا النفوذ في الأرض العراقية، بما يحقق مصلحة إيران في الإبقاء على رئة تستطيع من خلاله التنفس عقب العقوبات الأمريكية والغربية عليها، وعدم توصل الطرفين لاتفاق ناجع تدخل به إيران منظومة الدول السوية غير المثيرة للمشاكل والنعرات الطائفية سواء في إقليمها القريب أو حتى على الصعيد الدولي.

عملت إيران ليل نهار لخلق حالة مجتمعية عراقية تخدم مصالحها من خلال دعم حلفائها من الذين يدينون لها بالولاء مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة ومنظمة بدر والصدريين مع تذبب موقفهم، لنتخرط في الحياة السياسية وتجميع الأحزاب والشخصيات الشيعية، والعمل على وحدة صفها وعدم ضياع أصواتها في الانتخابات التي تعاقبت على البلاد بعد سقوط النظام السابق، لا لينعم العراق بمستقبل أفضل بل لتبقى إيران مهيمنة على نفط البلاد ومقدراته من تجارة وزراعة وغيرها، وليبقى هذا البلد العربي ساحة تستطيع من خلالها إيران الضغط على خصومها الدوليين عبر رعايتها مليشيات متطرفة تحركها وفق ما تريد التي تريد بما يهدد ليس مصلحة واشنطن فحسب بل المنطقة برمتها.

هذا الوضع الذي كانت تعيشه إيران خلال السنوات الماضية لن تتمكن من الاستمرار به في الوقت الراهن أو حتى في المستقبل القريب على الأقل لعدة أسباب نذكر منها ثلاثة:

السبب الأول يكمن في رفض العراقيين إيران والتظاهر ضد نفوذها، وهي نقطة مهمة جداً إذ يدرك الساسة الإيرانيون جيداً في ذهنيتهم قوة الشعب العراقي وشدة انتمائه لعروبته وعدم رضوخه وقبوله الذل والمهانة، لذلك بات الصوت مرتفعاً ضد شخصيات كانت في الوقت القريب من المحرم المسّاس بها من شدة الذعر الذي رافق ذكرها كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الأكثر شهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يقف الأمر عنده بل وصل إلى المرشد علي خامنئي، ولعلها المرة الأولى التي تُحرق فيها صوره وبشكل في أكثر من منطقة عراقية، دلالة على ضيق ذرع العراقيين بالإيرانيين وسطوتهم.

الثاني يتمثل بعدم قدرة الساسة العراقيين جميعاً بمن فيهم المحابون إيران والذين كانوا يدورون في فلكها على مجاراة الضغوط التي تتعرض لها طهران من الغرب، لذلك بات هؤلاء يبحثون عن نجاتهم أكثر من مصلحة إيران، خاصة أن محكمة الشعب العراقي تلاحقهم واحدا تلو الآخر، واضعة أسماءهم بقائمة المطلوبين للمحاسبة القضائية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تبني الدول العربية سياسة جديدة تجاه العراق، والعمل على مساعدته للعودة إلى حاضنته العربية، لذلك باتت العلاقات السعودية العراقية أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، إذ تعمل الرياض جاهدة من أجل عدم السماح لإيران باستغلال العراق البلد العربي، مدعومة بقرار وتأييد عربي من مصر والإمارات ودول عربية أخرى.

ليس من المبالغة القول إن نفوذ إيران في العراق بات من الماضي ولم يبق الشيء الكثير باستثناء بعض المليشيات ورجال دين معممين بعصائب ممزوجة برائحة دم أبرياء من العراقيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في زمن هكذا عصابات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية