ما الذي يجعل من الفرد فقيراً مهما امتلك؟

صورة أدونيس غزالة
كاتبة سورية مهتمة بشؤون الطفل
7344
عدد القراءات

2019-08-11

"المستقبل الذي نتمنّاه لأطفالنا هو المكانة التي نريد لهم أن يحتلّوها"، هي جملة تدور على لسان معظم الأسر، ولهذا تأخذ تربية الطموح، دور العمود الفقري في جسمنا الاجتماعي، ولكنّ نسبة النجاح في الشهادة الثانوية العامة بفرعيها؛ العلمي والأدبي، في مجتمعاتنا، قد تضعنا وجهاً لوجه أمام مأزقٍ تربويٍّ خطير، هذا إذا ابتعدنا عن قراءتها حسابياً، واقتربنا من واقع هذه النسبة.

اقرأ أيضاً: المناخ يتسبب بفصل عنصري بين الفقراء والأغنياء.. كيف ذلك؟

إذا تفحّصنا نسبة النجاح لهذا العام في سوريا، على سبيل المثال، والتي زادت على الـ50% قليلاً، سنجد أنّ 10% فقط ممّن نجحوا، سيحظون بفرصة تحقيق الطموح الذي رُسِم لهم أو اختاروه، أما الـ40% من الناجحين، فستُحدِّد الدرجة مصيرهم، وحصيلة ذلك أنّ هناك 90% (40% من الناجحين، و50% من الراسبين) لم يسعفهم الطموح لينالوا المكانة المبتغاة، ألا تشير هذه النسبة الجديدة إلى خللٍ، يضع المكانة التي نرسمها لأطفالنا، والطموح الذي نشحنهم به موضع شبهة وتساؤل؟ وبالتالي إعادة النظر قي شكل تعاطينا مع هذين المفهومين؟

القلق على المكانة خبيث إلى حدّ يجعله قادراً على إفساد مساحات شاسعة من حياتنا خشية فشلنا بمجاراة قيم النجاح

في كتاب "قلق السعي إلى المكانة" يُعرّف "آلان دو بوتون" المكانة على أنّها "موقع المرء في المجتمع، وتشير إلى قيمة المرء وأهميته في أعين الناس"، وبالطبع هذا ما سيولد القلق على المكانة والذي يعرّفه أنه "قلقٌ خبيث إلى حدٍّ يجعله قادراً على إفساد مساحات شاسعة من حياتنا، خشية فشلنا في مجاراة قيم النجاح التي وضعها مجتمعنا، وخشية أن يتم تجريدنا نتيجةً لهذا الفشل من شرف المنزلة والاعتبار"، وبناءً على ذلك أصبح النجاح قيمةً بحد ذاته، يلغي المعطى الإنساني أو يجعله بأحسن الأحوال مشروطاً، طالما أنّ الاعتراف بالإنسان لا يتم من دونه.
منذ هذه اللحظة، يبدأ مشروع التلقين الطويل، والتحضير الشفهي لإعداد طبيب ومهندس الأسرة، والإمكانات التي كان يمكن لها أن تتفتح، تذبل أمام عدم الجدوى من دراسة ما يحقق مردوداً اقتصادياً أقل، أو مالا يدرّ دخلاً يُعترف بوزنه الاجتماعي، فلا نجد من يتمنى أن يصبح طفله معلماً كما في السابق، وذلك لتدني مكانة المعلم في مجتمعاتنا حالياً، خاصةً أنّ المكانة أصبحت مشروطة بالثروة، الثروة التي تُحقَن في وعي الطفل بمحلول الطموح، ولكن هذا الطموح سيجفف الاختلاف بما يحمله من تنوع، وسيجعل من عالم الصور القائم على التفاضل والمقارنة والمنافسة، العالم الوحيد المتوفر، الطموح الذي سيجعل من الإنسان فقيراً مهما امتلك.

اقرأ أيضاً: هل يؤثر الفقر على قدرة الطلبة على التعلم؟

إنّ ما يتم تكريسه اجتماعياً هو تقديس المكانة (العالم مقامات)، ولكن ما الذي يجعل للمكانة كل هذه الأهمية؟ المكانة والمنزلة تؤسسهما سلطة لم تنفصل حتى اليوم عن مفهومي الغلبة والقهر، وهما من يضمنا بقاءها واستمرارها، ويؤسسان لعقد النقص والدونية، ولهذا ننفق حيواتنا في التنافس على أمكنة لا تناسبنا، إنّ أيّة مكانة اليوم أو منزلة تعكس بوضوح النزوع المادي والسطحي للمجتمعات، النزوع الذي تثوي في قاعه مصادر العنف والتطّرف؛ فالمكانة التي تنحي القيمة الإنسانية، ستربي قيماً مضادة تهلل للأقوى والأفضل.

نشير لطفل واحد ونقول للآخر انظر كم هو ذكي كن مثله هكذا نزرع بأطفالنا بذور الحرب والقتال مع الجميع

يقول شوبنهاور:"نحن نتخلّى عن ثلاثة أرباع أنفسنا، لنصبح مثل الآخرين". ورغم أنه لم يحدد مركز التماثل الذي يجمع الآخرين، لكنه أشار إشارةً ذكيةً إلى  تنازلٍ طوعي عن الذات، كما أنّه ترك بفطنةٍ مصير الربع الأخير من أنفسنا غامضاً، لنكتشف حماقة أنّ هذا الربع أنفقناه في سباقنا مع الآخرين، دون أن نسأل أنفسنا: "هل ما نرغب فيه هو حقاً ما نحتاج إليه؟ وهل ما نخشاه هو ما يدعو حقاً للخوف"، بتعبير آلان دو بوتون، فليس المهم في رأيه هو "ما نبدو عليه في أعين جماعة عشوائية من الناس، بل ما نعرف نحن أننا عليه في داخلنا".

إنّ حقيقة ما نرغب به يشكّل عقبةً أمام أن نكون، لأن "الإصرار السيكولوجي، بحسب باشلار، أقوى في الوهم  منه في الواقع"؛ أن نصبح مثل الآخرين أو أفضل منهم، كلاهما يقود بنفس الشدة والاتجاه نحو (الغيرة والحسد) اللذين ينبعان من شعور النقص والدونية، وطالما أنّ شعوري النقص والدونية هما مركزا رغباتنا، فليس بالإمكان أن تتفتح زهرة أن نكون معاً، فنحن دائماً سنتعلم ونُعلّم أن نقف ضد بعضنا البعض، وليس علينا بالتالي أن نستهجن من كون هذا العالم الذي صنعناه، حلبة سباق أو صراع.

اقرأ أيضاً: تقرير صادم يكشف عدد الفقراء في تركيا في ظل حكم "العدالة والتنمية"

أعتقد أنّ كثيرين منّا قد شاهدوا لوحة "الطفل الراسب والكلب" للفنان الروسي "ريشيتنيكوف"، ويبدو أنّ هذا الفنان استطاع أن يعكس النسق السيكولوجي العميق للأسرة، فالكائن الوحيد الذي تعاطف مع الطفل الراسب، كلب العائلة الذي لا تعنيه الأحكام التي تصوغ العلاقات، بينما وجوه أفراد الأسرة أبدت امتعاضاً وازدراءً من فشل طفلها، إنه مشهد  يتكرر كثيراً في مجتمعاتنا؛ حيث يفتقد فيه أطفالنا إلى حبّنا وتعاطفنا وتفهمّنا، سيقف من فشل منهم  مكسوراً في الزوايا الضيقة، يشعر بالمهانة التي عرّفها "بودوتون": "أنّها وعي حارق بعجزنا عن إقناع العالم  بقيمتنا، ومن ثم يحكم علينا بالنظر إلى الناجحين بمرارة وإلى أنفسنا في خزي".

المقارنة وما ينتج عنها من طمس أي اختلاف ينمّي طموحاً مشحوناً بكل أنواع الغيرة والحسد وعقد النقص والدونية

فعل المقارنة وما ينتج عنه من طمس أي اختلاف، ينمّي طموحاً مشحوناً بكل أنواع المنافسة والغيرة والحسد وعقد النقص والدونية، ففوز السلحفاة على الأرنب في القصة التي نعرفها جميعاً، هو انتصارٌ للوهم على الواقع؛ فالمنافسة بينهما ليست سوى صنيعة عقلٍ يرى الفرق ولا يرى الاختلاف، عقل ينصبّ على التفاضل لا على التواصل، لم تطمح أية سلحفاة على الإطلاق أن تسبق أرنباً إلا في القصة. القصة التي أسست في لاوعينا أنّ الاختلاف مصدراً للصراع وليس للتكامل، نقلناها إلى عالم الواقع، وقذفنا بأطفالنا كالسهام، بعد أنّ زودناهم بالنشاط المحموم والمشوش تجاه ما نطمح نحن إليه.

اقرأ أيضاً: فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء

طموحنا هذا لم يخلق، كما رأى "أوشو"، سوى عالم مليء بالمعارك والصراعات. ففي كتابه "ثورة في التربية" يخبرنا أنّ "جميع دول العالم تتقاتل؛ لأن الأطفال لم يتعلموا شيئاً سوى القتال، لم نعلمهم الحب، غذينا فيهم الحسد والغيرة، نحن نشير إلى طفلٍ واحد ونقول للآخر: انظر كم هو ذكي كن مثله، هكذا نزرع في أطفالنا بذور الحرب، بذور القتال مع الجميع". وبذلك بدل أن يكون التعليم مرافقاً للنمو والحب والتفرد، كان مرافقاً للطموح والمنافسة والصراع مع الآخرين، ربما هذا ما جعلنا نبتعد كثيراً عن جملته "كل شيء يمكن أن نتعلمه حين نحبه"، ونزج بأطفالنا في معركة خاسرة هم ليسوا طرفاً فيها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



بعد العدوان التركي: سوريا تربح من الباب الخلفي.. كيف؟

2019-10-20

حملت العملية التركية في شمال شرق سوريا عناوين كثيرة، ليس "نبع السلام" أهمها، ولا آخرها أيضاً؛ فمنذ المقدمات الأولى للهجوم التركي، كان العنوان الأبرز هو إدامة الصراع في سوريا، وخلق بدائل جديدة لتثوير المجال العسكري أولاً، في سياق أهداف أمريكية وتركية مشتركة، والسياسي ثانياً؛ في إطار العمل على خلق أرضية وقاعدة يمكن البناء عليها لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، واستكمال شرعية النظام السوري التي تشوّهت بفعل أعوام الحرب والثورة.
يشكّل الأكراد العنوان الواضح والمباشر الذي يتمسك به الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتسويق حملته داخل تركيا، كما يشكّل "داعش" و"قسد" ومجابهتهما وإنهاء وجودهما من أجل حماية الشعب السوري، العنوان الموازي لتسويق الحملة التركية خارجياً، خاصة في المجال العربي، الأمر الذي أفرز تعاطفاً وقبولاً عربيَّين على المستوى الشعبي، وليس الرسمي، للعملية، بغضّ النظر عن أهدافها المسكوت عنها.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
بدأت الولايات المتحدة راضية عن العملية التركية وسياقاتها، وانتهت، أو وصلت، إلى محاولة التنصّل منها ووقفها، بالطرق الدبلوماسية حيناً، وحيناً آخر بالتلويح بالعقوبات الاقتصادية، إلا أنّ اطمئنان تركيا، ومستوى عدم الاكتراث الذي يظهره الرئيس التركي أردوغان، يحيلان إلى بوادر شكّ في اللعبة العسكرية المنسوجة بعناية بين تركيا وأمريكا؛ حيث تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية من الشمال السوري باتجاه الحدود العراقية، في الأثناء تعلن تركيا، على لسان رئيسها، أنّها ملتزمة من خلال عملية "نبع السلام" بإرساء الأمن من منطقة منبج، وصولاً إلى الحدود العراقية.

أعوام القطيعة العربية مع النظام السوري كانت تحتاج حتى تنتهي لعامل خارجي قوي مثل تركيا بتهديدها للسيادة السورية

وفي سياق هذه المجريات العسكرية، تدخل قوات النظام السوري إلى العناوين البارزة للعملية؛ فمن جهة ينظر إليها الأكراد باعتبارها ورقة حماية لهم، عبر اتفاق مشترك بين "قسد" وقوات النظام السوري؛ حيث قالت "قسد" في بيان لها: "تمّ الاتفاق مع الحكومة السورية لمنع وصدّ الاعتداء التركي، بدخول الجيش السوري والانتشار على طول الحدود السورية التركية، لمؤازرتها"، مضيفة أنّ "هذا الاتفاق يتيح الفرصة لتحرير باقي الأراضي والمدن السورية المحتلة من قبل الجيش التركي"، لكن ثمّة من يرى من الخبراء العسكريين أنّ ما تسمى "المواجهة المحتملة بين قوات النظام السوري والقوات التركية" غير واردة، ومستبعدة جداً، ولا يمكن الركون لها في قراءة تحولات ومآلات العملية التركية.
وبعد كلّ ذلك..

اقرأ أيضاً: هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟
مع إصرار أردوغان على رفض الحديث والتفاوض بشأن وقف العملية، واكتفاء أمريكا بالتلويح بعقوبات اقتصادية غير مقنعة تركياً، ومع دخول قوات النظام إلى المشهد برعاية روسية؛ حيث رافق جنود روس القوات السورية التي تصل إلى الشمال الشرقي السوري، للمرة الأولى منذ عام 2012، ومع دعوة بوتين لأردوغان لزيارة روسيا، في ظلّ حديث علني عن وثيقة تفاهم عنوانها "اتفاق سيطرة" على المنطقة بين القوات الكردية وقوات النظام السوري واستبعاد الجيش التركي، مع كلّ ذلك؛ فإنّ مكاسب سوريا كنظام وقوات عسكرية تنمو بشكل لافت.

هذه المكاسب بدأت تظهر بشكل جليّ من خلال رفع رصيد الجيش السوري وإذابة الجليد بينه وبين قوات الأكراد

هذه المكاسب بدأت تظهر بشكل جليّ من خلال رفع رصيد جيش النظام السوري وإذابة الجليد بينه وبين قوات الأكراد، ومشاركته في السيطرة بعد انقطاع دام أكثر من سبعة أعوام، واعتراف تركيا على لسان أردوغان بأنّ دخول قوات النظام لا يشكل تطوراً سلبياً بالنسبة إليها، قائلاً: "إنّها بلادهم". وأيضاً تبدو منافع العملية العسكرية التركية في محاولة ترميم السيادة السورية كنظام، مدفوعة بجهد عربي ودولي لإعادة النظام السوري بقيادة بشار الأسد للجامعة العربية.
أعوام القطيعة العربية مع نظام بشار الأسد، كانت تحتاج حتى تنتهي لعامل خارجي قوي، مثل تركيا بتهديدها للسيادة السورية، التي هي جزء من السيادة العربية في الأرض العربية.
أخيراً؛ لا أزعم أنّ هذه القراءة صحيحة للهجوم التركي، لكنّها قراءة في سياق قراءات متعددة للمشهد وتطوراته وأهدافه المعلنة والمخفية، أمريكياً وتركياً، على وجه التحديد، بالنهاية مهما طالت عملية "نبع السلام"، لن تبيد تركيا الأكراد، ولن تنهي وجودهم، ولن تستطيع أن تمكث زمناً طويلاً في الأراضي السورية، ما يجعل السؤال حول خسارات تركيا مجدياً أكثر من السؤال عن مكاسبها.

للمشاركة:

لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟

2019-10-20

لا يكاد الإرهاب يهدأ قليلاً في منطقة الساحل الأفريقي إلا ليضرب من جديد، في دورة دموية تضاعف معاناة الساكنة وتزيد في هشاشة بنيات الدولة وتعزز رصيد عدم الاستقرار. ففي آخر الشهر الماضي استهدفت الجماعات الإرهابية المسلحة معسكرين تابعين للجيش المالي في منطقتي بولكيسي وموندورو وسط البلاد على الحدود مع بوركينا فاسو، التي تعاني هي الأخرى من جراء المواجهة مع الجماعات المتطرفة، في عمليتين متتابعتين خلّفتا 25 قتيلاً في صفوف الجيش و60 من المفقودين، كما قتل في العمليتين 15 من أفراد الجماعات المسلحة المهاجمة، في أكبر عملية إرهابية من نوعها تشهدها البلاد منذ بدء المواجهة المسلحة مع الجماعات الإرهابية عام 2012، عندما زحف المقاتلون المسلحون على جنوب مالي متأهبين لدخول العاصمة باماكو، قبل أن تتدخل القوات الفرنسية لإجلائهم.

الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي لم يعد مشكلة إقليمية فحسب بل تحول إلى أزمة عالمية

العمليتان، اللتان يبدو أنّه تم التخطيط لهما بإحكام وعلى مدى فترة طويلة من التحضير والرصد والمتابعة، حصلتا أياماً قليلة بعد القمة الاستثنائية لبلدان منطقة غرب أفريقيا التي احتضنتها بوركينا فاسو، وأطلقت مخططاً عسكرياً واسعاً من أجل ملاحقة وتفكيك الجماعات الإرهابية المسلحة، وهو ما أعطى الانطباع بأنّ المنفذين كانوا يريدون توجيه رسالة مفادها أنّ المخططات الحكومية المعدة لمواجهة المسلحين باءت بالفشل. وقد عزز من ذلك الانطباع أنّ الجنود الذين لقوا مصرعهم وزملاءهم المفقودين ينتمون إلى البلدان الخمسة المشكلة لما يسمى "مجموعة الخمسة"، المتكونة من مالي والنيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد، وهي مجموعة أنشئت عام 2015 بإيعاز من الحكومة الفرنسية لتعويض قواتها المرابطة في المنطقة والتي تحمل اسم "بارخان"، لكنها تشكو من الفقر اللوجستي وغياب منظومة دفاعية مشتركة قوية وعدم تلقي أفراد جيشها لتدريبات عسكرية كافية، بالنظر إلى غياب الخبرة في مجال مكافحة الإرهاب، كون الظاهرة الإرهابية جديدة على بلدان المنطقة وتتطلب تدريباً على خوض حروب تختلف عن الحروب النظامية الكلاسيكية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟
لكن الضربة الأخيرة التي تلقتها مالي وضعت حكومة الرئيس إبراهيم أبي بكر كيتا، على المحك، أمام الماليين، في الوقت الذي أعلنت الحكومة الحداد لمدة ثلاثة أيام؛ فالرجل تم انتخابه بشبه إجماع عام 2013، بعد أقل من سنة على هجوم الجماعات المسلحة على جنوب ووسط البلاد وتهديد العاصمة باماكو، وتعهد بالقضاء على العنف والإرهاب، لكن مرور قرابة خمس سنوات على وجوده في السلطة زاد من تعميق الأزمة بدل حلّها، وهو ما دفع ذوي الضحايا والمفقودين من الجنود إلى التظاهر في العاصمة احتجاجاً على حكومته بعد يوم واحد من وقوع العمليتين الإرهابيتين، مطالبين بكشف الحقيقة وبمعلومات عن الجنود المفقودين، وكذا بتمكين أفراد الجيش بالمعدات والإمكانيات اللازمة من أجل عدم تكرار ما حصل.

تعد جماعة "نصرة الإسلام" التي أنشئت عام 2017 من عدة كيانات مسلحة من أخطر الجماعات الإرهابية بالمنطقة وخاصة بجنوب مالي

بيد أنّ حصيلة العمليتين ارتفعت خلال يومين؛ حيث ارتفع عدد القتلى من الجنود إلى 38، وأعلن وزير الدفاع المالي عن العثور على 33 من الجنود المفقودين على قيد الحياة، فيما لا يزال مصير الآخرين مجهولاً. وأعلنت فرنسا، من خلال قوات بارخان الموجودة في المنطقة، عن مشاركتها في تعقب منفذي العمليتين وتعزيز القوات العسكرية التابعة للبلدان الخمسة بهدف القضاء على الجماعات المسلحة.
وتشير أصابع الاتهام إلى "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي تعد اليوم أخطر الجماعات الإرهابية في المنطقة وبالأخص في جنوب مالي، أنشئت عام 2017 من عدة كيانات مسلحة في المنطقة هي جماعة أنصار الدين بزعامة المالي إياد أغ غالي، الذي يعد أخطر المطلوبين دولياً، وجماعة "المرابطون" بزعامة الجزائري مختار بلمختار، و"إمارة الصحراء" التي تعد فرعاً عن تنظيم القاعدة في منطقة الغرب الإسلامي. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت تلك الجماعة في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية الدولية، في أعقاب العملية التي نفذتها في واغادوغو ببوركينا فاسو في آذار (مارس) من العام نفسه.

اقرأ أيضاً: هل تحرّرت مستعمرات جنوب أفريقيا من الاحتلال فعلاً؟
والواضح أنّ الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي لم يعد مشكلة إقليمية فحسب؛ بل تحول إلى أزمة عالمية؛ حيث صرّح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، مؤخراً، في لقاء حول المعضلة الأمنية في منطقة الساحل على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، بأنّ المنتظم الدولي مهدد "بفقدان المبادرة في مواجهة العنف والإرهاب"، كما أشار إلى أنّه في الفترة ما بين 2012 و 2018 تضاعف عدد ضحايا الإرهاب من المدنيين في بلدان "مجموعة الخمسة" أربع مرات.

للمشاركة:

هل يدرك النظام العربي الرسمي أنّ سوريا أصبحت قضية دولية؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2019-10-17

اتّخذ العرب في اجتماع وزراء خارجيتهم الطارئ بالقاهرة، السبت الماضي، موقفاً يدين الاجتياح التركي لشمال شرق سوريا، رغم تحفّظ دولة قطر وحكومات طرابلس الليبية ومقديشو الصومالية "منقوصتي" السيادة، وهو ما طرح تساؤلات حول مرجعية الموقف العربي من الاجتياح التركي، فيما إذا كان يعود بالأصل للوقوف إلى جانب الدولة السورية، أم هو في إطار الخصومة والنزاع مع القيادة التركية، خاصة أنّ الحكومات الثلاث التي تحفظت على الإدانة ترتبط بعلاقات تحالفية مع القيادة التركية ومشروعها، فيما غالبية الدول التي طالبت بإدانة الاجتياح التركي على خصومة مع تركيا، وتحديداً؛ القاهرة، الرياض، وأبوظبي.

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!

وعلى أهمية الموقف العربي تجاه الاجتياح التركي، إلا أنّه عكس حقيقة ضعف النظام العربي الرسمي، الذي جمّد عضوية سوريا بالجامعة العربية ومؤسساتها، وغاب عملياً عن سوريا التي تولت "روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا" التعامل مع قضيتها، بكافة أبعادها؛ الداخلية والخارجية، من خلال صيغتَي: أستانا وسوتشي، ومناطق خفض التوتر، في مناطق مختلفة من سوريا، فيما تمت عرقلة انفتاح بعض الحكومات العربية على الدولة السورية، بعد التوقف عن رفع شعار "إسقاط النظام السوري" من قبل الفاعلين الدوليين، وليس من قبل النظام الرسمي العربي.

موقف الجامعة العربية جاء كفزعة متأخرة تجاه سوريا متجاوزاً الحقائق والتوافقات الدولية التي أكّدت أنّ الغزو جاء في إطار صفقة

ومن اللافت للنظر؛ أنّ موقف الجامعة العربية جاء في سياقات "الفزعة" العربية، وربما المتأخرة تجاه سوريا، متجاوزاً الحقائق السياسية والتوافقات الدولية، تحديداً بين روسيا والولايات المتحدة، التي أكّدت أنّ هذا الاجتياح جاء في إطار صفقة، عبرت عنها عدة تطورات لاحقة، أبرزها الفيتو الروسي الأمريكي تجاه إدانة تركيا في مجلس الأمن، وانسحاب القوات الأمريكية من مناطق شرق الفرات، والاتفاق بين الأكراد والحكومة السورية على تسلّم الجيش السوري العديد من المناطق، وحتى القتال إلى جانب الجيش السوري لتأمين المناطق الحدودية مع تركيا، ومحاولات ترتيب نقل كوادر داعش من سوريا إلى العراق، بتنسيق بين دول الاتحاد الأوروبي مع الحكومة العراقية، لحرمان أردوغان من استخدام داعش كورقة "ابتزاز" ضدّ الدول الأوروبية، وما يتردد حول وساطة روسية لإطلاق مباحثات مباشرة بين القيادتين؛ السورية والتركية، خاصة أنّ تركيا أعلنت أنّها "أخطرت" قنصلية الجمهورية العربية السورية في إسطنبول بالعملية، وهو ما يفسّر الموقف السوري، الأقلّ حدّة و"صراخاً"، من موقف الجامعة العربية.

اقرأ أيضاً: هذه أبرز ردود الفعل على العدوان التركي على سوريا.. ما موقف قطر؟

على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب بالقاهرة؛ تمّ طرح إعادة سوريا الى الجامعة العربية، لتسويغ قرار الوقوف إلى جانب سوريا ضدّ الاجتياح التركي، في الوقت الذي لا تشارك فيه سوريا بالجامعة العربية، وهو ما يطرح تساؤلات حول حاجة سوريا إلى هذا الإطار، بعد أن أصبحت جزءاً من "لعبة" دولية تشترك فيها قوى دولية كبرى كالولايات المتحدة وروسيا، وإقليمية كإيران وتركيا وإسرائيل، وغياب أيّ دور عربي رسمي، باستثناء ما يتردّد في أوساط السلطات السورية عن أنّ هذا الدور كان تخريبياً، وتحديداً في تسهيل مهمة "الإرهابيين" وتقديم الدعم لهم في سوريا.

النظام العربي الرسمي غاب عملياً عن سوريا التي تولت روسيا بالتعاون مع إيران وتركيا التعامل مع قضيتها بأبعادها الداخلية والخارجية

من المرجح أنّ هناك اتفاقاً، على الأقل، بين بوتين وأردوغان، وباطلاع الرئيس ترامب، على حدود عملية "نبع السلام" ومدتها، والتي بدأت تتضح أهدافها بإقامة المنطقة الآمنة بالنسبة إلى تركيا، وإنهاء قضية اللجوء السوري في تركيا، وخفض مستوى تهديد الفصائل الكردية، وبسط سيادة الدولة السورية على أراضيها شرق الفرات، في إطار الفيدرالية التي تطرحها روسيا، والمتوقَّع أن تتم ترجمتها في الدستور الجديد الذي يتوقع أن تنجزه اللجنة الدستورية التي تمّ الاتفاق على تشكيلها بين موسكو وأنقرة وطهران، والمفترض أن تباشر اجتماعاتها في إطار الأمم المتحدة قريباً، وربما بعد الانتهاء من الملف "العسكري" الأخير في سوريا وهو ملف إدلب، والذي ستنفذ فيه تركيا "تعهداتها" بالمساهمة بالقضاء على الفصائل الإرهابية، على غرار ما تمّ في شرق الفرات.

اقرأ أيضاً: من المستفيد من الغزو التركي لسوريا؟

يجب أن نعترف اليوم؛ بأنّ الهامش المتاح للنظام العربي الرسمي ليكون لاعباً فاعلاً في الملف السوري محدود جداً، وأنّ هذا الدور، بأفضل حالاته، لا يمكن أن يتجاوز الانحياز لرؤية روسية أو أمريكية، وأن يعمل من خلالها فقط، خاصة الرؤية الروسية صاحبة القوة والفعل والتأثير الأكبر في كافة ملفات القضية السورية، وأنّ طرح شروط لإعادة سوريا للجامعة العربية والنظام الرسمي العربي، بإخراج إيران من سوريا، أو خروج تركيا، لم تعد مقبولة، خاصّة أنّ النظام العربي الرسمي ليس بموقع من يفرض الشروط؛ فموسكو وطهران وأنقرة، إلى جانب القوى الدولية الأخرى، هي التي تقرر اليوم مستقبل دمشق، وشكل ومضمون نظامها السياسي الجديد، والمرجح أنّه سيفضي لإنتاج سوريا جديدة، تتجاوز "مربعات وخنادق" أوساط في النظام السوري وأوساط بالمعارضة السورية، تعتقد أنّ بإمكان سوريا المضي قدماً، واستئناف الحياة بما كانت عليه الأوضاع  قبل عام 2011.

 

 

للمشاركة:



فرنسا: مطالبات بتعليق عضوية تركيا في الناتو وفرض عقوبات عليها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

طالب 59 برلمانياً فرنسياً، من 8 مجموعات سياسية، الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بدء فرض عقوبات على تركيا، والتحرك من أجل تعليق عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وحثّ البرلمانيون الفرنسيون الرئيس ماكرون على فرض عقوبات على تركيا، على خلفية عدوانها على شمال سوريا، وبذل كافة الجهود من أجل مساعدة "الحلفاء الأكراد"، وفق "فرانس برس".

برلمانيون فرنسيون يطالبون ماكرون ببدء فرض عقوبات على تركيا على خلفية عدوانها على سوريا

وقال البرلمانيون في بيان مشترك: "نحن منزعجون بشدة من الصمت أمام هذه الهجمات التي يشنّها الجيش التركي على أكراد سوريا، وذاك الاحتلال الذي ينتهك الحقوق الدولية للديمقراطيات الغربية، ويدفع المنطقة للمزيد من الاضطرابات، ندعو أوروبا للتحرك بشكل عاجل من أجل اتخاذ التدابير اللازمة ضدّ تركيا".

وسرد البيان مجموعة من الطلبات اللازم اتخاذها، على رأسها وقف العداون التركية على سوريا فوراً، وحماية حلفائنا الأكراد الذين قدموا تضحيات كبيرة في المواجهة مع داعش.

كما أكّد البرلمانيون على ضرورة وقف كافة المفاوضات مع أنقرة المتعلقة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقطع جميع المساعدات المالية عن أنقرة، مطالبين بتوقيع عقوبات على تركيا مشابهة بالعقوبات الاقتصادية الموقعة على خلفية ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم.

وأيضاً، طالبوا بتعليق عضوية تركيا في حلف الناتو؛ بسبب تهديدها للأمن المشترك للدول الإفريقية.

 

للمشاركة:

تركيا وميليشياتها ينتهكون اتفاق وقف إطلاق النار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

انتهكت القوات التركية والميليشيات الموالية لها اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث تجدّدت الاشتباكات في بلدة رأس العين السورية، بعد هجوم مسلّح شنّته على موقع وحدات حماية الشعب الكردية.

ومن جهة أخرى، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اليوم: إنّ بلاده ستناقش مع روسيا إخراج مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية من مدينتَي منبج وكوباني شمال سوريا، خلال محادثات في سوتشي، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

القوات التركية والميليشيات الموالية لها يشنّون هجوماً على وحدات حماية الشعب الكردية

وسيسافر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى سوتشي، بعد غد، لإجراء محادثات طارئة مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتن.

وصرّح جاويش أوغلو، خلال مقابلة مع قناة "كانال 7"؛ بأنّ "تركيا تتوقع إخراج وحدات حماية الشعب من المناطق التي انتشرت فيها القوات الحكومية السورية المدعومة من موسكو في شمال سوريا".

وأضاف: "تركيا لا تريد أن ترى أيّ مسلّح كردي في المنطقة الآمنة بسوريا، بعد هدنة الأيام الخمسة".

وشنّت تركيا عملية عبر الحدود ضدّ وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا، في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بعد أن قرّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من موقَعين في المنطقة، في خطوة قوبلت بانتقاد دولي شديد.

بدورها، اتّهمت منظمة العفو الدولية، الأول من أمس، القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها بارتكاب "جرائم حرب" في هجومها ضدّ المقاتلين الأكراد، شمال شرق سوريا.

وذكرت المنظمة في تقرير لها؛ أنّ "القوات التركية وتحالف المجموعات المسلحة المدعومة من قبلها أظهرا تجاهلاً مخزياً لحياة المدنيين، عبر انتهاكات جدية وجرائم حرب بينها عمليات قتل بإجراءات موجزة وهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين".

 

للمشاركة:

الحوثيون يستعدون لمهاجمة جيزان السعودية..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشف قیادي حوثي كبیر اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل، مخصصة للاقتحامات، لشنّ ھجوم على محافظة جیزان السعودية .

قیادي حوثي يكشف اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل لشنّ ھجوم على جیزان

وقال القیادي، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، في تصريح نقله موقع "المشھد" الیمني، أمس: إنّ "الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر، بخبرات إیرانیة ولبنانیة ویمنیة، وإنّھا ستكون ناجحة، بحسب المصدر، نظراً للظروف الطبیعیة المواتیة والتي تتشابه مع الظروف البیئیة للمقاتلین الحوثیین والمنحدرین في الغالب من المناطق الجبلیة" .

وأكّد المصدر عجز عناصر الميلیشیا الحوثیة الإرهابية عن الھجوم على المناطق الصحراویة والساحلیة، وھو ما كبّدها خسائر فادحة، خاصّة بسبب عدم وجود جیوب ومخابئ من طیران الأباتشي، وعدم وجود غطاء جوي لها .

وأوضح المصدر؛ أنّ "الھدف من ھذه العملیة ھو الضغط على السعودية للاعتراف

بالميلیشیا كأمر واقع، رغم ما تشكّله من خطر على جمیع الأنظمة العربیة، بتبعیتھا لنظام الملالي في إیران" .

الحوثي: الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر بخبرات إیرانیة ولبنانیة لشنّ الهجوم

الجدیر بالذكر؛ أنّ المصدر كشف أیضاً تكبّد الحوثيين خسائر بشریة كبیرة، خلال الشھرین الماضیَین، خاصة في جبھتَي الضالع والساحل الغربي.

من جانبها، تمكّنت القوات السعودية من صدّ محاولات اقتحام متعددة قامت بها ميليشيات الحوثي الإرهابية في المناطق الحدودية، وألحقت بالميليشيات خسائر، بشرية ومادية، كثيرة.

 

للمشاركة:



تقرير: تهم فساد جديدة تلاحق الخليفي حول استضافة مونديال 2022

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشف تقرير صحافي تفاصيل مثيرة حول كيفية تسهيل حصول قطر علي تنظيم كأس العالم من خلال رشوة أحد كبار مسؤولي الفيفا السابقين، وهو جيروم فالكي، قدمها له ناصر الخليفي رئيس قنوات بي إن سبورتس.

وأوضح التقرير الذي نشرته صحيفة «ميديا بارت» الفرنسية، وتضمن وثائق سرية، كيف نظم ناصر الخليفي، تمويل فيلا فاخرة لفالكي، وفي الوقت نفسه قام بتوقيع عقد نقل تلفزيوني سخي مع الاتحاد الدولي في وقتٍ كان فيه منح تنظيم كأس العالم لقطر مهدَّداً.

وسرد الكاتب يان فيليبَن، معد التقرير، أنه بعد مرور عامين منذ أن وجّه الادعاء الفيدرالي السويسري تهمة «الفساد الخاص» إلى ناصر الخليفي وجيروم فالكي، تشتبه الوزارة العامة للكونفدرالية (الجهاز المعني بالتحقيق والاتهام في سويسرا) في أن يكون ناصر الخليفي رئيس «بي إن سبورت» قد قام بتمويل فيلا الأمين العام السابق بالاتحاد الدولي إذ إنه «مرتبط» بعقد آخر وقّعه الاثنان في نفس الوقت، وهو عقد شراء حقوق النقل التلفزيوني لكأس العالم من قِبل «بي إن» مقابل 480 مليون دولار.

وتُظهر وثيقة سويسرية أن مالك قنوات بي إن سبورت هو من قدّم الفيلا في البداية إلى فالكي، واشتراها ناصر الخليفي في النهاية بواسطة شركة مسجلة في قطر، ثم أعاد بيعها إلى أحد أصدقائه الذي قام بتأجيرها على الأمين العام للاتحاد الدولي لكرة القدم بشروط غير اعتيادية.

ويكشف التحقيق الذي نشرته الصحيفة الفرنسية، أيضا عن وجود صلة محتملة بتنظيم كأس العالم 2022 في قطر، والذي يخضع إلى التحقيق القضائي بتهمة الفساد في فرنسا، وسويسرا، والولايات المتحدة.

ويتهم المحققون الفرنسيون ناصر الخليفي باقتراحه قبل التصويت عقدا على الفيفا بشراء «بي إن سبورت» حقوق النقل التلفزيوني لبطولة العالم مقابل 300 مليون دولار، بالإضافة إلى مكافأة قدرها 100 مليون دولار في حال فازت قطر بتنظيم نسخة.

فيلا «بيانكا»

كان جيروم فالكي، وفق التقرير، يحلم بإرساء يخته في بورتو سيرفو، وهي قرية غنية للغاية تقع شمال شرقي سردينيا، حيث تقع فيلا سيلفيو بيرلوسكوني في الجوار، والتي تقع داخل منطقة فخمة بمساحة 438 مترا مربعا، تتضمّن 13 غرفة وحمام سباحة.

في الثالث عشر من أغسطس (آب) 2013، وقّع فالكي عرض شراء الفيلا بـ5 ملايين يورو، وتم قبوله في بداية شهر سبتمبر (أيلول). وكَتَبَ في ذلك المساء لأحد المقربين منه «تم تأكيد شراء المنزل الليلة، أنا أملك عقاراً في بورتو سيرفو!».

تمت صياغة وثيقة البيع بتاريخ 8 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو اليوم المقرر للتوقيع، قامت أورنيلا زوجة جيروم فالكي (انفصلا بعد ذلك) بالتوقيع كمشترية، لأنها تحمل الجنسية الإيطالية، وفقاً لمحاميها.

في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، أي قبل أسبوع من التوقيع، كتب فالكي وثيقة موجهة إلى ناصر الخليفي وهي عبارة عن تعليمات من أجل شراء الفيلا «التي يبدو أنه قد سلمها» إلى رئيس نادي باريس سان جيرمان وقنوات بي إن سبورت، كما دوّن ذلك الادعاء الفيدرالي السويسري في مذكرة موجزة، جاء فيها: «عليك توقيع التوكيل الخاص، لمنح المحامي تفويضاً من أجل توقيع وثيقة البيع نيابة عنك، لستَ بحاجة إلى توقيعه، اطلع عليه فقط، كل شيء على ما يرام»، وأضاف: «يجب إجراء حوالة بمبلغ 5.070.000 يورو في مطلع الأسبوع القادم إلى حساب كاتب العدل. ويجب أيضاً إجراء حوالة بمبلغ 200 ألف يورو إلى حساب لتغطية الرسوم الإدارية للوكالة».

ولكن وفي اللحظة الأخيرة تم إلغاء البيع لزوجة جيروم فالكي، وتم استبداله من خلال أسلوب أكثر سرية، وأقل خطورة.

وفي 31 ديسمبر (كانون الأول) 2013 اشترى ناصر الخليفي الفيلا من خلال «Golden Homes real Estate» وهي شركة قطرية يملكها الخليفي أقرضها 5 ملايين يورو.

بعد ذلك قام بنقل أسهم الشركة إلى صديق يعرفه منذ 15 عاما والذي بدوره سدد القرض وقام بتأجير الفيلا لفالكي، صديق الخليفي هو رجل قانون فرنسي مقيم في قطر اسمه «عبد القادر بصديق»، يعمل أخوه أحمد في بي إن سبورت وهو مستشار مقرب لناصر.

ولم يستأجر فالكي الفيلا مباشرة، بل من خلال شركته الخارجية (Umbelina) الموجودة في جزر فيرغن البريطانية.

ويُعتبر عقد الإيجار، الذي كشفت عنه صحيفة «لوموند» الفرنسية، غير طبيعي على أقل تقدير، حيث تم التوقيع عليه في الأول من يوليو (تموز) 2014 بعد ثلاثة أشهر من سكن فالكي، وتبلغ قيمة الإيجار 96000 يورو في السنة، ولكن يمكن لجيروم أن يخصم منه تكاليف تشغيل الفيلا وشراء الأثاث الجديد كذلك.

حقوق بث مونديالي 2026 و2030

يشتبه ممثلو الادعاء العام الفيدرالي السويسري بوجود واقعة فساد أخرى يشترك فيها فالكي والخليفي، وهو شراء «بي إن سبورت» لحقوق البث التلفزيوني لبطولتي كأس العالم 2026 و2030 مقابل 480 مليون دولار.

وتكشف وثائق سرية من تسريبات كرة القدم (Football Leaks) حيث ذكرت الوثيقة أنه في 30 أغسطس 2013، وقّع فالكي على عرض شراء فيلا بيانكا، وفي سبتمبر سافر إلى الدوحة على متن طائرة خاصة مستأجرة من قبل الفيفا بأكثر من 100000 يورو، من أجل «اجتماع عمل» مع أمير قطر شخصياً.

بعد شهر ونصف الشهر من ذلك، قام الفيفا في نوفمبر 2013، بصياغة عقد لبيع حقوق البث التلفزيوني في الشرق الأوسط لمونديالي 2026 و2030 لـBeIN Sports مقابل 480 مليون دولار. وزف جيروم فالكي الخبر السار للجنة المالية للفيفا في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) قائلا: «تجري مناقشات» مع BeIN Sports حالياً، لزيادة كبيرة في مبلغ الحقوق.

وأشار محامو الفيفا الذين راجعوا مسودة العقد في أواخر نوفمبر، أن الفيفا لم تطرح أي مناقصة، وأنه من غير المعتاد توقيع مثل هذه العقود مُقدّماً قبل أكثر من عشر سنوات، وأضافا أن حقوق البث التلفزيوني بشكل عام تكون ذات قيمة أفضل عندما يتم مفاوضتها في تاريخ أقرب إلى الحدث.

كشفت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، أن الصفقة بلغت 300 مليون دولار للمونديالين، بالإضافة إلى 100 مليون دولار كمكافأة إذا حصلت قطر على تنظيم نسخة 2022، وليس لهذه المكافأة وجود بالنسبة لنسختي 2026 و2030، لذا وافقت BeIN Sport على دفع سعر أساسي قدره 480 مليون يورو بدلاً من 300، أي 60 في المائة أكثر من العقد السابق.

وقال فالكي من خلال محاميه، إنه «لم تكن هناك أي مفاوضات، ناهيك عن اتفاقٍ مُسبق بين قطر وBeIN». وأضاف أنه كان على «علم» بالمناقشات مع القناة القطرية، ولكن لم يكن له أي تأثير «لا على المفاوضات ولا على القرارات». ويُؤكّد أنه لم يتحدث عن هذا العقد مطلقاً في اجتماعات عمله في الدوحة.

يكشف التقرير أيضا أنه في فبراير (شباط) 2015 خلال إحدى الرحلات إلى الدوحة، تلقى ساعة كارتييه (Cartier) بقيمة 40 ألف يورو. وأوضح محامو ناصر الخليفي لـ«لوباريزيان» أن موكلهم ليس له صلة بهذه الهدية، المقدَّمة بمبادرة من دائرة المراسم في قطر. يقول فالكي إنه «لا يعرف» من الذي قدّم له هذه الساعة التي «وُضِعَت في غرفته بالفندق».

وفي سبتمبر 2015، تم إيقاف جيروم فالكي من قبل الفيفا. ووفقاً للتقرير، توقّف عن استئجار الفيلا في نفس العام.

ومن جانبه، نقل عبد القادر بصديق، صديق ناصر الخليفي، في مارس (آذار) 2017 شركة غولدن هوم، مالكة فيلا بيانكا، من قطر إلى إيطاليا. وبعد رحيل جيروم فالكي، تم تأجيرها لسياح أثرياء. ولكن المسكن الأبيض ظل فارغاً منذ عامين، ولا يزال قيد الحجز القضائي.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"أتيب".. ذراع أردوغان لنشر التطرف في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

حسام حسن

داخل مبنى من طابقين في الحي العاشر بالعاصمة النمساوية فيينا، يتنقل أتراك ووجوه عربية بين مطعم في الطابق الأرضي ومسجد ومركز ثقافي في الطابق الثاني، والحديث لا يتوقف عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وعمليته الأخيرة في سوريا.

وما أن تطأ قدم الزائر هذا المقر التابع للاتحاد الإسلامي التركي في النمسا "أتيب"، تجد نفسك في مجتمع منفصل تماما، لا يحمل من البلد المضيف أي ملامح، ولا يستخدم لغته إلا في أضيق الحدود، لا سيما في المناقشات بين العرب والأتراك؛ حيث تدور في فلك أردوغان وحركاته التي يدعمها لتنشر التطرف في أوروبا لتحقيق أهدافه المشبوهة.

واستطاعت "العين الإخبارية" الوجود في هذا المكان على مدار يومين، خلال الأسبوع الماضي، أثناء سير العدوان العسكري على شمالي سوريا، لرصد ما يدور في هذا المكان الذي يثير قلق السلطات النمساوية، وهو ما دفع البرلمان قبل أسابيع لإصدار توصية بحظر منظمة "أتيب".

وأمام أجهزة التلفاز في الطابق الأرضي، جلس أتراك وعرب يتناولون طعاما غير مجاني، بل يفوق سعره (٧ يوروهات ونصف اليورو) عن مطاعم كثيرة في فيينا، ويتابعون سير العدوان على سوريا.

وتجاذب المشاهدون أطراف الحديث، فقال شخص مصري بألمانية ركيكة "أردوغان يعمل على تحقيق مصالح بلاده، ويعي جيدا ماذا يفعل"، وتبعها بالعربية "اللهم انصره"، لكن الأغرب كان تأييد شاب سوري لهذه الكلمات بـ"ليت كل حكامنا مثله"، رغم أنه يغزو بلاده.

وفي جنبات المكان، كان شيوخ وشبان أتراك يتابعون التلفاز، ويتحدثون باللغة التركية.

وتحدثت "العين الإخبارية" مع عرب كانوا موجودين في المكان، وكان جميعهم من مؤيدي أردوغان، وينتمون لجماعة متطرفة يدعهما أردوغان، ويرددون ما يسمعونه من الأتراك الموجودين حولهم.

وقال رجل مصري الأصل لكنه يحمل الجنسية النمساوية، يدعى "علي" إن أتيب "توفر مكانا للصلاة، والطعام، والمناقشات بين المسلمين في النمسا".

وتابع: "تناولت خطبة الجمعة الأسبوع الماضي عمليات الجيش التركي في سوريا، ودعا الخطيب للجيش بالنصر".

ويمتلك اتحاد "أتيب" 64 مقرا ومسجدا في عموم النمسا، بينها 5 مقرات كبيرة في فيينا، فضلا عن 100 ألف شخص ينضوون تحته.

وتعمل "أتيب" كمظلة تضم منظمات وأندية ثقافية ومساجد في الأراضي النمساوية، وتهدف لترسيخ الثقافة ونمط الحياة التركي على المجتمع، ونشر أفكارها الدينية المتطرفة، حسب صحيفة كورير النمساوية الخاصة.

ووفق صحيفة كورير، فإن "أتيب" تعد ذراع أردوغان الطولى في النمسا، وتتلقى تمويلا لأنشطتها ورواتب أئمتها من مديرية الشؤون الدينية التركية "حكومية"، وتخضع لتأثير مباشر من النظام التركي وحزب العدالة والتنمية.

ولفتت الصحيفة إلى أن "أتيب" ملاذ للإسلاميين في النمسا، ومفرغة لمؤيدي التنظيمات المتطرفة التي يدعمها أردوغان.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاتحاد يمارس أنشطة تجسس على المعارضين الأتراك في النمسا لصالح وزارة الداخلية التركية.

وفي ربيع 2018، أثارت محاكاة أطفال لأحد المعارك العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في أحد المساجد التابعة لـ"أتيب" في فيينا، أزمة كبيرة مع الحكومة النمساوية التي اتهمت الاتحاد بـ"انتهاك حقوق الأطفال"، و"خلق مجتمع موازٍ" في البلاد، وفق صحيفة كرونة النمساوية الخاصة.

ووصفت الخبيرة الألمانية في شؤون الإسلام السياسي، سوزان شروتر، أتيب، في تصريحات لصحيفة تاجس بوست الألمانية، بأنها "منظمة وريثة لتنظيم الذئاب الرمادية المتطرف، وقريبة من الإخوان".

وفي سبتمبر الماضي، أصدر البرلمان النمساوي توصية للحكومة بحظر جمعية "أتيب". وقالت صحيفة "أوسترايش" النمساوية إن "قائمة الآن، وكتلتي حزب الشعب "صاحب الأكثرية"، وحزب الحرية، نجحوا، في تمرير توصية للحكومة بحظر جمعية "أتيب" الإسلامية.

ووفق التقرير؛ فإن التوصية تطالب الحكومة بفحص ومراقبة كل المقرات التابعة لـ"أتيب" في النمسا.

وفي مارس الماضي، قال بيتر بيلتس، زعيم قائمة "الآن" في البرلمان في حوار مع وكالة الأنباء النمساوية الرسمية "إيه بي إيه" إن النظام السياسي في النمسا مخترق من الجماعات الإسلامية التركية والإخوان المسلمين. وتابع: "جمعية أتيب الإسلامية التركية والإخوان المسلمين هما الخطران الأساسيان".

بدوره، قال رودجر لولكر، الخبير في شؤون جماعات الإسلام السياسي، وأستاذ اللغات الشرقية في جامعة فيينا "حكومية" لـ"العين الإخبارية" إن أتيب تتحالف مع الإخوان في شبكة واحدة تعمل تحت لواء النظام التركي وتسعى لتحقيق مصالحه في النمسا وأوروبا بشكل عام.

وتابع: "من الطبيعي أن تتشابك العلاقات بين التنظيمين، وتوجد عناصر من الإخوان والإسلام السياسي بشكل عام، في مقرات أتيب"، مضيفا: "قائدهما واحد"، في إشارة إلى نظام أردوغان.

وبدأ الرئيس التركي عملية عسكرية في 9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري على الأراضي السورية استمرت أكثر من أسبوع، وتسببت في أزمة إنسانية جديدة بسوريا مع نزوح نحو 300 ألف مدني، إلى جانب مئات القتلى والجرحى أغلبهم من المدنيين.

وقوبل الهجوم التركي بعاصفة من الإدانات الإقليمية والدولية، كما أوقفت العديد من الدول الأوروبية تصدير الأسلحة إلى تركيا، على خلفية الهجوم الذي أدى إلى فرار العديد من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من مخيمات المنطقة.

وأسفر العدوان التركي، خلال الأسبوع الماضي، عن فرار 785 عنصرا من تنظيم داعش الإرهابي من الأجانب المعتقلين في مخيم عين عيسى.

عن "العين الإخبارية"

للمشاركة:

هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

نجاة السعيد

تسببت العمليات العسكرية المستمرة لتركيا في شمال سوريا، والتي أطلق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «منبع السلام»، في حالة من الفزع بين حلفائها في حلف «الناتو»، وفي ظل هذه الانتهاكات الخطيرة وجرائم الحرب، بما في ذلك القتل العمد والهجمات غير القانونية التي أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال العدوان على شمال شرق سوريا، تتزايد التساؤلات عما إذا كان بإمكان الحلف طرد تركيا؟ فقد وصف الرئيس الفرنسي العملية العسكرية التركية باعتبارها «ضرباً من الجنون»، محذراً من أنها قد تتسبب في فرار المتطرفين المحتجزين لدى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفي انبعاث «داعش» مجدداً. وبرأي الرئيس الفرنسي، فإن ما يحصل في شمال شرق سوريا «خطأ جسيم ارتكبه الغرب والحلف الأطلسي في المنطقة»، وأن إحدى نتائجه ستكون «إضعاف مصداقيتنا في إيجاد شركاء في المنطقة يثقون بنا، ويقاتلون إلى جانبنا، وهم متأكدون من حمايتنا الدائمة لهم».
كما أعلن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، الجمعة الماضي، «أنّ الاتحاد الأوروبي لن يقبل استخدام الرئيس التركي قضية اللاجئين للابتزاز»، داعياً في الوقت نفسه إلى وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري.
وقد ذهب آخرون أبعد من ذلك، فتوعد السناتور الأميركي ليندسي جراهام بـ«فرض عقوبات من الحزبين على تركيا إذا قامت بغزو سوريا»، وبـ«الدعوة إلى تعليق عضويتها من الناتو إذا هاجمت القوات الكردية التي ساعدت الولايات المتحدة في تدمير داعش». وقد اقترح النائب إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، على الولايات المتحدة أن تفكر في طرد تركيا من «الناتو». وفي 13 أكتوبر، كشف وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبير، أنه حذّر تركيا قبل توغلها في الأراضي السورية من مثل هذه العملية أو مواصلتها، إذ أن ذلك «سيضر بالعلاقات الأميركية التركية وببقاء تركيا في الناتو».
إلا أن سيناريو طرد تركيا من الحلف يقابل بتردد من بعض الأعضاء، بمن فيهم الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، الذي امتنع عن انتقاد الانتهاكات التركية في سوريا، واكتفى بالدعوة إلى وقف القتال، مشيراً إلى أن الحلف لا يلعب أي دور في سوريا، باستثناء المساعدة في تنفيذ عمليات استخباراتية، وتنظيم حركة الطيران فوقها.
إن هذا التردد يعود إلى عدة أسباب، أهمها أن تركيا تعد ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، ويسهم استمرار عضويتها في «الناتو» في احتواء الخلافات القديمة بينها واليونان. كما يعول «الناتو» بشكل ملموس على قاعدة إنجرليك كمنطلق أساسي لأنشطته في الشرق الأوسط، فضلاً عن وجود أسلحة نووية أميركية في ذلك الموقع العسكري الحساس، بالإضافة إلى أن تركيا تحظى بموقع جغرافي استراتيجي، وخاصة سيطرتها على مضيق البسفور، الممر المائي الوحيد من وإلى البحر الأسود.
ورغم أن المادة 3 من معاهدة شمال الأطلسي تلزم الأطراف بتطوير التحالف العسكري، فإن هذا الالتزام يهدف إلى متابعة أهداف المعاهدة، ومنها أن حلف «الناتو» ليس مجرد مجتمع مصالح، ولكنه أيضاً مجتمع قيم، وبالتالي فإن واجب تطوير القدرات العسكرية والتعاون لتحقيق هذه الغاية لا يلغي الالتزام بتعزيز مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون.
قد يبدو لبعض أعضاء حلف «الناتو» أن طرد عضو من الحلف يمثل إجراءً متطرفاً، لكن من الممكن تجميد العضوية لأنه لا العقوبات الاقتصادية ولا الهدنة، متمثلة في وقف إطلاق النار ستجدي نفعاً مع هذه العنجهية الخرقاء، متمثلة في انتهاكات الرئيس التركي، والتي يتعين كبحها وكبح المطامع العثمانية الجديدة معها، وليس تركيا كدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية