ما الذي يجمع بين توماس إديسون ومانديلا؟

ما الذي يجمع بين توماس إديسون ومانديلا؟

مشاهدة

07/12/2021

قرن أو أقل قليلاً يجمع بين حدثين وقعا في مثل هذا الأيام، وكلا الحدثين يشيران إلى معانٍ مشتركة: العزم والتصميم ومكافحة الهزيمة والاستسلام.

كلاهما؛ توماس إديسون ونيلسون مانديلا، صارا ملهمين للبشرية، لأنهما واصلا المسير باتجاه ما يعتقدانه صواباً؛ الأول فتح دروباً واسعة في العقل العلمي، وأهدى العالم الضوء والمعرفة، والثاني وهب زهرة عمره من أجل فكرة الحرية، فأخرج شعبه من ذل التمييز العنصري، إلى فضاء المساواة والعدالة والكرامة والاستقلال.

يروى عن إديسون الكثير من الحكايات، لا سيما محاولاته اختراع المصباح الكهربائي، التي وصل عددها إلى أكثر من 99 تجربة فاشلة، لكنه لم يطلق عليها تجارب فاشلة، ولكن تجارب لم تنجح!

لم أفشل

وقال: "أنا لم أفشل، أنا بكل بساطة وجدت 10000 طريقة لا تعمل."

وعلى الرغم من عدم نجاحه في عدد كبير جداً من المرات، لم ييأس إديسون، بل استمر في المحاولة، وبالفعل نجح في عام 1879 في إنارة المصباح الكهربائي، واستمرت الزجاجة مضيئة 45 ساعة، وقال إديسون لمساعديه: "طالما أنها ظلت موقدة هذه المدة، فبإمكاني إضاءتها لمئة ساعة!".

كلاهما؛ إديسون ومانديلا، صارا ملهمين للبشرية، لأنهما واصلا المسير باتجاه ما يعتقدانه صواباً؛ الأول فتح دروباً واسعة في العقل العلمي، وأهدى العالم الضوء، والثاني اعتنق الحرية

وبدأت قصة اختراع المصباح الكهربائي، كما تروي مواقع كثيرة على شبكة الإنترنت، حين مرضت والدته مرضاً شديداً، فقرر الطبيب أن يجري لها عملية جراحية فورية، لكن لأنّ الوقت كان ليلاً ولا يوجد ضوء كافٍ ليرى الطبيب ما يفعل في هذه العملية الدقيقة، اضطر للانتظار حتى شروق الشمس لكي يجري العملية.

ها هي المصابيح تضيء الكون، وتعلّم البشر كيف يهزمون المستحيل.

اقرأ أيضاً: رسائل لم تنشر من قبلُ لنيلسون مانديلا

وفي السادس من كانون الأول من عام 1877 وفي سياق تحديه للعقبات والموانع، أعلن توماس إديسون عن اختراع الفونوغراف، وهي آلة قادرة على تسجيل وإعادة بث الأصوات المسجلة.

والفونوغراف أو غرامافون أو الحاكي، بحسب "ويكيبيديا" هو أول جهاز استخدم لتسجيل واستعادة الصوت. اشتهر اسمه بالفونوغراف وفقاً للنقل الحرفي من كلمة فونوغراف ومعناها الكاتب الصوتي مشتقة من اليونانية حيث تشتق من كلمتي (فونو - phono - φωνή) وتعني الصوت و(غراف - graph - γραφή) وتعني الكتابة، فهو يستعيد أصواتاً مسجلة تماثلياً على إسطوانات من الشمع أو أي أداة أخرى. الإسطوانة بمعناها الوارد لأول مرة في الفونوغراف هي عبارة عن شكل مخروط، أما في عُرف الغرامافون، وهو الأكثر انتشاراً، فهي عبارة عن قرص ذي أخدود حلزوني. يبدأ التسجيل عادة عند طرف القرص وينتهي عند مركزه. الحاكي كان وسط التخزين الأكثر شيوعاً للتسجيلات الصوتية خلال القرن العشرين. ورغم حلول التسجيل الرقمي مكانه بدءاً من الثمانينات إلا أنه لا يزال ينتج ويستخدم كتحف فاخرة.

اقرأ أيضاً: 10 معلومات قد لا تعرفها عن آينشتاين

ولم تكن اختراعات توماس إديسون وليدة الراحة، بل هي ابنة التعب الموصول والجهد الذي لا يكلّ. وُلد إديسون في مدينة ميلان أوهايو في الولايات الأمريكية عام 1847، وتوفي في تشرين الأول (أكتوبر) 1931 في ولاية نيوجيرسي.

هل كان إديسون تلميذاً فاشلاً؟

ومنذ البداية واجه إديسون المعوقات في طريق الدراسة، حيث عانى من ضعف السمع نتيجة لإصابته بالحمى القرمزية. ولم يستطع الفتى استكمال دراسته في المدرسة نظراً لضعف مستواه التعليمي، واتهمه المعلمون بأنه تلميذ فاشل. لكنّ أمه تعهدته بالحب والحنان، وعلمته في المنزل القراءة والكتابة والعلوم.

وعلى الضفة الأخرى من مشهد العزم والإصرار، كانت قوات جنوب أفريقيا، وفي مثل هذا اليوم من العام 1956، تعتقل الزعيم الأممي الذي ألهم الملايين في العالم، نيلسون مانديلا و156 من رفاقه بسبب نشاطاتهم السياسية المناهضة لنظام الفصل العنصري في تلك البلاد التي حكمها الظلام ردحاً طويلاً من الزمن.

اقرأ أيضاً: صاحبا الشعاع.. هوكينغ وابن الهيثم

وفي عام 1962 حوكم مانديلا لمغادرته البلاد بشكل غير قانوني وللتحريض على إضراب عمالي. ارتدى، كما كتب نجابولو سيماكاهلي نديبيلي رئيس مؤسسة نيلسون مانديلا، الزي التقليدي لقبائل ثيمبو ورفض التمثيل القانوني وجادل بأنه رجل أسود في محكمة الرجل الأبيض. وأصر على عدم شرعية العملية فاستخدم المنصة لتضخيم صوت الحركة بدلاً من الدفاع عن نفسه. كان واضحاً أنّ سيادة البيض كانت نظاماً وأنّ كفاحه يدور حول تفكيك هذا النظام.

حركة الوعي الأسود

 بعد خمسة عشر عاماً، كتب مانديلا من السجن فكرة طويلة عن حركة الوعي الأسود، قال خلالها:

"أولئك الذين يساعدون على إدامة التفوق الأبيض هم أعداء الشعب، حتى لو كانوا من السود، في حين أنّ أولئك الذين يعارضون جميع أشكال العنصرية يشكلون جزءاً من الشعب بغض النظر عن لونهم".

رجلان من زمنين مختلفين هزئا بالمستحيل، وروّضا العاصفة، فخلّدهما التاريخ. كانت الحرية تحتاج إلى المصباح، كحاجة الأخير إلى الوهج وسط العتمة الكالحة التي جعلت شوارع العالم مكفهرة

في عام 1997، أثناء خدمته كرئيس لجنوب أفريقيا الديمقراطية حديثاً ومواجهة صمود نظام الفصل العنصري والنمط الاستعماري، قال مانديلا: "لم نسقط من السماء إلى جنوب أفريقيا الجديدة هذه؛ لقد أتينا جميعاً نزحف من وحل الماضي المنقسم عرقياً بشدة. وبينما نتجه نحو هذا المستقبل الأكثر إشراقاً ونتعثر في الطريق، يتحتم على كل واحد منا مؤازرة الآخر وتطهير أنفسنا بشكل متبادل".

لقد كان مانديلا يلمّح إلى أنّ الأنظمة القمعية لا تتجلى بشكل مفرط في الأدوات الرسمية للسلطة، محذراً من أنّ الماضي القمعي سيعيش ما لم تتم تصفيته بلا كلل وبطريقة واعية.

قضى مانديلا 27 عاماً في السجن، ظل في أثنائها معتصماً بفكرة الحرية ووضع حد لسياسة الفصل العنصري، وبعد الإفراج عنه في 11 شباط (فبراير) 1990 أعلن وقف الصراع المسلح، وبدأ سلسلة مفاوضات أدت إلى إقرار دستور جديد في البرلمان في نهاية 1993، معتمداً مبدأ حكم الأكثرية وسامحاً للأفارقة بالتصويت، في لحظة تاريخية نادرة.

لقد حرم الفصل العنصري 85 في المئة من سكان جنوب أفريقيا، الذين ولدوا ببشرة داكنة من أي سلطة سياسية. لم يكن بإمكان السود التصويت والتنافس مع البيض في مكان العمل؛ لم يتمكنوا من استخدام نفس المراحيض العامة والحافلات والشواطئ، وعاش الكثير منهم في بؤس.

اقرأ أيضاً: حفيد مانديلا: نظام الفصل العنصري لم ينجح في جنوب إفريقيا وسيفشل في فلسطين

وقال الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، إنّ دعوات مانديلا للتضامن وإنهاء العنصرية لها أهمية خاصة، "إذ يهدد الانقسام عرى التماسك الاجتماعي في جميع أنحاء العالم."

وأضاف أنّ المجتمعات أصبحت أكثر استقطاباً مع تزايد خطاب الكراهية وطمس المعلومات المضللة للحقيقة، وتشكيكها في العلم وتقويضها للمؤسسات الديمقراطية.

رجلان من زمنين مختلفين هزئا بالمستحيل، وروّضا العاصفة، فخلّدهما التاريخ. كانت الحرية تحتاج إلى المصباح، كحاجة الأخير إلى الوهج وسط العتمة الكالحة التي جعلت شوارع العالم وطرقه وزواياه مكفهرة.

الصفحة الرئيسية