ما الذي يميز "ربيع" السودان وما السيناريوهات المحتملة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
5234
عدد القراءات

2019-02-02

كما هو حال، الاحتجاجات العربية التي تحولت لاحقاً إلى "ثورات" في؛ تونس ومصر وليبيا وسوريا، إضافة إلى اليمن، بدأت الانتفاضة في السودان بمطالب احتجاجية على تداعيات الأزمة الاقتصادية، وقضايا مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والخبز والكرامة ومقاربات حقوق الإنسان، وسرعان ما تحولت إلى مطالب سياسية ترفع شعار "رحيل النظام".

"ربيع" السودان اليوم هو أول ربيع عربي ضد نظام إسلاموي يتحالف مع الإسلام السياسي منذ تسلمه السلطة عام 1989

ورغم ذلك؛ فإنّ "انتفاضة السودان" تبدو بلون وطعم مختلف نسبياً عن "ثورات الربيع العربي" الأخرى، رغم أنّها كانت متوقعة؛ إذ إنّ الأسباب الكامنة وراء
"الانتفاضات العربية" متوفرة بالسودان، في ظلّ قيادة الرئيس عمر البشير التي دخلت عقدها الرابع.
المتابع للشأن السوداني؛ يلحظ أنّ القيادة السودانية، في تعاملها مع الانتفاضة، لا تختلف عن تعامل أنظمة عربية شمولية سقطت، أو تكاد، فلم يخرج قاموس القيادة السودانية في التعامل مع الانتفاضة عن مقاربات الرئيسين الراحلين القذافي وعلي عبد الله صالح، إلى جانب الرئيس بشار الأسد "مندسين وعملاء للخارج، قوى طامعة عربية وأجنبية تقف خلف أعمال التخريب، استخدام القوة في التعامل مع المظاهرات، حتى تجاوز عدد القتلى أكثر من خمسين مواطناً، ومحاولات للإعلان عن قرارات اقتصادية تتضمن نفساً تراجعياً عن الضرائب، وغيرها من الإجراءات المرتبطة بأسعار الخبز، ووعود كثيرة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبرامج جديدة وخطط طويلة المدى بعد مضيّ ثلاثين عاماً على الحكم".

اقرأ أيضاً: ماذا قال صلاح قوش عن احتجاجات السودان؟

ورغم كلّ ما يمكن أن تقدمه القيادة السودانية من مقاربات واتهامات لتفسير ما يحدث، إلا أنه لا يمكن للمتابع العربي أن يتخيل كلّ هذا الفقر والجوع في السودان؛ الذي علمتنا دروس الجغرافيا أنّه "سلة غذاء العرب"، خاصّة مع اكتشافات النفط، حتى إن ذهبت لدولة جنوب السودان.
غير أنّ هذا المتابع العربي للشأن السوداني يدرك اليوم العديد من الحقائق حول تطورات المشهد في السودان، وأول ما يدركه؛ أنّ "ربيع" السودان اليوم هو أول ربيع عربي ضد نظام "إسلاموي"، يتحالف مع الإسلام السياسي منذ تأسيسه وتسلمه السلطة، عام 1989، في انقلاب عسكري قاده البشير، بالتعاون مع حليفه الدكتور حسن الترابي، وسرعان ما انقلب عليه وأودع الترابي السجن، ويدرك المتابع أيضاً أنّ البشير تحالف مع قيادات عسكرية وأمنية، وعلى أسس قبلية لضمان بقائه بالسلطة، وأنّ هناك معارضة خارجية لها قواعد في الشارع السوداني، كما سيعي المتابع أنّ هناك معارضة داخلية فاعلة، دون أن ينفي ذلك أنّ هذه المعارضة، خارجية أم داخلية، لحقت بالحركة الجماهيرية التي بات مؤكداً أنها تشمل كافة المدن والولايات، في ثورة جماهيرية شاملة، تضم قطاعات مختلفة تشمل نقابات عمالية ومهنية وأساتذة جامعات.

الأسباب الكامنة وراء "الانتفاضات العربية" متوفرة بالسودان في ظلّ قيادة الرئيس عمر البشير التي دخلت عقدها الرابع

كما يدرك المتابع العربي الارتباك الذي شكل ميزة للقيادة السودانية في بناء تحالفات عربية ودولية متناقضة، والانتقال بين العواصم العربية، وحتى مع انطلاق الانتفاضة الحالية، يبدو التساؤل مشروعاً عن أهداف زيارة الرئيس البشير إلى قطر، لطلب المساعدة المالية من الدوحة، والدعم من الإخوان المسلمين للضغط على أقرانهم في السودان، للوقوف بحزم إلى جانب القيادة السودانية، في الوقت الذي يقاتل جنوده باليمن إلى جانب السعودية، وبالتزامن يقوم البشير بزيارة القاهرة لطلب الدعم منها، في الوقت الذي حاول استفزاز مصر عبر إعلان تحالفه مع تركيا، والذي تمّ تتويجه بتأجير جزيرة سواكن السودانية، ذات الإرث العثماني، لتركيا، وإثارة قضية "حلايب" المتنازع عليها بين السودان ومصر، وقبل ذلك القيام بزيارة مفاجئة إلى دمشق، لتدشين إعادة الاعتراف العربي بالنظام السوري، هذا إضافة إلى علاقات وثيقة مع روسيا، التي يتردد أنّ مستشارين روسيين مع عناصر سرية مزودين بأسلحة حديثة غير معروفة بالسودان، تقوم بقمع الانتفاضة الحالية، من خلال "كتائب سرية" تتبع لبعض أوساط القيادة السودانية، وعلاقات متوترة مع أمريكا وأوروبا.

اقرأ أيضاً: السودان: الكشف عن عدد قتلى الاحتجاجات
ليست واضحة اتجاهات تطور الانتفاضة السودانية؛ إذ تتعدد سيناريوهات المستقبل، لكنّ المؤكد أنّ القيادة السودانية لا تمتلك حلولاً يمكن البناء عليها، أو القبول بها من قبل قوى الشارع، وربما فات أوان خطط إصلاحية بعد هذا العدد من القتلى، وامتداد المظاهرات لتشمل كافة المدن والولايات السودانية، خاصة مع تصلب مواقف القيادة السودانية، وتجاهلها لإدراك حقيقة الانتفاضة، وهو ما يشي بأنّ استمرار وتصاعد الانتفاضة وذهابها باتجاه مزيد من العنف هو السيناريو الأقرب للحدوث بهذه المرحلة، فيما تبقى السيناريوهات المرتبطة بإمكانية مغادرة الرئيس البشير للحكم، رغم محدوديتها، واردة، لكن استمرار وتصاعد الانتفاضة سيجعل هذا السيناريو وارداً، لكنّ المرجح أنّ البشير لن يتنازل عن الحكم إلا للجيش، الذي أعلن، وبشكل لافت؛ أنّه لن يسمح بـ "الإطاحة بالدولة"، وهو ما يعني أنّ رحيل البشير ربما يكون موضع تفاوض لاحقاً.

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان.. هل تطيح بالبشير؟
لقد كان الموقف الدولي من "الربيع العربي"، وموقف القوات المسلحة في كلّ دولة، إضافة إلى قوة الموقف الشعبي، أبرز محددات مآلات هذا "الربيع"، وبالنظر إلى الموقف الدولي؛ فإنّ موقف القيادة السودانية يبدو ضعيفاً، رغم الدعم الروسي التركي والقطري، فيما من غير الواضح موقف قيادة القوات المسلحة السودانية، رغم إعلانات القيادة العسكرية وقوفها إلى جانب الدولة، أما الموقف الشعبي؛ فمن الواضح أنّ هناك رأياً عاماً، قرر تقديم كلّ التضحيات للخلاص من النظام، ويبقى سيناريو الفوضى أخطر السيناريوهات لانتفاضة السودان، خاصة أنّ هذه الفوضى، إن وقعت، لا قدَّر الله، من المؤكد ستذهب بالسودان إلى التقسيم.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

ما الذي يميز "ربيع" السودان وما السيناريوهات المحتملة؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
5234
عدد القراءات

2019-02-02

كما هو حال، الاحتجاجات العربية التي تحولت لاحقاً إلى "ثورات" في؛ تونس ومصر وليبيا وسوريا، إضافة إلى اليمن، بدأت الانتفاضة في السودان بمطالب احتجاجية على تداعيات الأزمة الاقتصادية، وقضايا مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والخبز والكرامة ومقاربات حقوق الإنسان، وسرعان ما تحولت إلى مطالب سياسية ترفع شعار "رحيل النظام".

"ربيع" السودان اليوم هو أول ربيع عربي ضد نظام إسلاموي يتحالف مع الإسلام السياسي منذ تسلمه السلطة عام 1989

ورغم ذلك؛ فإنّ "انتفاضة السودان" تبدو بلون وطعم مختلف نسبياً عن "ثورات الربيع العربي" الأخرى، رغم أنّها كانت متوقعة؛ إذ إنّ الأسباب الكامنة وراء
"الانتفاضات العربية" متوفرة بالسودان، في ظلّ قيادة الرئيس عمر البشير التي دخلت عقدها الرابع.
المتابع للشأن السوداني؛ يلحظ أنّ القيادة السودانية، في تعاملها مع الانتفاضة، لا تختلف عن تعامل أنظمة عربية شمولية سقطت، أو تكاد، فلم يخرج قاموس القيادة السودانية في التعامل مع الانتفاضة عن مقاربات الرئيسين الراحلين القذافي وعلي عبد الله صالح، إلى جانب الرئيس بشار الأسد "مندسين وعملاء للخارج، قوى طامعة عربية وأجنبية تقف خلف أعمال التخريب، استخدام القوة في التعامل مع المظاهرات، حتى تجاوز عدد القتلى أكثر من خمسين مواطناً، ومحاولات للإعلان عن قرارات اقتصادية تتضمن نفساً تراجعياً عن الضرائب، وغيرها من الإجراءات المرتبطة بأسعار الخبز، ووعود كثيرة بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وبرامج جديدة وخطط طويلة المدى بعد مضيّ ثلاثين عاماً على الحكم".

اقرأ أيضاً: ماذا قال صلاح قوش عن احتجاجات السودان؟

ورغم كلّ ما يمكن أن تقدمه القيادة السودانية من مقاربات واتهامات لتفسير ما يحدث، إلا أنه لا يمكن للمتابع العربي أن يتخيل كلّ هذا الفقر والجوع في السودان؛ الذي علمتنا دروس الجغرافيا أنّه "سلة غذاء العرب"، خاصّة مع اكتشافات النفط، حتى إن ذهبت لدولة جنوب السودان.
غير أنّ هذا المتابع العربي للشأن السوداني يدرك اليوم العديد من الحقائق حول تطورات المشهد في السودان، وأول ما يدركه؛ أنّ "ربيع" السودان اليوم هو أول ربيع عربي ضد نظام "إسلاموي"، يتحالف مع الإسلام السياسي منذ تأسيسه وتسلمه السلطة، عام 1989، في انقلاب عسكري قاده البشير، بالتعاون مع حليفه الدكتور حسن الترابي، وسرعان ما انقلب عليه وأودع الترابي السجن، ويدرك المتابع أيضاً أنّ البشير تحالف مع قيادات عسكرية وأمنية، وعلى أسس قبلية لضمان بقائه بالسلطة، وأنّ هناك معارضة خارجية لها قواعد في الشارع السوداني، كما سيعي المتابع أنّ هناك معارضة داخلية فاعلة، دون أن ينفي ذلك أنّ هذه المعارضة، خارجية أم داخلية، لحقت بالحركة الجماهيرية التي بات مؤكداً أنها تشمل كافة المدن والولايات، في ثورة جماهيرية شاملة، تضم قطاعات مختلفة تشمل نقابات عمالية ومهنية وأساتذة جامعات.

الأسباب الكامنة وراء "الانتفاضات العربية" متوفرة بالسودان في ظلّ قيادة الرئيس عمر البشير التي دخلت عقدها الرابع

كما يدرك المتابع العربي الارتباك الذي شكل ميزة للقيادة السودانية في بناء تحالفات عربية ودولية متناقضة، والانتقال بين العواصم العربية، وحتى مع انطلاق الانتفاضة الحالية، يبدو التساؤل مشروعاً عن أهداف زيارة الرئيس البشير إلى قطر، لطلب المساعدة المالية من الدوحة، والدعم من الإخوان المسلمين للضغط على أقرانهم في السودان، للوقوف بحزم إلى جانب القيادة السودانية، في الوقت الذي يقاتل جنوده باليمن إلى جانب السعودية، وبالتزامن يقوم البشير بزيارة القاهرة لطلب الدعم منها، في الوقت الذي حاول استفزاز مصر عبر إعلان تحالفه مع تركيا، والذي تمّ تتويجه بتأجير جزيرة سواكن السودانية، ذات الإرث العثماني، لتركيا، وإثارة قضية "حلايب" المتنازع عليها بين السودان ومصر، وقبل ذلك القيام بزيارة مفاجئة إلى دمشق، لتدشين إعادة الاعتراف العربي بالنظام السوري، هذا إضافة إلى علاقات وثيقة مع روسيا، التي يتردد أنّ مستشارين روسيين مع عناصر سرية مزودين بأسلحة حديثة غير معروفة بالسودان، تقوم بقمع الانتفاضة الحالية، من خلال "كتائب سرية" تتبع لبعض أوساط القيادة السودانية، وعلاقات متوترة مع أمريكا وأوروبا.

اقرأ أيضاً: السودان: الكشف عن عدد قتلى الاحتجاجات
ليست واضحة اتجاهات تطور الانتفاضة السودانية؛ إذ تتعدد سيناريوهات المستقبل، لكنّ المؤكد أنّ القيادة السودانية لا تمتلك حلولاً يمكن البناء عليها، أو القبول بها من قبل قوى الشارع، وربما فات أوان خطط إصلاحية بعد هذا العدد من القتلى، وامتداد المظاهرات لتشمل كافة المدن والولايات السودانية، خاصة مع تصلب مواقف القيادة السودانية، وتجاهلها لإدراك حقيقة الانتفاضة، وهو ما يشي بأنّ استمرار وتصاعد الانتفاضة وذهابها باتجاه مزيد من العنف هو السيناريو الأقرب للحدوث بهذه المرحلة، فيما تبقى السيناريوهات المرتبطة بإمكانية مغادرة الرئيس البشير للحكم، رغم محدوديتها، واردة، لكن استمرار وتصاعد الانتفاضة سيجعل هذا السيناريو وارداً، لكنّ المرجح أنّ البشير لن يتنازل عن الحكم إلا للجيش، الذي أعلن، وبشكل لافت؛ أنّه لن يسمح بـ "الإطاحة بالدولة"، وهو ما يعني أنّ رحيل البشير ربما يكون موضع تفاوض لاحقاً.

اقرأ أيضاً: احتجاجات السودان.. هل تطيح بالبشير؟
لقد كان الموقف الدولي من "الربيع العربي"، وموقف القوات المسلحة في كلّ دولة، إضافة إلى قوة الموقف الشعبي، أبرز محددات مآلات هذا "الربيع"، وبالنظر إلى الموقف الدولي؛ فإنّ موقف القيادة السودانية يبدو ضعيفاً، رغم الدعم الروسي التركي والقطري، فيما من غير الواضح موقف قيادة القوات المسلحة السودانية، رغم إعلانات القيادة العسكرية وقوفها إلى جانب الدولة، أما الموقف الشعبي؛ فمن الواضح أنّ هناك رأياً عاماً، قرر تقديم كلّ التضحيات للخلاص من النظام، ويبقى سيناريو الفوضى أخطر السيناريوهات لانتفاضة السودان، خاصة أنّ هذه الفوضى، إن وقعت، لا قدَّر الله، من المؤكد ستذهب بالسودان إلى التقسيم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: