"ما بعد داعش".. هل انتهى التنظيم حقاً؟

داعش

"ما بعد داعش".. هل انتهى التنظيم حقاً؟

مشاهدة

09/05/2018

اندحر تنظيم "داعش" من معاقله الرئيسية في سوريا والعراق، وغادر الموصل التي أعلنها عاصمة لخلافته، بعد أن تركها كومة من خراب، وجاءت قوات سوريا الديمقراطية "الكردية" المدعومة من القوات الأمريكية، لتلقنه هزيمة أخرى في معقله الثاني في الرقة، وقضت قوات بشار الأسد المدعومة من الروس على وجوده في محافظة دير الزور، فلم يعد له سوى عدد من الجيوب التي يحتمي بها. حتى بدت شمس التنظيم المتوحش وهي في طريقها للغروب.

لم يعد يشغل العالم دراسة أحوال تنظيم داعش نفسه بل تجاوز ذلك لفتح ملف ما بعده

لم يعد يشغل العالم دراسة أحوال التنظيم نفسه؛ بل تجاوز ذلك لفتح ملف ما بعده، فانهالت الكتابات، وكثرت الندوات، والمؤتمرات، التي رفعت عنوان "ما بعد داعش"، في محاولة من الباحثين والمفكرين لاستشراف المستقبل بعد انتهاء التنظيم الذي شغل العالم لعدة سنوات. فهل انتهى حقاً بلا عودة؟ أم أنّ الهزائم العسكرية لا تكفي وحدها في إنهاء مثل تلك التنظيمات المتوحشة؟

إعلان عن نصر منقوص

وقف الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أواخر العام 2010 منتشياً، ليزف للبشرية نبأ القضاء على الإرهاب في العراق، وتلاشي ما كان يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية بقيادة أبو عمر البغدادي، ونائبه أبو حمزة المهاجر، اللذين قتلا معاً في صحراء منطقة "الثرثار" شمال غرب محافظة تكريت، إثر عملية عسكرية مشتركة مع القوات العراقية.

أواخر العام 2010 وقف أوباما، منتشياً، ليزف للبشرية نبأ القضاء على الإرهاب في العراق

مني التنظيم المبايع للقاعدة، بخسائر فادحة وقتذاك، بفعل الضربات الأمريكية – العراقية من جهة وحصار مليشيات الصحوات السنية من جهة أخرى، فتراجع إلى صحراء الأنبار، وبدا وكأنّ شمسه بدأت بالأفول. حتى أنّ قادة التنظيم في تلك المرحلة، اعترفوا بأنّهم واجهوا صعوبات في دفن الجثث من كثرتها، فقد تسببت سياسة الحرب المكشوفة التي استخدمها "المهاجر" في خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فملأت باطن الأرض بجثث التنظيم، واختنقت السجون بأجسادهم.

ارتشف التنظيم الشارد رشفة من ماء الحياة، هبت مع رياح الثورة السورية، فدبت الروح مجدداً في جسده، فعاد مرة أخرى أشد عنفاً ودموية، معتبراً أنّ الضربات السابقة لم تقصم ظهره لكنها جعلته أكثر صلابة.

الربيع العربي يرمي طوق النجاة

استفاد التنظيم من ثورات "الربيع العربي"، التي كان من المفترض أن تساهم في دحض النظرية السلفية الجهادية، التي بنيت، وفقهم، على هدف إسقاط النظم الحاكمة عبر تبني العمل المسلح، والنظرة إلى الاحتجاجات الاجتماعية السلمية نظرة دونية، إلا أنّ تلك الثورات أعطت للتنظيم الفرصة للحشد والتجنيد في صفوفه، وإعادة إحياء الأمل في عقول ووجدان الإسلاميين في انتهاز فرصة الفراغات الأمنية التي حلّت بدول "الربيع" لإقامة دولة الخلافة!

استفاد التنظيم من ثورات "الربيع العربي" التي كان من المفترض أن تساهم في دحض النظرية السلفية الجهادية

عاد الإعلان "الأوبامي" الشهير بالقضاء على الإرهاب أدراجه وبطل مفعوله، وشق التنظيم في العراق ثغرة في صخرة الحصار المحكم الذي لم يصمد أكثر من  عام ونصف العام؛ إذ نجح أبوبكر البغدادي، الأمير الجديد للتنظيم، في إرسال شاب لم يتجاوز حينها السابعة والعشرين من عمره، يدعى أبو محمد الجولاني، ومعه قليل من المقاتلين وكثير من الأموال، في اتجاه محافظة إدلب السورية، ليشكل ما عرف وقتها بــ"جبهة النصرة" التي ستغدو العدو الجديد للتنظيم الأم، وبعدها بعامين اجتاح المئات من عناصر "داعش" مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية بعد بغداد، ليبسطوا سيطرتهم على معظم المثلث السني على الخارطة العراقية.

ما الذي يمكن أن يؤكد أنّ "داعش" انتهى بلا رجعة؟

"الما بعديات" المبكرة

وفق هذه المعطيات ما الذي يمكن أن يؤكد أنّ "داعش" انتهى بلا رجعة، وهل معنى فقدانه أراضيه أنه قد انتهى تماماً؟ يرى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، ماهر فرغلي "أنّنا مصابون بالاستعجال في الحديث  في "الما بعديات" حتى  سرحنا بخيالنا لنتحدث عمّا بعد الإسلام السياسي، متتبّعين خطى الباحثين الغربيين، دون التأمل بعمق في واقع تلك التنظيمات، والروافد التي تشرّبت منها، والسياقات التي أدت إليه، وهل زالت أم تزال كما هي لم تتغير".

لا يؤيد فرغلي، في تصريحه لـ "حفريات" التطرق المبكر لما بعد داعش، لكنه يرى أنّ الأهم التركيز  على "ما بعد الإخوان"؛ لأنّ التحوّلات الحقيقية، بحسبه، ستطرأ على تلك الجماعة؛ حيث هناك تطورات في النسخة الإخوانية بشمال إفريقيا، وأخرى ستحصل في النسخة المصرية المركزية، "أما تنظيم داعش فيمكننا الحديث عن مستقبله باعتبار استراتيجياته المستقبلية".

يفرق فرغلي بين داعش العقدي الذي يرى أنّه سيستمر وداعش التكتيكي الذي سيختلف

يفرق فرغلي بين داعش العقدي الذي يرى أنّه سيستمر، وداعش التكتيكي الذي سيختلف؛ "فداعش العقدي قديم جداً وضارب في التاريخ، بنفس الأيديولوجيات والأطروحات الفكرية، أما داعش الإستراتيجي فهو الذي سيختلف".

يرى فرغلي أنّ داعش والقاعدة كلاهما بنى فلسفته الخاصة، على ما يطلق عليه الصراع، وهو الخلاف بين أيديولوجيتين لا بقاء لأحدهما في وجود الآخر، ولا التقاء بينهما، ومن خلال مبدأ "الاستدراج الإستراتيجي"، وهو أن تستدرج عدوك لمواجهة طويلة يظن طوال الوقت ومن خلال المكاسب التي تتحقق له بأنّه سينتصر بالنهاية، لكن الحقيقة أنّ استمراره معك في المواجهة هو انتصارك الذي تبحث عنه، وهذا ما أكده المنظر بتنظيم القاعدة المعروف عبدالله محمد.

عبدالله محمد: إستراتيجياً سنشهد محاولة خلق أفرع جديدة لداعش وتحوله من إمساك الأرض إلى حروب النكاية والمناكفة

يقول عبدالله محمد: في الإستراتيجيات سنشهد محاولة خلق أفرع جديدة، خاصة بوسط آسيا، وتحول داعش من (إمساك الأرض) إلى حروب النكاية والمناكفة، وهنا سيحدث اندماج لديه بين الأبعاد الإقليمية والعالمية، والمحلي العنقودي، والمنفرد، للرد على تراجعه، بما يعني أنّ خطة التنظيم، هي الانتقال من جهاد التمكين، إلى جهاد البقاء والاستنزاف، وهو الذي أطلق عليه في بيان بأحد المواقع المقربة منه (المنازلة)، واعتماد إستراتيجية بناء السرايا الصغيرة ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها، والعمل بصورة منفردة حتى بعيداً عن الأمير المؤسس لها، ثم القيام بضربات متسلسلة.

لكن ما الذي يمكن أن يفضي إليه كل ذلك؟

الصفحة الرئيسية