ما بين الجهادي "الانغماسي" والمنتحر.. هل الموت واحد؟!

ما بين الجهادي "الانغماسي" والمنتحر.. هل الموت واحد؟!

مشاهدة

30/09/2018

يتعزَّى الناسُ، اليومَ، حين يقتل أولادهم وأحباؤهم بالقول السائر: "تعددت الأسباب والموت واحد"، وهذا قول إشكالي يرتكز على إيمان أعمى بأن أعمار البشر محدودة ومقدرة سلفاً، ومكتوب على كل فرد أن يموت أو تموت بطريقة معينة، كما أنه يرمي إلى صرف النظر عن سبب الموت غير الطبيعي، وتبرئة المتسبب به؛ إذ يبدو الانغماسي (المجاهد) الذي يفجّر نفسه في مقهى أو مطعم أو موقف حافلات أو سوق.. أداة إلهية لإنفاذ القدر المحتوم، مثل الموت الذي يسببه وباء أهملت المؤسسات الصحية علاجه، وتركته يفتك بالنفوس، أو حادث سير سببه الرعونة أو الإهمال.

ولكن ما دامت أسباب الموت متعددة ومختلفة فالأقرب إلى المنطق السليم أن الموت ليس واحداً، باستثناء الموت الطبيعي الملازم للحياة، والذي يوصف بأنه "سنة الكون"، وليس من فعل فاعل بشري عامداً كان هذا الفاعل أم مهملاً.

يتعزى كثيرون أن من يفجّر نفسه في الأبرياء أداة إلهية لإنفاذ القدر المحتوم

ما من شك في أن الموت هو النتيجة النهائية لفعل الانتحار وفعل الانغماس، الذي يقدم عليه الشخص عن سابق عمد وتصميم، ولكن الفرق بين المنتحر والانغماسي كبير، وكذلك بين الانتحار والانغماس؛ فالمنتحر لا يتسبب إلا بقتل نفسه، أما "المجاهد" الانغماسي، فيتسبب بقتل نفسه وقتل آخرين قلّوا أم كثروا، وغالباً ما يكون هؤلاء ممن لا يعرفهم هذا "المجاهد" ولا يعرفونه، ولم يتسببوا له بأي أذى، لا من قريب ولا من بعيد، وغالباً ما يكونون مدنيين عزلاً وأطفالاً ونساء وشيوخاً وليسوا مقاتلين يترصَّدونه ويسعون إلى قتله.

لكن الأهم أنّ المنتحر لم يُقْدم على فعلته إلا بعد أن ضاق بالحياة وضاقت به، ولا يبتغي من وراء عمله شيئاً، ولا يدعي شيئاً، في حين يعتقد المجاهد أنه يدافع عن قضية عادلة ومقدسة وأنه سينال مرضاة ربه وينعم بجنته، بلبنها وعسلها وحورها وعينها، ويحظى بالخلود.

الانتحار ظاهرة اجتماعية ترجع إلى أسباب عديدة ومعقدة، (تبلغ أعداد الانتحاريين والمنتحرين في العالم المعاصر إلى مئات الآلاف من الأشخاص، منهم أعداد لا بأس بها من النساء)، أما الجهاد والانغماس فهو ظاهرة سياسية، بل ظاهرة عدمية تولدها سياسات عدمية، تسلطية واحتكارية وعدوانية، أدواتها القمع والإفقار والتهميش والإقصاء والنبذ.

اقرأ أيضاً: كيف وظفت السلفية الجهادية مفهوم الطاغوت في القرآن الكريم؟

الانتحاري، هو الشخص الذي يقوم بفعل الانتحار، لا يوجد له أي تعريف لغوي في القاموس العربي، إنما أجمع الباحثون والمفكرون على أنه الشخص الذي يحمل فكراً انتحارياً، وقد بينت الدراسات التي أجريت، في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 2002 و 2004، أن عدد حاملي الفكر الانتحاري يصل إلى 8 ملايين شخص مع وقف تنفيذ فعل الانتحار، لكنهم معرضون بأي لحظة حسب الدراسات للتنفيذ، وكانت معظم أسباب هذا الفكر مستقاة من البيئة والحياة الاجتماعية والتطرف الديني.

يعتقد الجهادي أنه يدافع عن قضية عادلة ومقدسة وأنه سينال مرضاة ربه وينعم بجنته ويحظى بالخلود

يعرف دركهايم الانتحار بأنه: "كل ميتة تنجم بنحو مباشر أو غير مباشر عن فعل إيجابي أو سلبي جرى تنفيذه بيد الضحية ذاتها، والتي كانت تعلم بالنتيجة المترتبة على فعلها بالضرورة"، يضيف للتعريف: "لكننا يجب أن نفرق بين الأشخاص الذين يقومون بفعل الانتحار، بين المختلين عقلياً؛ والعقلاء الذين يدركون الفعل الذي يقومون به"

ما هي الأسباب الكامنة وراء هذا الفعل، هل هو الموت فقط؟

لم تتوصل أبحاث علم النفس إلى سبر أغوار النفس البشرية كافةً، ولا إلى النية التي هي أشد صميمية من أن تتمكن الأبحاث من الوصول إليها حسب تعبير دركهايم، فقد نخطئ في تحديد الدوافع الكامنة خلف السلوك اليومي لكل فرد، وقد نخطئ في تحديد سلوكنا الشخصي بسبب الاضطرابات في العلاقات الإنسانية، كالعنصرية والإقصاء والتطرف والعنف التي طغت على الإنسانية وباتت سائدة إن لم نقل مألوفة في العالم أجمع؛ وندخل في اعتبارنا اهدافاً سامية أو نبيلة، وقد تكون عقيدة عمياء، فنرى الخطاب الديني المتطرف يحث على الجهاد والشهادة في سبيل الله وإغواء المجتهدين بعالم آخر لا يشبه عالمهم المكبوت والمتسلط.

اقرأ أيضاً: بهذه الكلمات وصف منظّر السلفية الجهادية أردوغان

ما من شك أن كل من يُقدم على الانتحار هو ضحية المجتمع وشروط الحياة القاسية، ولكن الانغماسي هو مجرم وضحية، في الوقت نفسه. هؤلاء جميعهم ضحايا عالمٍ تسوده السيطرة والمصالح النفعية، وضحية مجتمعات مغتصبة فكرياً وسياسياً واقتصادياً، ومغتصبة دينياً وهذا هو الأهم، فينصت المهمَّشون والمهمَّشات في مجتمعاتهم إلى الخطابات الدينية المنمقة عن الجنة وما فيها، فتظهر داعش والجبهات الإسلامية المتطرفة بكامل قوتها النفسية والجسدية كما يجري في سورية وفي غير مكان من العالم للسباق إلى دخول الجنة.

الموت هو الخاصة المشتركة بين الانغماسي والانتحاري أو بمعنى أدق وأعمق هو الانتحار المتعمّد ليس إلاّ

لكل من تلك المسميات أو المصطلحات؛ مسميات مضادة، الانغماسي هو مجاهد في مكانه وزمانه، أي في موقعه ضمن مصلحة الجماعة التي ينتمي إليها، أما في الجهة المقابلة أو المضادة فهو إرهابيّ قاتل قبل أن يقتل نفسه، وهنا يكمن تجيير المصطلحات؛ فالهجوم التي شنّته ألمانيا وبريطانيا واليابان على ميناء بيرل هاربر في الولايات المتحدة الأمريكية؛ أثناء الحرب العالمية الثانية، كان هجوماً مشروعاً بالنسبة للبلدان التي شنته، وكان عملاً إرهابياً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.

لم يزل الوعي البشري لدى المجتمعات المغتصَبة فكرياً وسياسياً ودينياً، وعياً جماهيرياً وقومياً وعرقياً، يتناسل منه العنف والإرهاب والموت العبثي وإلغاء الذات قبل إلغاء الآخر، مصحوباً بآثار الديكتاتورية والاستبداد، وغياب الديمقراطية والحريات الفردية، وانعدام الخيارات المناسبة للعيش بسلام؛ فالموت طفى على سطح الكون بحجج مختلفة، كالكفاح المسلح وتحرير الأرض والدفاع عن النفس، فيتم تكييف الموت والقتل بما يتفق مع طبيعة محددة للفكرة التي تكوّنها الجماعة القائمة على تنفيذ الفعل، أو الفرد القائم بالفعل، بالتالي نصل إلى نتيجة مفادها أن الموت هو الخاصة المشتركة بين الانغماسي والانتحاري والإرهابي، أو بمعنى أدق وأعمق؛ هو الانتحار المتعمّد ليس إلاّ.

الصفحة الرئيسية