ما تداعيات الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط؟

ما تداعيات الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط؟

مشاهدة

19/09/2021

لم يعد الحديث عن انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط والتوجه إلى شرق آسيا وجنوبها لمواجهة الصين وروسيا مجرد سيناريو ضمن سيناريوهات عديدة حول اتجاهات سياسات الولايات المتحدة، بل إنّ التطورات المتسارعة والعميقة تشير إلى أنّ أمريكا بدأت بترجمة هذا السيناريو بوصفه استراتيجيتها التي عبّر عنها الرئيس "الديمقراطي" السابق أوباما، ولم تكن بعيدة في كثير من ترجماتها عن سياسات الرئيس الجمهوري السابق "ترامب"، لا سيّما أنّ الانسحاب من أفغانستان تم إنجاز الاتفاق حوله مع حركة طالبان من قبل إدارة ترامب، فيما الانتقادات توجه اليوم إلى الطريقة التي أدار بها الرئيس بايدن هذا الانسحاب، بالتزامن مع إعلانات متكررة عن انسحابات من العراق وأخرى من سوريا، تحت عناوين إعادة انتشار القوات الأمريكية في المنطقة وهندسة قواعدها من جديد.

اقرأ أيضاً: تبعات انسحاب تركيا من معاهدة العنف ضد المرأة بدأت تلقي بظلالها

 الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقوم على إعادة ترتيب قائمة المخاطر والأولويات الاستراتيجية، وفقاً لمقاربات جديدة عنوانها مواجهة الصين وروسيا أوّلاً وثانياً، من هنا يمكن تفسير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، باتفاق مع طالبان، بأنّ طالبان الجديدة ستكون تحدياً للصين وروسيا ومعهما إيران، وقد ذهبت بعد هذا الانسحاب إلى إعلان تحالف أمني عسكري جديد يضم إضافة إليها كلاً من بريطانيا وأستراليا، ومن المؤكد أنّ ساحة عملياته الرئيسة ستكون مقارعة الصين عن قرب من خلال القواعد الأسترالية، هذا التحالف الذي تدرك الصين أنه يستهدفها عبر توجهات التحالف الجديد لبناء منظومات جديدة من الغواصات النووية، من هنا كان موقفها المعارض بشدة ومعها روسيا لهذا التحالف، لا سيّما أنه يُعدّ إعادة إنتاج لسياقات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي سابقاً والغرب، بما فيها سباقات التسلح النووي.

 

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تقوم على إعادة ترتيب قائمة المخاطر والأولويات الاستراتيجية وفقاً لمقاربات جديدة عنوانها مواجهة الصين وروسيا

 

ولعلّ السؤال المطروح هو حول مكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي تدل معطيات كثيرة على أنّ أبرز ملامح هذه الاستراتيجية تقوم على جملة من العناوين أبرزها: سحب القواعد الأمريكية من المنطقة، والاحتفاظ بقوات أمريكية للتلويح باستخدام القوة عند الضرورة، من المقرر تجميعها في الأردن، واستمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل وفقاً لمفاهيم أمريكية تبدد مخاوفها وهواجسها الأمنية من أيّ اتفاقات يتم إنجازها، وعلى رأسها الصفقة المحتملة مع إيران، بدون ضمانات حول استمرار تفوقها العسكري، وإرسال رسالة للقوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة بأنّ عليها حلّ مشاكلها مع بعضها بعضاً، بما فيها مواجهة الإرهاب والتعاون الإقليمي في مواجهة مشاكل شعوبها، وخاصة في مجالات التنمية والديمقراطية ومواجهة الفساد، والتعامل مع حكومات المنطقة وأنظمتها وفق مرجعيتين وهما: مستوى حقوق الإنسان وربط المساعدات والمواقف الأمريكية بها، ومستوى علاقاتها وتعاونها مع الصين وروسيا، وربما كان لافتاً للنظر في هذه الاستراتيجية تخلي أمريكا عن دعم "الإسلام السياسي" في المنطقة في ظل فشل رهانات أمريكية على هذا الإسلام السياسي، سبق  أن أعلنها الرئيس السابق "أوباما" في رئاسته الثانية بعد "الربيع العربي".

اقرأ أيضاً: لماذا تخشى إسرائيل من انسحاب أمريكي آخر؟

عواصم الشرق الأوسط، لا سيّما الفاعلة منها "القاهرة، الرياض، أبو ظبي، أنقرة، طهران"، تدرك هذا التغيير في الاستراتيجية الأمريكية، وأنه يشملها بصيغتيها "الاعتدال والممانعة"، وهو ما يفسّر تسارعها لتبريد ملفاتها الخلافية والشروع بإنجاز تسويات بين تركيا وقطر مع خصومهما "الرياض، القاهرة، أبو ظبي"، وانسحاب هذا التبريد في الملفات على العراق وسوريا ولبنان، وفي الأراضي الفلسطينية عبر تخفيض مستوى التأزيم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وإيجاد مناخات لإعادة إطلاق مفاوضات السلام، وبالتزامن انطلقت جولات مفاوضات بين الرياض وطهران بوساطة عراقية، ربما تكون مخرجاتها الأهم في المنطقة، نظراً للثقل الاستراتيجي الذي تمثله السعودية وإيران في قضايا المنطقة.

اقرأ أيضاً: ماذا سيحدث في أفغانستان بعد انسحاب أمريكا.. وما مصير مطار كابول

الأزمة في دول الاعتدال تبدو تجلياتها أكبر منها في تيار الممانعة، لما كانت توفره أمريكا من حماية لحكومات الاعتدال، وإمدادها بصفقات أسلحة، وهواجسها الجديدة من تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتنسحب تلك الهواجس حتى على إسرائيل الحليف الأقرب لأمريكا، التي تؤكد قدرتها على مواجهة إيران وحدها إذا تطلب الأمر، وهو ما وفر لها فرصة لإعادة إنتاج مقولات التحالف مع الخليج لمواجهة الخطر الإيراني، خاصة أنّ المناخات اليوم تشبه إلى حد بعيد المناخات التي سبق أن أعقبت التوصل للاتفاق النووي مع إيران عام 2015، وبالتزامن فقد وفرت سياسات إيران بصياغة الصراع في المنطقة على أسس مذهبية "مسوغات" لهذا التحالف، وهو ما تظهره مخرجات الإعلام الخليجي الأكثر حذراً وتحوطاً من الخطر الإيراني.

 

عواصم الشرق الأوسط، لا سيّما الفاعلة منها؛ القاهرة، الرياض، أبو ظبي، أنقرة، طهران، تدرك هذا التغيير في الاستراتيجية الأمريكية، وأنه يشملها بصيغتيها "الاعتدال والممانعة"

 

بيد أنّ ردود بعض تلك العواصم على الاستراتيجية الأمريكية تذهب باتجاهات بناء تحالفات بديلة، مع خصوم الولايات المتحدة القدماء والجدد، وتحديداً مع روسيا التي تتمدد في المنطقة عبر اتفاقات عسكرية ودفاعية ليس فقط مع تركيا التي أبرمت صفقة صواريخ إس 400، بل ومع الرياض التي يبدو أنها قطعت شوطاً بالتعاون العسكري مع موسكو، يتجاوز مجرد كونها ورقة تلوّح بها ضد واشنطن، هذا بالإضافة إلى اتفاقات أخرى سابقة مع القاهرة وطهران، وفيما يبدو أنه استكمال للبديل الأمريكي في المنطقة اتجهت الإمارات لتعزيز تحالفها مع فرنسا، التي تعرضت لـ"طعنة" حسب الوصف الفرنسي" بعد إلغاء أستراليا لصفقة شراء غواصات فرنسية بقيمة تزيد على 30 مليار دولار، واستبدالها بصفقة مع أمريكا وبريطانيا.

من غير الواضح حجم تداعيات الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ورغم أجواء المصالحات التي تشكل عناوين براقة في المنطقة، إلا أنّ نتائجها غير مضمونة، لا سيّما أنّ حكومات المنطقة تذهب باتجاهات تعزيز قواتها الدفاعية، وما زالت تحت وطأة سباق التسلح، ثم إنّ الدخول الروسي إلى المنطقة من باب التسليح لن يسهم في حلحلة مشاكلها، ولن يحقق التنمية الاقتصادية المنشودة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا عاشت المنطقة عقدين تحت تأثيرات وتداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، فهل ستعيش عقوداً جديدة تحت تأثيرات المواجهة الأمريكية للصين، في الوقت الذي لم تقفل فيه ملفات عديدة من بينها ملف الإرهاب؟

الصفحة الرئيسية