ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟

4786
عدد القراءات

2019-06-10

بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بداية العام الجاري بين كينيا والصومال، وفي تصعيد جديد، تخطط كينيا، وفق مراقبين، لسحب الامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين الصوماليين، واستئناف الإجراءات الأمنية المشددة على الطائرات القادمة من العاصمة الصومالية والمتوجهة إلى نيروبي، كما تخطط لتعزيز علاقاتها مع الولايات الفيدرالية الصومالية للضغط على الحكومة المركزية، كما هددت بسحب قواتها من المناطق الصومالية بشكل تكتيكي.

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تعتذر بعد نشر خريطة أزيل الصومال منها
وكانت أزمة دبلوماسية اندلعت بين كينيا والصومال في شباط (فبراير) الماضي، حين استدعت كينيا سفيرها لدى الصومال، لوكاس تومبو، وطالبت سفير الصومال لديها، محمد نور ترسن، بمغادرة البلاد بسبب نزاع على مناطق التنقيب عن النفط. وأوضحت وزارة الخارجية الكينية أنّ استدعاء سفيرها في الصومال جاء إثر "طرح الحكومة الصومالية عطاءات التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة البحرية الكينية، الواقعة على الحدود مع الصومال"، وهي منطقة متنازع عليها بين الطرفين.

قفزت أزمة اللاجئين الصوماليين للسطح مجدداً حيث أفادت تصريحات مسؤولي الخارجية الكينية بأنّ تلك المخيمات تمثل "بؤراً للإرهابيين

وكانت الحكومة الصومالية عقدت، في لندن في 8 شباط (فبراير) الماضي، مؤتمراً لعرض مستقبل الاستكشافات النفطية في مياه الصومال الإقليمية الواسعة في المحيط الهندي، وأبرمت مع شركة "اسبيكترام" البريطانية عقداً لإجراء عمليات المسح الجيولوجي والتنقيب الأولي عن النفط الخام قبالة سواحل الصومال في المحيط الهندي. وأعلنت الشركة أنّ المؤتمر شهد عرض دراسات لترسيم الكتلة النهائية لمناطق الاستكشافات النفطية قبالة سواحل الصومال، وأشارت إلى أنّها تتكون من 50 حلقة تغطي مساحة إجمالية تصل إلى 173 ألف كيلومتر مربع، إلا أنّ المنطقة التي تجري فيها الاستكشافات تشمل حدوداً متنازعة مع كينيا.

اقرأ أيضاً: حركة الشباب الصومالية تتخذ من إيران نقطة عبور لتهريب العاج
وفسّرت كينيا الخطوة الصومالية بأنّها عملية بيع لـ 50 حقلاً نفطياً يقع بعضها في المنطقة المتنازع عليها لشركات عالمية في مزاد علني أثناء مؤتمر لندن، في وقتٍ لا تزال المحكمة الدولية تنظر في ملف النزاع الحدودي البحري القائم بين البلدين. كما اتهمت الحكومة الكينية الصومال بتجاهل المعايير الدولية في حل النزاعات الحدودية والخلافات السياسية. ووصفت الخارجية الكينية الخطوة الصومالية بـ "المؤسفة"، مؤكدة أنّها طالبت السفير الصومالي، محمود أحمد ترسن، بمغادرة البلاد دون تحديد مهلة زمنية لعودته.

الرئيس الصومالي

أسباب الأزمة
وظهرت بوادر النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا في عهد الرئيس شريف شيخ أحمد، عندما وقّعت الحكومة الكينية عام 2009 مذكرة تفاهم مع الصومال، بزعامة رئيس الوزراء عمر عبدالرشيد علي شرماركي، في نيروبي، أثناء سعي الصوماليين والمجتمع الدولي لإخراج الصومال من المرحلة الانتقالية فيما عُرِف بوثيقة "خريطة الطريق لإنهاء المرحلة الانتقالية"؛ حيث كانت مسألة ترسيم الحدود البحرية مع كينيا جزءاً من تلك الخريطة، إلا أنّ البرلمان الصومالي آنذاك رفض تلك الاتفاقية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟
واعتبر أعضاء البرلمان وقتذاك، أنّ الاتفاقية تشكّل تهديداً على سيادة الصومال، وأنّها تستغل الضعف الذي تعاني منه الصومال، لما ورد فيها من تحديد سير الحدود البحرية إلى الشرق، وذلك بمحاذاة خط العرض من النقطة التي يلتقي فيها البلدان على الأرض، بينما ترى الحكومة الصومالية أنّ خط الحدود يجب أن يستمر إلى جنوب الشرق إلى البحر بمحاذاة الصومال. وبعد رفض البرلمان الصومالي لمذكرة التفاهم التي وقّعتها كينيا مع الحكومة الانتقالية في 2009، تجدّد النزاع حول الحدود البحرية بين الدولتين مباشرة في 2012، بعدما حددت كينيا ثمانية امتيازات بحرية مطروحة للترخيص للتنقيب عن البترول، يقع سبعة منها في المنطقة المتنازع عليها مع الصومال.

وصفت الخارجية الكينية الخطوة الصومالية بـ"المؤسفة"

دخول المحكمة الدولية
وبعد ذلك توجهت الحكومة الصومالية لبدء مفاوضات مع نظيرتها الكينية لحل النزاع الحدودوي البحري بين الدولتين عبر المفاوضات والقنوات الدبلوماسية، إلا أنّ الحكومة الصومالية أعلنت فشل المفاوضات بينها وبين الحكومة الكينية بشأن النزاع الحدودي البحري، ورفعت إلى محكمة العدل الدولية  (ICJ) في لاهاي شكوى ضد كينيا في 28 من آب (أغسطس) 2014، بهدف حسم النزاع بين الدولتين بواسطة المحكمة الدولية.

اقرأ أيضاً: الحرب الأمريكية في الصومال بعهد ترامب.. هذا ما كشفه تقرير أممي
وعقدت المحكمة أول جلسة استماع للمحكمة في الفترة 19-23 أيلول (سبتمبر) 2016، ثم في الجلسة الثانية في أواخر عام 2017، فاز الصومال بأولى جولات النزاع؛ بعدما رفض قضاة محكمة العدل الدولية، المزاعم التي توجه بها محامو كينيا، الأمر الذي دفع كينيا للدفع بزعم عدم اختصاص محكمة العدل الدولية، والمضيّ قدماً في مشاريعها النفطية، ولم تصدر محكمة العدل الدولية حكماً نهائياً حتى الآن في هذا النزاع.
لكن البروفيسور بيتر كاجوانجا، وهو مستشار حكومي سابق ورئيس تنفيذي لمعهد السياسات الإفريقية في كينيا، يرى في تحليل مطوّل له على صحيفة "دايلي نيشين" الكينية، أنّ تحرك الصومال في المحكمة الدولية "خدعة" يجب أن لا تقبل بها كينيا، في وقتٍ يواجه الرئيس الكيني ونائبه دعوات قضائية في المحكمة الجنائية الدولية. ويشير كاجوانجا أنّ المنتقدين في كينيا متوجّسون من الدور المحتمل لعبد القوي أحمد يوسف، وهو من أصل صومالي، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس المحكمة الدولية.
تصعيد كيني جديد
في مقابلة مع " VOA"، قال وزير الخارجية الصومالي، أحمد عيسى عوض، مؤخراً: "إنّ موقف الحكومة الصومالية من هذه القضية متسمك بقرار المحكمة الدولية، ولن يكون هناك أي تفاوض أو تسوية بشأن هذه القضية في خارجها" وأضاف أنّ الصومال لا يريد أن يكون طرفاً في مشكلة مع "الإخوة والجيران الكينيين".

تدخلت كينيا عسكرياً في الصومال في تشرين الأول 2011 بدعوة من الحكومة الصومالية للمساهمة بدحر حركة الشباب الإرهابية

وفي 21 آذار (مايو) 2019، منعت كينيا ثلاثة مسؤولين صوماليين كبار توجهوا لإطلاق برنامج إدارة الصراع عبر الحدود، الذي يرعاه الاتحاد الأوروبي، من دخول أراضيها لعدم وجود تأشيرات.
ويرى مراقبون أنّ كينيا بدأت بالتصعيد ضد الصومال، وتخطط لسحب الامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين الصوماليين، واستئناف الإجراءات الأمنية المشددة على الطائرات القادمة من العاصمة الصومالية والمتوجهة إلى نيروبي؛ حيث ستتعرض للتوقيف والتفتيش في مدينة غارسا الكيينة، كما تخطط كينيا لتعزيز علاقاتها مع الولايات الفيدرالية الصومالية للضغط على الحكومة المركزية، كما هددت بسحب قواتها من المناطق الصومالية بشكل تكتيكي.

خريطة توضح الحدود البحرية المتنازع عليها بين البلدين

مخاوف من تمدّد "الشباب"
تدخلت كينيا عسكرياً في الصومال في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 بدعوة من الحكومة الصومالية للمساهمة في دحر حركة الشباب الإرهابية. وعلى الرغم من أنّ الجنود الكينيين أصبحوا في عام 2012 جزءاً من البعثة الإفريقية في الصومال (أميصوم)، فإنّ الوجود العسكري الكيني يرجع إليه الفضل في طرد حركة الشباب من مدن الجنوب الصومال.

اقرأ أيضاً: الإمارات تواصل عطاءها في اليمن والصومال.. هذا ما قدمته
المحلل الصومالي عبدالعزيز النور رأى أنّ هذه الأزمة الدبلوماسية الحالية بين البلدين ستنال من جهود الدولتين في القضاء على حركة "الشباب" الصومالية المسلحة، ويقول: "في حال استمرار التصعيد الدبلوماسي الحالي  فقد تقرر كينيا سحب قواتها قبل الأوان من الصومال، وهذا بدوره قد يخلق فراغاً أمنياً يمنح الشباب مجالًا لإعادة التنظيم".
ولفت النور، في حديث لـ "حفريات"، إلى أنّه "حتى إذا لم يحدث هذا الانسحاب، فإنّ الخلاف المستمر قد يزيد من استياء السكان المحليين من الوجود العسكري الكيني في الصومال. ويمكن أن تستغل حركة الشباب هذا الاستياء كجزء من آليتها الدعائية لتجنيد مقاتلين جُدد في صفوفها".
ووفق مراقبين؛ كانت العلاقات بين البلدين تتجه من سيئ إلى أسوأ منذ تفجير فندق بنيروبي مطلع العام الجاري، وهو ما عكسه اتهام كينيا الصومال بأنّ الأسلحة المستخدمة في الهجوم تحمل رموزاً وبصمات أسلحة الحكومة الفيدرالية في مقديشو.

ورقة اللاجئين الصوماليين مقابل القات الكيني
يكرّر القادة الكينيون مع اندلاع أي خلاف دبلوماسي مع الصومال، أنّ نيروبي تؤوي أكثر من ربع مليون لاجئ صومالي في مخيمات منتشرة على طول الحدود الكينية الصومالية، كورقة ضغط لتغيير مواقف مقديشو.
وقفزت أزمة اللاجئين الصوماليين إلى السطح مجدداً؛ حيث أفادت تصريحات مسؤولي الخارجية الكينية بأنّ تلك المخيمات تمثل "بؤراً للإرهابيين الذين يشنّون هجمات على العمق الكيني".

اقرأ أيضاً: هل تصلح تركيا لرعاية المفاوضات بين الصومال وصومالي لاند؟
وذكر المحلل السياسي عبدالله حسن، للأناضول، أنّ اللاجئين الصوماليين في المخيمات الكينية "سيدفعون فاتورة باهظة في حال تفاقمت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وأنّ مصيرهم سيكون قاتماً، فإما الرحيل نحو المدن الجنوبية في الصومال، أو البقاء تحت سيف التهديدات ولغة الشد والجذب الدبلوماسية بين البلدين".

من المرجح الوصول إلى حل توافقي للأزمة بين البلدين عن طريق قادة دول الجوار

ويضيف حسن: "كل المصالح المتداخلة بين الشعبين، الاقتصادية منها، وغيرها، ستترك أثراً سلبياً على الشق الإنساني مستقبلاً، سواء بالنسبة لللاجئين الصوماليين أو المقيمين في المدن الكينية وخاصة نيروبي، وحي "إسلي"، الذي يطلق عليه "حي مقديشو الصغير" في كينيا".
وفي آذار (مارس) الماضي، أعلنت الحكومة الكينية اعتزامها إغلاق مخيم اللاجئين بحلول منتصف العام. بسبب "مخاوف تتعلق بالأمن القومي"، إذا حدث ذلك، فإنّ هذا الإغلاق قد يزيد من التوترات مع الصومال؛ لأنه سيكون له تأثير حتمي في إعادة اللاجئين الصوماليين إلى أماكن مضطربة داخل بلدهم الأم.

النور: الخلاف المستمر قد يزيد من استياء السكان المحليين وهو ما قد تستغله حركة الشباب بتجنيد مقاتلين

وفي مقابل ورقة ضغط اللاجئين، تشكلّ الصومال سوق القات الرئيسي لدى كينيا؛ حيث يستحوذ على حوالي 50 طناً من السلع يومياً، بقيمة تزيد على 100 مليون شيلن (مليون دولار)، وفقاً لمكتب الإحصاء الوطني الكيني. وهذا قد يشكل، وفق مراقبين، ورقة بيد الصومال، تستطيع التهديد بوقفه أو الاستراد من إثيوبيا؛ الجارة المنافسة لها في سوق القات.
في الأخير؛ يبدو كلٌّ من الطرفين متمسكاً في موقفه المطالب للحدود البحرية، ويعرض شركات للتنقيب عن النفط في وقتٍ لا يزال النزاع البحري معروضاً على محكمة العدل الدولية، وهذا من شأنه زيادة تصعيد الأزمة، وفي حال تفاقمت الأمور، سواءً بإغلاق مخيم داداب للاجئين أو سحب القوات الكينية من الصومال، فإنّ الأمر لن يكون في صالح كينيا ولا الصومال ولا دول الجوار؛ لأنه سيعطي الفرصة بشكل أكبر لحركة الشباب المجاهدين للقيام بالمزيد من الأعمال الإرهابية في المنطقة.
ويرجح مراقبون؛ إمكانية الوصول إلى حل توافقي للأزمة بين الصومال وكينيا عن طريق قادة دول الجوار، فربما يتدخل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يقود مشروع المصالحات واتفاقات السلام في القرن الإفريقي، خاصة وأنّه يتمتع بعلاقة جيّدة مع كل من الصومال وكينيا. وفي كل الأحوال؛ لا مجال أمام الصومال وكينيا إلا اللجوء إلى ضبط النفس والوسائل الدبلوماسية وحل الأزمات عن طريق الحوار أو الاحتكام إلى القانون الدولي فيما يتعلق بالحدود، وانتظار الحكم الذي ستصدره المحكمة الدولية في أيلول (سبتمبر) المقبل.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟

عدد القراءات

2019-06-10

بعد الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بداية العام الجاري بين كينيا والصومال، وفي تصعيد جديد، تخطط كينيا، وفق مراقبين، لسحب الامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين الصوماليين، واستئناف الإجراءات الأمنية المشددة على الطائرات القادمة من العاصمة الصومالية والمتوجهة إلى نيروبي، كما تخطط لتعزيز علاقاتها مع الولايات الفيدرالية الصومالية للضغط على الحكومة المركزية، كما هددت بسحب قواتها من المناطق الصومالية بشكل تكتيكي.

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تعتذر بعد نشر خريطة أزيل الصومال منها
وكانت أزمة دبلوماسية اندلعت بين كينيا والصومال في شباط (فبراير) الماضي، حين استدعت كينيا سفيرها لدى الصومال، لوكاس تومبو، وطالبت سفير الصومال لديها، محمد نور ترسن، بمغادرة البلاد بسبب نزاع على مناطق التنقيب عن النفط. وأوضحت وزارة الخارجية الكينية أنّ استدعاء سفيرها في الصومال جاء إثر "طرح الحكومة الصومالية عطاءات التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة البحرية الكينية، الواقعة على الحدود مع الصومال"، وهي منطقة متنازع عليها بين الطرفين.

قفزت أزمة اللاجئين الصوماليين للسطح مجدداً حيث أفادت تصريحات مسؤولي الخارجية الكينية بأنّ تلك المخيمات تمثل "بؤراً للإرهابيين

وكانت الحكومة الصومالية عقدت، في لندن في 8 شباط (فبراير) الماضي، مؤتمراً لعرض مستقبل الاستكشافات النفطية في مياه الصومال الإقليمية الواسعة في المحيط الهندي، وأبرمت مع شركة "اسبيكترام" البريطانية عقداً لإجراء عمليات المسح الجيولوجي والتنقيب الأولي عن النفط الخام قبالة سواحل الصومال في المحيط الهندي. وأعلنت الشركة أنّ المؤتمر شهد عرض دراسات لترسيم الكتلة النهائية لمناطق الاستكشافات النفطية قبالة سواحل الصومال، وأشارت إلى أنّها تتكون من 50 حلقة تغطي مساحة إجمالية تصل إلى 173 ألف كيلومتر مربع، إلا أنّ المنطقة التي تجري فيها الاستكشافات تشمل حدوداً متنازعة مع كينيا.

اقرأ أيضاً: حركة الشباب الصومالية تتخذ من إيران نقطة عبور لتهريب العاج
وفسّرت كينيا الخطوة الصومالية بأنّها عملية بيع لـ 50 حقلاً نفطياً يقع بعضها في المنطقة المتنازع عليها لشركات عالمية في مزاد علني أثناء مؤتمر لندن، في وقتٍ لا تزال المحكمة الدولية تنظر في ملف النزاع الحدودي البحري القائم بين البلدين. كما اتهمت الحكومة الكينية الصومال بتجاهل المعايير الدولية في حل النزاعات الحدودية والخلافات السياسية. ووصفت الخارجية الكينية الخطوة الصومالية بـ "المؤسفة"، مؤكدة أنّها طالبت السفير الصومالي، محمود أحمد ترسن، بمغادرة البلاد دون تحديد مهلة زمنية لعودته.

الرئيس الصومالي

أسباب الأزمة
وظهرت بوادر النزاع الحدودي البحري بين الصومال وكينيا في عهد الرئيس شريف شيخ أحمد، عندما وقّعت الحكومة الكينية عام 2009 مذكرة تفاهم مع الصومال، بزعامة رئيس الوزراء عمر عبدالرشيد علي شرماركي، في نيروبي، أثناء سعي الصوماليين والمجتمع الدولي لإخراج الصومال من المرحلة الانتقالية فيما عُرِف بوثيقة "خريطة الطريق لإنهاء المرحلة الانتقالية"؛ حيث كانت مسألة ترسيم الحدود البحرية مع كينيا جزءاً من تلك الخريطة، إلا أنّ البرلمان الصومالي آنذاك رفض تلك الاتفاقية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟
واعتبر أعضاء البرلمان وقتذاك، أنّ الاتفاقية تشكّل تهديداً على سيادة الصومال، وأنّها تستغل الضعف الذي تعاني منه الصومال، لما ورد فيها من تحديد سير الحدود البحرية إلى الشرق، وذلك بمحاذاة خط العرض من النقطة التي يلتقي فيها البلدان على الأرض، بينما ترى الحكومة الصومالية أنّ خط الحدود يجب أن يستمر إلى جنوب الشرق إلى البحر بمحاذاة الصومال. وبعد رفض البرلمان الصومالي لمذكرة التفاهم التي وقّعتها كينيا مع الحكومة الانتقالية في 2009، تجدّد النزاع حول الحدود البحرية بين الدولتين مباشرة في 2012، بعدما حددت كينيا ثمانية امتيازات بحرية مطروحة للترخيص للتنقيب عن البترول، يقع سبعة منها في المنطقة المتنازع عليها مع الصومال.

وصفت الخارجية الكينية الخطوة الصومالية بـ"المؤسفة"

دخول المحكمة الدولية
وبعد ذلك توجهت الحكومة الصومالية لبدء مفاوضات مع نظيرتها الكينية لحل النزاع الحدودوي البحري بين الدولتين عبر المفاوضات والقنوات الدبلوماسية، إلا أنّ الحكومة الصومالية أعلنت فشل المفاوضات بينها وبين الحكومة الكينية بشأن النزاع الحدودي البحري، ورفعت إلى محكمة العدل الدولية  (ICJ) في لاهاي شكوى ضد كينيا في 28 من آب (أغسطس) 2014، بهدف حسم النزاع بين الدولتين بواسطة المحكمة الدولية.

اقرأ أيضاً: الحرب الأمريكية في الصومال بعهد ترامب.. هذا ما كشفه تقرير أممي
وعقدت المحكمة أول جلسة استماع للمحكمة في الفترة 19-23 أيلول (سبتمبر) 2016، ثم في الجلسة الثانية في أواخر عام 2017، فاز الصومال بأولى جولات النزاع؛ بعدما رفض قضاة محكمة العدل الدولية، المزاعم التي توجه بها محامو كينيا، الأمر الذي دفع كينيا للدفع بزعم عدم اختصاص محكمة العدل الدولية، والمضيّ قدماً في مشاريعها النفطية، ولم تصدر محكمة العدل الدولية حكماً نهائياً حتى الآن في هذا النزاع.
لكن البروفيسور بيتر كاجوانجا، وهو مستشار حكومي سابق ورئيس تنفيذي لمعهد السياسات الإفريقية في كينيا، يرى في تحليل مطوّل له على صحيفة "دايلي نيشين" الكينية، أنّ تحرك الصومال في المحكمة الدولية "خدعة" يجب أن لا تقبل بها كينيا، في وقتٍ يواجه الرئيس الكيني ونائبه دعوات قضائية في المحكمة الجنائية الدولية. ويشير كاجوانجا أنّ المنتقدين في كينيا متوجّسون من الدور المحتمل لعبد القوي أحمد يوسف، وهو من أصل صومالي، ويشغل حالياً منصب نائب رئيس المحكمة الدولية.
تصعيد كيني جديد
في مقابلة مع " VOA"، قال وزير الخارجية الصومالي، أحمد عيسى عوض، مؤخراً: "إنّ موقف الحكومة الصومالية من هذه القضية متسمك بقرار المحكمة الدولية، ولن يكون هناك أي تفاوض أو تسوية بشأن هذه القضية في خارجها" وأضاف أنّ الصومال لا يريد أن يكون طرفاً في مشكلة مع "الإخوة والجيران الكينيين".

تدخلت كينيا عسكرياً في الصومال في تشرين الأول 2011 بدعوة من الحكومة الصومالية للمساهمة بدحر حركة الشباب الإرهابية

وفي 21 آذار (مايو) 2019، منعت كينيا ثلاثة مسؤولين صوماليين كبار توجهوا لإطلاق برنامج إدارة الصراع عبر الحدود، الذي يرعاه الاتحاد الأوروبي، من دخول أراضيها لعدم وجود تأشيرات.
ويرى مراقبون أنّ كينيا بدأت بالتصعيد ضد الصومال، وتخطط لسحب الامتيازات الممنوحة لكبار المسؤولين الصوماليين، واستئناف الإجراءات الأمنية المشددة على الطائرات القادمة من العاصمة الصومالية والمتوجهة إلى نيروبي؛ حيث ستتعرض للتوقيف والتفتيش في مدينة غارسا الكيينة، كما تخطط كينيا لتعزيز علاقاتها مع الولايات الفيدرالية الصومالية للضغط على الحكومة المركزية، كما هددت بسحب قواتها من المناطق الصومالية بشكل تكتيكي.

خريطة توضح الحدود البحرية المتنازع عليها بين البلدين

مخاوف من تمدّد "الشباب"
تدخلت كينيا عسكرياً في الصومال في تشرين الأول (أكتوبر) 2011 بدعوة من الحكومة الصومالية للمساهمة في دحر حركة الشباب الإرهابية. وعلى الرغم من أنّ الجنود الكينيين أصبحوا في عام 2012 جزءاً من البعثة الإفريقية في الصومال (أميصوم)، فإنّ الوجود العسكري الكيني يرجع إليه الفضل في طرد حركة الشباب من مدن الجنوب الصومال.

اقرأ أيضاً: الإمارات تواصل عطاءها في اليمن والصومال.. هذا ما قدمته
المحلل الصومالي عبدالعزيز النور رأى أنّ هذه الأزمة الدبلوماسية الحالية بين البلدين ستنال من جهود الدولتين في القضاء على حركة "الشباب" الصومالية المسلحة، ويقول: "في حال استمرار التصعيد الدبلوماسي الحالي  فقد تقرر كينيا سحب قواتها قبل الأوان من الصومال، وهذا بدوره قد يخلق فراغاً أمنياً يمنح الشباب مجالًا لإعادة التنظيم".
ولفت النور، في حديث لـ "حفريات"، إلى أنّه "حتى إذا لم يحدث هذا الانسحاب، فإنّ الخلاف المستمر قد يزيد من استياء السكان المحليين من الوجود العسكري الكيني في الصومال. ويمكن أن تستغل حركة الشباب هذا الاستياء كجزء من آليتها الدعائية لتجنيد مقاتلين جُدد في صفوفها".
ووفق مراقبين؛ كانت العلاقات بين البلدين تتجه من سيئ إلى أسوأ منذ تفجير فندق بنيروبي مطلع العام الجاري، وهو ما عكسه اتهام كينيا الصومال بأنّ الأسلحة المستخدمة في الهجوم تحمل رموزاً وبصمات أسلحة الحكومة الفيدرالية في مقديشو.

ورقة اللاجئين الصوماليين مقابل القات الكيني
يكرّر القادة الكينيون مع اندلاع أي خلاف دبلوماسي مع الصومال، أنّ نيروبي تؤوي أكثر من ربع مليون لاجئ صومالي في مخيمات منتشرة على طول الحدود الكينية الصومالية، كورقة ضغط لتغيير مواقف مقديشو.
وقفزت أزمة اللاجئين الصوماليين إلى السطح مجدداً؛ حيث أفادت تصريحات مسؤولي الخارجية الكينية بأنّ تلك المخيمات تمثل "بؤراً للإرهابيين الذين يشنّون هجمات على العمق الكيني".

اقرأ أيضاً: هل تصلح تركيا لرعاية المفاوضات بين الصومال وصومالي لاند؟
وذكر المحلل السياسي عبدالله حسن، للأناضول، أنّ اللاجئين الصوماليين في المخيمات الكينية "سيدفعون فاتورة باهظة في حال تفاقمت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، وأنّ مصيرهم سيكون قاتماً، فإما الرحيل نحو المدن الجنوبية في الصومال، أو البقاء تحت سيف التهديدات ولغة الشد والجذب الدبلوماسية بين البلدين".

من المرجح الوصول إلى حل توافقي للأزمة بين البلدين عن طريق قادة دول الجوار

ويضيف حسن: "كل المصالح المتداخلة بين الشعبين، الاقتصادية منها، وغيرها، ستترك أثراً سلبياً على الشق الإنساني مستقبلاً، سواء بالنسبة لللاجئين الصوماليين أو المقيمين في المدن الكينية وخاصة نيروبي، وحي "إسلي"، الذي يطلق عليه "حي مقديشو الصغير" في كينيا".
وفي آذار (مارس) الماضي، أعلنت الحكومة الكينية اعتزامها إغلاق مخيم اللاجئين بحلول منتصف العام. بسبب "مخاوف تتعلق بالأمن القومي"، إذا حدث ذلك، فإنّ هذا الإغلاق قد يزيد من التوترات مع الصومال؛ لأنه سيكون له تأثير حتمي في إعادة اللاجئين الصوماليين إلى أماكن مضطربة داخل بلدهم الأم.

النور: الخلاف المستمر قد يزيد من استياء السكان المحليين وهو ما قد تستغله حركة الشباب بتجنيد مقاتلين

وفي مقابل ورقة ضغط اللاجئين، تشكلّ الصومال سوق القات الرئيسي لدى كينيا؛ حيث يستحوذ على حوالي 50 طناً من السلع يومياً، بقيمة تزيد على 100 مليون شيلن (مليون دولار)، وفقاً لمكتب الإحصاء الوطني الكيني. وهذا قد يشكل، وفق مراقبين، ورقة بيد الصومال، تستطيع التهديد بوقفه أو الاستراد من إثيوبيا؛ الجارة المنافسة لها في سوق القات.
في الأخير؛ يبدو كلٌّ من الطرفين متمسكاً في موقفه المطالب للحدود البحرية، ويعرض شركات للتنقيب عن النفط في وقتٍ لا يزال النزاع البحري معروضاً على محكمة العدل الدولية، وهذا من شأنه زيادة تصعيد الأزمة، وفي حال تفاقمت الأمور، سواءً بإغلاق مخيم داداب للاجئين أو سحب القوات الكينية من الصومال، فإنّ الأمر لن يكون في صالح كينيا ولا الصومال ولا دول الجوار؛ لأنه سيعطي الفرصة بشكل أكبر لحركة الشباب المجاهدين للقيام بالمزيد من الأعمال الإرهابية في المنطقة.
ويرجح مراقبون؛ إمكانية الوصول إلى حل توافقي للأزمة بين الصومال وكينيا عن طريق قادة دول الجوار، فربما يتدخل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي يقود مشروع المصالحات واتفاقات السلام في القرن الإفريقي، خاصة وأنّه يتمتع بعلاقة جيّدة مع كل من الصومال وكينيا. وفي كل الأحوال؛ لا مجال أمام الصومال وكينيا إلا اللجوء إلى ضبط النفس والوسائل الدبلوماسية وحل الأزمات عن طريق الحوار أو الاحتكام إلى القانون الدولي فيما يتعلق بالحدود، وانتظار الحكم الذي ستصدره المحكمة الدولية في أيلول (سبتمبر) المقبل.