ما لا تعرفه عن التتار

ما لا تعرفه عن التتار
12608
عدد القراءات

2019-08-04

ترجمة: علي نوّار


يعيش الشعب التتري في مجموعات عدة موزّعة على بلدان مختلفة، ويشكّلون أغلبية سكانية في جمهورية تتارستان الروسية، التي تدافع سلطاتها عن القومية التترية، أو النظرة إلى التتار باعتبارهم مجموعة واحدة. ويعدّ هذا هو الموقف الرسمي للمؤتمر العالمي للتر، رغم أنّ الدليل الجيني والتاريخي يفنّد ذلك. بيد أنّه يمكن النقاش بشأن الأصل المشترك للمجموعات التترية المختلفة، لكن من الواضح أنّها لا تتشارك جميعاً المصير ذاته.

يعيش الشعب التتري في مجموعات عدة موزّعة على بلدان مختلفة ويشكّلون أغلبية سكانية في جمهورية تتارستان الروسية

هناك أكثر من فرضية حول الجذور الاشتقاقية لكلمة تتر أو تتار لكن لم يتسنّ إثبات صحة أيٍّ منها. كما أنّه لا توجد أرقام دقيقة، على الرغم من أنّ التقديرات تشير إلى أنّ هناك 6 ملايين تتري في جميع أنحاء العالم، يعيش 5 ملايين منهم في روسيا؛ حيث يمثّلون 3.87% من إجمالي تعداد السكان، دون احتساب الذين يعيشون في شبه جزيرة القرم، ويعيش نصفهم في الجمهورية التي تأسّست من أجلهم وهي تتارستان.

ولا يُعتبر التتار مجتمعاً متجانساً؛ بل ينقسمون إلى مجموعات تنحدر منها مجموعات فرعية لا يجمعها أصل جيني أو مصير مشترك. فبينما تمكّن التتار الذين يعيشون بالمناطق الوسطى من الأراضي الروسية من الحصول على إقليم ذاتي الحكم، ما انفك تتار شبه جزيرة القرم يعانون الملاحقة.

ثلاث فتيات في قازان، 1975 - المصدر: توماس ت. هاموند في كوميكس ويكيميديا

ولعلّ السبب الرئيس وراء استحالة الوقوف على عدد التتار على مستوى العالم لا يكمن في عدم وجود إحصاء، بل في ذاتية مفهوم الهوية، لا سيما أنّ روسيا دولة متعدّدة القوميات حيث يمتدّ مفهوم المواطنة ليشمل جنسيات مختلفة دون أن يعني ذلك إسقاط امتيازات المواطنين. علاوة على أنّ التمازج بين العرقيات العديدة أسهم في حدوث خليط محتوم وتداخل الأعراق تاريخياً.

أصل غير معلوم وقيام الدولة

في كثير من الأحيان يسقط التاريخ فريسة للأيدولوجيا، وقد حدث ذلك مع التتار. ويتباحث المؤرّخون حول أصل التتار ويربطونه بشعوب مختلفة. وتوجد ثلاث نظريات حول أصل التتار: الأولى أنّهم ينحدرون من أصول بلغارية، والثانية أنّهم من أصول تتر-تركية، والثالثة أنّهم من أصول تترية-منغولية. تتشارك الفرضيات الثلاث جوانب عدة لكنّها تختلف بشأن الدور الذي تمنحه كل واحدة منها للأطراف الخارجية في صياغة الهوية التترية.

فضّلت السلطات الروسية الحالية زيادة خطاب الكراهية تجاه التتر بغية دفعهم للرحيل عن شبه الجزيرة

وفي حالة فرضية الأصل البلغاري، يجب الأخذ في الاعتبار أنّ دولة بلغار الفولجا أو مملكة الصقالبة أو البلقار التي ظهرت في القرن الثامن لم تكن لها هذه الصلة الوثيقة بدولة بلغاريا الحالية. فمن الناحية الجغرافية كانت دولة بلغار الفولجا موجودة شرقي جبال الأورال والتي منحت لاحقاً النهر اسمه. وطبقاً لهذه النظرية، فإنّ سكان هذه الأرجاء، التي تقوم بها في يومنا هذا جمهورية تتارستان، أقاموا حضارة خاصة بهم لم تشهد تغيّرات كبيرة منذ القرن الثامن. وأطلقت الشعوب المجاورة لسكان بلغار الفولجا عليهم تسمية التتار، وهو المسمّى الذي وافق عليه بعدها بقرون التتر.

وفي الحقيقة، فإنّ هذه الرواية تسمح بالتحقق من كون التتار السكان الأصليين لتتارستان، وأنّ ثقافتهم تطوّرت بدون تدخّلات عظيمة التأثير من ثقافات أخرى أو من القبيلة الذهبية أو مغول الشمال أو مغول القبجاق، وهي دولة مغولية كانت قائمة على أجزاء من أراضي روسيا وأوكرانيا وكازاخستان بعد تفكّك الإمبراطورية المغولية في القرن الثالث عشر، وتصبّ الرواية بالتالي في صالح الأرض والاستقلالية، باعتبار التتر سكاناً أصليين، ورغم اعتماد الاتحاد السوفييتي لرواية الأصل البلغاري بشكل رسمي، إلّا أنّ هذه الفرضية أصابها الوهن في الوقت الحالي.

مجموعات التتار وتوزيعها

أما فرضية الأصل التركي فتتضمّن نشأة الشعب التتري في القرن السادس مع روابط وثيقة بالقومية التركية. وتضفي قدراً كبيراً من الأهمية على الدور الذي لعبته العرقيات التركية القريبة ومغول القبجاق في وجود شعب بلغار الفولجا الذي اضطر لاستبدال طريقة الكتابة الخاصة به من الأبجدية الرونية إلى الأبجدية العربية والتحول للإسلام في عام 922. وبعد اختفاء مغول القبجاق، انقسمت الأراضي التي كانت تخضع لسيطرتهم إلى ممالك (خانات) تترية وحدث نوع من الشتات لعدد من مجموعات التتر التي وصلت إحداها إلى شبه جزيرة القرم. ونظراً للأصل المشترك، يتحدّث التتر جميعاً نفس اللغة وتجمعهم تقاليد متماثلة إلى حد بعيد.

ما تزال كازان عاصمة تتارستان وإحدى 85 جمهورية فيدرالية في روسيا الاتحادية منزلاً يجمع التتار

تختلف النظرية الثالثة عن سابقتيها في أنّها لا تنسب ميلاد شعب التتار إلى منطقة الفولجا بل بعيداً عنها للغاية. يجرى تصوير التتر والمغول على أنّهم قبائل بدوية من أواسط آسيا تم توحيدها لتوجّه أنظارها صوب أوروبا. وتحت هيمنتها، تعرّض سكان جمهورية تتارستان الحالية لاستبدال لغتهم وثقافتهم بلغة وثقافة الغزاة الذين تخلّوا عن طابع الحياة البدوية. كان التتر المغول وثنيين في البداية قبل أن اعتناقهم الإسلام ثم انتهى بهم الحال كعرقية. استغلّ المبشّرون الأرثوذكس في القرن التاسع عشر صورة التتر كغزاة أجانب لأنها كانت تمنحهم الشرعية لرفض الإسلام باعتباره ديناً وافداً. إلّا أنّ هذه الفرضية هي الأضعف نظراً لعدم توافقها مع الدراسات الجينية التي أجريت في الأعوام الأخيرة وهي مرفوضة من قبل التتار الذين يرون أنها تشوّههم.

لا يعيش التتار اليوم فقط في روسيا، حيث يمثّلون ثاني أكبر مجموعة عرقية بعد الروس، بل إنّ كازاخستان وأوزبكستان تشهدان وجود ما يربو عن 400 ألف تتري. كذلك في أوكرانيا، حيث كان دونيتسك هو الإقليم الذي يعيش فيه العدد الأكبر من التتر عام 2001، رغم أنّها كانت مجموعة مختلفة عن تلك التي كانت تسكن القرم. وبعيداً عن إطار ما بعد السوفييتية، تأتي دول تركيا والولايات المتحدة والصين على رأس الوجهات المُفضّلة للتتر، رغم أنّهم كانوا وما يزالوا يشكّلون أقليات فيها.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن اليوم العالمي للتضامن الإنساني

على ضفة نهر الفولجا تقوم مدينة كانت تترية قبل أن تصبح روسية، إنّها كازان. وفي العام 2005 احتفلت هذه المدينة وبصورة رمزية بمرور ألف عام على تأسيسها، حتى ولو لم يكن ثمة تاريخ معروف لنشأتها. وهناك أساطير حول نشأة المدينة يمتزج في أغلبها التاريخ مع السحر، وأبرزها تلك الأسطورة التي تقول إنّ شعباً بلا أرض استعان بساحر كي يشير عليهم ببقعة يسكنوها. وأمرهم الساحر بالبحث عن مكان لدفن جرة تحوي ماء ولا تكون ثمة حاجة لإيقاد النار كي تغلي. أصبح هذا المكان هو مدينة كازان.

خريطة تتارستان الحالية متراكبة على الأراضي البلغارية من نهر الفولغا

وكازان اليوم هي عاصمة تتارستان، إحدى 85 جمهورية فيدرالية في روسيا الاتحادية، وما تزال منزلاً يجمع التتار. وضمّت الإمبراطورية خان التتر عام 1552 وبالسيطرة على كازان من قبل إيفان (الرهيب) أصبحت رمزاً لحروب الاسترداد الروسية على حساب مغول القبجاق، وقد بُنيت كاتدرائية القديس باسيل في موسكو تخليداً لذلك. وخلال الأعوام الأولى التي تلت الضمّ بدا مصير التتر غائماً؛ بين الرغبة في الانتقام واستحالة إدماج المسلمين في دولة أرثوذكسية، كان كل ذلك يشير إلى اندثار الخصائص المميزة للشعب. لكن الأمور لم تسر على هذا النحو مع قرار الإمبراطورة كاترين الثانية العدول عن سياسة القضاء على الإسلام التي انتهجها أسلافها الذين عمدوا إلى هدم المساجد وترحيل الأقلّيات غير المسيحية أو تعميدهم على غير إرادتهم. سافرت كاترين الثانية إلى كازان في آيار (مايو) 1767، وبعد لقائها مع التتار، سمحت لهم بالاستمرار في اعتناق الإسلام.

ومنذ ذلك الحين تعايشت الديانات معاً في المدينة، التي خلّدت الإمبراطورة كاترين الثانية بها وأُطلق عليها لقب (إيبي-باتشا) أو الجدة الصالحة. وبمرور الوقت أخذت كازان تكتسب مزيداً من الحكم الذاتية حتى 1920 حين أصدر الزعيم الراحل لينين مرسوماً يقضي بتسميتها إلى الجمهورية الاشتراكية السوفييتية التترية ذاتية الحكم. ومن بين العرقيات التي سكنتها كان 90% منهم مناصفة من التتر والروس.

تأتي تركيا والولايات المتحدة والصين على رأس الوجهات المُفضّلة للتتار رغم أنّهم كانوا وما يزالوا يشكّلون أقليات فيها

مع بداية حقبة التسعينيات، بدأ الاتحاد السوفييتي وتتارستان يسلكان مسارين متضادين. فمع معاناة الأول من غياب الاستقرار وصولاً إلى تفكّكه، بدأت الجمهورية تصبح أكثر استقلالية. وكان هناك ثلاث شخصيات في هذا الموقف: رجلان يتنازعان على السلطة، وثالث عرف كيف يستفيد من الوضع لصالحه. فقد عارض بوريس يلتسين، رئيس مجلس السوفييت الأعلى لروسيا الاتحادية وقتها، بشكل علني ميخائيل غورباتوشف، رئيس الاتحاد السوفييتي حينذاك. ومن بين الإجراءات التي اتخذها يلتسين كي يحظى بشعبية بين المواطنين، كانت تلك الهادفة لإظهار ضعف الاتحاد السوفييتي والذي كان واضحاً للغاية للجميع لا سيما فيما يتعلّق بالسيطرة على الجمهوريات. وفي 1990 ومن مدينة كازان قال يلتسين "احصلوا على قدر ما تستطيعون من السيادة"، وهو الأمر الذي نفّذه زعيم الحزب الشيوعي في تتارستان مينتيمر شايماييف.

وفي صيف نفس العام، وبإعلان الاستقلال، قامت الجمهورية الاشتراكية السوفييتية التترية، لتضع يدها أخيراً على مواردها، والنفطية بشكل رئيس. وفي 1992 ورغم محاولات يلتسين استمالة وتهدئة تطلّعات دعاة الاستقلال، أجرى شايماييف استفتاء يسأل فيه الشعب عما إذا كان يجدر بالجمهورية أن تكون مستقلة أم لا. جاء رد 61.4% من السكان بالإيجاب، وبمرور الوقت ومع خشيتهما من حمام دم مثلما حدث في الشيشان، أبرم يلتسين وشايماييف اتفاقاً بشأن الحكم الذاتي من أجل الإبقاء على تتارستان داخل روسيا الاتحادية، بيد أنّ المفاوضات في هذا الصدد لم تنته سوى مع حلول العام 2002.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن طائفة الأميش

تُعدّ تتارستان هي الجمهورية الوحيدة داخل الاتحاد الروسي التي يتمتّع زعيمها بمنصب رئيس. ويشترط في المرشح لشغل هذا المنصب بشكل أساسي إتقان اللغتين الرسميتين في الإقليم؛ الروسية والتترية. ومنذ 1991 وحتى اليوم تولّى شخصان فقط منصب رئيس تتارستان، وهما تتريان مسلمان. وتبرز من بين مهام الرئيس السياسية بشكل دائم الحفاظ على التوازن العرقي والديني واللغوي في تتارستان. ويتّسم الميزان العرقي بالثبات مع تغيّرات طفيفة منذ 1920. فوفقاً لاستطلاع أجري عام 2010، ينتمي 53% من السكان للعرق التتري، لتصبح جمهورية تتارستان هي المكان الوحيد في العالم الذي يشكّل فيه التتر أغلبية، مقابل 40% من الروس. إضافة إلى 170 جنسية تتعايش جنباً إلى جنب في تتارستان الحديثة.

خريطة تتارستان العرقية

تتار القرم

على أنّ الدراسات التي أكّدت غياب الصلات الجينية التي تربط تتار الفولجا بتتار القرم، والتي ذُكرت آنفاً، لم تحدث قدراً كبيراً من الاندهاش. فقد أشار بعض المؤرّخين بالفعل من قبل إلى أنّ المجموعتين وفدتا من أماكن مختلفة وتنحدران من عرقيات متباينة. واكتسب تتر القرم تسميتهم ومكانهم من شبه الجزيرة، ويعتبرون أنفسهم مجموعة منفصلة عن الآخرين، وحتى عن جيرانهم الأقرب في إقليم دونيتسك. ووُلدت أول دولة لهم، خان القرم، في أعقاب سقوط دولة مغول القبجاق في القرن الخامس عشر. وفي العام 1790 ضمّت الإمبراطورية الروسية القرم إلى أراضيها، متسبّبة في أول شتات ضخم للتتر؛ نزح 300 ألف تتري إلى الإمبراطورية العثمانية، تركيا المعاصرة. وعاود التاريخ تكرار نفسه عام 1850، إثر حرب القرم، حين اضطر 200 ألف تتري لمغادرة وطنهم الأم.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن الماسونية في البلاد الإسلامية

لكن الحقبة الأكثر ظلمة تحمل هي الأخرى اسماً خاصاً بها وهو (سورجون). كان هذا هو المصطلح الذي أًطلق على الترحيل الجماعي للتتر من شبه جزيرة القرم والذي أمر بتنفيذه الزعيم السوفييتي السابق جوزيف ستالين في آيار (مايو) 1944. وبمجرد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها أشير للتتر بأصابع الاتهام وبشكل جماعي بالتعاون مع الجيش الألماني الغازي. لذلك تعرَضوا للترحيل إلى آسيا الوسطى، وتحديداً إلى صحاري أوزبكستان وكازاخستان. نُقلت أقلّيات أخرى إلى معسكرات العمل بالسُخرة، مثل الشيشانيين والانجوشيتيين وألمان الفولجا وآخرون. وفي غضون ثلاثة أيام فحسب كان 191 ألف من تتار القرم قد رُحّلوا بُناء على تعليمات ستالين فيما لقى 44 ألف حتفهم في أقل من شهرين بسبب ظروف الترحيل القاسية والعمل القسري والحياة هناك.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن ديانة الزن

كانت عملية عودة المُرحّلين وذويهم بطيئة ومستمرّة حتى اليوم بمُعدّل ألف و500 عائد سنوياً. كما ساهمت سياسات الزعيم السوفييتي السابق نيكيتا خروتشوف من أجل عكس تأثير اتجاهات ستالين في منح عفو عام عن الشعوب التي تعرّضت للترحيل، ليتسنّى لـ500 أسرة تترية العودة إلى القرم في الأعوام الأولى التي تلت وفاة ستالين منذ 1957. لكن أحياءهم ومنازلهم كانت مُحتلّة بالفعل. وأفضت التظاهرات المناهضة لعودة التتار إلى حدوث فصل عرقي. ولم يحصل التتار على الجنسية الأوكرانية ونوع من الاستقلالية إلا بحلول العام 1991 حين تمكّنوا من تأسيس برلمان إقليمي (كورولتاي) وكذلك منظمة للمجتمع المدني باسم (المجلس) أو (مؤتمر شعب تتار القرم). كما اتخذت أول حكومة أوكرانية بعد الاستقلال عدة إجراءات بهدف دعم عودة التتار وتوطين هذه الأقلية وأنشأت لذلك مفوضية خاصة لمشكلات تتار القرم.

ترحيل التتار القرم في عام 1944م

سارت الأمور بوتيرة هادئة نسبياً في العقد الأول من القرن الجديد، وحصل تتار القرم على حقوق كثيرة بفضل سياسات الإدماج ودعم منظمات دولية مثل المجلس الأوروبي. بدأ تدريس اللغة والتقاليد التترية في الفصول الدراسية وحدث تعايش بين الأعراق بشكل طبيعي. بيد أنّ عام 2013 كان نقطة تحوّل. فقد اندلعت احتجاجات في أوكرانيا على خلفية قرار حكومة الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش بالتقارب أكثر مع روسيا والتراجع عن توقيع اتفاق الشراكة بين كييف والاتحاد الأوروبي، ليظهر التنافر بين القرم وباقي الأقاليم الأوكرانية؛ حيث كان سكان شبه الجزيرة هم الأقل دعماً لتظاهرات (الميدان الأوروبي). غير أنّه وفي ظل الأجواء العدائية خلال الأشهر التالية للتظاهرات، أكّد التتار موقفهم المؤيد للتقارب مع أوروبا وأظهروا رفضهم لضم روسيا لشبه الجزيرة. وبعد الدعوة لاستفتاء حول وضع القرم في 2014، دعا (المجلس) تتار شبه القرم للامتناع عن التصويت باعتبار أنّ الاستفتاء غير قانوني.

اقرأ أيضاً: أشياء لا تعرفها عن كرواتيا

ومنذ ذلك الحين، باتت الملاحقة مستمرّة وظهرت تقارير عديدة من نشطاء في مجال حقوق الإنسان والمجلس الأوروبي تورد أدلّة على حدوث تمييز بحق تتار القرم في شبه الجزيرة التي ضمّتها روسيا. وتذكر التقارير حالات إيذاء وتهديدات واعتداءات جسدية واختفاء قسري واعتقال تعسفي وانتهاكات لحرية التعبير والتجمّع. ويواجه المُعتقلون، أغلبهم من الرجال، تهم الإرهاب والتطرّف والنزعات الانفصالية. وفي عام 2016 قرّرت المحكمة العليا في روسيا حلّ وحظر (المجلس) باعتباره جهة متطرّفة. وأودع أعضاء هذه المنظمة البالغ عددهم ألفين و500 فرداً السجن بعد رفضهم التوقّف عن ممارسة العمل السياسي.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن مسلمي الصين

لكن وساطة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اجتمع في أكثر من مناسبة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أسهمت في إطلاق سراح عدد من زعماء التتار شريطة مغادرتهم شبه الجزيرة. فضلاً عن أنّ الخوف من الاضطهاد والحملات والاعتقالات العشوائية المتكررة تجبر تتار القرم على الرحيل مجدّداً. وقد أظهر تقرير قدّمته منظمة (هيومن رايتس هاوس فاونديشن) عام 2016 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتعاون مع ثلاث منظمات أوكرانية تنشط في الدفاع عن حقوق الإنسان، أنّه مقارنة بسياسة الترحيل القسري التي اتسمت بها الحقبة الستالينية، فضّلت السلطات الروسية الحالية زيادة خطاب الكراهية تجاه التتار بغية دفعهم للرحيل عن شبه الجزيرة، في أمر أشبه بـ(سورجون) جديد.

خريطة للاحتجاجات في أوكرانيا في عام 2013

هوية هشة

على الرغم من الدليل الجيني، إلّا أنّ القومية التترية، أو فكرة أنّ المجموعات التترية المختلفة تشكّل عرقية واحدة تكتسب مزيداً من القوة اليوم. ويعدّ هذا الموقف هو الأساس الذي يستند إليه (المؤتمر العالمي للتتار) الذي ينعقد بصفة دورية منذ عام 1992. لكن مسألة الهوية التترية لا يمكن تعريفها فقط انطلاقاً من الدين، نظراً لأنّ التتر اليوم ليسوا جميعاً مسلمين، ولا اللغة، خاصة وأن الروسية أخذت في إزاحة التترية في بعض المجتمعات، ولا التاريخ، الذي لا يتشاركه التتار كافة، ولا التسمية، التي فُرضت عليهم. في هذه الحالة لماذا إذن ما تزال فكرة الهوية التترية الواحدة قائمة؟ ربما لأنّه في هذا الموقف وحده يمكن للتتار من كافة المجموعات والبلدان التعامل مع واقع كونهم أقلية.

ينصّ الدستور الروسي على حرية الاختيار فيما يتعلّق بحمل الجنسية، لذا فضّل 5 ملايين تتري، على الأقل، حمل الجنسية التترية. فضلاً عن أنّ تقاليدهم بدأت على مدار الأعوام الأخيرة في اكتساب قدر من الثقل. وتشجّع حكومة تتارستان (إستراتيجية تنمية الشعب التتري) التي ترتكز على الزيجات بين الأشخاص من نفس العرق والحث على استخدام الأسماء واللغة التترية. والاحتفال بالـ(سابانتوي) وهو أبرز عيد تتري، والذي أصبح أهم الأحداث في تتارستان ويجتذب عدداً كبيراً من السياح، ويقترب من دخول قائمة تراث الإنسانية. وترفع حكومة تتارستان شعاراً هو "ليس تترياً من ينحدر من أصول تترية، بل من سيكون أحفاده تتراً".


المصدر: مقال حول التتار وأصولهم ومستقبلهم، إعداد الباحثة كاتيا أوفشينيكوفا نشر بـ "الأوردن مونديال"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

لماذا يعتبر اغتيال قاسم سليماني أهم من تصفية بن لادن؟

2020-01-15

ترجمة: علي نوار


منذ مقتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي السابق، أسامة بن لادن، لم تثر عملية اغتيال هذا القدر من الجدل مثل ذلك الذي أحدثته تصفية قاسم سليماني القائد السابق لـ"فيلق القدس" التابع لقوات "الحرس الثوري الإيراني".

وتوصف هذه العملية بالهجوم الأهم الذي تنفّذه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ عقود، وكان قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بقصف السيارة التي كان يستقلّها القيادي العسكري الإيراني المثير للجدل مفاجئاً للجميع بلا استثناء.

مراسل صحفي: إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بأمريكا، لهذا فالقيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق

لا تزال تبعات هذا الهجوم غير واضحة المعالم بعد، إلّا أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تؤدّي إلى نشوب نزاع عسكري في المنطقة.

لم يكن سليماني شخصية مؤثّرة ذات أفكار مثلما كان أسامة بن لادن، الذي لقي مصرعه عام 2011 خلال عملية عسكرية أيضاً شنّتها الولايات المتحدة على الأراضي الباكستانية، بل كان في الحقيقة يقود السياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، إحدى أبرز القوى العسكرية الإقليمية.

كان المسؤول العسكري رفيع المستوى يحظى بشعبية سياسية سواء داخل بلاده أو خارجها، كما لعب دوراً محورياً كذلك فيما يتعلّق بالتأثير الإيراني في إقليم الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم على حد سواء.

لكن لماذا يكتسب مقتل قاسم سليماني هذا القدر من الأهمية الذي يجعل له نتائج ربّما تكون حتى ذات أصداء أوقع من مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق؟

اقرأ أيضاً: حسابات تركيا من مقتل سليماني

يرى كسرى ناجي، الصحفي بالنسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، أنّ مقتل سليماني حدث جلل غير مسبوق في المنطقة. ولا يمكن مقارنته حتى بتصفية زعيم القاعدة الراحل بن لادن.

ويؤكّد ناجي "لا مجال للمقارنة. سليماني كان شخصية عسكرية وسياسية، يتواجد في المقاعد الأمامية من موقع قيادة دولة، على الجانب الآخر كان بن لادن رجلاً يتزعّم منظّمة مشبوهة ذات أنشطة إرهابية. كان سليماني يقف ووراءه دولة بكاملها بل وجيش بأسره يدعمه. لم يكن بن لادن يتوفّر على شيء من هذا".

بيد أنّ الرؤية من المنظور الأمريكي تختلف تماماً؛ فالرجلان هاجما مواطنين أمريكيين وهذا ما يجعلهما "في نفس الوضع تقريباً"، على حد تعبير ناجي.

والحقيقة أنّ إدارة ترامب كانت تنظر لسليماني على أنّه رجل يده مخضّبة بالدماء، بالضبط مثل زعيم القاعدة السابق.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

ووُجّهت الاتهامات لهذا الجنرال الإيراني بالتخطيط لهجمات بالصواريخ ضد القواعد العسكرية الأمريكية في العراق؛ حيث لقي أحد العاملين الأمريكيين المدنيين حتفه خلالها.

كما تحمّله وزارة الدفاع الأمريكية "بنتاجون" المسؤولية عن التدبير لاعتداءات استهدفت دبلوماسيين أمريكيين في العراق والشرق الأوسط ككلّ.

التصفية التي قد تفضي إلى حرب

إنّ النتائج المحتملة لمصرع قاسم سليماني تجعل هذا الحدث على درجة من الأهمية تفوق أي عملية تصفية أخرى سبق وأن شهدتها المنطقة على مرّ العقود الأخيرة.

لذلك يعتقد ناجي بأنّ "استهداف سليماني قد يفضي إلى اندلاع حرب، لا يستبعد أحد هذه الاحتمالية. كان في نهاية المطاف رجلًا قوياً ضمن قيادة قوة إقليمية"، مذكّراً في ذات الوقت بأنّ قتل بن لادن لم ينتج عنه هذا الكمّ من القلق حيال نشوب نزاع واسع النطاق مثلما هو الوضع حالياً.

ويتابع العالم أجمع في الوقت الراهن تطوّر الأحداث بين الولايات المتحدة وإيران، ويتحدّث الكثيرون عن مواجهة عسكرية محتملة.

وبالفعل، فقد ظهرت عبارة "حرب عالمية ثالثة" سريعاً وعلى المستوى العالمي، وأصبحت أكثر الجمل بحثاً عبر شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم.

وينتظر قطاع كبير رداً إيرانياً قوياً، مثلما حذّر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خامنئي، الذي توعّد بـ "انتقام مزلزل من المجرمين الذين يقفون وراء مقتل الجنرال السابق".

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني

لكن آخرون، ومن بينهم الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ديفيد بترايوس، يرون أنّ الوضع "الهشّ للغاية" الذي تمرّ به إيران قد يؤدّي للحدّ من قدرتها على الرد إزاء ما يصنّفه العديد بـ "إعلان حرب".

كما أنّ بترايوس، الذي سبق له قيادة القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان، يعتبر كذلك أنّ مقتل سليماني أهم بكثير من مصرع بن لادن وأبو بكر البغدادي، الزعيم السابق لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

شعبية عابرة للحدود

كان لسليماني دور محوري في تأكيد النفوذ الإيراني بالإقليم.

تولّى سليماني منذ عام 1988 قيادة "فيلق القدس"، أحد أفرع النخبة في قوات الحرس الثوري، والتي تركّز عملياتها على الخارج.

ويرتبط هذا الجهاز أيضاً بصلات مع حزب الله اللبناني والحركات الشيعية في كل من العراق وأفغانستان، لذا فإنّ تأثير اغتيال سليماني يتجاوز الحدود الإيرانية.

ويؤكّد ناجي "لعب سليماني دوراً رئيساً حين كانت بغداد على وشك السقوط في أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، يُقال إنّه أسهم في إنقاذ المدينة".

ويتابع الصحفي "بالمثل، وحين كان هذا التنظيم الإرهابي على مسافة كيلومترات معدودة من حدود إيران، قاد بنفسه المعارك ضدّ الإرهابيين مجبراً إياهم على التقهقر. لذلك ولأسباب أخرى، يتمتّع بشعبية كبيرة سواء داخل إيران أو في المنطقة ككلّ".

إعلان حرب؟

من جانبه، أعرب دوجلاس سيليمان، السفير الأمريكي السابق لدى العراق حتى مطلع العام 2019 ورئيس معهد دول الخليج العربية في واشنطن حالياً، عن اعتقاده بأنّ كلاً من الولايات المتحدة وإيران تجاوزتا الخطوط الحمراء بالفعل.

وقال سيليمان "عين المتابع هي التي تحدّد ما إذا كان الأمر يتعلّق بإعلان حرب من عدمه وأظنّ شخصياً أنّ إيران والولايات المتحدة بوسعهما تسليط الضوء على سلسلة من التحرّكات التي قام بها الطرف الآخر وتوصيفها بإعلان حرب"، في تصريحات أدلى بها لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟

وعلى سبيل المثال، أشار الدبلوماسي الأمريكي إلى الهجوم الإيراني في مضيق هرمز وإسقاط طائرة أمريكية بدون طيار "درون" العام الماضي. وأوضح أنّ "أيّاً من هذه الاعتداءات نتج عنها ردّ الفعل الأمريكي الذي كانوا ينشدونه".

بيد أنّ سيليمان كشف عن اعتقاده بأنّ الرد الأخير من إدارة ترامب كان متوقّعاً. واستدلّ على ذلك بقوله "حذّروا مراراً وتكراراً ومنذ وقت طويل من أنّ مصرع مواطن أمريكي على يد إيران خط أحمر"، وكان هذا هو تحديداً ما نتج عنه استهداف السيارة التي كان يستقلّها سليماني.

هل سيكون هناك ردّ مدروس؟

أما الشيء الأهم من وجهة نظر سفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق فهو أن يتدخّل المجتمع الدولي من أجل الحيلولة دون حدوث تصعيد وتجنّب نشوب حرب في المنطقة.

وأكد سيليمان "يجب أن يكون هناك ضغط على إيران في التوقيت الحالي كي لا يأتي ردّ فعلها مبالغاً فيه. واعتقد بعد كل شيء أنّه يجب التوقّف عن التفكير في دوافع خوض الحرب، والتفكير عوضاً عن ذلك في أسباب لعدم خوضها".

وبغضّ النظر عما قد يجرى، فإنّ كسرى ناجي يرى أنّ السيناريو الأقرب للحدوث هو أن يكون ردّ إيران على مقتل قاسم سليماني مدروساً.

وأوضح المراسل الصحفي "إيران دولة صغيرة إذا ما قورنت بالولايات المتحدة. بالتالي اعتقد أنّ القيادات الإيرانية ستختار أهدافها بقدر كبير من التدقيق".

ويعتقد ناجي أنّ الحكومة الإيرانية لا تسعى حقًا للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع قوة عظمى "لكن الردّ قد يأتي متمثّلًا في هجمات ضد سفارات أو سفن أو قوافل" وهو النهج الذي تتبعه الجمهورية الإسلامية بالفعل منذ عامين.

على كل حال، ونظراً لأهمّيته، فإنّ مصرع سليماني يشكّل نقطة تحوّل في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإيران.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟

من جانبهم، تصف شخصيات مثل؛ ديفيد بترايوس أهمّية مقتل سليماني بـ"هائلة"؛ لأنّ الرجل، كما اعتبرته مجلّة "فورين بوليسي"، هو "مهندس وقائد عملياتي للجهود الإيرانية الرامية لتعزيز سيطرة ما يُطلق عليه (الهلال الشيعي".

لكن في إيران، وبينما لا يزال البعض يبكون في الشوارع على رحيل القيادي المثير للجدل، ينتظر الكثيرون "انتقاماً شديداً" وعد به المرشد الأعلى.

للمرة الأولى منذ عقود طويلة، لن يكون القول بأنّ الشرق الأوسط بات على حافة البركان أمراً مبالغاً فيه. وهو ما يتّضح من الدعوات للثأر التي تأتي من طهران وبغداد وبيروت. ويدعو هذا الخطاب غير المسبوق لمهاجمة أهداف أمريكية موجودة في المنطقة وخارجها أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

ولعل جزءاً كبيراً من الأزمة، التي قد تنتج عنها اشتباكات أكثر عنفاً وسخونة، يرجع إلى عدم قدرة أي من الطرفين على التراجع للوراء. ومن يعرفون جيّداً مدى أهمية دور سليماني في النظام الإيراني وأجندته الإقليمية يدركون أيضاً أنّ النظام الإيراني غير قادر على الثأر لمقتل القائد السابق لفيلق القدس حتى مع تهديد خامنئي وتوعّده بانتقام سريع، ونفس العجز يسري على ميليشيات الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان.

ولا تستطيع إيران التراجع عن الثأر لسليماني، فقد كان اغتياله ضربة مؤلمة في قلب النظام الحاكم في طهران، لا سيما وأنّ الرجل كان يضطلع بالإشراف على تحالفات واتصالات معقّدة للغاية تمتدّ من أفغانستان إلى لبنان مرورًا بالعراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى خارج الشرق الأوسط.

والحقيقة أنّ سليماني كان مهندس زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة. ولم يكن بوسع أي رئيس أن يُنتخب أو لحكومة أن تتشكّل في لبنان دون موافقته. وينطبق نفس الأمر على العراق. ولم يستطع أي شخص مناقشته في سوريا. ويكفي فقط التذكير بكيف جلب خرائط لسوريا إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ لإقناعه بالتدخّل عسكرياً في البلد العربي وإنقاذ نظام الرئيس بشار الأسد. وكذلك أشرف الرجل على تزويد الحوثيين في اليمن بالصواريخ والطائرات بدون طيار. لكل هذه الأسباب لا يمكن لإيران العدول عن فكرة الانتقام.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟

وعلى الأرجح سيأتي الردّ الإيراني عن طريق وكلاء نظام طهران وسيكون بنفس درجة قوة الضربة التي تلقّتها وأودت بحياة الجنرال الأكثر شهرة وأهمّية في الجمهورية الإسلامية، لذا ستكون الأهداف الأمريكية على المحك، كما لا يُستبعد أن يكون حلفاء الولايات المتحدة على قائمة الأهداف أيضاً.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ورغم قرار الرئيس دونالد ترامب بعدم الردّ على الهجوم الذي أعلنت طهران مسؤوليتها عنه والذي ضرب قواعد عسكرية أمريكية في العراق، متجنّباً بالتالي تصعيداً أكبر، لا تبدو واشنطن قادرة كذلك على التراجع. فقد ذهبت بعيداً لدرجة أنّه لم يعد ثمة مفرّ أمامها سواء الذهاب لما هو أبعد.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني

هناك عامل آخر وراء عجز واشنطن عن التراجع ألا وهو الكرامة الأمريكية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وبالطبع وفوق كل ذلك صورتها في المنطقة والعالم، كل ذلك دون التغافل عن حقيقة أنّ الرجل الجالس على المقعد في المكتب البيضاوي يستعدّ لخوض انتخابات واضعاً نصب عينيه الحصول على فترة ولاية ثانية.

كما أنّ استهداف سليماني ليس عملًا موجّهاً ضد إيران ومؤسساتها فحسب، بل ضد "الجيوش الإرهابية التي تحارب بالوكالة" لحساب نظام طهران والذي عمل على تشكيلها في عدد من دول الجوار. لذلك فإنّ نطاق المواجهة سيكون أوسع بكثير من المُعتقد.

كان سليماني هو المسؤول عن عمليات التسلّل والانقلابات. مزّق خرائط وأعاد رسم أخرى، وشنّ ضربات ضد توازنات القوى الحالية. فعل ذلك في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري وأثناء حرب 2006 ضد إسرائيل ثم بعدها حين تدخّل للحيلولة دون تشكيل حكومة صديقة للغرب.

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط

بالمثل، عمل سليماني على عدم قيام مؤسّسات مستقرة في العراق ما بعد صدام حسين تكون صديقة للغرب. استغل الجنرال أيضاً الفرصة في العراق لتسليح ميليشيات الحراك الشعبي وجعلها قوة نظامية ذات شرعية، ما أدّى بالتبعية للحدّ من التأثير الأمريكي في العراق.
وربما كان الفشل الوحيد الذي مُني به سليماني هو عدم القدرة على التغلغل في البحرين.
على مدار أربعة عقود، تحاشى رؤساء الولايات المتحدة "الرد على إيران داخل إيران". كان تبادل الضربات يجرى على نطاق محدود. حقّقت طهران نجاحاً كبيراً بالتوقيع على الاتفاق النووي والذي لم يحل دون تقليص ممارساتها الإقليمية، لذا مضى سليماني قدماً في سياسة التغلغل خاصته والانقلابات في دول الجوار دون أي قلق.

وتأتي الضربة الأمريكية التي أخرجت سليماني من اللعبة بالتزامن مع لحظة حرجة يمرّ فيها الاقتصاد الإيراني بحالة من التراجع على خلفية العقوبات التي فرضها ترامب، فضلًا عن خروج تظاهرات حاشدة في كل من لبنان والعراق، ما يعكس بصورة ما فشل السياسات المتّبعة حيال الدول التي تمتلك إيران نفوذًا فيها.

ومن العملية العسكرية التي أودت بحياة سليماني، يظهر بجلاء أنّ إيران قلّلت من قدرة ترامب على اتخاذ القرارات الأمنية الصعبة، وخصوصاً بعد استنتاجها أنّه يفضّل العقوبات الاقتصادية على الهجمات العسكرية. وربما كان سليماني يعتقد أنّ أمنه "خط أحمر لن يجرؤ أحد على خرقه دون أن يجلب ذلك حرباً".

في جميع الأحوال "ماتت الخطوط الحمراء مع سليماني" وأصبحنا بصدد فصل جديد أكثر تعقيداً وخطورة في الشرق الأوسط. وفي هذا السيناريو من المحتمل أن يكتسب خطر وتهديد الهجمات الإرهابية التقليدية في المنطقة أبعاداً جديدة وينتقل لقارات أخرى لا تعرف حكومات دولها هذا الخطر وترى التهديد بعيداً عنها للغاية.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bbc.in/36V26IM
https://bit.ly/36RyvQy

للمشاركة:

ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟

2020-01-14

ترجمة: إسماعيل حسن


شكّلت عملية اغتيال قاسم سليماني، بضربة جوية أمريكية بعد مغادرته مطار بغداد، تصعيداً عسكرياً كبيراً بين واشنطن وإيران، والنتيجة الأكثر خطورة، على الأرجح، ستتمثل في استغلال القيادة الإيرانية الحادثة في الضغط على الحكومة العراقية لطرد القوات الأمريكية من العراق، كأحد الحلول التي ستدعمها دول أوروبية لتجنب الوقوع في حرب مفتوحة، في حين.

تبقى إسرائيل إلى جانب العراق كوجهة محتملة لردّ عنيف، سواء من إيران أو حلفائها في المنطقة

وإلى جانب هذا الاحتمال، قدّرت معلومات استخباراتية إسرائيلية أنّ إسرائيل ستكون هدفاً أساسياً في الردّ والانتقام الإيراني لمقتل قائد فيلق القدس، بعد أن أيّدت بشكل كامل خطوة اغتيال سليماني، وذلك بعد إبلاغ واشنطن تل أبيب، قبل يوم واحد، نيتها قتله، وفي أعقاب التأكد من مقتل سليماني، عزّزت إسرائيل حالة الأمن داخل البلاد ورفعت حالة الطوارئ لأعلى مستوياتها؛ حيث قطع في الأثناء، بنيامين نتنياهو، زيارته إلى اليونان، وعاد إلى البلاد للبحث مع الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في احتمالات الانتقام الإيراني المحتمل على العملية؛ كون إسرائيل أسهل وأقرب هدف ممكن أن يتم من خلاله الانتقام؛ حيث تواصل إسرائيل رفع حالة التأهب القصوى في صفوف جنودها المنتشرين على الحدود، إضافة إلى إغلاق جبل الشيخ أمام الإسرائيليين، خشية إطلاق صواريخ على المنطقة من الأراضي السورية.

الكاتب والمحلل السياسي، عاموس هرئيل، يقول: في الأسبوع الماضي كانت هناك أحداث متتالية في العراق، تمثّلت في عرض أمريكا لقوتها، طائرات الأباتشي حلقت في السماء لحماية السفارة الأمريكية، وأعلنت أنّها سترسل المزيد من جنود البحرية إلى الشرق الأوسط، أما الميليشيات الشيعية التي انقضّ رجالها على مبنى السفارة على مدى يومين متتاليين، وأمرت المتظاهرين بالانسحاب ومغادرة المكان، ولا شكّ في أن تكون هذه نهاية القصة أو القصة الحقيقية الأكثر احتمالاً، في أنّ الولايات المتحدة سقطت في فخّ إيران، وهذا يمكنه أن يضع علامات استفهام على مستقبل الوجود الأمريكي في العراق، كلّ الأحداث الأخيرة كانت نتيجة عدد من الأحداث؛ التي بدأت بقرار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، فالعقوبات الاقتصادية أثرت على إيران، وحثّت القيادة على المصادقة للحرس الثوري باتخاذ خطوات استفزازية عسكرية ضدّ أمريكا وحلفائها في الخليج الفارسي، في المقابل؛ فإنّ هدف إيران الرئيس هو دفع واشنطن لرفع العقوبات عنها، والعودة إلى المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، لكنّ هذا لم يساعد إيران؛ ففي الأثناء تفاقمت مشاكل إيران نفسها، بعد أن اجتاحت المظاهرات الحاشدة العراق ولبنان.

اقرأ أيضاً: هل ستكون حماس جزءاً من الردّ الإيراني على مقتل سليماني؟
في العراق؛ قتل أكثر من 450 متظاهراً بنيران الميليشيات الشيعية والأجهزة الأمنية، وفي لبنان لم يحدث قتل، لكنّ هتافات المتظاهرين دعت لعدم تدخل حزب الله وإيران في الشؤون اللبنانية، وبعد هذه المظاهرات بأيام قليلة عمت مدن إيرانية احتجاجات قتل على إثرها عدد من المتظاهرين، على صعيد دونالد ترامب؛ فهو لا يريد التورط بحرب إقليمية في الشرق الأوسط، وبالتأكيد ليس في عام الانتخابات، لكن في الوقت نفسه؛ لم يسمح بأن يكون ضعيفاً أمام استفزازات إيران في المنطقة.

وعندما تركزت الهجمات الإيرانية على الإمارات والسعودية، فإنّ ترامب ضبط نفسه، واكتفى بالتهديدات العامة، لكنّ إيران لم تلبِّ رغبته؛ بل قامت قبل أيام بإطلاق عدد من صواريخ الكاتيوشا على قواعد عراقية يتواجد في داخلها مدنيون أمريكيون، وقف خلفها تنظيم حزب الله العراقي، الموالي للميليشيات الشيعية الإيرانية، وما حدث مؤخراً في محيط السفارة الأمريكية في بغداد لم يكن عفوياً، أو صدفة، الأمر توقف، لكن لم ينته تماماً، القصف الأمريكي والمواجهة العنيفة على سور السفارة، يذكّر بما حدث في أوقات سابقة، وهو بالطبع يخدم المصالح الإيرانية، لقد عادوا وأشعلوا الخلافات الداخلية في العراق حول استمرار وجود خمسة آلاف جندي أمريكي في الدولة، يمكن لما حدث مؤخراً أن يعيد للبرلمان طلب طرد الجنود الأمريكيين، وهي مبادرة طرحت الصيف الماضي في أعقاب الهجوم الأمريكي، الذي نسب إلى إسرائيل ضدّ الميليشيات في العراق، هذا هدف إيراني مهمّ، حتى إن كان هدفاً ثانوياً، لتخفيف العقوبات، اعتادت طهران في الأعوام الأخيرة رؤية ساحة العراق الخلفية ومغادرة الأمريكيين ستسهل عليها تنفيذ مصالحها، إن لم يمنع ذلك استمرار المظاهرات ضدّ الحكومة العراقية.

اقرأ أيضاً: العبقرية الشريرة لقاسم سليماني
وفي هذه الأثناء لا توجد أيّة دلائل على أنّ المواجهة في السفارة التي سارع ترامب إلى تتويجها كانتصار حاسم لسياساته، سيجعل الأمريكيين يفحصون مجدداً اتّباع سياسة عدائية أكثر ضدّ إيران؛ الإيرانيون بواسطة الميليشيات يمكنهم توسيع دائرة الاستهداف ضدّ الأمريكيين في العراق، والأمم المتحدة تقوم الآن برسم حدود ساحة اللعب في العراق، وهي تفضّل التركيز على المبعوثين، لا على من أرسلهم، هجمات الأسبوع الماضي أصابت الميليشيات الشيعية، لا حرس الثورة.

وبحسب تقارير لوسائل الإعلام الأمريكية؛ فإنّ قائد قوة القدس، قاسم سليماني، كان موجوداً في مرمى التصويب بالنسبة إلى أمريكا وإسرائيل منذ أكثر من عقد، وبحسب هذه التقارير؛ فإنّه في عملية اغتيال عماد مغنية، أحد قادة حزب الله، الذي قتل في دمشق قبل أكثر من عشرة أعوام، أرادت إسرائيل تصفية سليماني، الذي كان في الجوار مع مغنية، لكنّ الأمريكيين فرضوا الفيتو، وفي مجمل الأضرار التي تسبّب بها سليماني في الأعوام العشرة الماضية، ربما كان قرار الفيتو خاطئاً، قبل أسبوع على التوالي؛ أشار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، خلال محاضرة أجرتها المؤسسة العسكرية في هرتسيليا، إلى وجود نشاطات إسرائيلية مستقبلية ضدّ الإيرانيين ومبعوثيهم في العراق، لكنّ التصعيد الذي حدث في العراق منذ ذلك الحين، يلزم إسرائيل باتّباع سياسة الحذر، وألّا تكون فريسة لأيّ انتقام إيراني.

المحلل الإسرائيلي هرئيل: لقد تأثر محور المقاومة هو الآخر بعملية اغتيال سليماني، وكانت بمثابة ضربة موجعة

ويتابع الكاتب، هرئيل: الخطوة الحازمة التي اتّخذها الأمريكيون بقرار اغتيال سليماني استقبلت بحماسة في إسرائيل، على قنوات التلفاز ضجّت دعوات التأييد لأمريكا وللرئيس ترامب، حتى إنّ هذه الدعوات طالبت بتسوية إقليمية يتم من خلالها إسقاط نظام وهيمنة طهران. إنّ سياسة ترامب في المنطقة لم تعكس خطّ تفكير متواصلاً، بل تعرج؛ فقد انسحب ترامب قبل عام ونصف من الاتفاق النووي الإيراني، مثلما تعهد في حملته الانتخابية، وبعد ذلك استخدم مقاربة الحد الأعلى من الضغط التي تمّ في إطارها تطبيق عقوبات اقتصادية شديدة على إيران، وعلى شركات أجنبية تعاملت معها، لكن لم تتحقق تلك النتيجة المرغوبة في خضوع إيران لبلورة اتفاق جديد أشد قسوة، والذي قد يشمل تقييد التمدد الإقليمي لإيران؛ بل على العكس، منذ أيار (مايو) الماضي، ردّت طهران بضربات قاسية على منشآت صناعة النفط في الخليج، التي اتّسعت ومسّت المصالح الأمريكية، ترامب ضبط نفسه خلال أشهر كثيرة، أساساً إزاء خوفه من التورط في حرب، وكانت إسرائيل خائبة الأمل من عدم الردّ الأمريكي، في الأسبوع الماضي، قتل مواطن أمريكي بواسطة صاروخ أطلق على قاعدة عراقية، وبعد ذلك اقتحم المتظاهرون مبنى السفارة الأمريكية في بغداد، ردّاً على هجوم أمريكي قتل فيه 25 شخصاً من ميليشيا حزب الله العراقي، الموالية لإيران.

كلّ ذلك أدّى إلى التغيّر الحادّ في موقف الإدارة الأمريكية، تمسّك ترامب بخطه الأحمر، وهو عدم الصمت على مقتل الأمريكيين، أما سليماني؛ فقد دفع حياته ثمناً باهظاً لغطرسته التي اتضحت على مراحل عدة؛ الأولى قرار تصعيد العمليات ضدّ الأمريكيين في العراق، والثانية تمسّكه بالتحرك العلني، كأنّه محصّن من أيّ استهداف محتمل، الجنرال الإيراني لم يهتم بالبقاء تحت الرادار، بالعكس؛ لقد ظهر بشكل علني بين الفينة والأخرى، أثناء وصول طائرته إلى مطارات الشرق الأوسط، وأكثر من مرة خلّد نفسه بصور في زياراته التي نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع قصف الأمريكيين لقوافل صواريخ، وبعد وقت قصير ينشر صور وصوله لمطار بغداد.

اقرأ أيضاً: كيف أطفأتْ إيران بريق مقتل سليماني في أيام؟
ومقابل سليماني كان حسن نصرالله أكثر حذراً في سلوكه، وهو يدرك السبب، ومن الآن سيكون أكثر حذراً، بالتأكيد هناك قاسم بين المقاربة الأمريكية والإسرائيلية في سياسة التصفية المركزة، والتي طورتها إسرائيل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في مرات عديدة عرضت على ترامب خيارات للتصعيد ضدّ التهديد الإيراني، ولدهشة العدد الكبير من المؤيدين؛ اختار السيناريو الأكثر عدائية، وهو اغتيال سليماني، وتحمّل كافة تبعات الردّ الإيراني، هذا القرار مبرر مناسب بالنسبة إلى ترامب وإسرائيل بالطبع، لكنّه لم يضع حداً للمواجهة بين طهران والولايات المتحدة، ولا يوقف التهديد المتواصل ضدّ إسرائيل، ومن هنا يجب أخذ تهديدات إيران بالانتقام من الولايات المتحدة على محمل الجدّ، على الرغم من عدم تهديد إسرائيل، في حين تعدّ الساحة الأكثر احتمالاً للردّ هي العراق؛ حيث يجري فيها الصراع على النفوذ بين طهران وواشنطن، أما السعودية والإمارات فقد تضرّرتا أيضاً.

اقرأ أيضاً: هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني
ويضيف هرئيل: لقد تأثر محور المقاومة هو الآخر بعملية اغتيال سليماني، وكانت بمثابة ضربة موجعة، وإبعاد سليماني سيضعف نشاط العصابات التي أدار معظم نشاطاتها بنفسه، ويحول ذلك المنطقة إلى أكثر أمناً، كما تحدث وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الذي قال: إنّ موت سليماني يحقّق الأمان لمواطني أمريكا في المنطقة، لكنّ هذه التصريحات قد تكون صحيحة على المدى البعيد، أما في الوقت الحالي؛ لا يمكن فقد دعت أمريكا كافة رعاياها في المنطقة إلى المغادرة بأسرع وقت، تحسباً لأيّ هجوم قريب من قبل إيران وميليشياتها.

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟
إلى ذلك، يقول الكاتب والمحلل السياسي، ألوف بن: إنّ الرابح الأكبر من تصفية سليماني هو نتنياهو، فقد كان أسبوعاً ناجحاً له، بدأ بقمع تمرّد جدعون ساعر على رئاسة حزب الليكود، واستمرّ بخشية المحكمة العليا من مناقشة أهلية متهم جنائي بتشكيل الحكومة، وبعد ذلك طلب الحصانة التي ستضع جانباً لوائح الاتهام لفترة طويلة في الكنيست، وانتهى بعملية أمنية أمريكية محفوفة المخاطر أعادت إلى العناوين الوضع الأمني، وأزالت منها ملفات الفساد، ونتيجة لذلك؛ سارعت المعارضة الأمنية من حزب "أزرق أبيض" إلى ترتيب وتسوية الصفوف، في حين إذا كان هناك تصعيد أمني، محلي أو إقليمي، سيزداد الضغط على بيني غانتس ويئير لبيد، للدخول على وزارة الدفاع ووزارة الخارجية، في ظلّ حكومة نتنياهو.

لكن من السابق لأوانه الحديث عن حكومة وحدة، فعلى إسرائيل أن تجتاز الحملة الانتخابية والتركيز على لوائح الاتهام والحصانة في الدفاع عن الدولة في وجه التهديد الإيراني، إن ما فعله ترامب من قتل لسليماني كان بالتأكيد هدية السنة الجديدة لنتنياهو، في مقابل أنّ امتناعه عن الردّ العسكري بعد تدمير منشآت نفط أرامكو في السعودية، بهجوم جوي في أيلول (سبتمبر) الماضي، أثار القلق لدى أصدقاء أمريكا في المنطقة، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت أكثر قلقاً من أن تبقى مكشوفة أمام قاسم سليماني ومؤامراته، وبعدد الصواريخ التي يمكن لإيران أن تطلقها من أراضيها نحو إسرائيل، ينذر ذلك للإسرائيليين بقرب وقوع حرب، لكنّ الضعف الذي أظهرته أمريكا تمّ تفسيره بأنّه إغراء لإيران على رفع المقامرة وزيادة الجرأة، بالنسبة إلى العراق؛ تعدّه إيران دولة تحت الجناح، أما على صعيد الولايات المتحدة؛ فتراها موقعاً خارجياً حيوياً، بعد سلسلة أحداث من زوايا بعيدة نسبياً.

حسن نصرالله كان أكثر حذراً في سلوكه من قاسم سليماني، وهو يدرك السبب، ومن الآن سيكون أكثر حذراً

توجه الإيرانيون إلى السفارة الأمريكية في بغداد، وليس صعباً تخيل النتيجة السياسية لتكرار أزمة الرهائن في طهران بعد سيطرة طلاب إيرانيين على السفارة، عام 1979، وفي أعقاب ذلك؛ أعاد جيمي كارتر المعدات بعد فشله في إعادة الدبلوماسيين المحتجزين، وإذا كانت هذه الأحداث تاريخاً بعيداً بالنسبة إلى ترامب ومستشاريه، فهم حتماً يتذكرون الضرر الذي أصاب عدوته المكروهة، هيلاري كلينتون، بعد الهجوم الدموي على السفارة الأمريكية في بنغازي، عام 2012، ويشير الكاتب، ألون، إلى أنّ اغتيال قائد فيلق القدس أدار الدولاب إلى الوراء، ودفع بترامب إلى إعلانه، وسيبقى في المنطقة، وستلتزم أمريكا بالدفاع عن مصالحها، اختيار الهدف والتنفيذ كان رائعاً؛ هدف يعرف الجميع أنّه لن يمسّ بالمدنيين.

إنّ الثمن السياسي للامتناع عن تنفيذ العملية سيكون أعلى من الانتقاد لخطر الحرب والتورط الذي جاء أيضاً في خصومه من الديمقراطيين والانفصاليين الجمهوريين، الردّ المتأخر الذي يقول إنّ العملية استهدفت منع الحرب لا إشعالها، كان متوقعاً، لكنّه غير مقنع، على صعيد سليماني، ارتكب خطأ إستراتيجياً، فقد صدق التقارير التي شجعه عليها مؤيدوه الذين نشروا صوره وضخموا فيها اسمه، لا شكّ في أنّه كان قائداً شجاعاً، وأنّ زياراته المتواترة والمغطاة إعلامياً عززت مكانته في أوساط جنوده وحلفائه، حركته المكشوفة في مطار بغداد مع قادة الميليشيا أظهرت ثقة زائدة في النفس والاستخفاف بقواعد الأمان الأساسية، لكنّ خطأه الأعمق كان إستراتيجياً، وليس تكتيكياً، مع كلّ الاحترام لشجاعته، كان يترأس قوة صغيرة نسبياً تشارك مع الولايات المتحدة في القضاء على داعش في سوريا، وإبقاء الأسد في الحكم، لكن أطماعه المتواصلة وتصرفاته العدائية ضدّ أمريكا، دفعت إلى تصفيته أسوة بقادة حماس والجهاد الإسلامي"،.
ويختم ألون قوله: "إيران تهدّد بالانتقام والفضائيات مليئة بالتحليلات حول الضربة المتوقعة، ربما ستجد طريقة للرد ولكن يجب ألا ننسى تناسب القوى، ترسانة إيران من الصواريخ الباليستية يمكنها أن تصل لأيّ هدف إذا اضطرت لتوسيع هجماتها، لكن تبقى إسرائيل إلى جانب العراق كوجهة محتملة لردّ عنيف، سواء من إيران أو حلفائها في المنطقة".


مصدر الترجمة عن العبرية: هآرتس
https://www.haaretz.co.il/news/world/middle-east/.premium-1.8353037
https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.8344391
https://www.haaretz.co.il/news/politics/.premium-1.8352747

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



"الوطن الأزرق": أيديولوجيا التدخل التركي في ليبيا

2020-01-16

ترجمة: محمد الدخاخني


في 2 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وافقت الجمعيّة الوطنيّة التّركيّة الكبرى على تفويض نشرٍ عسكريّ فيما يتعلّق بإرسال قوّات إلى ليبيا. ووصف جنكيز شاندر، الصّحافيّ التّركيّ البارز وخبير الشّرق الأوسط، الأمر بأنّه "تفويض بالمغامرة" يدعم الاتّفاق الثّنائي الذي أبرمته تركيا، في 27 تشرين الثّاني (نوفمبر) 2019، مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتفاوت قوّتها ونفوذها من يوم لآخر. كان السّبب الأسمى لتمرير التّفويض على عجل، دون شكّ، رغبة أردوغان في دخول مفاوضات 8 كانون الثّاني (يناير) الجاري، وهو في موقعٍ قويّ أمام فلاديمير بوتين، الّذي يدعم القوّات الّتي تتعزّز تدريجيّاً لخليفة حفتر، قائد الجيش الوطنيّ الّليبيّ، ضدّ حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة. ومع ذلك، يبدو أنّ أردوغان لم يستطع الوصول إلى هدفه، كما ينبغي.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصادفة بين تاريخ تمرير التّفويض والتّاريخ الّذي وقّعت فيه دول إسرائيل واليونان وجمهوريّة قبرص اتّفاق خطّ أنابيب الغاز الطّبيعيّ "إيست-ميد"، لنقل الغاز الإسرائيليّ والقبرصيّ إلى أوروبا، بعثت برسالة دبلوماسيّة منفصلة تماماً. في هذا السّياق، تقوم تركيا، وفقاً لسرديّتها الخاصّة، بقلب الّلعبة الّتي أُديرت في شرق البحر المتوسّط وتحقّق الاستقرار في المنطقة من خلال استباق "المتمرّدين" الّليبيّين الّذين تدعمهم القوّات الغربيّة. هذا، دون شكّ، ما يراه نظام أردوغان وأنصاره - أو، على وجه التّحديد، ما أملوا في رؤيته - في تركيا.

السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة

لكن الجانب الآخر من هذه "المغامرة" مختلف كثيراً وأكثر قتامة. يعدّ هذا القرار مؤشّراً في الأساس على أنّ تركيا ابتعدت عن فهمها الكلاسيكيّ والمركّز على التّوازن للسّياسة الخارجيّة، والّذي بدأت تنأى عنه منذ أوائل العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة. كما أنّه مؤشّر على أنّ تركيا قد تنوي بسهولة استخدام القوّة العسكريّة والمشاركة في النّزاعات القائمة خارج حدودها.
هذه ليست المرّة الأولى لتركيا أردوغان؛ فقد كان هناك وضع حرج في سوريا، يمكن أن يكتسب شرعنة نسبيّة في السّياسة الدّاخليّة بسبب قرب هذا البلد، وبسبب الورقة الكرديّة. لكن تركيا تسعى الآن إلى المشاركة في الفضاء العسكريّ والاجتماعيّ والسّياسيّ المعقّد لليبيا، وهي المكان الّذي قمعته عسكريّاً آخر مرّة حين كانت ليبيا أرضاً عثمانيّة. تركيا لا تمتلك أيّ حدود برّيّة مع ليبيا، لكن لديها مسافة طيران تقارب 1,400 ميل. علاوة على ذلك، وفقاً لمصادر إخباريّة عديدة، تستعدّ تركيا لدفع الجماعات الإسلامويّة الّتي دعمتها في سوريا قبل الانخراط مباشرة، وقد يؤدّي هذا الوضع إلى تفاقم صورة تركيا الدّوليّة الّتي هي موضع إشكال بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل ليبيا جارة تركيا؟!

عندما ننظر في الوقت ذاته إلى كلا جانبي العملة، يمكننا الوصول إلى بعض الاستدلالات. أوّلاً، من الواضح أنّ قضيّة ليبيا لن تجسّد إنجازاً داخل تركيا؛ حيث عادةً ما تستخدم السّياسة الخارجيّة لأغراض سياسيّة محلّيّة. فهذا البلد غير المعروف إلى حدّ كبير، و، لو كان معروفاً، الّذي لا يجد تعاطفاً نحوه في المجتمع التّركيّ، لن يوفّر الكثير من القوّة لنظام أردوغان. ثانياً، لم يكن واقعيّاً أن نتوقّع من حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، الّتي تدعمها تركيا، تولّي زمام الأمور في البلاد. على العكس من ذلك، فإنّ قوّات حفتر، الّتي تدعمها روسيا وبعض الدول العربية، من المرجّح أن تسيطر على البلاد. وفي مثل هذه الحالة، ستكون تركيا قد فشلت والاتّفاقيّات الّتي أبرمتها قد اختفت. أخيراً، ستواجه تركيا مشكلات أكبر بكثير إذا حاولت نشر كتيبة أو سريّة مدرّبة ومسلّحة مؤلّفة من أكثر من 100 إلى 150 فرداً، بناءً على متطلّبات التّفويض. واتّفاقات التّزويد بين المهابط اليونانيّة والمصريّة قد لا تكون طويلة الأجل، وينظر الخبراء بشكّ لما إذا كانت تركيا لديها القدرة العسكريّة الّلازمة للتّغلّب على هذه العقبة.

لماذا تقوم تركيا بهذه المخاطرة الكبيرة؟

باختصار، إنّ السّياسة الحالية الّتي تتّبعها تركيا في ليبيا محفوفة بالمخاطر العسكريّة، وإشكاليّة من منظور العلاقات الدّوليّة، وستحقّق مكاسب قليلة للحكومة التّركيّة الحاليّة في ميزان السّياسة الدّاخليّة. من المؤكّد أنّ تركيا قوّة مهمّة في موازين القوى في شمال إفريقيا والشّرق الأوسط وشرق البحر المتوسط ولا ينبغي استبعادها في عمليّة التّأسيس لأيّ خطّة. وكما هو الحال مع مصر وقبرص وإسرائيل واليونان، يجب أن تردّ تركيا على إقصائها من جانب دول تعتبر حالياً خصومها، لكن هذا الرّدّ يجب ألّا يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل صريح. من ناحية، ربّما تسعى تركيا إلى حلّ النّظام في المنطقة، كما فعلت في شمال سوريا، من خلال اتّفاقيّة تنسيق مع روسيا. لكن، من ناحية أخرى، يجب أن نتذكّر أنّ ليبيا ليست مصدر قلق كبير على الحدود بالنّسبة إلى تركيا كما هو حال سوريا، كما أنّ تركيا لا تحدّد الّلاعبين في ليبيا كما هي الحال في سوريا. فلماذا وكيف تتحمّل تركيا أردوغان هذه المخاطر متعدّدة الجوانب؟ للإجابة عن هذا السّؤال، سيكون من الأفضل البحث عن الدّاعمين الرّئيسين لسياسة تركيا الحاليّة تجاه ليبيا في السّياسة الدّاخليّة التّركيّة، وعندما نفعل ذلك يمكننا أن نرى صورة مثيرة للاهتمام تستحقّ شرحاً.

 

 

الأورو-آسيويّة ومفهوم "الوطن الأزرق"

استخدم الّلواء البحريّ المتقاعد جيم غوردينيز، الّذي حوكم وأدين في محاكمات باليوز (المطرقة الثّقيلة) الّتي نشأت عن الشّراكة بين حركة غولن المثيرة للجدل وحزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعّمه أردوغان، لأوّل مرّة مفهوم "الوطن الأزرق" في 14 حزيران (يونيو) 2006، في ندوة حول البحر الأسود والأمن البحريّ نظّمتها قيادة القوّات البحريّة. ووفقاً له، فإنّ "الوطن الأزرق" هو اسم الأرض الّتي تشتمل على مساحات من الاختصاص البحريّ في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسّط وبحر إيجة (المياه السّاحليّة والجرف القاريّ والمناطق الاقتصاديّة الخالصة) والّتي تحيط تركيا بموارد حيويّة وغير حيويّة. وقد استُخدم هذا المفهوم أيضاً من جانب أعضاء سابقين في القوّات البحريّة، والآن، فريق السّياسيّ التّركيّ دوغ بيرنجيك يُعرّف على أنّه أورو-آسيويّ ويخلق مساحة حرّيّته من خلال استغلال الصّراع بين حركة غولن وحزب العدالة والتّنمية، خاصة بعد منتصف عام 2015. ويجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" باعتباره "الميثاق القوميّ في البحر"، فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب العنيفة في 15 تمّوز (يوليو) 2016، ويمتلكون القدرة على التّأثير عليه بعمق في عمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة مع التّشكيك في أهميّة حلف شمال الأطلسيّ (النّاتو) بالنّسبة إلى تركيا.

يجسّد الأورو-آسيويّون، الّذين يحملون شعار "الوطن الأزرق" فريقاً تعاون مع أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016

يؤكّد هذ الفريق، إلى حدّ ما، على أنّ مكان تركيا ليس في الاتّحاد الأوروبيّ أو في إطار مُهيمنٍ شرق متوسّطيّ يركّز على مصر وإسرائيل، وإنّما في تأسيس هيمنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط بمفردها. في هذا الصّدد، يجادلون بأنّ مصالح تركيا تقع خارج العالم الغربيّ وأنّ تركيا يجب أن تنضمّ إلى المعسكر المعادي للإمبرياليّة الّذي تقوده روسيا والصين. ويتطلّب تحقيق هذا الهدف الحفاظ على الحدود الّتي أطلقوا عليها اسم "الوطن الأزرق". ومن أجل حماية هذه الحدود، توقّع الأورو-آسيويّون أن تتّبع تركيا بعد اتّفاق ليبيا مبادرة من شأنها أن تضمن التّأثير نفسه الّذي حصل في سوريا. ومن بين القضايا الّتي من المؤكّد أنّها غير قابلة للنّقاش سؤال مع من ستعقد تركيا هذا الاتفاق في سوريا.

 

 

محبّة الإخوان المسلمين والسّباق من أجل قيادة الأمّة

من المثير للاهتمام، بالرّغم من زعم الأورو-آسيويّين أنّهم يمثّلون الجناح العلمانيّ المتشدّد في تركيا، أنّهم أوصوا باتّخاذ إجراءات ضدّ ليبيا بنفس مستوى الإسلامويّين الّذين يمثّلهم أردوغان في تركيا. ورؤية السّياسة الخارجيّة الّتي بدأت بشكل ملحوظ خلال فترة ولاية رئيس الوزراء السّابق، أحمد داود أوغلو، تحت اسم "العثمانيّة الجديدة"، وسعت إلى السّيطرة على سكان الأقاليم العثمانيّة السّابقة والتّأثير على مسلمي العالم من خلال السّلطويّة والتّوظيف الفعّال للدّين فشلت بقدر طموح أردوغان في قيادة العالم الإسلاميّ.

يمتلك الأورو- آسيويون قدرة على التّأثير بعمليّة إبعاد تركيا عن انتهاج سياسة خارجيّة تركّز على الغرب ودفعها نحو الكتلة الصّينيّة-الرّوسيّة

هنا، وجدوا السّعوديّة الأكثر قوّة اقتصاديّاً ومصر الأكثر نفوذاً من النّاحية الّلاهوتيّة في وجههم في كلّ مكان تقريباً في العالم. وهذا دفعهم بالضّرورة نحو تعاون عالميّ متعدّد الأوجه مع جماعة الإخوان المسلمين. في النّهاية، زواج أردوغان بين القوميّة والإسلام يتماشى إلى حدّ بعيد مع أيديولوجيا الإخوان المسلمين.
ومع سيادة هذه الظّروف، وجد أردوغان نفسه، والجناح الإسلامويّ المحيط به، بطريقة ما، يدعم رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ الّليبيّة، فايز السّراج، وهو عضو معروف في جماعة الإخوان المسلمين. وبالتّالي، فتحت تركيا أردوغان جبهة أخرى ضدّ السّعوديّة، الّتي دخلت معها في صراعات متعاقبة منذ النّصف الأخير من العقد الثّاني من الألفيّة الحاليّة، وضدّ مصر، الّتي أعلنت تركيا صراحة عداءها لها.

لقاء الغريمين
بالرّغم من أنّ الفريقين، الأورو-آسيويّ والإسلامويّ، كانا في صراع حول أشياء كثيرة في تركيا، فقد تقاطعا، بالضدّ من كلّ الخلافات التّاريخيّة، حول قضيّة ليبيا. وفيما يناور أحد الفريقين لتطليق تركيا من الغرب عندما تتعلّق الأمور بالسّياسة الخارجيّة، يسعى الآخر لبناء حصن جديد في منافسة لا تليق بتديّن تركيا. سيكون من الصّعب تقدير المدى الّذي ستكون عليه الطّبيعة الجماعيّة لهذين الفريقين في السّياسات المحلّيّة التّركيّة، لكنّهما بالتّأكيد أغرقا تركيا في مهرب من شأنه أن يؤثّر تأثيراً عميقاً وسلبيّاً في المنطقة.


أحمد إردي أوزتورك، أوبن ديموكراسي

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/who-pushing-turk...

للمشاركة:

هل ليبيا جارة تركيا؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

سلمان الدوسري

عندما تكون أدوات الدولة السياسية تصادمية وحادة جداً، فهي لا تستطيع استخدام الدبلوماسية أو بالأحرى لا تجيدها. هذا ما ينطبق على السياسة التركية حرفياً، فالأجندات السياسية المتخبطة تطغى على لغة العقل والمنطق والعلاقات الدولية، وتكتيكات الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر تسيطر على ذهنية السلطان في القرن الحادي والعشرين، لذلك تجد نفسها دائماً في صراعات واختلافات وحروب مع الجميع، فما الدولة التي تحظى بصداقة تركيا حالياً؟ إذا استثنينا الدوحة التي تتطابق سياساتها مع أنقرة تماماً، لاعتبارات القاعدة التركية في قطر، فإن بقية دول العالم تضع حواجز ومسافات ومحاذير. فبعد العمليات العسكرية وغزو الشمال السوري، جاءت آخر المغامرات التركية غير المحسوبة بإعلان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تدخل بلاده عسكرياً في ليبيا، قبل أن تبدأ أنقرة في إرسال جنود ومرتزقة، وهي من سبق وأرسل أسلحة، في مخالفة صريحة للشرعية الدولية وانتهاك لقرار مجلس الأمن رقم 1970 لعام 2011، الذي ينص على عدم مد ليبيا بالأسلحة.. كل هذا يحدث رغم عدم وجود حدود مباشرة بين ليبيا وتركيا، فجزيرة كريت اليونانية تفصل بينهما، كما أنه لا توجد بينهما أي فواصل بالبحار حتى يتم توقيع اتفاق بحري لم يعترف به أحد، إلا أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، له تعريف آخر للجغرافيا، عندما صرح أمس بأن «ليبيا جارتنا من البحر»!، ووفق هذا التعريف «العثماني» الخيالي، فإن الهند وباكستان جارتان للسعودية، وسوريا جارة لفرنسا، ولبنان جار لإسبانيا!
تحتل ليبيا المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات النفط، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط 112 عاماً أخرى، وهو قد يكون سبباً كافياً يدفع أنقرة لمحاولة التدخل، خصوصاً مع معاناتها في موارد الطاقة واستيرادها 90% من احتياجاتها النفطية، ناهيك باستهلاكها 500 ألف برميل يومياً، إلا أن الهدف الاقتصادي ليس وحده ما يدفع تركيا إلى التدخل عسكرياً، فلا يخفى على أحد المكانة المتنامية لليبيا كعامل استراتيجي رئيسي في السياسة الخارجية التركية، تستخدمها سواء لمنافسة خصومها القدامى كاليونان أو الجدد كمصر، وكان ذلك يحدث بواسطة أذرعها من الميليشيات، لكنه أصبح يتم بشكل رسمي وفاضح، بالإضافة إلى أن ليبيا تمثل المركز الرئيسي في طرق الهجرة بين القارتين الأفريقية والأوروبية، وهذا الملف استخدمته تركيا جيداً لابتزاز جيرانها الأوروبيين وتهديدهم بغزو المهاجرين السوريين للحصول على مكاسب مادية لا حصر لها، وهي هنا أيضاً تريد أن يكون لها دور جديد، بحيث لا يمكن لأي سياسات مناهضة للمهاجرين في أوروبا التصدي لها دون أن يكون لتركيا يد فيها تمارس ابتزازها مجدداً.
الغزوة التركية لليبيا فشلت قبل أن تبدأ، فبالإضافة إلى صعوبة تنفيذ ذلك على أرض الواقع، واختلاف الظروف الجغرافية التي دفعت أنقرة إلى التدخل العسكري في سوريا، والتي لم تحقق أهدافها حتى الآن على كل حال، فإن السمعة التركية أصبحت في الحضيض عالمياً، ولا توجد دولة لم تُدِن هذا التدخل التركي الغاشم، باستثناء قطر طبعاً التي أيّدته، وغدت السياسة التركية مرتبطة بالتهور والعنجهية والغرور، لذلك فإن السياسة التركية تستحق جائزة المركز الأول في تحقيق الفشل الذريع سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.
وبعيداً عن واجب «الجيرة» الذي دفع تركيا إلى غزو ليبيا، وقبلها سوريا، أليس الأقربون أولى بالمعروف؟ أليس الجزر التركية التي تقول تركيا إنها «محتلة» من اليونان في بحر إيجه أكثر قرباً من سوريا وليبيا؟ فإذا لم تتحرك من أجل تراب بلدك، فكيف تفعلها من أجل تراب دول أخرى؟!

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

للمشاركة:

الصراع في ليبيا: ما حقيقة وجود مقاتلين سوريين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

نددت سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بتصاعد العنف وتدهور الوضع الأمني في البلاد، نتيجة الاقتتال بين حكومة فايز السراج وقوات القائد العسكري خليفة حفتر.

وقالت في بيان إن هذا التدهور "يُبرز مخاطر التدخل الأجنبي السام في ليبيا، مثل وصول المقاتلين السوريين الذين تدعمهم تركيا وكذلك نشر المرتزقة الروس".

فهل يوجد بالفعل مقاتلون سوريون في ليبيا؟

نشرت صحيفة "غارديان" البريطانية، اليوم الأربعاء، تقريرا قالت فيه إن ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريبا إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق المعترف بها دوليا برئاسة فايز السراج.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سورية في الدول الثلاث، سوريا وليبيا وتركيا، تأكيدها أن 300 عنصر من الفرقة الثانية في ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصرا في 29 ديسمبر/ كانون الأول.

وتقول غارديان إنه تم نقل العناصر جوا إلى طرابلس، معقل حكومة الوفاق، حيث تم إرسالهم إلى مواقع المواجهة شرقي العاصمة.

ووفقا للصحيفة، دخل في 5 يناير/ كانون الثاني الجاري نحو 1350 مقاتلا إلى تركيا قادمين من سوريا، وأُرسل بعضهم إلى ليبيا، فيما لا يزال آخرون يتلقون التدريب في معسكرات جنوبي تركيا.

وقد فاقت هذه الأرقام التقديرات السابقة لأعداد المقاتلين السوريين الذين دخلوا إلى ليبيا.

رواتب كبيرة

كما أشارت الصحيفة، نقلا عن مصدر موثوق، إلى أن المقاتلين السوريين سيشكلون فرقة سيطلقون عليها اسم، عمر المختار، زعيم المقاومة الليبية الذي ناضل ضد الاحتلال الإيطالي وأُعدم عام 1931.

وقالت غارديان، إن مصادر في "الجيش الوطني السوري" ذكرت أن المقاتلين أبرموا عقودا لمدة ستة أشهر مع حكومة الوفاق مباشرة وليس مع الجيش التركي، ويحصلون بموجبها على رواتب بقيمة ألفي دولار شهريا للمقاتل الواحد، وهو مبلغ كبير مقارنة بحوالي 90 دولارا شهريا فقط كانوا يتلقونها من تركيا لقتالهم في سوريا.

كما قُطعت وعود لهؤلاء المقاتلين بالحصول على الجنسية التركية.

وأكدت الصحيفة أن أربعة مقاتلين سوريين على الأقل قد قُتلوا في ليبيا، غير أن فصائلهم أعلنت أنهم لقوا مصرعهم في جبهات المواجهة مع المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا.

وتداولت وسائل التواصل الاجتماعي الشهر الماضي لقطات مصورة بهاتف محمول لرجال لهجتهم سورية ويدّعون أنهم ينتمون لـ "الجيش السوري الحر" وأنهم موجودون في ليبيا "للدفاع عن الإسلام".

ونفت كل من أنقرة وطرابلس، وكذلك فعل "الجيش الوطني السوري"، مرارا وتكرارا وجود مقاتلين سوريين في ليبيا.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الأسبوع الماضي إن تركيا نفسها أرسلت حتى الآن 35 جنديا فقط إلى طرابلس بصفة استشارية.

ووفقا للصحيفة، لا يلقى التدخل التركي في ليبيا تأييدا في الشارع التركي على عكس التوغل في أكتوبر/ تشرين الثاني في الأراضي السورية لمواجهة المقاتلين الأكراد.

عن "بي بي سي "

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية