ما لا يفهمه أردوغان: الضوء الأخضر الأمريكي ينتهي قبل سرت

ما لا يفهمه أردوغان: الضوء الأخضر الأمريكي ينتهي قبل سرت

مشاهدة

21/06/2020

ما لا يفهمه أتباع أردوغان أنّ تدخل تركيا وميليشياتها الإرهابية في ليبيا لم يحدث دون ضوء أخضر أمريكي؛ وما لا يفهمه أردوغان، نفسه، أنّ لهذا الضوء حدوداً ينتهي عندها، وتلك الحدود هي سرت والهلال النفطي، وهو ما ظهر في فشل الأتراك وميليشياتهم الإرهابية في الاقتراب من سرت.
يبدو أنّ أردوغان شرب من كأس الوهم الذي سقاه لأتباعه عبر الآلة الإعلامية القطرية الضخمة، لخدمة أطماع أردوغان في المنطقة، فظن أنّ ما تحقق في ليبيا نصر عسكري على قوات الجيش الوطني، ونسب الفضل إلى تدخله العسكري، وانساق في الوهم ليفصح عن أطماعه بالسيطرة على النفط الليبي.

اقرأ أيضاً: "خط أحمر".. ما أهمية محور "سرت-الجفرة" في ليبيا؟
بينما الحقيقة الكاملة غير ذلك، فالمشهد السطحي يتفق مع أوهام أردوغان؛ بأنّ ما تحقق هزيمةً للجيش الوطني، وتمكين لأتباعه من حكومة الوفاق الخاضعة لسيطرة الإخوان المسلمين، ذراعه في العالم العربي، لكنّ قراءة المشهد كاملاً تُظهر صورةً أخرى لن تعجب أردوغان وحلفاءه أن تظهر للعلن، كونها كفيلة بإيقاظ أتباعهم من أوهام النصر التي تروجها آلتهم الإعلامية، تلك الصورة هي أنه لولا رضا واشنطن لما جرؤ أردوغان على إرسال إرهابييه وطائراته وبوارجه إلى ليبيا.

 

ضوء أخضر أمريكي
الحديث عن الضوء الأمريكي الأخضر لم يظهر اليوم بعد انسحاب الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، من محيط طرابلس ومدن الغرب وقاعدة الوطية الجوية، بل يدور منذ نهاية العام الماضي، قبل أن يظهر الدعم التركي لحكومة الوفاق، التي يسيطر عليها الإخوان المسلمين إلى العلن. بتاريخ 10 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كتب ناصر عمار، آمر ما يسمى "قوة الإسناد" بـ"عملية بركان الغضب"، على صفحته على الفيسبوك ما يلي: "تركيا ستتدخل بقوة، وبضوء أخضر أمريكي. قطر والسعودية وحلحلة الكثير من الأمور من بينها الملف الليبي..مصر وتغير لهجة وزير خارجيتها وبداية التخلي عن حفتر.. هذا كله مخاض تحليلات سياسية..والميدان سيبين صدقها من عدمه"، وفق ما نشره موقع "الساعة 24" الليبي.

هاني عمارة لـ"حفريات": انسحاب الجيش الليبي جاء بعد إدراك أنّ كلفة السيطرة على مدن الغرب أعلى بكثير من أهميتها الإستراتيجية

توقعات عمار لم تكن جميعها هباءً، فصدق الجزء الخاص بالضوء الأخضر الأمريكي، بينما كذّب الواقع باقي حديثه. خروج مثل هذه التصريحات من قائد عسكري موالي للإخوان المسلمين تفضح التواطؤ الأمريكي لصالح أردوغان، وهو التواطؤ الذي يخدم مصالح الولايات المتحدة. فواشنطن لم تكن لتسمح بتدخل عسكري تركي إلا إذا وافق مصالحها.
تتمثّل مصالح الولايات المتحدة من التدخل التركي في عدة نقاط وهي: قطع الطريق على أي تدخل روسي محتمل في الملف الليبي، لتفويت الفرصة على استعادة الروس لنفوذهم القوي السابق قبل إطاحة العقيد معمر القذافي، وتأمين وجود غير مباشر في الملف الليبي يحفظ للولايات المتحدة تأثيرها في منطقة حوض البحر المتوسط التي تمثل الخاصرة الجنوبية لحلف الناتو، لحماية جنوب الحلف، ورفض واشنطن لهيمنة أحد المتصارعين في ليبيا على البلاد، كون ذلك يجرها إلى مزيد من العنف، ويفتح الباب أمام تدخل القوى الإقليمية والدولية، ما يهدد أمن البحر المتوسط. تتفق تصريحات الجيش الوطني الليبي مع ذلك، فذكر المتحدث الرسمي باسم القيادة العامة، اللواء أحمد المسماري، بأنّ هناك ضغوطاً وتعهدات دولية وإقليمية مُورست على الجيش للانسحاب من محيط طرابلس ومناطق الغرب، لإفساح الطريق أمام المفاوضات.
وفي حديثه لـ "حفريات" يقول هاني عمارة، الباحث في الإسلام السياسي والدراسات الإسلامية بأنّ ما حدث في غرب ليبيا لم يكن هزيمةً، بل انسحاب مُخطط له، بهدف إتاحة الفرصة للمفاوضات؛ لأنّ حجة الوفاق وأردوغان كانت أنّ الجيش الليبي اخترق الهدنة، وهاجم طرابلس والغرب، لكن بعد الانسحاب لم يعد بيدهم حجة للمماطلة.

 

 

وكانت تركيا بررت دعمها لحكومة الوفاق بهجوم الجيش الوطني على طرابلس، بهدف تحريرها من قبضة الميليشيات الإرهابية، وقبيل التدخل العسكري التركي صرح فؤاد أقطاي، نائب الرئيس التركي في كانون الثاني (يناير) الماضي بأنّ عدم إرسال قوات من بلاده إلى ليبيا مرهون بوقف قوات حفتر هجومها على حكومة الوفاق في طرابلس وتراجعها عنه، وفق ما نشره موقع "دويتشه فيله".
بجانب ذلك ربما تطمح واشنطن لاستغلال التخوف الأوروبي من التدخل التركي في إدارة علاقاتها مع هذه الدول، التي تخشى من تدفق اللاجئين والإرهابيين إليها، ويدعم ذلك ما شهده حكم الرئيس ترامب من خلافات عديدة مع الأوروبيين بشأن الإنفاق العسكري ومشاركة الأوروبيين في نفقات الناتو.

 

 

اقرأ أيضاً: فرنسا: ليبيا قاعدة لتمركز أردوغان شمال إفريقيا بمساعدة الإخوان
علاوةً على ذلك لم يغب عن ذهن صانع القرار الأمريكي أنّ أردوغان شخص ذو مطامع كبيرة، وداعم للإرهابيين، إلا أنّ واشنطن على إدراك تام بقدرتها على تحجيم أردوغان وتأديبه، إذا لزم الأمر، حال تجاوزه للخطوط المرسومة له بدقة، مثلما فعلت واشنطن من قبل حين تركته وحيداً في إدلب في سوريا، فتعرض لهجمات شديدة من قوات النظام السوري وحلفائه الروس، تكبد فيها عشرات القتلى من جيشه، ليهرع بعدها إلى واشنطن طالباً الحماية، مثلما أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في شباط (فبراير) الماضي بأنّ بلاده طلبت من أمريكا إرسال بطاريات صواريخ باتريوت الدفاعية لحماية قواتها في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا.
سرت: مقبرة الإرهاب التركي
تمثّل سرت أهمية استراتيجية كونها تتوسط ليبيا، وهي بوابة لمناطق الهلال النفطي، التي لم يخفي أردوغان أطماعه في السيطرة عليها، خلال تصريحه مساء الإثنين 8 حزيران (يونيو)، والذي جاء فيه: "سندخل سرت لوجود آبار النفط، وبعد ذلك ستكون العمليات أكثر سهولة، لكن وجود آبار النفط والغاز يجعل العمليات حساسة"، وسبق تلك التصريحات أخرى مشابهة لوزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي فاتح دونماز، الذي أعلن أنّ بلاده تقدمت للحصول على تراخيص للتنقيب عن النفط الليبي.

اقرأ أيضاً: ليبيا وصراع المشاريع الثلاثة
تلك التصريحات أظهرت للعلن ما كان أردوغان وأتباعه يخفونه سابقاً، وهو السيطرة على الهلال النفطي قبل الجلوس على مائدة المفاوضات، لإدراكهم أنّ أية مفاوضات قبيل السيطرة على النفط ستجعل من تدخله الكبير هباءً منثوراً، إذ لم يجنِ حتى الآن سوى مساحة كبيرة نسبياً من الصحراء والمدن الصغيرة.
ويوضح ذلك لـ"حفريات" هاني عمارة بقوله إنّ انسحاب الجيش الليبي جاء بعد إدراك أنّ كلفة السيطرة على مدن الغرب أعلى بكثير من أهميتها الإستراتيجية، وبناء على ذلك جاء قرار الانسحاب، وإعادة التمركز في سرت وقاعدة الجفرة لحماية ثروات الليبيين من أطماع أردوغان وحلفائه الإخوان.

 

 

بالنسبة إلى الجيش الليبي وحلفائه الإقليميين والأوروبيين، فإنّ سرت بمثابة خط أحمر أمام أردوغان، وهو ما انعكس في معركة الدفاع عنها، فتكبدت ميليشيات أردوغان خسائر فادحة من بداية الهجوم عليها منذ أيام قليلة، واستخدم الجيش الليبي الغارات الجوية بشكل مكثف، وأسقط عدة طائرات تركية مسيرة، مما يدعم التحليل الذي يرى أن الانسحاب جاء في إطار حراك إقليمي ودولي لاستئناف المفاوضات، وهو ما أكد عليه الباحث في الإسلام السياسي، هاني عمارة.
أطماع أردوغان والمصالح الإقليمية والأوروبية
ليست ليبيا مثل سوريا بالنسبة للأوروبيين والولايات المتحدة، فبينما توحد الموقف الأمريكي والأوروبي ضد نظام الرئيس السوري الأسد، المدعوم عسكرياً من روسيا وإيران وحزب الله، وصب هذا الموقف في صالح إسرائيل، وبالتالي نالت تركيا ضوءاً أخضر واسع المدى لاحتلال أراض سورية، وغُض الطرف عن تأسيسها ودعمها لجماعات إرهابية عديدة لاستخدامها ضد الأسد، اختلف ذلك الموقف حول ليبيا، فالتدخل التركي لا يحظى بمثل التأييد السابق.

 

 

تسعى مصر والإمارات والسعودية ودول أخرى صديقة إلى عودة الاستقرار إلى ليبيا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية

تدرك واشنطن تضارب مصالح حلفائها بخصوص ليبيا، فتعمل على الموازنة بينهم، فمن ناحية سمحت لأردوغان بالتدخل العسكري لتظل ممسكةً بخيوط الملف الليبي، ومن ناحيةٍ أخرى تدرك أنّ تنامي التدخل التركي لن يجلب سوى مزيد من الدمار والفوضى، ولذلك رحبت واشنطن بالمبادرة المصرية الأخيرة بخصوص ليبيا، وكذلك رحبت بها روسيا وأوروبا والإمارات وقوى إقليمية أخرى، ما يؤكد على أنّ ترتيبات العودة للمفاوضات سبقت انسحاب الجيش الليبي، وليس العكس كما يروج الإعلام التركي- الإخواني.
يعزز الموقف المصري التفسير السابق، فالمبادرة المصرية لم تُصغ عقب الانسحاب الليبي، لإنقاذ المشير حفتر، كما يروج الإعلام التركي-الإخواني، بل تم الترتيب لها من قبل بإجراء الاتصالات الدولية والإقليمية والتشاور مع المشير حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، ما يؤكد أنّ هناك تفاهمات حول تحجيم التدخل التركي، والعودة بالبلاد إلى طاولة المفاوضات، وإلا فليس هناك خيار آخر سوى تدخل عسكري أكبر من قوى دولية وإقليمية، وهو ما تدركه واشنطن جيداً.

 

 

وفي تصريح لأردوغان أعلن عن إجراء اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي ترامب، الإثنين الماضي، مشيراً إلى احتمال صياغة البلدين "مبادرة" مشتركة، دون أن يكشف مزيداً من التفاصيل"، وفق ما نقله موقع "يورو نيوز" الإخباري. ويعلق هاني عمارة على ذلك بأنّ اتصال أردوغان وترامب يكشف عن تحرك أردوغان في ليبيا وفق ضوء أخضر أمريكي، كما يكشف عن رفض أمريكا لهجوم أردوغان وميليشيات الوفاق على سرت والهلال النفطي.
تسعى واشنطن لعودة الأطراف الليبية للمفاوضات، كخطوة أولى يتلوها تحجيم النفوذ التركي، حرصاً على مصالح أصدقائها الإقليميين وعلى رأسهم مصر ودول حوض المتوسط الأوروبية، بجانب أنّ سيطرة أردوغان على ليبيا ستضر بالاستقرار في البحر المتوسط، ما يعرقل السياسة الأمريكية تجاه غاز شرق المتوسط، والتي تسعى إلى التعاون مع دول منتدى شرق المتوسط من أجل تأسيس كيان كبير لتصدير الغاز إلى أوروبا، لكسر الاحتكار الروسي لواردات الغاز إليها، خصوصاً بعد إعلان هولندا والنرويج تخفيض صادراتهم من الغاز إلى دول القارة.
بالإضافة إلى ما سبق فهناك مصالح أوروبية متمثلة في الحد من تدفق اللاجئين والمتشددين عبر ليبيا، وهو الأمر الذي لن يتحقق سوى بحل النزاع بين الأطراف الليبية، والانسحاب التركي، والقضاء على المرتزقة الذي جلبهم أردوغان إلى ليبيا. بينما يخطط أردوغان وأتباعه من الإخوان المسلمين بالتعاون مع قطر إلى نهب ثروات الشعب الليبي لاستخدامها في مخططاتهم، تسعى مصر والإمارات والسعودية ودول أخرى صديقة إلى عودة الاستقرار إلى ليبيا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على حماية ثروات الليبيين.

 

 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية