ما ملامح الاستراتيجية التركية في أفغانستان؟

ما ملامح الاستراتيجية التركية في أفغانستان؟

مشاهدة

05/09/2021

بالرغم من حالة الضبابية التي تبدو على السطح بالنسبة إلى الموقف التركي من تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، التي فرضتها سياقات الانسحاب الأمريكي "المفاجئ"، إلا أنّ القيادة التركية، في إطار براغماتية الرئيس أردوغان المعروفة، يبدو أنها تحقق نجاحات في إيجاد موضع قدم لها في أفغانستان، بعد أسابيع من عدم الوضوح، تلت الانسحاب الأمريكي مباشرة، وهو ما يفسر التصريحات المتناقضة التي صدرت عن القيادة التركية تجاه دورها المستقبلي في أفغانستان، والتي انطوت على تناقضات حول الدور المستقبلي للجيش التركي في أفغانستان، بما في ذلك إدارة مطار كابول وتأمين حماية السفارات الأجنبية في كابول.

اقرأ أيضاً: تحذيرات... مخطط تركي إخواني لاستغلال الأفغان في ليبيا .. تفاصيل

تنطلق الاستراتيجية التركية في التعامل مع الملف الأفغاني من مرجعيتين؛ وهما: الأولى العمل عسكرياً وأمنياً تحت سقف وعناوين عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وهو ما تم الاتفاق عليه مسبقاً في لقاء "بايدن- أردوغان" الذي عقد على قمة حلف الأطلسي في بروكسل في مطلع حزيران (يونيو) الماضي، والذي تم خلاله الاتفاق على قيام الجيش التركي بتأمين حماية سفارات الأطلسي في كابول، أمّا المرجعية الثانية، فهي تأمين موافقة النظام السياسي الطالباني الجديد في كابول على تقديم ضمانات للشركات التركية بالمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، وإقامة استثمارات في أفغانستان، واستثمار التوافق المذهبي مع طالبان، في كونها والنظام التركي ضمن المذهب السنّي.

تشغيل مطار كابول يشكّل عنواناً لتركيا لدخول أفغانستان من أوسع الأبواب، ويقدم شهادة حسن سلوك بالنسبة إلى تركيا أمام واشنطن وأعضاء الأطلسي من الأوروبيين

ووفقاً لمقاربة اختلاف "حسابات السرايا والقرايا"، أصبح واضحاً أنّ أمريكا وحلفاءها قرروا ألا تكون تركيا وحيدة في إدارة مطار كابول، وإنما إلى جانب قطر، ومن غير الواضح الكيفية التي ستدخل بها الإمارات على خط إدارة المطار، رغم أنّ سياقات مصالحاتها مع تركيا وقطر ترجح إمكانية الحصول على حصة، لا سيّما أنّ مرجعيات القرار في أدوار كافة الأطراف هي واشنطن.

 تشغيل مطار كابول يشكّل عنواناً لتركيا لدخول أفغانستان من أوسع الأبواب، ويقدم شهادة حسن سلوك بالنسبة إلى تركيا أمام واشنطن وأعضاء الأطلسي من الأوروبيين، الذين تصاعدت خلافاتهم مع الرئيس أردوغان في ملفات تم تبريدها، في شرق المتوسط وليبيا وقضايا التلويح بورقتي داعش واللاجئين السوريين، واستراتيجية العثمانية الجديدة.

اقرأ أيضاً: هل وصلت تركيا إلى مبتغاها في أفغانستان؟ وما علاقة قطر؟

وبالتزامن، فإنّ الرئيس أردوغان يخشى، ضمن حسابات داخلية، أنّ عدم الانصياع للرغبات الأمريكية سيثير غضب أوساط في الدولة الأمريكية العميقة، بما في ذلك احتمالات دعم المعارضة التركية، لا سيّما أنّ كتلة وازنة تجمع فاعلين ديمقراطيين وجمهوريين لا تثق بالقيادة التركية، على خلفية تحالف بين الرئيسين "ترامب وأردوغان".

مؤكد أنّ الاستراتيجية التركية تذهب إلى ما هو أبعد من مجرّد التواجد في مطار كابول وإدارته، ببناء علاقات وثيقة مع طالبان، لا سيّما أنّ لدى تركيا إمكانيات اقتصادية تستطيع من خلالها الإسهام وبفاعلية في "حلحلة" الأوضاع الاقتصادية الأفغانية الصعبة، وهو ما تحتاجه طالبان في المدى المنظور على الأقل لتثبيت دعائم حكمها، وما يمكن أن ينتج عن هذا الدور إثبات الدور الإقليمي لتركيا في أفغانستان، وهو ما سيدفع فاعلين وطامحين للعب دور في الملف الأفغاني إلى التفاوض مع تركيا، بما في ذلك دول تبدو الأكثر تحسباً من وصول طالبان للسلطة كالصين وروسيا وإيران.

سيناريو انصياع أنقرة لمتطلبات واشنطن، وبصورة مكشوفة، سيكون السيناريو الأكثر ترجيحاً، ليس في أفغانستان فقط، بل في كافة الملفات التي لأنقرة يد فيها

ورغم أنّ الاستراتيجية التركية تبقى مبنية على رهانات قابلة للانكسار، إلا أنّ أهم عوامل نجاحها ستبقى مرهونة بمستوى الرضا الأمريكي والأوروبي عن الأداء التركي، وهو ما تحرص عليه وتدركه القيادة التركية بعد وصول الديمقراطيين إلى الحكم، غير أنّ هذه الاستراتيجية ستبقى أمام تحديات، في مقدمتها ردود الفعل الصينية والروسية على الدور التركي الجديد في أفغانستان، والتي تتجاوز التنافس في مشاريع إعادة إعمار أفغانستان، وتصل إلى حدود مخاوف من دور تركي في دعم حركات جهادية "إرهابية" انطلاقاً من أفغانستان ضد موسكو وبكين، على غرار الاستثمار التركي بتلك الحركات في سوريا، وهو ما تشير إليه أوساط كثيرة، تؤكد أنّ طالبان ستقدم ملاذات آمنة لكثير من الفصائل الإرهابية، بما فيها داعش والقاعدة.

اقرأ أيضاً: ماذا سيحدث في أفغانستان بعد انسحاب أمريكا.. وما مصير مطار كابول؟

إنّ الإدارة الأمريكية، المطلوب من أنقرة إرضاؤها، لا تخفي أنّ جوهر استراتيجيتها الدولية هو شن حرب "غير عسكرية" لا هوادة فيها ضد" الصين وروسيا"، تلك الحرب التي لا تتوقف عند إقليم أو رقعة جغرافية محددة، بل تشكّل خريطة دول العالم كله مساحات مواجهة، ومقياس واشنطن فيها، في بناء تحالفاتها مع أيّ دولة، مدى قربها وبعدها من موسكو وبكين، وهو ما يرتب أعباء جديدة على تركيا، ربما تفتقد معها القدرة على توفير مساحات مناسبة للمناورة، وممارسة سياسات ابتزاز الأوروبيين والأمريكان، على غرار السياسات التي مارستها خلال وجود الرئيس "ترامب" في البيت الأبيض، لذا فإنّ سيناريو انصياع أنقرة لمتطلبات واشنطن، وبصورة مكشوفة، سيكون السيناريو الأكثر ترجيحاً، ليس في أفغانستان فقط، بل في كافة الملفات التي لأنقرة يد فيها.

الصفحة الرئيسية