ما هي حكاية الزيني بركات أشهر محتسب بتاريخ مصر؟

9002
عدد القراءات

2018-12-05

لعل أسوأ ما يمكن أن يواجهه المجتمع من شخصيات أولئك الذين يبدون طيبين زاهدين، يشعّ من جباههم خشوع آسر، بينما تقبع في دواخلهم شرور كامنة سرعان ما تعلن عن نفسها بمجرد وصولهم إلى السلطة، لكنّ الأخطر من هؤلاء؛ الشرير الذي إن حقق هدفه، وبلغ مراده، وهيمن وسيطر، اقترف كلّ الموبقات، ومع ذلك يحسبه الناس زاهداً ورعاً، يعمل لصالحهم، ويظلّ محتفظاً بهذه الصورة حتى موته!

اقرأ أيضاً: الصراع على السلطة من دولة الخلافة إلى واقعنا المعاصر

كان من هؤلاء؛ بركات بن موسى، القاضي المصري الذي عاش في أوائل القرن الهجري، وتولى منصب محتسب القاهرة، الذي أحبّه الناس، وذاع صيت عدالته، ونصرته للمظلوم، حتى رفعه الناس على الأكتاف، لكنه فتك بهم سراً، من خلال تأسيسه جهاز تجسّس موازٍ، استطاع من خلاله أن يقترف الموبقات دون أن يدري به أحد، واستمر نفوذه في أواخر حكم المماليك، إلى أن سقطوا فظهر مرة أخرى محتسباً في ظل حكم الغزاة الجدد "العثمانيين".. لقد كان رجلاً لكلّ العصور.

شخصية شبه منسية

لولا أنّ ابن إياس، في كتابه "بدائع الزهور" قد مرّ سريعاً على ذكر بركات بن موسى، الذي أُطلق عليه "الزيني"، لجمال أفعاله، ولولا أنّ الروائي، جمال الغيطاني، قد توقف عند هذا المرور السريع، لمرّت هذه الشخصية مروراً عابراً في التاريخ، دون أن يلتفت إليه أحد.

الروائي جمال الغيطاني

طارد خيال الغيطاني في الستينيات، شبح المخبر البصاص، الذي اشتهرت به تلك الفترة من القرن الماضي في مصر، دون أن يتحول هذا الشبح إلى شحم ولحم، إلا أنّه شعر بوطأته تدوس على أنفاسه، وهو الشاب اليساري، المتحمس الأفكار المهموم بالفلاحين والعمال.

ظل الغيطاني هكذا إلى أن تحققت مخاوفه بوشاية حقيقية ألقت به في غياهب السجون، يشاهد بأم عينيه أفعال التعذيب، فعاد إلى كتاب ابن إياس، ليجد من قصة الزيني وخصمه الشهاب الأعظم، زكريا بن موسى، تاريخاً يعيد نفسه، فجبل وجدانه بالقصة حتى أفرغها بعد خروجه في شكل رواية، أسقطها على واقعه المرير.

شكّل الزيني جهاز بصّاصين موازٍ للجهاز الذي يديره خصمه ابن راضي حتى استطاع التخلص منه

كيف يتحوّل الصالح الطيب إلى وحش مفترس، وكيف تحوّل معذَّب بالأمس إلى جلاد اليوم؟

تفنن الزيني في تعذيب المحتسب السابق عليه، علي بن أبي الجود، ليحصل منه على المال، فلجأ إلى إذاقة الفلاحين أمامه عذاباً منكراً، بغية إخافته وترويعه، على مدى سبعة أيام، منها تعذيب فلاح أمام عينيه "أظهروا حدوتين محميتين لونهما أحمر لشدة سخونتهما، بدؤوا بدقهما في كعب الفلاح المذعور، نفذ صراخ الفلاح إلى ضلوع علي، وكلما حاول إغلاق عينه يصفعه عثمان بقطعة جلد على قفاه، وفي اليومين الرابع والخامس؛ ذبح ثلاثة من الفلاحين المنسيين، أسندت رقابهم إلى صدر علي بن أبي الجود والزيني يدخل ويخرج محموماً مغتاظاً، يسأل: ألم يقرّ بعد؟ لا يجيب أحد، فيضرب الزيني الحجر بيديه، وفي النهاية اعترف أبو الجود، فشنقه الزيني، وعلّق جسده على باب زويلة.

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

لكنّ هذا كلّه لا يُقاس بما جرى مع بدر الدين بن مزهر، الذي أوكل الغوري أمره لبركات، فحرّق أصابعه، وبكماشة حديدية محمية بالنار اقتلع "أبزازه" ثم أطعمه إياها، ولم يتركه حتى خرجت عيناه من وجهة، وسالت على خديه.

تعفف عن المنصب!

بعد عزل وسجن محتسب القاهرة السابق، علي بن أبي الجود، الذي كرهه الناس لمظالمه، وكرهه الأمراء لاستعلائه عليهم، عُيّن الزيني بركات محتسباً للقاهرة، بحسب المرسوم السلطاني الذي وضعه السلطان، قنصوه الغوري، العام 912 هجرية.

اقرأ أيضاً: الجلسات العرفية في مصر تهمّش القانون وتصارع العدالة

تعفّف الزيني عن المنصب، وأظهر رفضه أمام الناس والأمراء، خشية من الله، وحسابه له يوم القيامة، فمثله لا يستطيع أن يبيت ومظلوم يدعو عليه؛ لأنّه لم ينصفه من ظلمه.

انتفض الناس ودشنوا حملة لتنصيب الزاهد المتعفّف، فالذي لا يرضى بالسلطة لن يرضى بالقمع بعد توليته، فقبل الزيني تحت الضغط، وأقام الناس الأفراح واستبشروا.

دعا الشيخ أبو السعود الجارحي "الزيني" إلى بيته، ليوصيه بولاية الحسبة، وكان شيخاً جليلاً محترماً عند الناس، ولا يخشى في الحقّ لومة لائم، ويهابه السلطان نفسه.

غلاف رواية الزيني بركات للكاتب جمال غيطاني

وتحت ضغط الشيخ، ورغبة العامة، قبل الزيني منصب الحسبة على مضض، ثم صعد المنبر ليعاهد الناس بأن يفتح بيته لكلّ مظلوم وذي حاجة، وأنّه سيدور في الأسواق بنفسه ليقتص من الظالم، وأنه لا يخشى سوى الله تعالى.

جاء في نصّ المرسوم السلطاني بشأن تولية الزيني: "لما فيه من فضل وعفّة، وأمانه وعلوّ همة، وقوّة وصرامة، ووفور هيبة، وعدم محاباة أهل الدنيا وأرباب الجاه، ومراعاة الدين، كما أنّه لا يفرق في الحقّ بين الرفيع والحقير، لهذا أنعمنا عليه بلقب الزيني، ويقرن باسمه بقية عمره".

اقرأ أيضاً: قضايا الحسبة في مصر: أئمة التكفير يعتقلون العقل النقدي

تعد الحسبة، أخطر مناصب السلطنة المملوكية، فعلى من يتقلّد هذا المنصب العظيم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يتعرف على الأسعار، ويغلظ على التجار، حتى لا يحتكروا البضائع، كما أنّ عليه أن يعرف ماذا يتردّد على ألسنة الناس، وما يقولونه حتى لو كان في بيوتهم؛ لذلك يعاونه في مهمته كبير بصاصي السلطنة.

قناع الإصلاحي

بين صفحات ابن إياس يمكن تلمُّس كيف أتت شعبية هذا المحتسب؛ الذي كان يلقبه الناس "الحاج بركات"، وتارة أخرى "الزيني"، وشبهوه بيوسف، عليه السلام، في أبيات شعرية.

اصطنع بركات التعفف عن منصب الحسبة حتى حمله الناس على توليه

لم يعتد المصريون آنذاك أن يكون محتسبهم عربياً من بني جدلتهم "كانت أمه تدعى عنق"، وسط حاشية السلطان، بل ويعلو كعبه وقوته على أولئك الأمراء المماليك، والإقطاعيين الأتراك، فأيدوه مع قسوته الباطنة.

في بداية الأمر، بدأ الزيني إصلاحياً، فذهب لتدشين مشروعات برّاقة ولافتة ومحسوسة، لكنّها لم تكن ذات قيمة حقيقية، فنفذ مشروع تعليق الفوانيس في الشوارع من أجل إنارتها ليلاً، وفتح داره لتسلّم المظالم، وألغى الضريبة، ورفع الاحتكار الحاصل على بعض السلع، إلى جانب قرارات تنفيذية اقتصادية رادعة.

اقرأ أيضاً: من سرق أنوار التسامح في المجتمع المصري؟

رقّ بركات لرئيسة المغاني، هيفا اللذيذة، بعد أن عُذِّبت وباعت حليّها من أجل دفع ما فرضه السلطان، فقسّط الزيني لها المبلغ المتبقي.

وفي غياب الغوري، وتولّي طومان باي الأمير المملوكي مكانه، زايد بركات على نائب السلطان، بعد أن منع طومان باي المراكب والباعة من دخول بركة الرطلي والخلجان، خشية أن يفسد الباعة المشهد على نساء الآغاوات، ومع تدخل بركات سمح للباعة بالدخول إلا أنّهم لم يجدوا من يبيعون لهم.

مؤسسة القضاء في عصر المماليك

لم يكن رفض الزيني لمنصبه، في البداية، إلا ليرتفع قدره بين الناس، وأكّد على ذلك من خلال قصقصة ريش صغار التجار والمحتكرين، بينما يتغاضى عن وحوش التجار، مثل برهان الدين بن سيد الناس، الذي تركه يحتكر الفول، وبذلك حمى الزيني نفسه من بطش الأمراء الذين خشوا من قتله، حتى لا ينقلب الشعب عليهم، وفي الوقت ذاته حقق ثروات هائلة من التجار والأمراء أنفسهم.

المحتسب يهزم البصّاص

يشبه جهاز البصاصين المملوكي في عمله أجهزة المخابرات، الذي يُناط به تجنيد الأعين والآذان، في كلّ مهنة وطائفة، لتنقل لهم آراء الناس واتجاههم، كما أنه يعمل على تأديب المارقين عن السلطان، ودسّ الإشاعات والأكاذيب بين الناس لخدمة مصالح السلطان والأمراء.

بعد أن تولّى خصم الزيني بركات، زكريا بن راضي، رئاسة جهاز البصّاصين حاول مواجهته بالدسائس، فأوقع الفتن بين أميرين، كي تضطرب الأمور وتسود الفوضى في الأسواق، ويعجز الزيني عن مواجهتها، كما استطاع استثارة المشايخ للاعتراض على الفوانيس، باعتبارها بدعة تفضح أسرار الناس وتمسّ حرمة النساء.

قبل الناس الظلم وألفوه وعندما كان الزيني يرسل إشارة عدل خفيفة كانوا يهلّلون لصنيعه

قرّر الزيني إقامة جهاز بصّاصين خاص به، وموازٍ للجهاز الذي يديره ابن راضي، ليكون قوه ضاربة في مواجهة خصمه، ومن خلاله تتمّ معرفة الأحوال عن قرب.

بعد فشل الزيني، في البداية، في انتزاع معلومات من علي بن أبي الجود، عن وجود مكان الأموال المخبوءة، اضطر إلى اللجوء إلى نائبه زكريا بن راضي، بعد أن ظلّ لشهور يتجاهل رسائله، وطالبه بأن يكشف له وجود المال، وإلا سيخبر السلطان بواقعة اختفاء غلامه المقرب والذي قتله ابن راضي.

اقرأ أيضاً: السلوك التديني عند الفلاحين في الريف المصري

من هنا، اضطرا للتحالف والتعاون في "البصّ" على الناس، وتحديد نظام دقيق لمعرفة هوياتهم وحصرهم في قوائم، ووصل الأمر إلى درجة عقد اجتماع يضم كافة كبراء البصّاصين في الممالك والإمبراطوريات المجاورة، لتبادل الخبرات في التجسس والمراقبة، واستطاع في النهاية الإيقاع بخصمه اللدود الذي عُزل من منصبه وتم شنقه.

في خدمة السلطان

جمع الزيني الإتاوات الخفية باسم السلطان، وباسم الشيخ أبي السعود، الذي لا يعلم من حقيقة الأمر شيئاً، وبقوة بأس البصّاصين تخرس الألسنة، ورويداً رويداً، قبل الناس الظلم وألفوه، وعندما كان الزيني يرسل إشارة عدل خفيفة، كانوا يهلّلون بعدله، ويقولون "أفضل ممن كان قبله".

السلطان العثماني سليم الأول

كان بركات يطيع الغوري طاعة عمياء، فلم يتورّع عن تعطيش القاهرة 4 أيام متتالية، من أجل توفير السقاية لمولاه؛ ففي إحدى رحلات الغوري؛ فسدت 3 آلاف قربة من الماء، كانت بحوزته، فأرسل إلى الزيني، فما كان من الأخير إلا أن اعتقل 120 جملاً بساقييها، فلما بلغ الخبر بقية السقائين، فرّوا بجمالهم، وظلّت القاهرة أياماً دون ماء.

ومع أنّ الزيني كان رجلاً يحفظ القرآن الكريم، إلا أنّه كاد أن يقوّض مسجد الحاكم بأمر الله، عندما جاءه رجل ليخبره برؤية في المنام، رأى فيه دنانير ذهبية لا تحصى، تحت إحدى دعائم المسجد، ومع جهل الرجل الحالم بمكان الدعامة، أراد بركات هدم جميع دعائم المسجد؛ بحثاً عن الدنانير، إلا أنّ الغوري خشي من مغبة تلك الفعلة.

استمر نفوذه في أواخر حكم المماليك وظهر مرة أخرى محتسباً في ظل حكم الغزاة الجدد "العثمانيين"

ورغم طاعة الزيني المطلقة للغوري، إلا أنّ العلاقة بينهما شهدت توترات كبرى، وصلت حدّ الإطاحة بالزيني من منصبه، إلا أنّه ما لبث أن خضع لأمر السلطان، فعاد مجدداً إلى منصبه ومقامه، بل ويختص بصلاحيات وامتيازات أكبر من التي كانت.
رجل لكلّ العصور

عندما قُتل السلطان الغوري على يد السلطان العثماني سليم الأول في معركة مرج دابق العام 1516، ولحقه بعد عام خلفه ابن أخيه طومان باي، سقطت الدولة المملوكية، فرأى العثمانيون أن يعيدوا إدارة الدولة المصرية بواسطة المماليك أنفسهم، اعتقاداً منهم بأنّهم أدرى بطبيعة هذه البلاد وأهلها، وأنّه لا يصلح غيرهم في إدارة شؤونهم، فعيّنوا والياً عثمانياً ليراقب المماليك في حكمهم.

اختفى الزيني أياماً بعد دخول العثمانيين، حتى ظهر فجأة بعد أن ولاّه الوالي الجديد حسبة القاهرة مرة أخرى، كما كان في العهد السابق.

اقرأ أيضاً: التراث ونهر الحياة الجاري: عندما عبد الناس الفقه والأيديولوجيا والسلاطين

لقد كان الزيني جاسوساً للعثمانيين منذ زمن، وهو الذي أعدم وخوزق عشرات التجار والطلاب، الذين كان يشتبه في اتصالهم بالأتراك، ليوهم الغوري أنّه حامي حمى ملكه، والحارس الأمين على البلاد والعباد.

المدهش؛ أنّ المصريين عبّروا عن سعادتهم بعودة الزيني، وهم الذين تعاطفوا معه قبيل سقوط طومان باي، الذي رفض عودة الزيني بعد خلعه من قبل الشيخ أبي السعود الذي كان له الفضل في تعيينه قبل أحد عشر عاماً.

لولا أنّه ورد في كتاب "بدائع الزهور" وأعاد اكتشافه جمال الغيطاني لما التفت أحد لهذه الشخصية الخطيرة

ذلك أنّ الشيخ أبا السعود كان قد استدعى بركات، إثر محاولته الجور على دباغ يبيع الجلود، وعندما قدم عليه الزيني، قال له الشيخ: يا كلب، كم تظلم المسلمين، وأمر بكشف رأسه وضربه بالنعال، ثم حكم عليه بالإعدام بعد موافقة السلطان، إلا أنه تراجع عن ذلك، في اللحظة الأخيرة، بعد أن أشار عليه أحد الأمراء بتركه حتى لا يضيع المال الذي كان يكتنزه عبر أعوام.

كما أنّ طومان كان قد خاض حركة إصلاحية، عزل خلالها بركات كونه كان أحد الوجوه القديمة التي بغت وأفسدت.

اقرأ أيضاً: هل عودة الخلافة العثمانية ممكنة؟

اللافت فيما أورده ابن إياس؛ أنّ المصريين غضبوا من الشيخ أبي السعود، بسبب ضربه للزيني بركات قائلين: "إيش للمشايخ شغل في أمور السلطنة.."، مع أنّ الشعب في هذا الوقت كان يؤيد تدخل الشيوخ في السياسة والحكم بحكم مكانتهم الدينية.

"عيناه خلقتا لتنفذا في ضباب البلاد الشمالية، في ظلامها المطبق، لا يرى الوجه والملامح، إنما ينفذ إلى قاع الجمجمة، إلى ضلوع الصدر، يكشف المخبأ من الآمال، حقيقة المشاعر، في ملامحه ذكاء براق، إغماضة عينيه فيها رقة وطيبة تدني الروح منه، في نفس الوقت تبعث الرهبة"؛ هكذا وصف رحالة إيطالي زار القاهرة الزيني بركات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: