ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟

ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟

مشاهدة

21/01/2020

ترجمة: مدني قصري


في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري، قُتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية مستهدفة في بغداد. بعد خمسة أيام، أطلقت إيران عدة صواريخ على قاعدتين تحميان القوات الأمريكية في العراق، دون أن تتسبب في حدوث ضحايا. وكانت هذه خطوة جديدة في تصعيد العنف بين واشنطن وطهران، الأمر الذي بات يثير مخاوف من اندلاع حرب في الشرق الأوسط، والذي يطرح السؤال حول الوجود الإيراني في العراق. حول هذا الموضوع يعود الباحث آرثر كويسناي حول ألوان التعبئة الإيرانية العاملة على الأراضي العراقية.

أغراض طهران

لا شك أنّ عمليات القصف ضد قواعد أمريكية، صباح الأربعاء، انطلاقاً من الأراضي الإيرانية نتجت عن تصاعد العنف المستمر بين البلدين.

كلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق

منذ استئناف العقوبات الأمريكية في أيار (مايو) 2018، لطالما رفعت طهران لهجتها ضد واشنطن، من خلال الهجمات ضد ناقلات النفط في مضيق هرمز، على سبيل المثال، أو خلال هجمات الطائرات بدون طيار على محطات النفط لشركة أرامكو السعودية بالمملكة العربية السعودية. لكن إيران لا تزال تقف ضمن إستراتيجية تصعيد متحفظة ومحدودة، لأغراض دفاعية.

على الأراضي العراقية، لم تنتظر طهران اغتيال الجنرال سليماني لمهاجمة المصالح الأمريكية. لم يلق هذا الرد اهتماماً إعلامياً كبيراً، لكن الميليشيات الشيعية المرتبطة مع الباسدران استهدفت الشركات الأمريكية بشكل منتظم، ولا سيما الشركات المرتبطة بإنتاج النفط في العراق. كما تم استهداف المصالح العسكرية الأمريكية، بهدف واحد: الردّ على إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، ودفع واشنطن إلى الخطأ لتشويه سمعة وجودها في العراق.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحاكم جاسوساً لإيران

الهجوم الصاروخي الذي شنّته كتائب حزب الله العراقي ضد القوات الأمريكية، في قاعدة في شمال العراق، في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي؛ حيث تم اغتيال متعهد أمريكي من الباطن، هو مثال على ذلك. وكان الردّ على هذه العملية ما قامت به القوات الأمريكية من قصف على مواقع حزب الله العراقي في 29 من الشهر نفسه، تلاه في نفس المساء قصف صواريخ جديدة أطلقتها المنظمة ضد القواعد الأمريكية.

لإنهاء دورة التصعيد منخفضة الشدة اختارت الولايات المتحدة خيار المواجهة المباشرة، والهادفة، من أجل تركيع طهران، من خلال اغتيالها في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري في بغداد، لقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وملازمه العراقي الرئيسي أبو مهدي المهندس المسؤول عن العمليات الإقليمية الإيرانية.

إيران تتوسع من أجل البقاء

إيران حالياً في وضع دقيق. العقوبات الأمريكية بدأت تخنق اقتصادها، وتهدف إلى دفع القوات الإيرانية إلى حدودها. من وجهة نظر طهران، فإنّ بقاءها، على العكس، يقوم على التوسع في المنطقة: في العراق، وفي سوريا، ولكن أيضاً في لبنان، أو حتى في اليمن، لتجنب الغزو المباشر على أراضيها. لا ينبغي أن ننسى أنّ إيران قد شعرت بحق، بالهجوم عليها خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ثم شددت عليها الولايات المتحدة الخناق خلال غزو أفغانستان (2001) ثم العراق (2003). إنّ إطلاق الصواريخ من إيران يندرج ضمن هذا المنظور الدفاعي عن مصالحها الوطنية والإقليمية.

على عكس عام 2003 أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي وكان سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات

من المؤكد أنّ هذه الطلقات كانت محدودة وغير قاتلة؛ لأنّ طهران لا تملك الوسائل لشن حرب قد تكون عواقبها وخيمة عليها. هذا الرد الخادع يترك الميليشيات الموالية لإيران في حالة ترقب وتوقع. ويمكن قراءته على أنّه اعتراف بالضعف، مقارنة بخطورة وفاة قاسم سليماني. لذلك قد يتعين على قيادات الميليشيات أن تكيف نفسها في مقابل ذلك، فهي لن تنعم بنفس الإفلات من العقاب حتى تتصرف، على الرغم من أنّ الإستراتيجية الأمريكية لضربات الطائرات بدون طيار لم تمنع مطلقاً جماعة مسلحة من العمل، بل على العكس من ذلك.

في المقابل، فإنّ الرد الرئيسي سوف يحدث على المستوى السياسي، من خلال تعزيز الكتلة العراقية الموالية لإيران من أجل الحد من تأثير الولايات المتحدة في العراق. القانون الذي أقره البرلمانيون العراقيون مؤخراً، والذي طالب بسحب القوات الأمريكية، يوضح ذلك. لقد تم إعداد هذا المشروع على مدى عدة أعوام، لكن اغتيال قاسم سليماني هو الذي أتاح القيام بضربة قوية لإجراء التصويت عليه. فكلما لعبت الولايات المتحدة لعبة المواجهة، حاولت طهران تقوية الكتلة الموالية لإيران وزيادة نفوذها في العراق.

أبرز معالم العلاقات الإيرانية العراقية في العقود الأخيرة

قضى عام 2003، مع الغزو الأمريكي للعراق وسقوط صدام حسين، على العدو الرئيسي للجمهورية الإسلامية، وفتح حدود البلاد، مما سمح لإيران بتوسيع نفوذها هناك. أولاً، من خلال المشاركة في إعادة بناء النظام السياسي ودعم عودة الأحزاب العراقية المنفية إلى إيران في عهد صدام حسين. من خلال هؤلاء الوكلاء، شاركت إيران بشكل خاص في صياغة الدستور العراقي الجديد الذي تم التصويت عليه في عام 2005. ثم، من خلال دعم منظمات الميليشيات الموازية لأجهزة الأمن العراقية، مثل "كتائب بدر" التي تشكلت في إيران خلال الحرب ضد العراق (1982)، و"كتائب حزب الله" (2003)، و"عصائب أهل الحق" (2006). شاركت هذه الميليشيات بنشاط في الحرب ضد الوجود الأمريكي في البلاد.

اقرأ أيضاً: النظام الإيراني.. وسقطت ورقة التوت

ومع ذلك، فإنّ الوضع قد تغير في عام 2008 عندما اتفقت إيران والولايات المتحدة على الوضع الراهن من أجل مكافحة تمرد الميليشيات "العربية السنية" والحركة الصدرية، التي يسيطر فيها جيش المهدي على المناطق الشعبية الشيعة. لقد تم دمج "كتائب بدر" في قوات الأمن العراقية بينما استعيدت أحياءُ البصرة والصدر في بغداد من جيش المهدي. لقد تحقق هذا الوضع القائم في عام 2015 مع توقيع الاتفاقية النووية الإيرانية.

في عام 2018، وضع تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق النووي، إيرانَ، في موقف عدواني، بهدف الحفاظ على نفوذها في العراق، وطرد الولايات المتحدة في نهاية المطاف من البلاد. ولكن على عكس عام 2003، أصبح لدى طهران الآن نظام ميليشيات إقليمي حقيقي، وكان الجنرال قاسم سليماني أحد المهندسين المعماريين لهذه الميليشيات. تعمل هذه الشبكة من المنظمات السياسية - العسكرية بشكل غير مكلف، لكنها تنتج نتائج ذات تأثير كبير على الأنظمة السياسية.

اقرأ أيضاً: لماذا يشيطن الإعلام الإيراني الرئيس العراقي ويتهمه بـ"الخيانة"؟

من ناحية، تعتمد على الجماعات المسلحة المحلية: بدر في العراق، حزب الله في لبنان، شبكة من الميليشيات السورية الموالية لدمشق، أو الحوثيين في اليمن. نمت هذه الجماعات بقوة خلال الحروب الأهلية المختلفة: الحرب الأهلية السورية منذ عام 2012، والحرب ضد داعش في العراق والصراع اليمني منذ عام 2014.

من ناحية أخرى، تقترن وتتعزز هذه الجماعات المسلحة بمنظمات سياسية تترسخ تدريجياً في هياكل الدولة المرتبطة بها بهدف تحويل اللعبة السياسية. حالة حزب الله اللبناني تكشف بشكل خاص عن هذه الإستراتيجية. ففي العراق أيضاً، تم انتخاب عدد من كوادر الميليشيات المنبثقين عن الحشد الشعبي لعام 2014، في الانتخابات التشريعية لعام 2018 ويشكلون كتلة سياسية قوية. حول هذه الكتلة تحاول إيران حالياً توحيد القوى السياسية الشيعية العراقية من أجل مواجهة النفوذ الأمريكي.

دور الحشد الشعبي في تعبئة ميليشيات مؤيدة لإيران

على المستوى العسكري، جندت الجماعات المسلحة الموالية لإيران المنبثقة عن الحشد الشعبي بضع عشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم تجنيدهم محلياً وتدريبهم بمساعدة مدربين إيرانيين. المجموعات الأكثر شهرة هي؛ كتائب بدر، ولواء حزب الله، وعصائب أهل الحق. ويمكننا أيضاً إضافة مجموعات أصغر، منظّمة على نطاق المناطق أو الأحياء، والتي تستفيد من دعم إيران دون أن تكون مرتبطة رسمياً بالجمهورية الإسلامية. يمكن أن تكون أسلحتها متطورة للغاية، مثل الصواريخ طويلة المدى التي تم إطلاقها على القواعد الأمريكية في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2019، والطائرات بدون طيار، والمعدات من تحت الأشعة الحمراء، أو ترسانة كاملة من المركبات المدرعة والمدفعية التي تشكلت أثناء الحرب ضد تنظيم داعش. لقد حدث انتقالٌ للمهارات بين إيران وهذه الجماعات شبه العسكرية، لكن مواردها تأتي بشكل أساسي من القوات المسلحة العراقية والسوق المحلية.

العراقيون المنهكون من الفساد ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة والمتزايدة لتدخل إيران

على المستوى السياسي، تستند هذه الميليشيات إلى أحزاب محلية تشكل آلات حقيقية لإنشاء شبكات اجتماعية واقتصادية راسخة، وإعادة توزيع شبكات زبائنية. لقد أسست هذه الميليشيات شركاتها الخاصة، مما أجبر رجال الأعمال العراقيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتها على العمل معها. وبفضل مناصب المسؤولية المكتسبة أثناء الانتخابات، أو عن طريق التعيين الذاتي في الإدارة تمكنت من تحويل موارد الدولة لتعزيز شبكات عملائها وتعزيز سيطرتها على السكان. هذه الديناميكية توجد أيضاً في سوريا وحتى لبنان. فالدولة لا تختفي ولكنها تخضع للاستيلاء المتزايد على مواردها من قبل منظمات الميليشيات التي تسيطر على بعض مؤسساتها. إضافة إلى وجود مستوى كارثي من الفساد، فإنّ ترسخ هذه الميليشيات في الدولة يشل جميع محاولات الإصلاح ويسمح لإيران بالتأثير بسهولة على صنع القرار. كان دور الراحل أبي مهدي المهندس هو بالضبط تعزيز شبه نظام الدولة هذا.

ففي الأشهر الأخيرة تحديداً، تركزت الأحداث في العراق حول هذه المظاهرات الشعبية، وانقلبت جزئياً على الوجود الإيراني، التي تم قمعها بالدم. هل اغتيال سليماني يغير صورة إيران في العراق؟ وإلى أي مدى؟

اقرأ أيضاً: إيران: الأخبار السيئة لا تأتي فرادى

ما زال من السابق لأوانه القول إنّ موقف الانتظار والترقب والخوف مما سيلي من أحداث هو المهيمن، لكن يبدو أنّ الضربات الأمريكية لم تصرف انتباه المتظاهرين الذين يواصلون التعبئة.

لا بد من التذكير بأنّ نظام الميليشيات السياسية هذا يواجه العديد من المقاومات على المستوى الإقليمي، كما يتضح ذلك من المظاهرات في لبنان، في بعض المناطق التي سيطر عليها النظام السوري. في العراق، استمرت حركة الاحتجاج لعدة أشهر، على الرغم من القمع المتواصل. العراقيون، المنهكون من الفساد ومن الوضع الاجتماعي والاقتصادي، ومن تزايد سيطرة الميليشيات على المجتمع، يُعبّرون عن معارضتهم الصريحة المتزايدة لتدخل إيران. قبل وفاته، تعرض قاسم سليماني والمهندس لانتقادات منتظمة من قبل المتظاهرين لدورهم في نظام الميليشيات السياسية في العراق؛ حيث اتهمهم بعض المتظاهرين بأنهم مدبرو القمع الذي خلف أكثر من 500 قتيل.

حالياً، هناك استقطاب للمتظاهرين: هناك جزء يرفض التدخل الأمريكي، ومتظاهرون آخرون حاولوا منع بعض المواكب الجنائزية تكريماً لسليماني. والسؤال هو ما إذا كانت هذه الحركة ستتاح لها وسائل كافية للاستمرار، إذا شدّدت إيران مواقفها في العراق. يمكن أن تؤدي التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران إلى استقطاب السكان العراقيين وإضعاف حركة الاحتجاج المدني في مواجهة كتلة مؤيدة لإيران، ومعزَّزة.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

Lesclesdumoyenorient

الصفحة الرئيسية