محاولة عربية للاستقلال عن الحكم العثماني... كيف انتهى مُلك ظاهر العُمَر الزيداني؟

محاولة عربية للاستقلال عن الحكم العثماني... كيف انتهى مُلك ظاهر العُمَر الزيداني؟

مشاهدة

27/07/2020

مع مطلع القرن الثامن عشر، وبعد سنوات من القضاء على الإمارة المعنيّة، وبينما كانت الدولة العثمانية تخوض حروباً مع الروس، تهيأت الظروف لحاكم في شمال فلسطين لتوسعة ملكه، وما لبث أن توسّع مشروعه وتحوّل إلى تهديد مباشر وغير مسبوق للدولة، فكيف كان ذلك، وكيف كانت النهاية؟ 

من صفد إلى طبريا

بعد زوال حكم الإمارة المعنيّة، آل الحُكم في ولاية صيدا إلى العائلة الشهابيّة، وما إن تولى بشير الشهابيّ الأول الحكم، حتى شَرَع في تعيين حُكّام محليين جدد في المقاطعات المجاورة بحيث يكونون موالين له، وكان منهم حاكم من آل زيدان، هو عُمَر الزيداني، الذي قام بتعيينه ملتزماً للضرائب في صفد وما حولها، وذلك في عام 1698م. 

سور قلعة طبريا... قام ببنائها ظاهر العُمر بعد ضمّها إلى ملكه

وبعد وفاته، آل الحكم إلى ابنه ظاهر العمر، وهو يومئذٍ أصغر إخوته، لم يتجاوز عمره الأربعة عشر عاماً، وقد وضعه إخوته في الحكم بتآمر منهم؛ طمعاً في إدارة الحكم من خلف الواجهة، إلّا أنه سرعان ما تمكّن من فرض نفسه وشرع في توطيد حكمه، وضمّ عدداً من القرى والنواحي في الجليل. وكان ولاة دمشق يراقبون هذا التوسع وعلى علم به، إلّا أنهم آثروا السكوت؛ إذ كانوا يرون ذلك شأناً محلياً داخل ولاية صيدا، ولا يتعدى إطار النزاعات بين الملتزمين والزعامات المحليّة. لكنّ نقطة التحوّل الأهم كانت في العام 1725م، عندما وصل توسع مُلكه إلى ساحل بحيرة طبريا، فضمّ مدينة طبريا وقام بإعمارها، ومن ثمّ اتخذها عاصمة لحكمه بدلاً من صفد، وهو ما عنى لولاة دمشق بداية الشعور بالتهديد، مع اقترابه أكثر فأكثر من دمشق.

في مواجهة عائلات نابلس

كان ظاهر يعتمد في استراتيجيته على إقامة تحالفات مع القبائل والعائلات الموجودة في مناطق مُلكه، وكان من بينهم عرب الصقور في مناطق وادي الأردن، إلّا أنّ رفض الأخيرين الخضوع له أدّى إلى وقوع مصادمات بينه وبينهم، إثر ذلك لجؤوا إلى محالفة حلف العائلات الحاكم لسنجق نابلس التابع لولاية دمشق، والذي كانت تتزعمه عائلات آل ماضي وآل طوقان وآل جرار، وترافق هذا التحوّل مع مساعٍ توسيعية للعمر؛ إذ كان قد بدأ التخطيط للتوسّع جنوباً، وكان طامعاً في السيطرة على أراضي مرج بني عامر الخصيب، الممتدة بين جبال الجليل وجبال نابلس، وكان المرج حينها تابعاً لسنجق نابلس. وفي عام 1735م نَزَلَ العُمر بقوّاته من الجليل، ووقعت المواجهة بين الطرفين في مرج بني عامر، وانهزم حلف النابلسيّة وحلفاؤهم من عرب الصقور ووقعت فيهم مقتلة كبيرة، وقُدّرت أعداد القتلى منهم بالآلاف. وكانت النتيجة أن توغّل الظاهر في سنجق نابلس حتى وصل إلى قلعة صانور، التي اعتصمت بها قوّات الحلف النابلسيّ، وفرض الحصار عليها، إلّا أنّه فشل في الاستمرار؛ بسبب حصانة القلعة، وعاد مكتفياً بغنيمة السيطرة على مرج بني عامر.

في مواجهة وُلاة دمشق

كانت سيطرة الظاهر على مرج بني عامر تعني دخولاً مباشراً وتوغّلاً في أراضي ولاية دمشق، وتجاوزاً لحدود ولاية صيدا، وهو ما لم يكن ليقبل به وُلاة دمشق، وبالتالي كانت النتيجة هي الانتقال للمواجهة المباشرة مع آل العظم، ولاة دمشق آنذاك، وقد أدرك العمر حتمية هذه المواجهة، وبناءً على ذلك بدأ عام 1737م ببناء الحصون في مدينة طبرية، المدينة الأقرب في مناطق ملكه إلى دمشق، والتي كانت تقع على خط المواجهة مع أي جيش شامي قادم باتجاهه.

قلعة صانور (في أعلى التلّة)... كما رسمها رحّالة أوروبيّ منتصف القرن التاسع عشر

وبالفعل، تحرّك جيش والي دمشق، سليمان باشا العظم، عام 1738م، وفرض حصاراً على مدينة طبريا، واستمرّ الحصار حتى صدر قرار مفاجئ من قبل الباب العالي في إسطنبول يقضي بعزل سليمان باشا. إثر ذلك نجا العمر من التهديد الدمشقيّ، وبقي في مأمن مدّة أربعة أعوام، حين تمّت إعادة سليمان باشا إلى منصبه والياً على دمشق. 

كانت سيطرة الظاهر على مرج بني عامر تعني دخولاً مباشراً في أراضي ولاية دمشق، وهو ما لم يقبل به وُلاتها

وفي أيلول (سبتمبر) عام 1742م، تحرّك سليمان مجدّداً وقاد قوّاته وفرض حصاراً من جديد على طبريا، استمرّ مدّة ثلاثة أشهر، وكاد ينجح لولا تلقي ظاهر العمر الإمدادات خلسةً، كما دبّت خلافات بين سليمان باشا والقوات الحليفة له، فكانت النتيجة أن فَشِل الحصار، وتحجّجَ سليمان باشا بذريعة قيادة قافلة الحجّ للانسحاب. وفي العام التالي، أعاد سليمان باشا الكرّة مرّة ثالثة، في تموز (يوليو) 1743م، إلّا أنها انتهت بعد وفاته فجأة بعد شهر من الحصار.

إلى الساحل

بعد نهاية الحملة الثالثة، انتهت عملياً المرحلة التي كان وُلاة دمشق يوجهون فيها التهديد المباشر لظاهر العمر، فكان أن عاد للتوسع من جديد في مناطق حكمه في ولاية صيدا، وكان قراره بالاتجاه نحو الساحل، واختار التوجّه للسيطرة على مدينة عكا تحديداً، والتي كانت مدينة مهملة منذ نهاية العهد الصليبي. أراد الظاهر بدايةً أن يضمّ عكا إليه دون أيّ مواجهات مُكلفة، فتقدّم بطلبات رسميّة إلى والي صيدا للحصول على التزام المدينة، غير أنّ الوالي كان يرفض المرّة تِلوَ الأخرى، فاضطرّ عندها للهجوم وإخضاعها لحكمه بالقوّة، وهو ما كان، وذلك في عام 1745م. وعلى الفور شَرَعَ ظاهِر العُمَر بإعمار المدينة، وقام بإعادة بناء أسوارها وتحصينها، وقام بجعلها مقرّ وعاصمة حكمه بدلاً من طبريا. وكانت عكا مدينة ساحليّة ذات ميناء هام تجاريّاً، ما منحه الفرصة لتوسيع العلاقات التجاريّة مع الدول الأوروبيّة. وقد اتخذ الزيداني من عكا قاعدة للانطلاق في توسيع مناطق حكمه على الساحل الفلسطيني، فتمدّد جنوباً واصلاً حتى مناطق يافا وعسقلان وحدود غزّة.

مناطق حكم ظاهر العُمر في أقصى اتساعها (بالأصفر الفاتح)... امتدّت من صُور شمالاً حتى غزّة جنوباً

نهاية سنوات الوفاق

في الأول من شباط (فبراير) عام 1757م، توفي والي دمشق، أسعد باشا العظم، وصدر قرار الباب العالي بتعيين حسين باشا المكِّي في المنصب، وكان في حينه والياً على صيدا وعازماً على خوض مواجهة حاسمة مع الزيداني. وبدأ حسين باشا المواجهة يإرسال رسالة يأمره فيها بإعادة المناطق التي استولى عليها في ولاية دمشق، وإلا فإنّه سيشرع في مهاجمته فور عودته من رحلة الحج. قرّر الزيداني التواصل مع حلفائه قبيلة بني صخر، طالباً منهم مهاجمة قافلة الحج التي كان يقودها حسين باشا، وهو ما قاموا به، فأوقعوا مقتلة عظيمة بين الحجيج، ونجا حسين باشا منها وتمكّن من الفرار إلى غزّة.

سقوط دمشق

قرّر الباب العالي الاستمرار في المواجهة مع ظاهر العمر، وفي عام 1760م جاء القرار بتعيين عثمان باشا الجورجيّ والياً على دمشق، وبدأ الجورجيّ المواجهة بتعيين ابنه والياً على ولاية صيدا، بحيث ينسّقان جهودهما معاً في مواجهة ظاهر العُمَر.

بعد سيطرته على عكا، شَرَعَ ظاهِر العُمَر بإعمار المدينة، وقام بإعادة بناء أسوارها وتحصينها، وجعلها مقرّ حكمه

في تلك الأثناء كانت مصر تشهد تحولاً غير متوقع مع تمرّد قائد مملوكي هو علي بك الكبير، الذي تمكّن من الاستيلاء على الحكم في مصر، ومن ثمّ توجّه عام 1770م لغزو بلاد الشام، واحتلت قوّاته غزة والرملة. راقب الزيداني هذا التحرّك وقرّر الاتصال بعلي بك والتحالف معه، واتفقا على قيام علي بك بإرسال حملة عسكرية كبيرة تسند قوات ظاهر العمر في مواجهته مع عثمان الجورجيّ. 

قصر آل العظم في دمشق... يعبّر عن مدى قوّتهم وثرائهم

وبالفعل، أرسل علي بك قوات كبيرة قُدّر عددها بأربعين ألفاً، جعل على قيادتها القائد المملوكيّ محمد أبو الدهب. وصلت القوّات إلى فلسطين في أيار (مايو) 1771م، وقام أبو الدهب بإرسال رسالة لعثمان باشا يطلب منه مغادرة دمشق وبأنه قادم للاستيلاء عليها. فكان قرار عثمان باشا هو الاستعداد للمواجهة وأعدّ جيشاً لذلك، ووصلته الإمدادات من ولايات حلب وطرابلس وصيدا، وتقابل الجمعان شمال صفد في معركة كبرى، في الثالث من حزيران (يونيو) عام 1771م، وكانت النتيجة تقدّم جيش أبو الدهب حتى وصلوا مشارف دمشق، وانتهت المواجهات بهروب عثمان باشا متوجهاً إلى حماة، ودخل جيش أبو الدهب أبواب دمشق معلنين السيطرة على المدينة. وكان خبر سقوط دمشق مدوّياً ومفاجئاً لرجال الدولة العثمانيّة، وزاد من صعوبة الموقف انشغال الجيوش العثمانيّة في ذلك الوقت بمحاربة الروس.

قرار غير متوقّع... ونهاية مفاجئة

وبينما كان علي بك الكبير يحتفل بالنصر المؤزر، وقد أمر بتزيين القاهرة ابتهاجاً، جاءت الخطوة الأكثر غرابة عندما قرّر أبو الدهب مغادرة دمشق بعد اثني عشر يوماً من دخولها، فكان قراراً مفاجئاً حتى لأعدائه، وتعدّدت التفسيرات لهذا القرار، ودارت جُلّها حول احتمال خشية أبو الدهب من غضب الباب العالي، وتوقعه رداً قاسياً، مع الإشارة إلى احتمال أن يكون حدث اتصال بينه وبين الباب العالي، تلقى فيه عرضاً بالانسحاب من دمشق مقابل نيله العفو والتكريم.

رسم يصوّر القائد المملوكي علي بك الكبير

أمّا ظاهر العُمَر، فقد قرّر مواصلة الحرب، وتوجّه لفرض الحصار على قلعة صانور في نابلس. وفي عام 1774م، ومع انتهاء حرب العثمانيين مع الروس، تمكّنت إسطنبول من إرسال أسطول بحري فرض الحصار على عكا، ومن ثمّ أردفته بقوّات بريّة بقيادة أحمد باشا الجزّار توجّهت لإسقاط عكا، وفي ذلك الحين رأت القوات المغربيّة التي كانت عماد الجيش الزيداني تبدل الموازين فقامت بخيانة ظاهر العمر، وقام قائدها المعروف بـ "الدنكزلي" بإرسال فرقة قامت باغتيال ظاهر العمر، وقاموا بقطع رأسه وأرسل إلى الصدر الأعظم، حسن باشا الجزائرليّ.

اقرأ أيضاً: الدولة العثمانية... خلافة أم إمبراطورية؟

حظي ظاهر العُمر باهتمام كبير من قبل المؤرّخين والمثقفين والأدباء الفلسطينيين المعاصرين، واعتبروه بمثابة أوّل مؤسس لكيان فلسطيني سياسيّ مستقل. وفي عام 2011م ظهر العمل الأدبي الأبرز الذي تناول حياة وسيرة الزيداني، وهو رواية إبراهيم نصر الله "قناديل ملك الجليل"، التي تحكي قصة ظاهر العمر الزيداني في قالب أدبيّ روائيّ، وهي الأخيرة من سلسلته: "الملهاة الفلسطينية"، ومن خلالها سعى نصر الله للبحث في أسس تشكّل الهوية والذات الفلسطينيّة

الصفحة الرئيسية