"محبة بابلو" : كيف تصنع المخدرات ملهماً لا يرحم؟

"محبة بابلو" : كيف تصنع المخدرات ملهماً لا يرحم؟

مشاهدة

24/09/2018

لعلّه أكبر تجار المخدرات في التاريخ، ويتميز أنه الوحيد من بينهم، الذي سعى إلى أن يصبح رئيساً لبلاده، ولأجل حملته الانتخابية التي طالما حلم بها، كان يوزع مسحوقه الأبيض على البعض، ويقتل البعض الآخر، كما أنّ أكثر من ألف طفلٍ في مدينته المنبوذة "ميديلين"، كانوا يحملون اسمه تيمناً به، إنه بابلو إسكوبار الذي أقلق كولومبيا وأمريكا والعالم حتى مقتله العام 1993.

مارس إسكوبار كل ما يمكن للرجل فعله من أجل الشهرة؛ القتل والعاطفة العائلية والعمل الخيري وتجارة المخدرات والسياسة

وغير بعيدٍ عن تخوم مدينته، كان كل طفلٍ يحمل اسمه يذهب إلى اللعب بين أكوام النفايات المنتشرة على مد البصر، ولا بد له أن يعثر على جثة مدني أو رجل شرطة، مقتولاً، وقد كتب عليها "لأجل خيانته بابلو"، وغالباً ما كان يظن الأطفال أن القتيل خانهم، فكل من يخون بابلو، هو عدو، حتى لو لم يكونوا يعرفونه، فقد كان صديقهم يمنحهم المال والسلاح والمأوى، ويأخذ منهم مقابل كل ذلك، شيئاً واحداً بسيطاً.. المستقبل.
في حبِّ بابلو!

يعد بابلو إسكوبار غافيريا (1941 – 1993)، أشهر شخصيةٍ في تاريخ كولومبيا تقريباً، بل وأكثر من الروائي الكولومبي العظيم غابرييل ماركيز؛ حيث ظل لأعوام حديث الصحف والناس في أي مكان، ونجم البرامج المتلفزة، ووفقاً للرؤية التي يقدمها فيلم "Loving Pablo" أو حب بابلو الذي يروي سيرة حياته، فإنه اشتهر بكل السبل التي يمكن للإنسان سلوكها حتى يصبح نجماً؛ المال والمخدرات والسياسة والأعمال الخيرية وحب العائلة والشخصية الغامضة والقتل، كلها مارسها إسكوبار.

اقرأ أيضاً: ترى النور لأول مرّة: صور ومتعلقات أخرى لغارسيا ماركيز
ويقدم الفيلم، الذي تم إنتاجه هذا العام، ولعب بطولته باقتدار الممثل "خافيير بارديم" والممثلة "بينيلوب كروز"، صورةً عميقة لشخصية الرجل المظلم، فمجرد أن يبدأ الفيلم، والمشهد تحت الشمس، يتم إطلاق الرصاص على حصانٍ اعترض طريق إسكوبار ورفاقه وهم في جولةٍ على الدراجات.
يوحي هذا المشهد بذكاء أن الرجل الذي يقتل حصاناً بريئاً، لن يتورع أن يفعل أي شيء، وفي كل مشهدٍ آخر يكون فيه إسكوبار تحت الشمس أو يسبح في الماء، وهما رمزان للحياة، فإنه يتسبب بمقتل أحدٍ ما، أو يعقد صفقة مخدرات، ويكون وجهه مخيفاً حقاً، ولا يبتسم إلا حين يحل الليل.

ابتسامة إسكوبار وثقته المفرطة كرجل يستحوذ على الشيء أو يقتله

الرجل المظلم، كان مهووساً أيضاً، بامتلاك مساحاتٍ شاسعةٍ من الأراضي، ويعود ذلك إلى أنه نشأ في كنف أسرة فقيرةٍ من الفلاحين، الذين اضطهدوا في جميع جوانب حياتهم، لكن إسكوبار، لم يدم شقاؤه طويلاً، حين اكتشف أن زراعة النباتات المخدرة، سوف يجعله قادراً أكثر بكثير من مجرد سد رمقه.
ومنذ نهاية السبعينيات، أخذ بإنتاج "الماريغوانا" و"الكوكايين"، وعمل على تسويقهما إلى الخارج، خصوصاً إلى أمريكا الشمالية، أحد أكبر أسواقه، حيث استحوذ على ما نسبته 75% من المخدرات فيها، محصلاً الملايين من الدولارات.

اقرأ أيضاً: لماذا يتعاطى الجنود الإسرائيليون المخدرات؟
ويشير الفيلم، إلى أن إسكوبار، بدأ يحفر قبره بنفسه مبكراً، بسبب مليارات الدولارات، التي أخرجها من أمريكا إلى كولومبيا وأماكن أخرى بفعل تجارة المخدرات، حيث أصبح يشكل كابوساً للسلطات الأمريكية "لأنه يستنفذ من أموال البلاد، وليس لأجل المخدرات، فالمافيا كانت تبيعها في أمريكا، ولكن ما يكون داخل أمريكا، يجب أن يظل فيها، خصوصاً المال" بحسب الفيلم.
لكن هذا، لم يكن كافياً لقتله؛ إذ لم يكن سهلاً الوصول إلى بابلو، الذي يملك بيتاً يقع على مساحةٍ شاسعةٍ تفوق 7000 هكتار من الأرض التي لا تبعد الكثير عن ميديلين، مدينته؛ حيث قام هناك بخلق خزانٍ بشريٍ كبير، موالٍ له، ومضاد لكولومبيا كلها، وهو ما سوف يقوده إلى حتفه فيما بعد.
الدولة عصابة لصوص
في 1982، ترشح إسكوبار للانتخابات الكولومبية، ونجح باحتلال مقعدٍ في البرلمان، قائلاً إنه يريد "أن يغير أوضاع الناس في مدينته، وفي كولومبيا كلها"، وحين سأله أصدقاؤه عن فائدة دخوله عالم السياسة، الذي وصفوه بـ"القذارة"، رد إسكوبار بقوله "يصل هؤلاء إلى البرلمان لأنهم فاسدون، لأنهم يملكون المال الكثير، ولا يمكن لفقيرٍ أو فلاح أن ينجح مقابلهم، انتظروا، وسوف لن يحتملوا وجود ابن فلاحٍ قذرٍ بينهم، لكن كل شيء يمكن تحقيقه بالمال". وبالفعل، هاجم وزير العدل الكولومبي آنذاك "رودريغو لارا" إسكوبار، واصفاً إياه بـ"أمير المخدرات، والوحش، والقذر الذي يجب ألا يمثل شعباً يساهم بنفسه في تسميمه"، ولم تمض ثلاثة أشهر على هذا الحدث، حتى تم اغتيال لارا.

اقرأ أيضاً: هكذا تُغيث أموال المخدرات بنوك العالم!
ولم تكن تلك الحادثة الأولى، فإسكوبار، اغتال من قبل مدير صحيفة "الإسبكتادور" "غييرمو كانو إيساسا" الذي نشر ملفاً كاملاً عن تأثير عصابات المخدرات على كولومبيا.

لقبه أهل مدينته بروبن هود كولومبيا رغم ممارسته للاغتيالات

هكذا، يكشف الفيلم كيف فقد إسكوبار مقعده، وجعل من الدولة فريسة جريحة، يطاردها في كل مكان، متسبباً كذلك بتعرية حكومته وفسادها، جاعلاً منها مجموعة لصوص تطارد مجموعة لصوص آخرين.
وفي تلك الأثناء، أرسلت السفارة الأمريكية محققاً خاصاً، ليتعاون مع الحكومة الكولومبية للقبض على إسكوبار، الذي هرب إلى بنما، ومن هناك، سبق الأمريكان؛ إذ عرض على حكومته أن يسلم نفسه، ويوقف نشاطاته، مقابل شرطين أساسيين، أولهما عدم تعاون حكومته مع أمريكا لتسليم المطلوبين في قضايا المخدرات ليحاكموا على الأراضي الأمريكية، وثانيهما، أن يسجن في سجنٍ خاص، يبنيه هو بنفسه.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال والمخدرات مصادر تمويل حزب الله في فنزويلا
بعد ذلك، عاد إلى كولومبيا، ودخل إلى القصر الذي بناه على أرضه الخاصة بكل بساطة، وكان سجنه محروساً من قبل الجيش الكولومبي، إلا أن إسكوبار، اعتبر نفسه سجيناً على أرضه نفسها، الأرض الكولومبية، السجن كولومبي، وكذلك سجانوه، أما أمريكا، فلا يريدها ولا يريد عدالتها، لقد كانت بالنسبة إليه، مجرد سوق للمخدرات.
ومن سجنه، استمر يعقد الصفقات، وأخذ يحصل ضرائبه من عصابات المخدرات الأخرى بوصفه زعيماً لحركة التجارة التي لا ترحم في الأمريكيتين، بينما بدا الأمريكان عاجزين عن الوصول إليه. وهو محاطٌ بأبناء مدينته الذين سبق، وأن كوّن منهم جيشاً صغيراً وفياً، جله من القتلة الشباب، الذين يمكن لهم فعل أي شيء مقابل مال بابلو وعطفه.

كان إسكوبار يمنح أبناء مدينته الفقراء المال والسلاح والمأوى مقابل وفائهم ويأخذ منهم المستقبل

وبحلول بداية التسعينيات، كانت أنظمة مراقبة الهواتف والتعقب تطورت كثيراً، وإسكوبار، بدأ يفقد ولاء العديد من أصدقائه قادة عصابات المخدرات، بفضل عنجهيته في تحصيل أمواله منهم، ورغم ثرائه الفاحش، إلا أنه كان غاضباً على الدوام، بسبب تضييق الحكومة عليه. وأخذ يحارب كل صوتٍ ينعته بالمجرم.
ومنذ ذلك الحين، بدا لوهلةٍ أن عقد التسعينيات، لم يعد مستعداً لاستقبال الأساطير والوحوش والرجال المرعبين المشاهير، فبدأت نهاية بابلو تقترب، بعد إيعازه لرجاله وأوفيائه في الخارج، أن يقتلوا كل رجل شرطة أو ضابط يتواجد في الشارع، وكان يدفع مبالغ كبيرة على كل رأس، بعد أن عرض في الماضي تسديد جميع ديون بلاده، فصار يدفع النقود، مقابل الدم.
ووصل به الحال أخيراً، أن هرب من سجنه، وقد فقد نصف قوته باغتياله لاثنين من أفضل مساعديه من رجال المخدرات، بينما وانتقاماً من أعماله، قتلت الشرطة محاسبه الخاص، وكبار رجاله، واغتالت دون محاكمةٍ كل شابٍ صادفته في شوارع ميديلين، ويمكن له حمل السلاح.
في ذلك الحين، كان الرئيس جورج بوش الأب، رئيس أمريكا الجديد، تنعشه فكرة وجود ورقةٍ خارجية تصرف الأمور عن أي مشاكل داخلية أمريكية، وفي ذات الوقت، كان الكولومبيون مستعدين للتعاون مع الأمريكان، من أجل التخلص من إسكوبار. فكون الأمريكان مع الكولومبيين فرقةً مدنيةً رديفة، ومدربة، من أبناء وأقارب معظم ضحايا إسكوبار، من أجل القبض عليه.
ويشاع أن هنالك علاقة بين "أموال المخدرات الكولومبية، وتمويل حرب أمريكا على الشيوعية في "نيكاراغوا" خلال الثمانينيات، وأن هنالك تعاقداً ضمنياً وسرياً، سمح من خلاله الأمريكان لأموال المخدرات أن تتدفق على إسكوبار وغيره، مقابل تمويل هذه الحرب" وفقاً لفيديو يذكر هذا الموضوع، الذي لم يتطرق الفيلم إليه.
فيديو عن إسكوبار والأمريكيين:

وبأي حال، في كولومبيا، أصبحت هناك جماعتان، تلك التي تريد رأس إسكوبار لتقبّلها، وتلك التي تبحث عنها من أجل قطعها، حتى إن مدينته الحامية ميديلين، انقسمت أخيراً، بعد أن صارت الجثث الملقاة في بحر نفاياتها، تحمل ملاحظة مكتوبة مكررة "قُتل من أجل تعاونه مع بابلو".

إضافةً إلى كل ذلك، وبفضل أجهزة التعقب المتطورة، تم استخدام نقطة ضعف بابلو الأساسية كفخ من أجل القبض عليه، فقام الأمريكيون بالتعاون مع الألمان، لرفض لجوء عائلته إلى برلين، وما إن هبطت العائلة في مطار بوغوتا العاصمة عائدةً من ألمانيا، حتى نُقلت إلى فندقٍ آمن، وتُركت تحت المراقبة، بانتظار أن يتحرك بابلو الأب، وليس المجرم، من أجل الاطمئنان على عائلته، وبالفعل، أدى به تصرفه الإنساني الوحيد طوال حياته، لمعرفة مكان تواجده، بعد اتصاله بزوجته للاطمئنان عليها وعلى ابنه وابنته.

إخلاصه لعائلته لم يمنعه من تدمير حياة عائلاتٍ أخرى بالمخدرات

وهكذا، تم حصار منزلٍ يختبئ فيه، وحصل تبادل إطلاق نارٍ أدى إلى مقتله، دون أن يتم حتى الآن، معرفة إذا ما كان انتحر، أم قتلته الشرطة الكولومبية ومرافقوها الأمريكيون، الذين فكروا بجائزة المليوني دولار التي وضعها الرئيس الأمريكي مقابل جثته. وكان بابلو يعتبرها ثمناً رخيصاً جداً مقابل حياته، التي ظل يعتبرها كل شيء.

استحوذ على تجارة المخدرات بأمريكا واعتبرها مجرد سوق لبضاعته وحين واجه عقوبة السجن بنى سجنه على أرضه الخاصة

وبالعودة إلى الفيلم، فإن تحليلاً نفسياً وحيداً يجري ضمناً طالما أحداث الفيلم تتوالى؛ إذ إن إسكوبار؛ رجل، وقاتل، ويهوى النقود السهلة، لكن معضلته النفسية تكمن في ظنه أن الحياة، لا يمكن أن تسير بدونه، كما لا يمكن لها أن تسير سوى بطريقته، التي لا طريقة صحيحة غيرها، حتى أهل مدينته المعدمون، لا أمل لهم سوى بابلو، عائلته كذلك، وكذلك عشيقته ورجاله، وكولومبيا كلها كوطن. وهو لم يسقط إلا لأن الكثيرين اختلفوا معه، فبدأ يقتلهم؛ لأن الحياة لا تكون إلا على طريقة بابلو. وهي ليست حياةً حقيقية بكل حال، إنها فقط اللحظة الفاصلة بين نشوة المخدر، والصحو منه، لاكتشاف مدى عادية وروتينية الحياة اليومية، التي لا يمكن لها أن تنصاع لأحلام ورغبات الرجل إلا إذا كان منتشياً ربما، مغامراً، مجنوناً، لكن، ليس قاتلاً.

الصفحة الرئيسية