محمد إقبال: تجديد الفكر الديني وتأويل الكون روحياً

محمد إقبال: تجديد الفكر الديني وتأويل الكون روحياً

مشاهدة

29/11/2017

يتأسس الجهد المركزي للفيلسوف الهندي/ الباكستاني محمد إقبال على تعظيم الذات أو الواحدية؛ إذ إنّ هدف الإنسان الديني والأخلاقي إثبات ذاته لا نفيها، وعلى قدر تحقيق ذاته أو واحديته يقرب من هذا الهدف، وتنقص فردية الإنسان على قدر بعده عن الخالق، والإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله، وليس معنى ذلك أن يُفني وجوده في الله كما ذهبت إليه فلسفة الإشراق ووحدة الوجود عند ابن عربي واسبينوزا.
وهو يرى أنّ الذات إذا قهرت كل الصعاب التي في طريقها، بلغت منزلة الاختيار، فالذات في نفسها فيها اختيار وجبر.
وقد مكنت هذه الآراء الفلسفية محمد إقبال من أن يقفز قفزته المعرفية الأهم المتمثلة في دعوته إلى تجديد الفكر أو التفكير الإسلامي؛ حيث يعد مفهوم "إعادة البناء" مفهوماً مركزياً في فكره اعتماداً على أنّ الإسلام يتمتع بقوة حيوية يجب استعادتها من خلال عملية الاجتهاد والتجديد، التي تجعل المجدد ينظر إلى الأمام والخلف وإلى الداخل والخارج، حتى يبقى للإسلام مكانه المناسب في مستقبل العالم. وينظر إقبال إلى أنّ إعادة البناء تتناول المفاهيم الكبرى الثلاثة في الإسلام وهي: الله والذات والأمة. فما نحتاجه اليوم يتعين أن يركز على الأبعاد الروحية، من حيث تأويل الكون تأويلاً روحياً، وتحرير روح الفرد، ووضع مبادئ أساسية ذات أهمية عالمية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحي.

يرى محمد إقبال أنّ الذات إذا قهرت كل الصعاب التي في طريقها، بلغت منزلة الاختيار، فالذات في نفسها فيها اختيار وجبر

وبرزت أفكار إقبال التنويرية في كتابه "تجديد التفكير الديني في الإسلام" الذي مثل محاضرات ألقاها في عشرينيات القرن الماضي، ورأى فيها أنّ المهمة المطروحة على المسلم المعاصر ذات حجم لا متناهٍ. عليه أن يعيد التفكير في مجمل النظام الإسلامي دون أن يقطع كلياً مع الماضي. وأحد الشروط الأساسية في عملية التجديد هي تناول العلوم الحديثة تناولاً نقدياً، لأن "الطريق الوحيدة التي ما تزال مفتوحة أمامنا تتمثل في التعامل مع العلوم الحديثة باحترام لكن بموقف مستقل مع ذلك، وتقدير التعاليم الإسلامية على ضوء ما تمنحه هذه العلوم من إنارات."
وهو يؤكد أنّه ليس هناك من شعب يستطيع أن يسمح لنفسه بالتنكر كلياً إلى ماضيه، ذلك أنّ ماضيه هو الذي شكل معالم شخصيته. وفي مجتمع كالمجتمع الإسلامي "تغدو مراجعة المؤسسات القديمة أمراً أكثر دقة وتعقيداً، ويكتسي الوعي بالمسؤولية لدى المصلح هنا أهمية قصوى."

بناء الفلسفة الدينية
إقبال حصل من جامعة ميونخ بألمانيا على الدكتوراه في الفلسفة برسالة قدمها تحت عنوان: "تطور الميتافيزيقا في بلاد فارس"، لذا لا ينفك في دعوته يشدد على بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناءً جديداً، آخذاً بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام، إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة.
وفي هذا السياق، يذكّر بأن الفلسفة اليونانية كانت قوة ثقافية عظيمة في تاريخ الإسلام، ولكن التدقيق في درس القرآن الكريم، وفي تمحيص مقالات المتكلمين على اختلاف مدارسهم التي نشأت ملهمة بالفكر اليوناني، يكشفان عن حقيقة بارزة هي أن "الفلسفة اليونانية مع أنها وسّعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام غشت على أبصارهم في فهم القرآن".
لهذا، فإن الدين في نظر إقبال هو وحده القادر على إعداد الإنسان العصري، إعداداً أخلاقياً يؤهله لتحمل التبعة العظمى التي لابد من أن يتمخض عنها تقدم العلم الحديث، وأن يرد إليه تلك النزعة من الإيمان التي تجعله قادراً على الفوز بشخصيته في الحياة الدنيا، والاحتفاظ بها في دار البقاء. فالسمو إلى مستوى جديد في فهم الإنسان لأصله ولمستقبله من أين جاء، وإلى أين المصير، هو وحده الذي يكفل، آخر الأمر، الفوز على مجتمع يحركه تنافس وحشي، وعلى حضارة فقدت وحدتها الروحية، بما انطوت عليه من صراع بين القيم الدينية والقيم السياسية.
الدين يسمو على الفلسفة
لكن مطمح الدين، في نظر إقبال، يسمو فوق مطلب الفلسفة، فالفلسفة نظر عقلي في الأشياء، وهي بهذا الوصف لا يهمها أن تذهب إلى أبعد من تصور يستطيع أن يرد كل ما للتجربة من صور خصبة إلى نظام أو منهج، فهي كأنها ترى الحقيقة عن بعد. أما الدين فيهدف إلى اتصال بالحقيقة أقرب وأوثق، فالفلسفة نظريات، أما الدين فتجربة حية، ومشاركة واتصال وثيق، وينبغي على الفكر، لكي يحقق هذا الاتصال، أن يسمو فوق ذاته.

بعض قادتنا الروحيين إنما وصلوا إلى مكانتهم فينا بفضل البياض في شعر رؤوسهم.. قلوبهم لا أثر فيها للإيمان بالله

ومن وجهة أخرى، يذهب إقبال إلى أن الإسلام يرفض اعتبار قرابة الدم أساساً لوحدة الإنسانية؛ لأنّ قرابة الدم عنده أصلها مادي مرتبط بالأرض، ولا يتيسر التماس أساس نفساني بحت لوحدة الإنسانية، إلا إذا أدركنا أنّ الحياة الإنسانية جميعاً روحية في أصلها ومنشئها، وهذا الذي ييسر للإنسان أن يحرر نفسه من أسر الروابط المادية.
أما مفهوم الدولة في الإسلام، فليست إلا محاولة لتحقيق الروحانية في بناء المجتمع الإنساني، في ظل ما اعتبره "الديموقراطية الروحية" التي تجسد مقاصد الإسلام وغاياته.
لا بد من تبدّل الأعماق
وفي غمرة آرائه الفلسفية، يحث إقبال أمم الشرق، أن تتبين أنّ الحياة لا تستطيع أن تبدل ما حولها حتى يكون تبدّلٌ في أعماقها، وأن عالماً جديداً لا يستطيع أن يتخذ وجوده الخارجي حتى يوجد في ضمائر الناس قبلاً. هذا قانون الفطرة الثابت الذي بينه القرآن في كلمات يسيرة بليغة حين قال: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فهذا، وفق إقبال، قانون يجمع جانبيْ الحياة كليهما؛ الفردي والاجتماعي. وإنه لجدير بالإكبار كل مسعى في العالم، ولاسيما في الشرق، يقصد إلى أن يرفع أنظار الأفراد والجماعات فوق الحدود الجغرافية، فيولد أو يجدد فيها سيرة إنسانية صحيحة.

لا ينظر إقبال إلى الدين على أنّه طقوس وصلوات وأذكار كما ينظر الجهال إليه، حيث إنه يرى أن "الدين في أعلى صوره، ليس أحكاماً جامدة

ولإقبال إيمان شديد وراسخ بأن للدين أهمية عظمة، وأثراً فعالاً في نفوس بني البشر على الإطلاق، وهو وحده الذي يملك القدرة على توجيه الفرد والجماعة، نحو الصراط المستقيم، والخير العميم، والمستقبل الزاهر. ولا ينظر إقبال إلى الدين على أنّه طقوس وصلوات وأذكار كما ينظر الجهال إليه، حيث إنه يرى أن "الدين في أعلى صوره، ليس أحكاماً جامدة، ولا كهنونية، ولا أذكاراً. ولا يتيسر، إلا بالدين، تهيئة الإنسان المعاصر لحمل العبء الثقيل الذي يحمله إياه تقدم العلوم في عصرنا. والدين وحده يرد إليه الإيمان والثقة اللذين ييسران له اكتساب شخصية في هذه الدنيا والاحتفاظ بها في الآخرة. ولا بد للإنسان من الارتقاء إلى تصور جديد لماضيه ومستقبله، ليستطيع التغلب على المجتمع المتنافر المتصادم، ويقهر هذه المدنية التي فقدت وحدتها الروحية بالتصادم الباطني بين الدين والمطامع السياسية. والحق أن سير الدين والعلم على اختلاف وسائلها، ينتهي إلى غاية واحدة، بل الدين أكثر من العلم اهتماماً ببلوغ الحقيقة الكبرى".
النفاق الديني
وكان لإقبال موقف متشدد مما سماه "النفاق الديني"؛ إذ رأى أنّ "بعض قادتنا الروحيين إنما وصلوا إلى مكانتهم فينا بفضل البياض في شعر رؤوسهم، وهم أضحوكة للأطفال في الشوارع والطرقات، قلوبهم لا أثر فيها للإيمان بالله، ولكنها عامرة بأصنام الشهوات، وكل ذي لحية طويلة يتصدى للدعوة والإرشاد. حمانا الله من قوم يتخذون الدين تجارة بالليل والنهار يجوبون البلاد مع الأتباع والأنصار. لا يستجيبون لدعاء ذي الحاجة أو المحروم. ينظرون ولا يبصرون، في قلوبهم فقر، وصدورهم من الحكمة خواء".

الصفحة الرئيسية