محمد برادة: ثقافة الهزيمة تجتاح المجتمعات العربية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
5078
عدد القراءات

2018-10-02

قال المفكر والروائي المغربي محمد برادة إنّ "ثقافة الانهزام" تجتاح المجتمعات العربية، كما أدت إلى استحالة مواكبة التطور، وغيّبت معنى ومفهوم الانتصار عن العقلية العربية، التي هي انهزامية بطبعها.

وأوضح أنّ الفضاء العربي بما هو عليه من تباينات في التفاصيل، هو فضاء موسوم بـ "الانهزام"، كونه لم يفلح في بناء مجتمعات ديمقراطية تترجم تطلعات الدولة المدنية.

التي نقلت تاريخ وقيم الإنسانية من مستوى حضارة الزراعة والصناعة إلى مستوى غير مسبوق في جميع المجالات، يعتمد الرقمية والذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تنجح المجتمعات العربية في مواجهة الفكر المتطرف؟!

جاء حديث برادة، في إطار محاضرة بمنتدى عبدالحميد شومان الثقافي في العاصمة الأردنية عمّان، أمس الاثنين، حول "سؤال الثقافة في سياق الانهزام"، قدمه فيها للجمهور الروائي والناشر إلياس فركوح، الذي اعتبر أنّ الثقافة يتعين عليها أن تصبح جزءاً من الممارسة اليومية لتؤثر في عمق المجتمع وتضطلع بدورها الإصلاحي كاملاً.

الهروب إلى الأمام

برادة بيّن أنّ التغاضي عن تحديد السياق العربي يبرر في الغالب بأنه نوع من الهروب إلى الأمام، من خلال طرح أسئلة وقضايا لا تقترب من عمق الإشكالات التي تراكمت في الفضاء العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر ضمن سيرورة "إجهاضات النهضة العربية"، التي توالت عبر مد وجزر وانتصارات متوهمة.

ولفت إلى أنّ هناك محاولات من مفكرين ومبدعين لامست إشكالية التغاضي عن تحديد السياق العربي، وأنّ هناك العديد من الجهود التي وضعت "الأصبع" على الطريق المؤدية إلى النهوض، ابتداءً من عبد الرحمن الكواكبي ومصطفى عبدالرازق صاحب "الإسلام وأصول الحكم" وصولاً إلى مجموعة من المفكرين، يضيق المجال عن ذكرهم.

التاريخ العربي سجّل مواقف مشرفة لمثقفين دفعوا ثمناً فادحاً نتيجة ذلك، تمثلت في السجن والتعذيب والقتل والنفي

وعن اختياره موضوع المحاضرة، قال برادة "آثرت الحديث عن الثقافة العربية في سياق الانهزام، لكي أذكر بواقع تاريخي، اجتماعي وسياسي تعيشه أقطار الفضاء العربي منذ عقود، لكن أجهزة السلطة تتجنب الإشارة إليه وتحرص على الإيهام بأنّ مجتمعات هذا الفضاء تعيش في سياق طبيعي مثل بقية الأقطار التي تجر قاطرة العالم وتواجه أسئلة العولمة والانفجار المعرفي ومفاجآت الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي".

وأضاف: "بهذا الطمس والإيهام تبدو مجتمعات الفضاء العربي وكأنها تنخرط في سيرورة ذات أبعاد كونية، وأنّ ما ينقصها التصليح والتعديل في برامج التعليم والتدبير الاقتصادي لكي تلحق بالركب العالمي، متدثرة بأصالتها الماضية وهويتها الثابتة وأنظمتها السياسية الأبدية".
وقال برادة "أنا مثقف وكاتب مغربي، وأندرج ضمن المخضرمين، فقد عاصرت أجيال عدة وسياقات تاريخية متباينة تتراوح بين مرحلة الكفاح من أجل استقلال المغرب عن الحماية الفرنسية، إلى مرحلة تشييد الدولة الوطنية والدخول في متاهة أزمنة الرصاص ما بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي".

التحالف مع أنظمة مستبدة

إلى ذلك، بيّن برادة أن هزيمة 1967 نبهت المثقفين والمبدعين إلى أنّ التحالف مع أنظمة مستبدة أو متحدرة من ثورات فوقية لا يمكن أن تستجيب إلى مطمح التغيير الاجتماعي والسياسي القادر على فتح طريق النهوض المطلوب في مجتمعات الفضاء العربي.
هذه الهزيمة، حسب برادة، أفرزت "طلاقاً" بين السياسي والثقافي؛ وهو ما جعل الثقافة والإبداع يستعيدان حرية النقد والانتقاد دون تقيدٍ بوعود وطنية وقومية فاقدة لشروط التحقق.

اقرأ أيضاً: قضايا الحسبة في مصر: أئمة التكفير يعتقلون العقل النقدي

ودعا برادة إلى تحرير المثقفين والمبدعين من وصاية الأنظمة، ومن سطوة الأيديولوجيات الخانقة، وفتح الطريق أمام النقد الجريء وإعادة النظر في التنظيرات على ضوء الأسئلة التي يفرزها الواقع المتحول باستمرار، وعلى ضوء ما يعرفه عالم اليوم من قفزات متتالية في العلم والثقافة والصراع على قيادة العالم.

وتحدث المحاضر عن تسجيل مفارقة في حقل الثقافة والإبداع بالفضاء العربي، جاءت نتيجة الطلاق بين الثقافي والسياسي، تتمثل في أنّ المثقفين والمبدعين الذين راهنوا على استقلاليتهم عن السلطة السياسية، قد اختاروا المساهمة في عملية تفريغ أيديولوجي من خلال نقد الأيديولوجيات التي أسهمت لعقود طويلة، في 'تشميع' العقل الواعي وحالت دون مساءلة الواقع بما هو عليه من تعقيد وتبدل دائم.

يدعو برادة لتحرير المثقفين والمبدعين من وصاية الأنظمة ومن سطوة الأيديولوجيات الخانقة وفتح الطريق أمام النقد الجريء

ووفقاً لما طرح سابقاً، وجد برادة أنّ سؤال الثقافة العربية في سياق الانهزام والتفكيك يتشكل من اتجاهين يتصارعان بحثاً عن جدلية مُخصبة تجاه المستقبل، وهذان الاتجاهان يأخذان شكل صيرورتين متعارضتين؛ واحدة ترتد إلى الوراء بحثاً عن حجج وخطاب يسمحان لها بإطالة عمر الاستبداد، والثانية هي صيرورة ثورية تغييرية تتصادم مع مطالب المجتمعات المدنية في الفضاء العربي، ولا تأخذ في الاعتبار ما تتطلع إليه الحضارة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وأكد أنّ سؤال الثقافة في الفضاء العربي لا يمكن أن نحصره في الجوانب السوسيولوجية المتصلة بشروط الإنتاج والتلقي؛ وذلك لأنه "بات يكتسي طابعاً خاصاً يتمثل في انفصال الثقافي عن السياسي واحتدام الصراع من أجل استعادة الجدلية المخصبة بينهما وتحديد القيم الأساس لعمق الدولة في علاقتها بالمجتمع المدني وبحرية المواطن وبعلاقتهما بالماضي والمستقبل."

الانهزام وتأزيم الأوضاع

وأوضح أنّ سياق الانهزام الذي نعيشه، أظهر بجلاء أنّ التصورات الثقافية والسياسية التي ارتكزت إليها الأنظمة الحاكمة في الفضاء العربي أفضت إلى الانهزام وتأزيم الأوضاع.

اقرأ أيضاً: حضور الثقافة في انشغالات الدولة العربية الراهنة

ونبه برادة إلى أهمية دور المثقفين والمفكرين في إنجاز الإصلاح وبلورة مساكن التحول، بما أن التاريخ العربي سجّل، على مدار عقود، مواقف مشرفة لمثقفين دفعوا ثمناً فادحاً نتيجة ذلك، تمثلت في السجن والتعذيب والقتل والنفي.

برادة، المولود عام 1938، يعيش حالياً في جنوب فرنسا، ويزور وطنه المغرب بانتظام. ويحمل الإجازة في اللغة العربية وآدابها في جامعة القاهرة. له مؤلفات عديدة، منها "محمد مندور وتنظير النقد العربي"، "سياقات ثـقافية"، "الرواية ذاكرة مفتوحة"، 'لعبة النسيان"، "الضوء الهارب'"، "امرأة النسيان"، وسواها.

اقرأ المزيد...

الوسوم: