محمود أمين العالم: الفكر خارج عباءة السلطة

بين أزقّة القاهرة القديمة وحواريها العابقة بالتاريخ المتدثر بالعشق الصوفي، خطا محمود أمين العالم خطواته الأولى المترددة، كأنّه أحد شخصيات نجيب محفوظ، إلى الكتّاب في مدخل حارة السكرية عند بوابة المتولي؛ حيث بدأ رحلته مع الحرف والقلم كأقرانه على وقع ضربات عصا الشيخ السعدني.

بداية تعليمه المنتظم كانت في المدرسة الرضوانية الأولية بالقربية، ثم أخذت مسيرته الدراسية تتعثر في مدرسة النحاسين الابتدائية بجوار جامع الحسين؛ فبعد عامين، فصلته لعجزه عن سداد المصروفات، لترضخ أسرته للأمر الواقع، فصحبته أمه يحذوها الفقر إلى صاحب مطبعة هو الشيخ منير الدمشقي زوج أختها، حتى يجد عملاً لهذا الطفل سيئ الحظ. يقول محمود: "في أغلب الأوقات، كنتُ أعمل مساعداً للعدد البسيط من العمال الذين كانوا يعملون في المطبعة، لا في الأعمال الطباعية أساساً وإنما في الخدمات الصغيرة كإحضار الشاي وشراء السجاير لهم".

كرّسته مؤلفاته العديدة واحداً من أبرز النقاد العرب في العصر الحديث

لكن غَيبة الفتى المتوقد الذهن عن المدرسة لم تطُل، بعد أن تقرر منح المجانية للمتفوقين في سنوات الدراسة الابتدائية، مكرمةً من الملك فؤاد بعد شفائه من مرض ألمّ به.
نشأ "شيخ الشيوعيين العرب"، الذي ولد عام 1922، في عائلة أزهرية؛ فوالده وكيل الجمعية الشرعية في حي الدرب الأحمر مسقط رأسه بالقاهرة، وشقيقه الأكبر الشيخ أحمد كان أزهرياً ضريراً حصل على العالمية، أما شقيقه الثاني محمد شوقي فكان طالباً في الأزهر أيضاً لكنه فصل منه بعد أن أصدر كتاباً بعنوان "الأزهر فوق المشرحة" طالب فيه بتصحيح أحوال هذه المؤسسة الدينية العريقة.
تابع محمود العالم دراسته في مدرسة النحاسين الابتدائية بحي الجمالية، ثم في مدرسة الإسماعيلية الثانوية الأهلية بحي السيدة زينب، ثم مدرسة الحلمية الثانوية بالقرب من حي القلعة. وأسس هذا الطالب، آنذاك، جمعية "المجد الفرعوني" إيماناً منه بدافعية هذا التراث الهائل لنهضة بلده في حاضرها المتعثر؛ لكنه ما لبث أن تخلى عن هذا "المشروع"، بعد أن استقر تفكيره بعيداً عن هذه القيود التاريخية.
بدأ اهتمامه بالفلسفة بحكم ولعه بالقراءة في المرحلة الثانوية، ليتخصص بها في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) بخلاف رغبة والده الذي كان يريد له أن يدرس اللغة العربية. وشهدت دراسته في تلك الفترة مراحل من الانقطاع، ولم يسعفه لإكمالها إلا بضع قطع من الحلي الذهبية التي باعتها من أجله أخته عائشة، ليتخرج عام 1947 مع دفعة أنيس منصور طاوياً آخر صفحة من صفحات معاناته التعليمية.

بدأ البحث غارقاً حتى أذنيه في الفكر المثالي، هادفاً لاتخاذ "المصادفة" معولاً لتقويض الموضوعية العلمية

ورغم تفوقه إلا أنّ الجامعة لم تعينه معيداً فيها كما جرت العادة، فلم يجد بداً من العمل أميناً لمكتبة قسم الجغرافيا؛ حيث التقى بشريكة حياته طالبة قسم اللغة الإنجليزية سميرة الكيلاني، الإعلامية الشهيرة لاحقاً، التي تزوجها عام 1952. ثم عُيّن مدرساً مساعداً بالقسم الذي تخرج منه، بعد حصوله على درجة الماجستير في الفلسفة عن رسالته "فلسفة المصادفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية" التي نال عنها جائزة الشيخ مصطفى عبد الرازق، ولم يُنجز بحثه للدكتوراه حول "الضرورة في العلوم الإنسانية" بسبب فصله من عمله إثر اعتقاله مع عدد من زملائه اليساريين والشيوعيين في العام 1954.
انتسب في فترة مبكرة من حياته للحزب الشيوعي المصري الذي ظلّ وفياً له حتى آخر حياته، بعد أن كان معجباً بالوجودية بتأثير من أستاذيه عبدالرحمن بدوي وعثمان أمين، مقتنعاً بالعلم في جانبه التطبيقي الطبيعي، وبالماركسية إطاراً منهجياً للتفكير المادي.. يقول في مقدمة كتابه الذي ضمّنه رسالته للماجستير ونشره عام 1969: "بدأت هذا البحث غارقاً حتى أذني في الفكر المثالي، هادفاً لاتخاذ "المصادفة" معولاً لتقويض الموضوعية العلمية.. وما لم أعترف به فهو أني خلال البحث؛ بل في مرحلة متقدمة منه.. التقيت بكتاب "المادية والنقد التجريبي" لمؤلفه لينين، الذي قادني بدوره إلى كتاب "جدل الطبيعة" لإنجلز. وكان هذا حدثاً فكرياً في حياتي، قلب تصوراتي الفلسفية رأساً على عقب فأمسكت بالمعول نفسه ورحتُ أقوّض به الفكر المثالي الذي كان يستغرقني تماماً. وأبدأ مرحلة جديدة من الحياة".

بدأ العالِم يكتب دراساته ومقالاته الفكرية للمجلات المصرية، ليلفت الأنظار إليه عام 1955 عندما أصدر مع زميله د.عبد العظيم أنيس كتابهما "في الثقافة المصرية" الذي يُؤرخ به لتأسيس المنهج الواقعي في النقد العربي؛ وذلك ردّاً على عدد من نقاد الجيل السابق، أمثال؛ العقاد وطه حسين وخصوصاً كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، إذ انتقدا فيه فكرة الارتباط بين العقلية المصرية وثقافة شمال البحر المتوسط التي بشّر بها عميد الأدب العربي، لتتوالى بعد ذلك مؤلفاته النقدية العديدة.
عودة محطاته مع الاعتقال كانت مع بواكير عام 1959، ضمن الحملة التي انتهجها النظام آنذاك ضد الشيوعيين وغيرهم.. وبعد خمسة أعوام، خرج من السجن ليعمل خازن كتب ثم صحافياً في مجلة "روز اليوسف"، ويكون أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب.. وظلت كتاباته لا تنقطع في الأدب والمنطق والفلسفة والسياسة مع نشاط نضالي لا يفتر؛ فترأّس هيئة الكتاب ومؤسسة المسرح، وشغل منصب رئيس مجلس إدارة "أخبار اليوم" حتى عام 1967. وبعد حلّ الحزب الشيوعي، انضمّ إلى التنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي بدافع إيمانه بحماية الثور؛ لكنه اعترف لاحقاً بأن بقاء الشيوعيين مع الجماهير مختلفين مع عبد الناصر كان كفيلاً بتحقيق هذه الغاية.

قادته توجهاته الناصرية لقضية 15 مايو الشهيرة عام 1971؛ إلى السّجن، حيث ألقي القبض عليه في بداية عهد السادات بتهمة "الخيانة العظمى"

قادته توجهاته الناصرية لقضية 15 مايو الشهيرة عام 1971؛ إلى السّجن، حيث ألقي القبض عليه في بداية عهد السادات بتهمة "الخيانة العظمى"؛ ولكن ما لبثت السلطات أن أفرجت عنه لعدم ثبوت هذه التهمة، ليغادر مصر إثر تلقيه دعوة من جامعة أوكسفورد ليحاضر بها حول الدراسات العربية لمدة عام، ثم غادرها إلى جامعة باريس محاضراً في التخصص نفسه. وعلى الرغم من وجوده خارج بلده إلا أنّ أفكاره، وخصوصاً عقب اتفاقية كامب ديفيد التي كان من أبرز معارضيها، اجتذبت إليه رياح "خريف الغضب"، فأُسقطت عنه الجنسية المصرية، وظل في منفاه ولم يعد لمصر إلا عقب اغتيال السادات عام 1981.
فضلاً عن كونه واحداً من أهم أقطاب اليسار العربي، فقد كرّسته مؤلفاته العديدة واحداً من أبرز النقاد العرب في العصر الحديث؛ مثل: معارك فكرية، الثقافة والثورة، تأملات في عالم نجيب محفوظ، فلسفة المصادفة، الماركسيون العرب والوحدة العربية، الفكر العربي بين الخصوصية والكونية، ومواقف نقدية من التراث، وحصل إثرها على جائزة الدولة التقديرية عام 1998 وعلى جائزة ابن رشد للفكر الحر التي يمنحها بيت الآداب في برلين عام 2001.
عاش محمود أمين العالِم، الذي لم تكن ابتسامة التواضع تفارق محياه حتى رحيله العام 2009م، مناضلاً مبدئياً لا يلين، دائم المراجعة لأفكاره حتى الماركسية منها، مستمسكاً بروحية اليسار والعدالة الاجتماعية التي طالما آمن وناضل من أجلها، تاركاً بصمة لا تنسى في الحياة الفكرية والسياسية العربية، داعياً المثقف دائماً إلى الاحتكام إلى ضميره ضد الغبن والقهر والاستبداد مهما كانت إغراءات الانضواء تحت عباءة السلطة.

الأقسام: