محمود حسين ومراجعات الإخوان السرية.. هل حقاً تعالج الجماعة عيوبها؟!

3484
عدد القراءات

2019-02-04

تكاد السريّة تكون أحد أهم ثوابت جماعة الإخوان، والمبدأ الأكثر رسوخاً في تجربتها ووعيها عبر عقود، فلا تستطيع الجماعة ورموزها التاريخية، بطبيعة الحال، التخلص أبداً من هذا العرض أو المرض الذي لازمها منذ النشأة.
وبما أنّ الجماعة لم ترتكب تجاوزاتها وأخطاءها سراً، كان من المفروض أن تمارس لوناً من ألوان النقد الذاتي والمراجعة العلنية، سواء على مستوى الأفكار المؤسسة التي يبدو أنّ الكثيرين داخلها مايزالون يعتقدون أنها ترقى إلى حدّ المعلوم من الدين بالضرورة، أو السلوك، والتجربة السياسية والاجتماعية التي اقترفتها.

تكاد السرية تكون أحد أهم ثوابت جماعة الإخوان والمبدأ الأكثر رسوخاً في تجربتها ووعيها عبر عقود

خرج علينا في إطلالته المعتادة، محمود حسين، الذي يصرّ على وصف نفسه بالأمين العام للجماعة، رغم أنّه أقيل من منصبه، في شباط (فبراير) العام 2014، بعد خروج الجماعة من حكم مصر قبلها بعام، عبر تكليف ما يسمى باللجنة الإدارية العليا، التي حملت تغييراً في بنية الجماعة التنظيمية، ومحاولة دفع "الجماعة العجوز" لاعتماد ما يُسمى بالنهج الثوري، بديلاً عن النهج الإصلاحي الذي أوردها المهالك، وأطاح بها من الحكم بسهولة، كما يعتقد ما يعرف بالجناح الثوري الأكثر راديكالية ونزقاً، ممن يسمون بدعاة العمل النوعي، بقيادة محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، الذي قتل في مواجهة مع الأمن، في تشرين الأول (أكتوبر) العام 2016، والذي كان قد ترأس تلك اللجنة، التي اعتمدت العنف وسيلة لإعادة الجماعة إلى حكم البلاد، عبر سلسلة من العمليات النوعية التي نهضت بها عناصر من الجماعة، أو غيرها من عناصر جماعات أخرى، لم تتضح بعد حدود علاقتها العضوية مع الجماعة، وإن كان من المقطوع به أنّ تلك الجماعات، كداعش والقاعدة وأجنحتها المختلفة، فعلت ما فعلته من جرائم انتقاماً للجماعة، أو حزناً على ما أصابها، فضلاً -بطبيعة الحال- عن إخلاص تقليدي لخيار العنف، الذي لم تتخلَّ عنه تلك المجموعات أبداً عبر تاريخها.

اقرأ أيضاً: سيرة ناقصة لجماعة الإخوان
ضرب الجماعة زلزال الانقسام الذي طال الأفكار والأشخاص، وكاد يصل للأهداف التي تأسست الجماعة من أجلها، لكن يبدو أنّ محمود حسين بدا محصناً وحده من هذا الزلزال، أو على الأقل، حاول ادعاء ذلك، عبر تلك اللغة الخشبية المعتادة؛ حيث خرج يجتر العبارات نفسها التي يدّخرها لكل لقاء إعلامي، والتي تدور عادةً حول تلك الجمل: ليست هناك أخطاء جوهرية تدعو الجماعة للمراجعة، ربما فقط التجربة السياسية التي خاضتها الجماعة في حاجة إلى مراجعة، لكنّها تحتاج إلى أشخاص هم قيد السجن والاعتقال كي تكتمل، ومن ثمّ لا يمكن إجراء تلك المراجعات الآن، مع التأكيد على أنّ التجربة السياسية التي خاضتها الجماعة كانت نتاج عملية شورى مؤسسية..، لا يذكر محمود حسين أبداً أنّ التصويت على ترشيح أحد من الجماعة لانتخابات الرئاسة في المرة الأولى، انتهى إلى رفض أعضاء مجلس شورى الجماعة الترشح بنسبة 80%، وأنّ التصويت أعيد في سابقة لم تحدث من قبل، بعد إعادة هندسة مجلس الشورى بمؤيدين لخيرت الشاطر، نائب المرشد الذى سيطر على أموال الجماعة، ومن ثم خرجت النتيجة بالموافقة على الترشح بفارق 4 أصوات، نتيجة لا يستقيم اعتمادها في قرارات مصيرية كقرار أودى بالجماعة كلها، وأضرّ بالوطن والدين، وما تزال آثاره ممتدة حتى بعد مرور سبع سنين عجاف.

اقرأ أيضاً: "الإخوان"... تلون الحرباء
كلّ هذا لم يمنع الرجل من أن يؤكد أنه لا يثمن ما فعلته بعض فروع الجماعة؛ من الانحناء للعاصفة، والتحلي بالمرونة التي حالت دون تكرار السيناريو المصري، على نحو ما فعلته حركة النهضة من فصل الدعوي عن السياسي، مؤكداً أنّ أهل مكة أدرى بشعابها، لكنّهم في القيادة، بطبيعة الحال، أدرى بكلّ الشعاب!
الرجل، في لقاءاته كرّر تلك الجملة المحببة لنفسه من أنّ الجماعة واجهت تحديات كبيرة، لكنّها ستظلّ متماسكة وعصية على الانكسار، وأنهم يقيمون وضعهم باستمرار، وأنّ المراجعات والتطوير داخل الإخوان عملية ديناميكية مستمرة، وأنّه ما من جديد في كل ما يجري، وتواجهه الجماعة التي واجهات أزمات مماثلة، وخرجت منها، في 54 و65 و95، في إشارة إلى محاكمات عسكرية أجريت لقيادتهم
بهذا المنطق يردّ أمين عام الجماعة السرّي على دعاوى المراجعة، مؤكداً أنهم يجرونها لكن بشكل سري كالعادة.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب عارض عمرو موسى حكم الإخوان المسلمين
تؤسّس الجماعة لمفهوم جديد في العلوم الاجتماعية، يجعل النقد الذاتي لا يعني ما نعرفه عن البحث عن الأخطاء وإعلانها بشجاعة، وتحديد إجراءات التصويب اللازمة، في الهواء الطلق وبشكل علني مفتوح وشفاف، بالنظر إلى أنّ تلك الجماعة كانت تشكل حركة اجتماعية وسياسية خاضت تجربة سياسية ودعوية واجتماعية طويلة، ارتكبت فيها جرائم لم تنعكس فحسب على بنيتها التنظيمية ومشاعر واتجاهات ومصائر أعضائها؛ بل انعكست سلباً على مستقبل العملية الديمقراطية في مصر، وغيرها من البلدان التي سجلت تأثيراً لها في المشهد الاجتماعي والسياسي.

يتجاهل حسين أنّ التصويت على ترشيح أحد من الجماعة لانتخابات الرئاسة في المرة الأولى انتهى إلى الرفض

إنّه يقول ببساطة: راجعنا كلّ شيء، وعالجنا العيوب والأخطاء، لكن لا ينبغي أن يسألنا أحد عن تلك الأشياء، فلن نذكر فيما أخطأنا ولا ما ننوي فعله لعلاج هذا الخطأ، حتى نفوّت الفرصة على المتربصين بالدعوة الربانية، دعوة الله التي ينبغي ألا تتوقف مسيرتها المظفرة مهما حدث، ونحن ندعو أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها، ومن يصدقها، إلى أن يلزموا الاستغفار والدعاء للقيادة الربانية بالتوفيق في تلك الساعات الحاسمة من عمر الدعوة، وألا ينشغلوا من جديد بإثارة ما يثيره الأدعياء والخصوم من مقولات تتحدث عن مسائل من قبيل فصل الدعوي عن السياسي، فليس في ديننا أو جماعتنا فصل بينهما، أو ما يثيره البعض من حديث حول محاسبة القيادات، فتلك القيادات لا تحاسبها سوى مجالس الشورى؛ التي شكلناها بطريقة تضمن ألا تعارضنا أبداً؛ بل تتقرب إلى الله تعالى بتفويض سلطتها لنا ثقة في القيادة التي تتوارث الإلهام والربانية؛ لذا من الوقاحة أن يدعو البعض إلى تغيير تلك القيادات، التي ضحّت طويلاً، وما تزال تضحّي، حتى إن ضحت بالوطن والدين، فقد تعلمنا أنّ من أصاب له أجران، ومن أخطأ له أجر واحد، فنحن مأجورون ومن عارضنا وشكّك بنا هم المأزورون، فاتركوا تلك الدعاية الفارغة، والتفتوا إلى الصلاة والذكر، وانتظروا ساعة النصر، وماهي منكم ببعيد، كما بشرنا رسولنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وإمامنا الملهم الموهوب حسن البنا.
ولنتمثل جميعاً قول النبي الكريم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".

اقرأ المزيد...

الوسوم: