محمود محمد طه.. ترنيمة أخيرة على صليب الحلاج

16472
عدد القراءات

2017-11-12

كانت لحظة الحلاج لحظة مربكة إلى أقصى حد، في مجتمع سادت فيه روح القرون الوسطى، يرفض التجديد، وينأى بنفسه عن كل ما يمكن أن يكون بداية لصيرورة تاريخية، مجتمع يحيا من خلال رؤى فقهية تتسم بالثبات والسكونية، وترتبط ببعضها البعض في نسق مغلق، يرفض مغادرة عتبات الماضي، ويقتل كل مغامرة فلسفية في مهدها.
كانت آخر كلمات الحلاج وهو مشدود على الصليب الخشبي: "هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك وتقرباً إليك، فاغفر لهم" . بعدها انهالت عليه سياط الجهل والتعصب؛ ألف سوط سبقت قطع أطرافه وحز رأسه، قبل أن يحرق الكهنة جسده الهزيل، غير مدركين أنهم أخيراً أطلقوا سراح روحه لتسافر بلا عودة في مدارات الخلود الأبدي.
من رحم الخرافة والاستبداد
في السودان؛ حيث يقتات الناس على بقايا أحلامهم، ويتدثرون بغطاء الأمنيات المستحيلة، ولد محمود محمد طه، العام 1909، وتحت وطأة الاحتلال والتبعية، وصراع الهويات كان التصوف هو الملاذ الأخير لنفوس سحقها جبروت الاستعمار ووطأها الفقر والمرض، على ضفاف النيل سافر طه بعقله، وفي حلقات الذكر التي انتظمت حول مقام الشيخ الصوفي الكبير حسن ود بليل صفت نفسه وتطلعت للخلاص الجماعي، وبين تأملاته الصوفية المتجردة، وتطلعاته السياسية التي وضعته زعيماً على رأس الحزب الجمهوري، كان عليه أن يخوض غمار الصراع، وأن يشق بنفسه طريقاً جديداً؛ لمواجهة جمود الفكر الديني وانتهازية واستبداد النظام الحاكم.

كأي صوفيّ يجنح بأفكاره نحو الخلاص كان لمحمود محمد طه فهم مغاير للإسلام هو فهم الخاصة

يحكى أنّ طه وجماعة من رفاقه في الحزب الجمهوري كانوا ذات يوم يطوفون بمزارات الأولياء، وعند مقام الشيخ حسن ود بليل ألقى الروع في نفوسهم، ولم يقدر أحد منهم على التقدم، فقط وحده طه دخل إلى الضريح لتحل السكينة في نفسه، ويتلقى من فيوض المعرفة والعلم الصوفي ما جعل منه حلاجاً آخر على ضفاف النيل.
كانت الحالة الدينية في السودان شديدة التأخر والإنغلاق، مثلها مثل الحالة العامة في كل الأنحاء، نفوس بائسة يشوبها الخمول والجهل، وبلاد ترتع في رحابها كل أشكال الخرافة، فلم يبق من الدين إلا طقوس وحركات شكلية، فالصلاة لم تعد غير أداء رتيب يمارسه الجسد الخامل في آلية، بينما العقل هائم ومشتت في كل اتجاه، لا تحرك فيه صلاته شيئا، ولا تهدِّئ من روع الروح القلقة في فيافي الحياة، رفض طه أن يكون الدين بهذه الشكلانية الفجة، فتصبح الصلاة طقساً ثقيلاً بلا صلة مع الله، يقول في رسالة الصلاة: "الصلاة الحقيقية هي التي نستطيع بها النظر إلى داخلنا حتى نلتقي بأنفسنا... هي حركة من الغفلة إلى الحضرة، ومن البعد إلى القرب، ومن الجهل إلى المعرفة، فهي قرب من الله".
كأي صوفيّ يجنح نحو الخلاص
في تجلياته الصوفية يحاكي طه تأملات الحلاج، فنراه يقول إن العبودية وحدها هي الملاذ، وهو يقصد هنا العبودية بمعناها العرفاني الذي يعنى اتحاداً كاملاً مع الله، وبالتالي الخروج من الجهل إلى العلم، ومن الشقاء إلى السعادة، هنا تتحقق الحرية بتمثلاتها المطلقة، فهي "كالربوبية لا تتناهى... ولم يحققها إلا الأنبياء"، وفي ذلك يقول للحلاج: أعد في الناس مولى.... لأني فيه عبد . 

وكأي صوفيّ يجنح بأفكاره نحو الخلاص، كان لمحمود محمد طه فهم مغاير للإسلام، هو فهم الخاصة، فيذهب إلى تقسيم رسالة الإسلام إلى رسالتين؛ الأولى هي رسالة المؤمنين، وتختص بمرحلة المدينة، وهي في تصوره ذلك القدر من الدين الذي يخاطب العامة على قدر عقولهم، فلم يكن ممكناً في ظنّه أن يأتي الإسلام في لحظة التأسيس بتشريعات لا تطابق الواقع الاجتماعي، ولا تتماهى مع الثقافة السائدة، إنما جاء الإسلام ليؤلف بين قلوب المؤمنين وفقاً لفهمهم ومعطيات حياتهم، وهو هنا يفرق بين الإيمان والإسلام، "فليس كل مؤمن مسلماً، ولكن كل مسلم مؤمناً"؛ لأن الإسلام قي رأيه أرقى مرتبة من الإيمان، وعليه، فرسالة المدينة جاءت للمؤمنين، وآياتها محكومة بسياقات تاريخية واجتماعية وثقافية، لم يكن تجاوزها ممكناً في ذلك الوقت؛ لأنه كان ينبغي لها أن تراعي شروط الاجتماع الإنساني آنذاك، وعليه فإن قضايا مثل: الرق، تعدد الزوجات، الجهاد ليست أصلاً من أصول الإسلام، وإنما هي قضايا ذات طبيعة مرحلية.
أما الرسالة الثانية وتمثلها الآيات المكية التي أرجئ العمل بها حتى يتهيأ العصر ويستوعبها المُخاطب، وهي في رأيه رسالة العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات، رسالة عالمية يتحقق فيها إسلام حداثي متصالح مع العصر، وهي رسالة آن لها أن تتحقق في عصرنا مع تطور العقل، وأصبحت الدعوة لها أمراً واجباً، تبشيراً بعهد الإسلام الكوني.

دعا طه لتشكيل وعي ديني كوني تبرز فيه قامات إنسانية جديدة سلمت دواخلها وتحررت من الخوف والكبت

ويرى طه أنّ آيات الأصول التي نزلت في مكة نُسخت نسخاً مؤقتاً، تحت ضغط السياقات الاجتماعية، وما فرضته مرحلة بناء الدولة الجديدة في المدينة، وما واجهته من تحديات.
وعليه، يمكن تجديد الدين من داخل الدين نفسه، بالكشف عن منطلقات الرسالة الثانية، أو كما يقول: "الانتقال من نص إلى نص، نص فرعي تم تطبيقه في عهد الصحابة إلى نص أصلي قابل للانفتاح على كل العصور"، داعياً إلى "تشكيل وعي ديني جديد.. وعي كوني تبرز فيه قامات إنسانية جديدة تحررت من الخوف ومن الكبت وسلمت دواخلها".
كان الصوفي المسافر في مدارات الوجد يتطلع إلى تأسيس فهم جديد للإسلام، لا يكون فيه الفرد إلا حرّاً، وهي حرية يخرج بها الإسلام من ظلمات القرون الوسطى، وأطر الانغلاق والجمود، ليحقق وفقاً لرؤيته الخاصة تصالحاً مع الحياة، وفهماً أكثر دينامية للوجود.
قربان تواطؤ السياسة والمجتمع
طرح محمود محمد طه فلسفته في مجتمع لا يستطيع فيه الإنسان فهم حاضره سوى برده إلى الماضي البعيد؛ فالماضي الموغل في القدم وحده هو الذي يمنح التفسيرات استحقاقها الديني، وقداستها المفارقة، هنا تتحرك السلطة المستبدة، ويصبح مواتياً لها التنكيل بالمعارضين لممارساتها تحت غطاء حفظ الدين والدنيا وحماية الشريعة.

في العام 1985 كانت المحاكمة الثانية وقبلها كان طه أبرز المعارضين لقوانين أيلول (سبتمبر) 1983 المعروفة بقوانين الشريعة الإسلامية

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1968 كانت المحاكمة الأولى له بتهمة الردة، أمام محكمة الاستئناف العليا الشرعية، وحُكم عليه غيابياً "بأنه مرتد عن الإسلام مع أمره بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت إلى ردته"، وكانت أبرز مسوغات حكم الردة أنه دعا إلى مذهب الحلول، ليشارك الحلاجَ التهمة نفسها، وفيما بعد المصير ذاته.
وفي العام 1985، كانت المحاكمة الثانية، وقبلها كان طه أبرز المعارضين لقوانين أيلول (سبتمبر) 1983، والمعروفة بقوانين الشريعة الإسلامية، التي أراد من خلالها النظام السياسي لجعفر النميري إسباغ القداسة الدينية على حكمه، ليضمن استمراره في السلطة لأطول وقت ممكن، تصدر الحزب الجمهوري المشهد المعارض، وزجت السلطة بالعشرات من أنصاره في السجون، وفي الخامس من كانون الثاني (يناير) 1985 اعتقل طه وحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت، بدعوى تقديم فهم جديد للإسلام! وفقاً لما جاء في حكم محكمة الاستئناف الجنائية، التي ذهبت إلى تأييد الإدانة والعقوبة، مع الحكم بألا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأن تقوم الجهات المعنية بمصادرة أمواله فيئاً للمسلمين! وفي صباح الجمعة 18 كانون الثاني (يناير) 1985، وقف حلاج آخر ذو بشرة سمراء، تحاكي في صمتها طمي النيل عند ذات المقصلة لينفذ فيه الحكم بالموت.
 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-03

"الربّ وحده يستطيع تنحيتي من العرش"؛ بتلك الكلمات الأخيرة ذيّل الراحل عن عمر ناهز 95 عاماً، روبرت موغابي، مسيرته المتناقضة بين مناضل من أجل التحرر الوطني إلى ديكتاتور انفرد بالسلطة طيلة أربعين عاماً، لا صوت يعلو فوق صوته، حتى تمّت إزاحته عن السلطة، عام 2017، بعد أن تجاوزّ التسعين من عمره.
لكن ما الذي حوّل موغابي من بطل حرَّر بلاده من الاحتلال إلى دكتاتور؟
نظرة على زيمبابوي
زيمبابوي، أو روديسيا الجنوبية، كما سمّاها الاحتلال البريطاني، على اسم سيسيل رودس، المؤسس الفعلي للإمبراطورية البريطانية، والذي يعدّ أحد أهمّ الشخصيّات في التوسع البريطاني في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث حصل على حقوق المعادن عام 1888، ووفق كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"، للمؤرخ العسكري الأمريكي، بايرون فارويل؛ فإنّ سيسيل حصل على حقوق حصرية، وقّعت إثرها الملكة فيكتوريا، عام 1889، ميثاقاً يمنح رودس ثروة معادن جنوب أفريقيا كاملة، فيما استخدمها سيسيل لإرسال مستوطنين بيض إلى الأراضي الأفريقية، وأنشؤوا منظّمة مسلحة من قبل الحكومة الإنجليزية، سمّيت "BSAP"، وقادت حرباً مع السكان الأصليين من السود.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وفي عام 1899؛ تمّ إنشاء المجلس التشريعي مع أقلية من المقاعد المنتخبة، وكان المنوط بها تمرير التدابير الحكومية عن طريق كتلة ممثلة لصالح شركة جنوب أفريقيا البريطانية"BSAC" ، التي أنشأها رودس؛ حيث كانت أغلبية الناخبين من المستوطنين البيض وزادت نسبة المقاعد المنتخبة مع مرور الوقت، وبحلول عام 1918، كانت الغالبية تؤيّد حكم ""BSAC، لكن سرعان ما تغير هذا التأييد مع تطور البلاد وزيادة الاستقرار.

 كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ أصدرت المحاكم البريطانية مرسوماً مفاده أنّ الأراضي التي لا تملكها جهات أو أشخاص ملكية خاصية، تصبح ملكاً للتاج البريطاني، بدلاً منBSAC" "، وكان هذا القرار بمثابة دفعة كبيرة لحملة الحكم الذاتي، واحتفظت ردويسيا الجنوبية بحقّ التصويت للبيض والسود الذين يمتلكون رأس مال لا يقلّ عن 150 جنيه استرليني، أو لديهم دخل سنوي لا يقل عن 100 جنيه إسترليني، ويخضع الناخبون لاختبار اللغة الإنجليزية، وظلّت تلك الشروط حتى عام 1951؛ إذ تمّ رفع المؤهلات المالية، وبسبب طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهر اقتصاد البلاد، وعليه؛ فإنّ الفترة ما بين 1953 و1958، حاولت الحكومة فيها العمل على إصلاحات ليبرالية لزيادة رفاهية السكان السود، خشية التمرد، وذلك عن طريق زيادة فرص تعليم السود، وتقديم السكن والرعاية الصحية، بعد تلك الفترة استمرت الأقلية البيضاء في تحجيم سلطة الأغلبية السوداء، بينما استمر نضال السود لإحباط حكم البيض، حتى تنصيب إيان دوغلاس سميث رئيساً للوزراء، مع استقلال روديسيا غير المشروط من قبل السود، واستمرّ هذا السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد، عام 1980؛ إذ تمكّنت الأغلبية السوداء من حكم زيمبابوي.

استمرّ السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد عام 1980

فارس التحرير الوطني
تبدو شخصية موغابي أكثر تعقيداً بتتبع مسيرته الحياتية، لا سيما بعد توليه السلطة في أعقاب الاستقلال، فالمملكة المتحدة، التي منحته لقب "فارس" تكريماً لنضاله ضدّ الاستعمار، لم تكفّ عن تشويه صورته كديكتاتور أغرق بلاده الواعدة هائلة الثروة، فالصبي الذي نشأ في كنف أمه، بعد أن هجرها والده، وهو لم يتجاوز الثلاثة أعوام، احتضنته المدارس التبشيرية الكاثولوكية، وتفوّق دراسياً، حتى ارتاد جامعة "فورت هير" في جنوب أفريقيا، وبعد التخرّج، تمّ تعيينه معلماً في غانا، ومع قدوم الستينيات، بزخمها في حركات التحرر الوطني، التي اجتذبت موغابي، الذي تلقّى تعليماً جيداً، رحل إلى بلاده عام 1960، ليبدأ عمله السياسي، الذي استهله بالسجن لعشرة أعوام؛ إثر خطاباته التي دعا فيها إلى تدمير المملكة المتحدة، وإنهاء حكمها للبلاد.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة
بعد خروجه من السجن؛ هرب إلى موزمبيق المجاورة، ومن هناك قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"، والذين انشقّوا عن الاتحاد الشعبي الإفريقي لزيمبابوي "زابو"، بقيادة جابوا نكومو، وخاضوا حرباً طويلة ضدّ حكومة إيان سميث، خلّفت 27 ألف قتيل.

قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"

وعام 1979؛ جلب اتفاق لانكستر هاوس، الذي انعقد في لندن، الاستقلال لزيمبابوي، ليعود موغابي إلى وطنه بطلاً متوّجاً، ومعلناً سياسة المصالحة مع البيض، وطلب مساعدتهم في إعادة بناء البلاد، وفي خطابه المشهور بعد الاستقلال، غازلهم بقوله: "إذا حاربتك بالأمس كعدو، فقد أصبحت اليوم صديقاً، وإذا كرهتني بالأمس، فلا يمكنك اليوم تجنّب الحبّ الذي يربطني بك"، وفي بداية حكمه قاد حكومة ائتلافية مع نكومو، لكن سرعان ما أطاحه موغابي، عام 1982، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بحكمه، وعليه فقد تمرّدت قوات نكومو المسلحة، وقادت حرباً أهلية قتل فيها الآلاف من المدنيين، بحسب صحيفة "التايم الأيرلندية"؛ التي نعت نكومو بعد وفاته، عام 1999، واصفة إياه بـ "رجلنا العزيز الكبير"، بينما سحقت قوات موغابي المدربة من كوريا الشمالية تمرد أتباع نكومو، الذين خلّفوا 20 ألف قتيل من المدنيين، في الوقت نفسه؛ قرّر موغابي الاهتمام بالصحة والتعليم، لتصبح زيمبابوي في الثمانينيات من الدول الأفريقية الأكثر صحة، والأفضل تعليماً، في وقت قياسي.

نكومو

الطريق إلى الهاوية
عام 1987؛ عقدت المصالحة بين زانو وزابو، وفي الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، تمّ توقيع اتفاقية الوحدة من قبل الزعيمين، وانضم زابو إلى زانو ليصبح اسمه "زانو بي إف"، وهو ما جعل المعارضة السياسية تتنامى في أيام موغابي، وما جعلها في تصاعد كانت سياسات توزيع الأراضي وتسوية الإرث الاستعماري، الذي بدأها موغابي في التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الصدد تحدث مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، الدكتور أحمد أمل، لـ "حفريات" قائلاً: "لا شكّ في أنّ موغابي كان بطلاً للتحرير، بلا منازع، سوى نكومو، وقد صنع معجزة اقتصادية فيما يخصّ العملية التعليمية والرعاية الصحية التي انتهج فيها نهجاً سوفييتياً بامتياز، لكن بالنظر إلى تسوية الأراضي فقد قاد موغابي حملة عنصرية ضدّ البيض؛ باعتبار أنّ السود صارت لهم اليد العليا، هذه الازدواجية في المعايير خلقت له معارضة تنامت مع زوال الديكتاتوريات المجاوزة في أوغندا، وغيرها من دول الجوار، وتحالفت المعارضة مع بريطانيا في محاولة لإسقاط حكمه، خاصة بعد اتهامه من قبل القوى الدولية؛ بأنّه شيوعي، وذلك لأنّ محرّكه الفعلي للنضال ضدّ الاستعمار كان شيوع الأفكار الماركسية في الستينيات".

صحفية عن موغابي: تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ على الهدايا التي منحت له

ويستطرد قائلاً: "كثيراً ما نفى موغابي ماركسيّته، لكنّ سياساته الإصلاحية كانت تثبتها، وعلى مستوى إعادة توزيع الثروة والأرض؛ فإنّ هذه العملية أطلقت العديد من الأسئلة حول الهوية والجنسية، وكان النقد الموجَّه إلى الرئيس وقتها هو ازدواجية الإمبريالية والتعصب الاستبدادي غير المقبول للمعارضة آنذاك؛ حيث كانت القوات المسلحة درعاً أساسياً لبقائه في السلطة، لكن ما جعل حكمه يتهاوى كان مشروع خلافة زوجته غريس لرئاسة الجمهورية، كان هذا القشّة التي قصمت عرش موغابي إلى الأبد"، وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بعد وفاة موغابي، يستعرض الصحفي الأمريكي ومدير مكتب "الغارديان" بواشنطن مسيرة موغابي الذي قسّمه إلى شخصين، أحدهما بطلاً للتحرير ولأفريقيا برمّتها، أمّا الآخر؛ فهو ديكتاتور غامض وقاسٍ، لكنّه في غاية الذكاء، يعرف الهدف ويصيبه سريعاً، ومن خلال مقابلة أجراها سميث مع وزير مالية موغابي، سيمبا ماكوني، فإنّ موغابي بالنسبة إليه كان موغابي السابق "بطلاً للتحرير"، ثمّ ديكتاتوراً متكالباً على السلطة، واستعرض ماكوني في المقابلة جانباً من شخصية موغابي، قائلاً: "رجل قويّ وغامض، ذكي ومرح، ويحاول بشتى الطرق أن يخفي نقاط ضعفه".

عشاء مع موغابي
في كتابها "عشاء مع موغابي"، تسبر الصحفية الجنوب أفريقية، هيدي هولاند، أغوار الرئيس الغامض، التي سردت سيرة ثلاثين عاماً من حياته، ولا يخلو كتابها من التناقضات التي اتّسمت بها شخصيته؛ ففي بداية الكتاب فصول كاملة تسرد سيرة الرجل المحارب الذي حرر بلاده بروح قتالية نادرة الوجود، وباستكمال السيرة، خاصة مع بداية التسعينيات، نجد أنفسنا أمام شخصية أخرى، غاية في القسوة وحبّ السلطة، الذي دفعه لسحق المعارضة على مرأى ومسمع من العالم، وتصفه بقولها: "رجل تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة، لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ بنعمة على الهدايا التي منحت له من بلاده".

كتاب "عشاء مع موغابي"

بينما تتوازى سيرة موغابي مع مانديلا؛ فإنّ الأخير أجرى مقابلة مع الصحفي الجنوب أفريقي، إليستر سباركس، في مطلع الألفية؛ إذ يصفه مانديلا: "كان النجم، ثم أشرقت الشمس"، ويوضح سباركس الكره الشديد الذي كنّه مانديلا لموغابي الذي كان ينافسه على قيادة أفريقيا، إلّا أنّ مانديلا سرعان ما تنازل عن السلطة قبل أن تشرق عليه الشمس، كما موغابي.
وبحلول عام 2008؛ تمّ تجريد موغابي من لقبه الفخريّ، وتعرض لعقوبات دولية كانت بريطانيا خلفها بلا منازع، بينما ظلّ، حتى نهاية حياته، يردّد جملته الأكثر شهرة: "لن تكون زيمبابوي مستعمرة مرة أخرى".

للمشاركة:

سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني

2019-09-24

سليمان بشير ديان، فيلسوف سنغالي مرموق في العالم، ولد في سانت لويس عام 1955، ودرس في السوربون، على يد لويس ألتوسير وجاك دريدا، كما درس في هارفرد، وتخصص في فلسفة الرياضيات والمنطق، مع اهتمام واسع بالإسلاميات والفلسفة السياسية والآداب الأفريقية وأسئلة الهوية، ويُعدّ أحد أهم سفراء الفلسفة الأفريقية في الولايات المتحدة، وبدرجة أقلّ في الساحة الأوروبية، بمقتضى المركزية الغربية المهيمنة في المجال الثقافي الأوروبي مقارنة مع نظيره الأمريكي.

درس سليمان بشير ديان مفيد لأقلام المنطقة العربية التي تشتغل في الحقل الفلسفي حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة

عام 1982؛ رجع ديان إلى وطنه الأصلي، وقام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار؛ حيث أصبح نائب عميد كلية العلوم الإنسانية، وجاءت ذروة اعتراف السلطات السنغالية بمكان بشير ديان، عندما قام الرئيس السابق عبده ضيوف، بتعيينه مستشاره التعليمي والثقافي؛ حيث شغل المنصب طيلة ستة أعوام، بين 1993 و1999.
وتعرّف القراء العرب إلى بشير ديان خلال العقدين الأخيرين على الخصوص، من خلال الحوارات والمقالات التي تنشر له في منابر بحثية أو إعلامية أوروبية، خاصة المنابر الفرنسية، وما تزال الذاكرة تحتفظ بمضامين أحد الأعداد الخاصة لمجلة "لونوفيل أوبرسرفاتور" (المراقب الجديد) الفرنسية، وصدر في غضون 2004؛ حيث كان بشير ديان من بين أهم 25 مفكراً عالمياً.
قام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار

النزعة الثقافية الغربية
صحيح أنّه لا يمكن الفصل في طبيعة أهم حكماء العالم حينها واليوم، إضافة إلى أنّ الحكمة هنا مرهونة بطبيعة مرجعية مُعدّي مثل هذه الملفات، دون الحديث عن النزعة الثقافية الغربية في إصدار هذه الأحكام والمواقف، عبر هذه الملفات، ومع ذلك، كان اسم الرجل حاضراً، وهذا أمر ليس هيناً قط، أخذاً بعين الاعتبار المُحددات سالفة الذكر.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان.. الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام
رغم أنّ سليمان بشير ديان يُطالب فرنسا دوماً بأن تعترف صراحة بتاريخها الاستعماري؛ فإنّه حاضر بين الفينة والأخرى في المنابر الفكرية هناك، خاصة في مجلة "فلسفة" و"المجلة الأدبية"، ولكن؛ لأنّه يرى أنّ دول جنوب الصحراء أكثر تقدماً من الناحية الديمقراطية من الدول العربية، فإنّ حضوره متواضع في المشهد الفكري العربي؛ حيث إنّنا نادراً ما نعاين حضوره في بعض ملتقيات المنطقة، باستثناء انفتاح المؤسسات المغاربية عليه خلال الأعوام الأخيرة؛ حيث شارك مؤخراً في بعض المؤتمرات التي نظمت بالمغرب، منها مشاركته في ندوة احتضنها "صالون جدل" بالرباط، في 20 أيار (مايو) 2015، أو مشاركته في أشغال منتدى "سانت لويس"، الذي احتضنته مدينة الصويرة، في 2 و3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، والحديث عن مدينة تلقب بعاصمة التسامح في شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
من أقواله الشهيرة: "من الخطأ الاعتقاد أنّ الفلسفة اختراع أوروبي أوجدته المعجزة اليونانية، وبيان ذلك؛ أنّ الممارسة الفلسفية غُرست في جسد الإنسان انطلاقاً من اللحظة التي دفن فيها موتاه، وتساءل حول معنى الحياة، وزيّن الأضرحة بالأعمال الفنية، ثم إنّ جميع الثقافات، بما فيها الثقافات الشفوية، لها حظها من هذه القدرة الفلسفية الخالصة، والتي تخولها اتخاذ المسافة من تراثها وإخضاعه للنقد".
انتقل إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي

موضوع الشكّ عند الغزالي
يُعدّ ديان من أعضاء الجيل الأخير الذي درس على يد كبار الفلاسفة الفرنسيين، وإن كان افتتح أعماله البحثية بالاشتغال على موضوع الشكّ عند الغزالي، فقد انتقل لاحقاً إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي، قبل صدور كتابه "التفلسف الإسلامي" الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وتُرجم، وما يزال، لعدد من اللغات؛ حيث خلُص البروفيسور في جامعة كولومبيا الأمريكية، إلى أنّ "الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام، وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها، ولا عن أي دين بعينه"، متوقفاً في مقدمة الكتاب عند عالميّة الفلسفة وأهميتها، لمواصلة الكفاح من أجل تنوير التعليم ضدّ روح الانغلاق والتعصب الديني الذي يؤدي إليه، مضيفاً أيضاً أنّ "الفكر النقدي يقع في صميم النصوص القرآنية، التي تدعو إلى التأمّل؛ حيث إنّ النص القرآني، في كثير من الأحيان، يشير إلى أنّ بعض مقاطعه غير بيّنة وجليّة بتاتاً، بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون الالتزام بمضمونها الحرفي، وبأنّها تحضّ على التفكّر، كلَّ أولئك الذين يعرفون كيف يتفكّرون".

 تقاطعت بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
وهذا رأي يُفسر تقاطع بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون؛ حيث يؤكد ديان أنّ دخول روح الانغلاق على المدونة الفقهية الإسلامية، تمّ منذ بداية الإسلام، موازاة مع دخول روح الانفتاح، بما يُفسر تلك المعارك الفكرية والسياسية والدينية التاريخية لتحقيق المصالحة بين الإيمان‏‏ والعقل، أو بين الدين‏‏ والفلسفة، وبالتالي، فنحن نخوض معركة مستمرة منذ أكثر من ألف عام؛ إنّها معركة المعارك، وهل هناك دول عربية إسلامية حققت تقدماً نوعياً في هذه المعارك الحضارية؟ لا توجد إجابات مفصلية عند بشر ديان، لكنّه يُقر، في آن، بأنّ هناك بعض الدول العربية التي طرقت باب النهضة والإسلام العقلاني المستنير، وخصّ بالذكر تونس والمغرب ومصر والإمارات والأردن، ومن القواسم المشتركة بين هذه الدول؛ أنّها أخذت مسافة نهائية من التيار الديني الحرفي الذي حاول التأثير على مخيال شعوب المنطقة طيلة العقود الماضية، وليس صدفة أنّ هذا التيار يكره التصوف كرهاً شديداً، وليس صدفة أيضاً؛ أنّ التيار ذاته، أعلن الحرب على التصوف، وعلى الفلسفة أيضاً؛ لأنّهما -في رأيه- مجرد زندقة تُبعد عن الدين.
بشير ديان إلى العربية
بخصوص اشتغاله على محمد إقبال، وجبت الإشارة إلى المبادرة التي قام بها الباحث والمترجم فريد الزاهي، والذي أصدر مؤخراً عن دار "توبقال" المغربية، عملاً مترجماً لبشير ديان، بعنوان "برغسون ما بعد الكولونيالي: الفلسفة الحيوية لدى ليبورلد سيدار سنغور ومحمد إقبال" (جاء الكتاب في 87 صفحة).

ديان: الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها ولا عن أي دين بعينه

أصل هذا الاشتغال المزدوج على أعمال برغسون وإقبال، مردّه محادثة بين هنري برغسون (1859-1941)، ومحمد إقبال (1877-1938)؛ فابتداءً من هذا اللقاء ولِد التفكير في الوقت؛ حيث يتوقف ديان عند عدة قواسم مشتركة بين الرجليْن، ومنها؛ طبيعة اشتغالهما على سؤال الأخلاق، ففي كتابه "مصدرا الدين والأخلاق"، يُفرّق برغسون بين الأخلاق المفتوحة، والأخلاق المنغلقة، وبين الدين الحيوي، والدين الساكن والجامد، واعتماداً على هذا هو يفرّق بين نموذجين من المجتمع، واتضح أنّ محمد إقبال لم يختلف كثيراً عن هنري برغسون في هذا المجال، فبالنسبة إليه؛ المتصوف ليس ذاك الذي يغرق في التأمل مهملاً العالم من حوله، وليس ذاك الذي يتحصّن في برجه العاجي ليذوب ذوباناً كلياً في حبّ الله، وعجائب الكون، وإنما هو ذاك الذي يشعر بمسؤولية إزاء مجتمع أصابه التفسخ، ونخره الفساد، وهيمن عليه الاستبداد، لينتفي كلّ شكل من أشكال الحرية، سواء كانت فردية أم جماعية.

 الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
ومحمد إقبال، للتذكير، شاعر ومفكر هندي، توفّي في 1938، ويُعدّ "الأب الروحي" لباكستان، واشتهر بالدعوة إلى إعادة بناء الفكر الديني الإسلامي، عبر تأسيس علم كوني غير ثابت بل دينامي: "العالم الذي خلقه الله تُرك دون إتمام، وعلى الإنسان أن يتم الخلق"، ومن مؤشرات المحافظة الدينية التي أصابت المنطقة العربية والعالم الإسلامي، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، نقرأ هذه الإشارة التي جاءت في أحدث أعمال عبد الله العروي؛ أي في كتابه "نقد المفاهيم"؛ حيث رأى أنّه لو أعيد اليوم نشر ما صدر عن محمد إقبال منذ حوالي قرن من الزمان، بحضور إقبال نفسه، لكان تفاعل الرأي العام الباكستاني مختلفاً اليوم، هذا إن لم يصل الأمر إلى المطالبة بمحاكمته.
تجديد الخطاب الديني
وما دام موضوع تجديد الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان، أو قل تحديث الخطاب الإسلامي، يرى ديان؛ أنّ العودة إلى فكر محمد إقبال ضرورية لتحقيق مثل هذا الهدف، وبيان ذلك؛ أنّ الاجتهاد عند إقبال يكاد يكون له معنى برغسوني؛ أي معنى الخلق والابتكار من أجل التجديد ومن أجل الحيوية والديناميكية.
درس سليمان بشير ديان مفيد كثيراً لأقلام المنطقة العربية، خاصّة الأقلام التي تشتغل في الحقل الفلسفي، حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة التي انخرطت فيها بمقتضى الدفاع عن هذا الاسم أو غيره، والانفتاح على آفاق إنسانية رحبة، ما دام بشير ديان، ينتصر لخطاب معرفي وأخلاقي يروم الوصل بين الشرق والغرب، ويُغذي أفق المشترك الإنساني، إضافة إلى تميزه بأخلاق التواضع والسماحة.

للمشاركة:

وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني

2019-09-18

بتهمة التحريض على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، اقتحم العشرات من جنود الاحتلال منزل الأكاديمية الفلسطينية وداد البرغوثي من جميع الجهات، وقاموا باعتقالها، في الأول من الشهر الجاري، دون الاكتراث بمعاناتها مع مرض السكري وضغط الدم، بعد أن جرى اعتقال نجلها كرمل (31 عاماً)، في 31 آب (أغسطس) الماضي، على أحد الحواجز العسكرية في بيت لحم، أثناء عودته وعائلته من حفل زفاف، وكذلك اعتقال نجلها الآخر، قسام، بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للبلدة، والذي يقبع في مركز تحقيق المسكوبية، وقد مدّدت المحكمة العسكرية اعتقاله لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

 استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي
ويرى بعض رواد التواصل الاجتماعي أنّ اعتقال الدكتورة البرغوثي جاء بعد قيامها بنشر أبيات شعرية على صفحتها على فيسبوك، تمدح فيها زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله؛ إذ تعدّ من المؤيدين له.

انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

لم يرق للقوات الإسرائيلية أن يعيش أبناؤها في كنف والدهم، عندما أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال زوجها عبد الكريم البرغوثي (66 عاماً)، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 7 أعوام، بعد مطاردته من قبل القوات الصهيونية لما يزيد عن 3 أعوام، ومن ثم أعيد اعتقاله لمدة عامين آخرين، ليستمرّ مسلسل الاعتقال لنجلها قسام ثلاث مرات؛ حيث اعتقل في المرة الأولى لشهر ونصف الشهر، وفي المرة الثانية 10 شهور، وتمّ اعتقاله لمدة 7 شهور أخرى، قبل أن يتمّ الإفراج عنه، وكلّ حوادث الاعتقال هذه جعلت قضية الأسرى والمرأة والوطن المسلوب تأخذ جزءاً كبيراً من كتابات وحياة البرغوثي، ودأبت على المشاركة في الاعتصامات الأسبوعية للتضامن مع الأسرى، وتغطية وكتابة وتأليف العديد من الروايات التي تتحدث عن الأسر ومعاناة الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: عملية إعدام ميدانية جديدة لفلسطينية برصاص قوات الاحتلال!! فيديو

البرغوثي كاتبة وروائية وشاعرة فلسطينية، عُرفت بمواقفها الصلبة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، والتي عبّرت عنها بقلمها، عندما بدأت محاولاتها الأدبية والشعرية الأولى، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستطاعت فضح الممارسات الصهيونية، بعد أن خطّت لها طريقاً نحو الإبداع والتميّز في مجال الفن والأدب والفكر، وأن تضع بصماتها في مجتمعها الفلسطيني، رغم كافة الصعوبات التي واجهتها.

اقرأ أيضاً: دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

وداد عادل البرغوثي، من مواليد عام 1958، من قرية كوبر شمال غرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، حاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية، عام 1984، وهي أستاذة بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت، ومن أبرز مؤلفاتها "الوجوه الأخرى"، والتي تبيّن فيها وتعكس التجارب الحياتية لعائلتها في الأسر، ورواية "تلّ الحكايا"، والتي تروي فيها تجربة اعتقال والدها، ورواية "ذاكرة لا تخون"، ورواية "حارة البيادر"، والتي تتحدث بمجملها عن الأسرى الفلسطينيين، ومن دواوينها الشعرية "سقوط الظل العالي"، و"للفقراء فقط" .

اقرأ أيضاً: هكذا ردت دولة الاحتلال على خبر استدعاء الطفل عليان

بدأت البرغوثي دراستها الابتدائية في مدرسة كوبر، في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد أن قضت طفولتها في جوّ عائلي حزين بعد اعتقال والدها، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة البيرة الثانوية، عام 1970، وكانت الأنثى الثانية في قريتها، التي تكمل تعليمها، لتذهب لدراسة البكالوريوس في الصحافة والإعلام في روسيا، وبعد عودتها لزيارة عائلتها عام 1980، تمّ منعها من العودة لاستكمال دراستها وتمّ اعتقالها لمدة 5 أيام، قضتها في مركز تحقيق المسكوبية، شهدت خلالها أبشع أنواع التعذيب الذي يمارَس بحقّ الأسرى الفلسطينيين، والذين كانوا مقيدين من أيديهم وأرجلهم وتوضع أكياس في رؤوسهم، وبعد الإفراج عنها عادت البرغوثي للسفر مرة أخرى للاتحاد السوفييتي، بعد منعها لمدة عام، وكانت وقتها في عامها الدراسي الرابع.

الوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

دعم البرغوثي ومساندتها في كتاباتها لفلسطين والتطرق إلى الأسرى ومعاناتهم داخل السجون الإسرائيلية، جعل عمرها الذي يتجاوز 61 عاماً حافلاً بالأسر، فاعتقل والدها لمدة 15 عاماً، بعد أن جرى اتهامه بالشيوعية، وتمّ الإفراج عنه بعد صدور عفو ملكي عن الأسرى السياسيين في السجون الأردنية؛ حيث كانت والدتها حاملاً بها، ولم تستطع رؤية والدها إلا بعد بلوغها 8 أعوام، لتبصر عيناها الحياة، دون أن تنعم بعطف وحنان والدها.

أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت: اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج للجامعة

عملت البرغوثي، للمرة الأولى، في جريدة "الميثاق" في القدس المحتلة، والتي أغلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يتمّ فصلها من الصحيفة، بعد نشرها تحقيقاً حول النساء في منطقة "الجفتلك"، التي كانت مهدَّدة بطرد ساكنيها، ومن ثمّ انتقلت للعمل في الكلية العصرية، ثمّ عملت في جريدة "النسوية"، التي استقالت منها بعد عدة أعوام لاعتمادها على التمويل الأجنبي، وعام 2000؛ جرى تعيينها في جامعة بيرزيت، أستاذة في كلية الإعلام فيها.

اشتهرت البرغوثي بترديد عبارة "الاحتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني"، بعد اعتقال زوجها وأبنائها عدة مرات، وتفاعلت مع المجتمع الفلسطيني وقضاياه وأصبح الفقر والمرأة والوطن المسلوب يدخلون في تفاصيل حياتها وكتاباتها، وأثر ذلك في توجّهها نحو الإعلام والأدب.

ورفضت النيابة العسكرية الإسرائيلية قرار محكمة الاحتلال في معسكر عوفر، في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، بالإفراج عن الدكتورة وداد البرغوثي.

كان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني

استنكار واسع
وكان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني والمؤسسات التعليمية والنقابات الصحفية؛ حيث نظمت نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، في الثاني من الشهر الجاري، وقفة احتجاجية أمام مبنى محمد المسروجي للإعلام، ضدّ اعتقال قوات الاحتلال البرغوثي، ورفع المشاركون في الوقفة لافتات داعمة لزميلتهم، ومنددة بإقدام الاحتلال على اعتقالها واستهدافه المتعمد والممنهج للجامعة وأساتذتها وطلبتها.

وقال أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، د. سامح أبو عواد: إنّ الوقفة نظمت في إطار التضامن والمؤازرة للبرغوثي ولكافة الطلبة والموظفين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال مؤخراً، مضيفاً: "ننظر بعين الخطورة إلى اعتداءات الاحتلال بحقّ الجامعة، ولا سيما حملة الاعتقالات الأخيرة، هذه رسالة من الاحتلال بأنّه لا توجد لديه خطوط حمراء".

ورأى أبو عواد أنّ اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج لجامعة بيرزيت، داعياً مجتمع الجامعة للاتحاد والوقوف في وجه اعتداءات الاحتلال على الجامعة، إضافة إلى العمل مع المؤسسات الحقوقية لفضح ممارسات الاحتلال، وشدّد على أنّ "جامعة بيرزيت ستبقى منارة للعمل الوطني ولن يرهبها الاحتلال أو يجبرها على التراجع".

اقرأ أيضاً: الأسرى الفلسطينيون.. نضال خلف قضبان الاحتلال

بدورها، استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي، من منزلها في قرية كوبر بمدينة رام الله، بعد اقتحامه وتدمير محتوياته، وطالبت النقابة كافة المؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين، بالضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين في سجونه بحجج وذرائع واهية.

وعبّرت النقابة عن بالغ قلقها إزاء تصاعد جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بأجهزته المختلفة، لحقوق الصحفيين، والتي تتعارض مع أبسط القواعد القانونية الدولية والمواثيق التي تكفل حرية العمل الصحفي، وتجرّم الاعتداء والمساس بها، الأمر الذي يستدعي من سلطات الاحتلال الإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين ووقف الانتهاكات الصارخة بحرية الصحفيين.
انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة، وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها، وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين، ورأت أنّ الحياد أكذوبة وانحراف يروّج به بعض الأشخاص لمواقفهم، مما جعلها بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في المجال الصحفي والثقافي والأدبي أنموذجاً للسيدة الفلسطينية التي يُفتخر بها، كما أطلق عليها لقب شاعرة الفقراء، بعد أن عاشت طفولتها في كنف أسرة فقيرة، ما انعكس على أعمالها الفنية والأدبية وقناعاتها الشخصية، وكان من بين هذه الأعمال روايتها "للفقراء فقط".

للمشاركة:



ألمانيا تحذّر من هؤلاء..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

حذرت هيئة حماية الدستور (المخابرات الداخلية) من اليمين المتطرف في ولاية ساكسونيا، لافتة إلى أنّ ظهوره بشكل مسلح، كما حدث في مدينة هالة، في الحادثة التي راح ضحيتها مواطنون، الأسبوع الماضي، له دلالات خطيرة.

وقالت الهيئة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية: "أيديولوجيتهم تهدف إلى تغيير المجتمع بشكل دائم"، وفي مدينة هاله تغيّر الكثير في الأعوام الماضية، حتى لو أنّ رئيس وزراء ولاية ساكسونيا – أنهالت، راينر هازلهوف، يؤكّد أنّ الهجمات اليمينية المتطرفة، مثل ما حصل الآن في هالة، ليس لها مكان داخل المجتمع.

المخابرات الداخلية: ظهور اليمين المتطرف في ساكسونيا كما حدث في هالة له دلالات خطيرة

العنصريون ومعادو السامية لهم الكثير من مراكز الالتقاء في ساكسونيا – أنهالت؛ فهناك مجلس مدني تابع لحزب البديل من أجل ألمانيا، ثمّ هناك ما يسمون "مواطني الرايخ" المعروفين بكراهيتهم للمجتمع المتعدد الثقافات، إضافة إلى عدد من المجموعات اليمينية المتطرفة الصغيرة التي توسعت في ساكسونيا – أنهالت، مثل "مجموعة النوع الشعبية"، التي تمجد النظام النازي.

وبحسب جهاز الاستخبارات الداخلية؛ فهي "متحدث مهم بالنسبة إلى الوسط فيما يرتبط بالحياة الثقافية داخل الحركة القومية، وتعرض بأنشطتها، لا سيما للنازيين الجدد، إطاراً أيديولوجياً لربط العائلات والأطفال بالوسط اليميني، ونشر القناعات العنصرية، وفي هذا السياق؛ يتمّ نشر بعض المثل على غرار "النوع الذاتي" و"العنصر".

وكانت القوات الأمنية قد ألقت القبض على أحد المتطرفين اليمينيين، بعد ارتكابه جريمة قتل مزدوجة، يوم الأربعاء الماضي؛ حيث أطلق النار على سيدة (40 عاماً)، فقتلها أمام كنيس يهودي، في حي باولوس، بمدينة هالة، ثم قام بإطلاق النار داخل محل للشاورما التركية، يقع بالقرب من الكنيس، فقتل شاباً عمره 20 عاماً.

 

 

 

للمشاركة:

بوتين يصل السعودية.. أبرز الملفات التي سيبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

وصل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الرياض، اليوم، في زيارة رسمية؛ حيث من المتوقع أن يلتقيه الملك سلمان بن عبد العزيز.

مساعد بوتين يؤكّد أنّه تمّ تحضير نحو 30 وثيقة بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية لتوقيعها خلال زيارته

وكان مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، قد قال في وقت سابق؛ إنّه "تمّ تحضير نحو 30 وثيقة، بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية، لتوقيعها خلال زيارة بوتين إلى السعودية"، وفق ما نقلت "رويترز".

كما سيناقش خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، مع بوتين، قضايا التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، تشمل آفاق التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتعاون العسكري التقني والتبادلات الثقافية والإنسانية، وفق أوشاكوف.

ديميتريف: قيمة الاتفاقات ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً وإحدى الشركات ستستثمر في شراكة مع "أرامكو"

وقال الرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر، كيريل ديميتريف، في تصريح لـ "العربية": "قيمة اتفاقاتنا ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً، وإحدى الشركات ستكون مختصة في صناعة النفط، وستستثمر في شراكة مع "أرامكو" لإنتاج مواد مهمّة للشركات الروسية، و"أرامكو"، وشركات عديدة أخرى حول العالم".

يذكر أنّ الرئيس الروسي كان قد زار السعودية آخر مرة، في شباط (فبراير) 2007، أي منذ 12 عاماً، أما الملك سلمان فقد زار روسيا عام 2017، في زيارة وصفها الرئيس الروسي بـ "التاريخية".

 

 

 

 

للمشاركة:

الحوثيون يستخدمون المختطفين دروعاً بشرية.. نداء استغاثة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

كشفت رابطة أمھات المختطفین، الیوم، قیام ميلیشیا الحوثي الانقلابیة، بإلباس 400 مختطف داخل السجن المركزي بصنعاء الزيّ العسكري للقوات الجویة، ونقلھم إلى معسكر الأمن المركزي في منطقة السبعین، بعد إیھامھم داخل السجن المركزي، أنّه سیتمّ إطلاق سراحھم.

وحمّلت رابطة أمھات المختطفین ميلیشیا الحوثي مسؤولیة حیاة المختطفین بعد نقلھم إلى منطقة عسكریة تعرضت سابقاً لضربات طیران التحالف.

أمھات المختطفین: الحوثيون ألبسوا 400 مختطف الزيّ العسكري ونقلوھم إلى معسكر الأمن المركزي في السبعین

 

وقالت الرابطة، في بیان عاجل نقلته صحيفة "المشهد" اليمنية: "فقدنا سابقاً العشرات من أبنائنا المختطفین بعد احتجازھم في الشرطة العسكریة بصنعاء وسجن كلیة المجتمع بذمار، وقتل خلالھا العشرات من أبنائنا المختطفین المدنیین".

وناشدت الرابطة، في بیانھا، الصلیب الأحمر والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقیة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، وإنقاذ حیاة المختطفین، وإطلاق سراحھم دون قید أو شرط.

كما دأبت ميليشيات الحوثي الإرهابية، منذ سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء، في أيلول (سبتمبر) 2014، والتمدّد إلى مناطق أخرى، على انتهاك القانون الإنساني الدولي عبر سلسلة من جرائم الحرب، أبرزها اتخاذهم دروعاً بشرية.

واتّهمت تقارير دولية ومحلية الحوثيين باستخدام المدنيين كدروع بشرية في التصدي للجيش الوطني اليمني المدعوم من تحالف دعم الشرعية.

وكان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، قد أفاد بأنّ "الحوثيين يعتمدون بشكل رئيس على الدروع البشرية، كتكتيكات فعالة في مواجهة الحرب الجوية".

 

للمشاركة:



منظمة "الإيثار" الخيرية.. ستار إخواني لنشر الفكر المتطرف بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

مرتضى كوكو

إن كان السودان قد تخلص من ما يعرف بـ"الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة" أضخم ذراع إخوانية سودانية داخل المؤسسة العسكرية، فإنه بحاجة ملحة لتفكيك منظمة "الإيثار" وهي واحدة من أخطر أدوات الحركة الإسلامية السياسية لأدلجة ضباط الصف بالجيش والمجتمعات الريفية لصالح أجندة التطرف تحت غطاء العون الإنساني، وفق عسكريين.

وتصاعدت المطالب في السودان بضرورة اجتثاث منظمة "الإيثار الخيرية" المتغلغة في 11 ولاية إقليمية وعدداً من المناطق الريفية، وتنشط في بث الفكر المتطرف لأكثر من 28 عاماً بتدبير وإيعاز من نظام الإخوان البائد، لكونها تشكل خطراً على البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وتأسست منظمة الإيثار الخيرية على يد الحركة الإسلامية السياسية في يونيو عام 1991، أي بعد عامين من صعود الإخوان إلى سدة الحكم في السودان بانقلاب عسكري ضمن مخطط كبير لأدلجة المجتمع والقوات المسلحة السودانية لصالح أجندته وخلق قاعدة أتباع عريضة ليتسنى لهم الاستمرار أطول فترة ممكنة في السلطة، بحسب مهتمين.

وكشفت مصادر، لـ"العين الإخبارية" عن أن قيادات المنظمة يتم اختيارهم بعناية فائقة من قبل الحركة الإسلامية السياسية ودائماً ما تكون بعيدة عن الأضواء، ولهم قدرات عالية في التغلغل وسط المجتمع تحت غطاء العمل الإنساني والدعوة الإسلامية.

ويتولى رئاسة المنظمة حالياً الإخواني، محمد موسى البشير، وسبقه في هذه المهمة عدد من الإخوان وأغلبهم من ضباط جهاز الأمن الشعبي التابع للحركة الإسلامية السياسية (مليشيا سرية لقمع الخصوم السياسيين)، أبرزهم: إبراهيم محمد أحمد البلولة، وعباس عبدالله حسين.

وبحسب المعلومات، فإن المنظمة تنتشر في ولايات الخرطوم، والجزيرة، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشمال كردفان، والشمالية، حيث لديها مقار مؤسسة، كما تنشط في إقليم دارفور غربي البلاد وتعاونها في ذلك أذرع إخوانية أخرى.

ويزعم قيادات المنظمة وفق ديباجيتهم التعريفية أن منظمة "الإيثار" تعمل على ساحات العمل الخيري لتكون أداة لنشر قيم الحق والخير والفضيلة والإيثار في المجتمع والإسهام في التنمية الاجتماعية والصحة ومقرها من خلال 4 برامج، التعليم، تخفيف حدة الفقر، تنمية ورفع قدرات، دعوة وتوعية.

لكن في واقع الأمر تستغل المنظمة هذه اللافتات الإنسانية لبث سموم تنظيم الإخوان، حيث يبدأ مشروعها للأدلجة من رياض الأطفال إلى المراحل التعليمية الأخرى، وصولاً إلى ضباط صف وجنود القوات المسلحة.

وأوضحت مصادر عسكرية لـ"العين الإخبارية" أن الحركة الإسلامية أوكلت مهمة أدجلة ضباط الصف والجنود لمنظمة "الإيثار" التي تعمل بينهم بكثافة وتقدم لهم المساعدات لكسب تعاطفهم، بينما أعطت مهمة اختيار وتنقيح طلبة الكلية الحربية "الضباط" للهيئة الخيرية للقوات المسلحة التي فككها مجلس السيادة قبل أيام.

وشددت المصادر على أن هناك مطالب واسعة داخل المؤسسة العسكرية بحل منظمة الإيثار الخيرية ومصادرة أملاكها في كل ولايات السودان لصالح الخزينة العامة للدولة، أسوة بما حدث مع الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة.

وتشير المصادر إلى أن الإيثار تستعطف المجتمع بمساعدات وخطاب دعوي لصالح الحركة الإسلامية السياسية، بينما تتبنى منهجاً خاصا تنفذه في رياض الأطفال والمدارس لأدلجة الطلاب على الفكر الإخواني، وكل ذلك بإيعاز من النظام المعزول.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مرسوما دستوريا يقضي بحل "الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة"، إحدى أضخم أذرع تنظيم الإخوان الإرهابي داخل الجيش.

ونص المرسوم على أن تؤول جميع الممتلكات الثابتة والمنقولة والأصول والخصوم الخاصة بالهيئة الخيرية إلى الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة.

وبهذا المرسوم، فقد تخلّص السودان من أكبر ذراع إخوانية داخل الجيش، حيث تملك الهيئة الخيرية عددا من الشركات أبرزها "زادنا"، وكانت تتولى مهمة اختيار الطلبة الحربيين، وتغيير فكرهم لصالح الحركة الإسلامية السياسية، ويشرف على ذلك الإخواني محمد أحمد علي الفششوية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا وخطر تقسيم سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

عبد الوهاب بدرخان

غزو تركي، عدوان، مجرد «عملية» عسكرية... أياً كان التوصيف لا يبدو المجتمع الدولي حتى الآن مقبلاً على التعامل المتناسب مع تركيا، تحديداً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. والسبب أن هذا المجتمع الدولي عجز أو جرى تعجيزه عن التعامل مع الأزمة السورية برمّتها، فتُرك للقوى النافذة والمؤثرة التشارك في صنع «قوانين» خاصة بتوافقاتها أو منافساتها، أمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تتوافقا أحياناً، وأن تختلفا في معظم الأحيان، حين لا تكون المصالح واضحة ومتوازنة. نتيجةً لذلك يجري تمديد الأزمة، وتُفتح فيها فصول حروب جديدة، في انتظار أن يرتسم توافقٌ دوليٌ ما. في كل المراحل كان الشعب السوري هو الضحية، وقد قُزّمت طموحاته في الحل السياسي للأزمة، والآن يُسلّط الضوء على قضية الأكراد الذين يتعرّضون لهجمة تركية شرسة قد تقضي على كيان خاص بهم في سوريا.
كثير من الأخطاء ارتُكب دولياً وإقليمياً وأوصل إلى تدخّل تركي «غير مقبول» وفقاً للإجماع على توصيفه. وتقع المسؤولية هنا على عاتق القوى الدولية التي اعتبرت باكراً جداً، منذ غزو العراق وقبل اندلاع الأزمة السورية، أن الشرق الأوسط بات منطقة مريضة ويمكن إيلاء العناية بها إلى ثلاث دول إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا. وبعدما زرعت إيران نفوذها في لبنان إلى جانب النفوذ السوري ما لبثت أميركا أن تركتها تستأثر بالعراق وتتمدد إلى سوريا وإلى غزّة، ومع بدء الانتفاضة الشعبية السورية استشعرت إيران تهديداً لنفوذها فضاعفت تدخّلها وإقحام ميليشياتها. إزاء ذلك أقامت روسيا تنسيقاً مع إسرائيل أولاً لمنع الإيرانيين من فتح جبهات ضدّها انطلاقاً من سوريا، وثانياً لإجازة ضربات إسرائيلية لأي تحركات إيرانية تعتبرها إسرائيل خطراً على أمنها. هذا التنسيق تحوّل إلى توافق أميركي - روسي ثابت، وهو الوحيد الذي تمكن الرئيسان من التوصّل إليه وإعلانه بعد قمتهما في هلسنكي (يوليو 2018)، ولم يتفقا في شأن إيران لكن فُهم أن نقطة الخلاف الرئيسية هي النفوذ العسكري وليس الوجود الإيراني في سوريا.
بقيت تركيا في منطقة رمادية بين الدولتين الكبريين، لا توافق على دورها أو نفوذها، بل تنافس حادٌّ وصامت بينهما عليها. كانت روسيا أزعجت أميركا بإجازتها عام 2016 تدخّلاً تركياً لطرد تنظيم «داعش» من غربي الفرات، إذ كانت «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية اقتربت من تلك المنطقة في سياق الخطط الأميركية لمحاربة الإرهاب. وبعد قطع خطوط الأكراد مع غربي الفرات انسحب الروس من منطقة عفرين الكردية (أقصى شمال غربي سوريا) فدخلها الأتراك دخولها وسيطروا عليها والحؤول دون اتصال القوات الكردية بها. كان قادة أكراد صرّحوا مراراً بأن منطقتهم (روج آفا) تمتد على طول الحدود وصولاً إلى المتوسط. ما تحاوله تركيا في المرحلة الحالية هو دفع الأكراد شرقاً إلى محافظة الحسكة المعروفة بأنها ذات كثافة كردية.

كثيرون يعتقدون أن ترامب قدّم «هدية» إلى أردوغان، ومثلهم من يعتقد أنها قد تكون مصيدةً لتركيا. هذا لا يغيّر شيئاً في التقويم العام الذي يُظهر أن سوريا باتت ساحة مطروحة في مزاد مغلق بين خمس قوى وتريد إحداها (الولايات المتحدة) أن تنسحب لكن بعد إنجاز توزيع الحصص. وينظر إلى التدخّل التركي على أنه المؤشّر الأخطر إلى «تقسيم سوريا» باعتبار أنه سيقتطع من جغرافية البلد (ماذا عن الجولان؟). المطلوب التأكيد على «وحدة سوريا»، خاصة أن هناك من استهان بقضية الشعب السوري واستسهل اللعب بالورقة الكردية رغم خطورة ذلك على الدول الأربع التي ينتشر فيها الأكراد.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"الإخوان" في الدول الإسكندنافية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

إميل أمين

ما الذي يجعل التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين» يكثف جهوده في الآونة الأخيرة من أجل تثبيت حضوره في مجموعة الدول الإسكندنافية وبنوع خاص في السويد؟... لعل ما تعرضت له جماعة «الإخوان المسلمين» من انتكاسات في الأعوام الماضية في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي مؤخرا، كما في حال افتضاح شأنها في الكويت، جعل السعي المحموم إلى الخارج أمرا ملحا لا سيما إذا كانت في دول تتوفر فيها الشروط الملائمة لنشوء وارتقاء «الجماعة» مرة أخرى من أجل تحقيق أهدافها التي لم تغب عن عينيها.

منذ أن تأسست «الجماعة» وحتى الساعة، كان في المقدمة وضمن أهدافها، بسط هيمنتها ومقدراتها لا على العالم العربي والإسلامي فقط، بل تصدير دعوتها واكتساب أرض جديدة يوما تلو الآخر إلى حين تتمكن من التحكم في العالم برمته.

ما الذي يدعو لفتح ملف «الإخوان المسلمين» في الدول الإسكندنافية في هذا الوقت؟ المؤكد أن هناك رصدا ومتابعة دقيقين قد جرت بهما المقادير الأشهر القليلة الماضية، هناك، حيث أكدت الخلاصات أن العديد من أفراد جماعة الإخوان والقياديين في «التنظيم الدولي» قد وقر لديهم يقين بأن السويد والدنمارك والنرويج، هي أفضل ثلاث دول يمكن أن يباشروا عليها أنشطتهم وبخاصة بعد التضييق عليهم من قبل الأجهزة الأمنية، في الدول التقليدية التي عاشوا فيها طويلا لا سيما بريطانيا وألمانيا وفرنسا بدرجة ما.

أضف إلى ذلك أن انحسار تنظيم داعش ومؤيديه أيديولوجيا على الأقل قد كشف أوراق الكثيرين الذين باتوا قولا وفعلا أوراقا محروقة، ويتحتم عليهم الابتعاد والتواري عن المشهد.

عطفا على ذلك فإن الدول الإسكندنافية في هذه الأوقات تبقى الأكثر أمانا من ناحية عدم استطاعة اليمين الأوروبي المتطرف، السيطرة على حكوماتها وهو التيار الذي يعادي جهرا وسرا الوجود الإسلامي على الأراضي الأوروبية.

في دراسة حديثة لـ«وكالة الطوارئ المدنية» في السويد إحدى أهم وزارات الدفاع والتي تقوم بمثابة الاستخبارات على الأرض، نجد خلاصات مفادها أن «الإخوان» يسعون إلى اختراق الوجود الإسلامي في السويد ونشر مفاهيم الجماعة واكتساب أعضاء جدد.

على أن السؤال المطروح في هذا المقام كيف تمكن «الإخوان» من اختراق هيكل الدولة السويدية خلال العقدين الماضيين أي مع أوائل الألفية الجديدة بنوع خاص؟

الجواب يحمله إلينا البرفيسور السويدي ماغنورس نورويل، وعنده أن جماعة «الإخوان» تمكنت على مر السنين من بناء مؤسسات قوية في ذلك البلد الإسكندنافي البعيد بعد أن ضمنت عمليات تمويل من الأموال السويدية العامة، وبعد أن أتقنت فن الاحتيال في هذا البلد منذ سنين طويلة.

أما الباحث السويدي والخبير في شؤون جماعة «الإخوان لمسلمين» لورينزو فيدينو، فيذهب في تحليله لطريقة انتشار الإخوان في السويد، إلى القول بأن جماعة «الإخوان» الأم تعتمد على ثلاث فئات من الكيانات السويدية أعضاء الإخوان أنفسهم، وشبكات الإخوان غير المباشرة، والمنظمات المتأثرة بالإخوان.

ولعل تعميق البحث في مسألة الوجود الإخواني في السويد يقودنا إلى اكتشاف جذور تعود إلى ثلاثة عقود خلت وليس لعقدين فقط، وأنهم عرفوا كيف يتعاطون وإن بذكاء شديد مع مفاتيح الدولة السويدية، وعليه فقد قاموا ببناء هيكل مؤسسي يستخدم بسلاسة «النموذج السويدي» للاستفادة الكاملة من نظام المنح السخي والمساعدات المالية من الخزائن العامة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أنشأت جماعة «الإخوان» منظمات مستقلة ظاهريا لكنها ترتبط بها تشمل شبكات من المدارس والشركات والجمعيات الخيرية وغيرها من الكيانات، كل واحدة تنتمي إلى إحدى الفئات الثلاث المتقدمة، تحصل على تمويلها من دافعي الضرائب.

في هذا الصدد كانت هيئة «الحماية المدنية والتأهب» تصدر تقريرا بعنوان «النشاط الإسلامي في سياق متعدد الثقافات» قام على إعداده أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية السويدي «إيه كارلوم»، من جامعة «مالمو» خلص فيه إلى أن «الإخوان» على أراضي السويد لديهم مهمة راديكالية الطابع ذات خطر على الدولة، ولا ينبغي أن تتلقى أموالا من الأصول الضريبية.

دعا تقرير «كارلوم» إلى فتح العيون على أهم بل وأخطر أربع جمعيات كبرى في السويد على صلة مباشرة بالإخوان وأشهرها «جمعية الإغاثة» و«جمعية بن رشد التعليمية» و«جمعية الشباب السويدي المسلم» و«الرابطة الإسلامية» التي تعد مقرا لـ«الإخوان».

يستدعي الحديث عن هذه الرابطة حديثا مطولا لا سيما بعد أن باتت ملاحقة رسميا من السلطات السويدية متمثلة في جهازي الشرطة والمخابرات، فهي تابعة بشكل كامل «للتنظيم الدولي» والذي ينشط بأذرع متعددة في أوروبا وخصوصا في السويد عبر نشاط اقتصادي مغلف بعمل خيري أو تربوي أو حتى تعليمي وديني وإرشادي، وإن كانت المحصلة النهائية لكافة هذه التنظيمات واحدة أي ملء خزائن التنظيم الدولي لـ«الإخوان» بالأموال، وهي تستوحي قيمها من أفكار المؤسس حسن البنا، ورئيسها يدين بالولاء التام للزعيم الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

تزعم الرابطة اليوم أنها تمثل ما لا يقل عن سبعين ألف سويدي مسلم، وهو رقم كبير يكاد يشمل الغالبية العظمى للمسلمين في السويد، وتشكل الرابطة مظلة لعدد من المنظمات السويدية، بما فيها المجلس الإسلامي السويدي، ومسجد ستوكهولم والأصول التابعة له في السويد.

لاحقا تكشف لجهات الأمن السويدية أنهم أمام تشكيلات إخوانية تكاد تكون صورة طبق الأصل من نظيراتها في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، إذ تتألف كل منظمة من المنظمات التابعة لـ«الإخوان» في السويد من مجلس شورى تحت قيادة أمير أو زعيم، ويتكون كل مجلس من اثني عشر شخصا يتناوبون على رئاسته، وينقسم الأعضاء بدورهم إلى وحدات صغيرة تتألف من خمسة أفراد ليشكلوا بذلك أسرة أو عائلة، وتقوم الأسرة بدورها بتنظيم اجتماعات أسبوعية تتخللها مناقشة الأمور الأيديولوجية في البلاد. ويضع تقرير المعهد الأميركي جيتسون السويديين أمام حقائق مخيفة حول ما يجري على أراضيهم من خداع فعلى سبيل المثال لم يكن هناك مشروع لإنشاء مسجد يعد مركزا لـ«الإخوان» في مدينة مالمو، بل مركز للأنشطة الشبابية والأسرية، وحين تم سؤال المسؤول عن البناء المدعو خالد عاصي قال إن الوقف غير تابع لأي مؤسسة، وإن جميع المساهمات المالية تأتي من أفراد المنطقة. فيما الأمر الأكثر إزعاجا أن العديد من أعضاء ما يعرف بـ«الوقف الإسلامي السويدي» ينتمون إلى الجمعية الثقافية الإسلامية السويدية التي ينتمي متحدثها الرسمي عمار دواد إلى طائفة أتباع الإمام الدنماركي أبو لبن، المعروف بصلاته بعناصر جهادية وبتحريضه للعالم الإسلامي ضد الدنمارك، وقد وصف أبو لبن ذات مرة «سيد قطب» منظر جماعة الإخوان المسلمين الأشهر بأنه مثله الأعلى.

ولعل خلاصة التقارير السويدية عن حالة «الإخوان المسلمين» في البلاد يمكن إجمالها في أن الجماعة تسعى في الداخل إلى بناء وخلق مجتمع مواز بمساعدة النخب السياسية التي تدعم سياسات الصمت على أنشطة هذه المجموعة الأصولية غير البريئة، وأن هذه الجماعة تبني كيانا موازيا في هذه الدولة الإسكندنافية، يمتد ليتصل ببقية الإخوان في الدنمارك والنرويج، كما أن هناك حالة جهل عام في صفوف السياسيين السويديين بشأن المجموعات المنتسبة إلى جماعة الإخوان، وبشأن مفهوم الإسلام السياسي ككل، وقد حان الوقت للاعتراف بالمشاكل المتجذرة المنبثقة عن وصول الجماعة إلى المال العام دون قيود، ولا بد من تحقيق رقابة على الأفراد الذين يديرون منظمات قد تكون بديلا عن اللبنات الأساسية للمجتمع.

ولعله من المؤكد أن الحديث عن التمدد «الإخواني» في الدول الإسكندنافية لا يستقيم بدون الحديث عن ذلك الوجود في النرويج وكذا الدنمارك.

يستلفت النظر في النرويج بداية وجود الرابطة الإسلامية الموازية لنظيرتها في السويد، والتي لها مسجد مستقل هو «مسجد الرابطة» في العاصمة النرويجية أوسلو، ويديره بعض الأشخاص وثيقو الصلة بالمرشد الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

يستغل إخوان النرويج بنفس العقلية مؤسسات الدولة النرويجية التي تسبغ حرصها ودعمها للأقليات، وعليه يحصلون من الدولة على دعم مالي يستخدم في خدمة الأغراض الإخوانية، وخلال إجراء النيابة النرويجية التحقيقات حول نشاط خلية مايكل داود المتهم بتفجير صحيفة جيلاندز بوست الدنماركية ورد ذكر اسم مسجد الرابطة، فقد كان داود، وهو نرويجي من أصل صيني تحول إلى الإسلام عقب زواجه من امرأة مسلمة من أصول مغربية يتردد بشكل مستمر على المسجد قبل سفره إلى دول عربية حيث تواصل مع تنظيم «القاعدة»، وأشار إلى أنه أثناء قيادة الإخواني الأردني إبراهيم الكيلاني لـ«الرابطة الإسلامية» عام 2006 توسعت المؤسسة الإخوانية في أنشطتها الاجتماعية ونظمت فعاليات ومؤتمرات اشترك فيها قادة من الجماعة.

ماذا عن الدنمارك؟ الشاهد أن بعض التقارير الإعلامية الغربية تحدثت مؤخرا عن العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، فوصفتها بأنها «مغارة الحمدين» في إشارة لا تخطئها العين لما تقوم به قطر منذ عام 2000 في نشر رؤاها الأصولية من خلال الجماعات الإخوانية المنتشرة هناك.

منذ عقدين أسست قطر ما يعرف بـ«المجلس الإسلامي الدنماركي»، لتجعل منه صندوقا لتمويل تيارات متطرفة وفلول جماعة الإخوان الفارين من الدول العربية وحصالة لجمع الأموال وتوزيعها على قياديين في جماعات وتنظيمات وتيارات مشبوهة داخل أوروبا.

ولعل ما كشف حقيقة الدور المزعج لذلك المجلس قضية اختلاس بعض أعضائه لمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات، مما جعل أجهزة الاستخبارات الدنماركية تتساءل من أين تحصلوا على تلك الأموال؟ وفيم أنفقوها؟

وفي كل الأحوال يتكشف للدنماركيين والحديث على لسان هنريك يرني عضو اللجنة القانونية بالحزب الديمقراطي الاجتماعي أنه منذ عام 2010 تدفقت الأموال القطرية بالملايين على المركز المعروف باسم المجلس الإسلامي، وما أثار المخاوف هو أن تبرعات المسلمين في الدنمارك ومساعدات الدولة تكفي لبناء هذ المسجد وأكثر، وعليه فلماذا المزيد من ملايين قطر تلك التي يقوم بنقلها مسؤولون كبار في قطر.

ويبقى السؤال قبل الانصراف: هل يتحتم على الدول الإسكندنافية التيقظ اليوم لما يحاك لها ويجري على أراضيها؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية